الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(160)
27/ 1
جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
وصف المخطوط:
1 -
عنوان الرسالة من المخطوط: جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث.
2 -
موضوع الرسالة: " فقه ".
3 -
أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد فإنه وصل إلي سؤال في شهر القعدة سنة 1207هـ كراسة فيها اختلاف بين حكام المخلاف السليماني ..
4 -
آخر الرسالة: ومن أحسن من الله حكما. انتهى من تحرير المجيب عمدة المسلمين وحاكمهم القاضي محمد بن علي الشوكاني حفظه الله تعالى.
5 -
نوع الخط: خط نسخي جيد.
6 -
عدد الصفحات: 3 صفحات.
7 -
عدد الأسطر في الصفحة: 27 سطرا.
8 -
عدد الكلمات في السطر: 14 كلمة.
9 -
الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد:
فإنه وصل إلي سؤال في شهر القعدة سنة 1207 هـ، كراسة فيها اختلاف بين حكام المخلاف السليماني من ولاية أبي عريش، وسألوني أن أحكم بينهم في القضية التي تعد، وصفتها أن رجلا مات وخلف أخا، وأوصى بجميع ماله، ثم كتب وصيته بعض حكام ذلك القطر، وأمره أن يقتصر على الثلث لتصح الوصية، فاقتصر عليه، وقامت شهادة متكاثرة أن الموصي قال في مرضه الذي مات فيه، وفي حال صحته: لأحرمن أخي الميراث، فرجح بعض حكام ذلك المحل بطلان هذه الوصية، وإن كانت بالثلث لاشتمالها على الضرار الذي حرمه الله، واستدل على ذلك بأدلة، ورجح بعضهم صحتها بالثلث؛ لأن القربة غير شرط، وقد جعل الله للميت ثلث ماله يتصرف فيه كيف شاء.
والكلام في المسألة معروف مدون في مواضعه، ولكني أذكر منها ما هو الراجح عندي وأبين ما دلت عليه الأدلة باعتبار العمل الأصولي.
فأقول: قد وردت أدلة قاضية بجواز الوصية بالثلث لمن كان له وارث، منها حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:" الثلث، والثلث كثير " متفق عليه (1)، وحديث سعد بن أبي وقاص بنحوه عند الجماعة (2) كلهم، ونحوها.
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (2743) ومسلم رقم (10/ 1629) من حديث ابن عباس قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثلث والثلث كثير".
(2)
أخرجه البخاري رقم (1295) ومسلم رقم (5/ 1628) وأحمد (1/ 179) وأبو داود رقم (2864) والترمذي رقم (2116) والنسائي (6/ 241 - 242) وابن ماجه رقم (2708).
قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 407) والطيالسي (/ 282 رقم 1433 - منحة المعبود) ومالك (2/ 763 رقم 4) بألفاظ متعددة من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي قال له: "الثلث والثلث كثير- أو كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" بعد أن قال له سعد: "إنه يريد أن يتصدق بثلثي ماله قال: لا. قال: فالشطر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كبير"
ولا شك أن الإذن بالثلث مقيد بما ورد من النبي عن الضرار كتابا وسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى:} غير مضار {(1) بعد قوله:} من بعد وصية يوصى بها أو دين {(2)، فإن التقيد بعدم الضرار، وبعد إطلاق الوصية يدل دلالة واضحة على أن كل وصية وقعت لقصد الضرار غير صحيحة، ولا فرق بين أن يكون بالثلث، أو بما دونه، أو بما فوق، وقد صرح بهذا العلامة جار الله (3) فقال: وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث، أو يوصي بالثلث فما دونه، ونيته مضارة ورثته ومغاضبتهم، لا وجه الله تعالى. انتهى.
وقال الأمير الكبير الحسين بن محمد في الشفا (4) بعد أن ذكر حديث: " لو أن رجلا عبد الله ستين سنة، ثم ختم وصيته بضرار، لأحبط الضرار عبادته، ثم أدخله النار " ما لفظه: دل على ذلك أن كل وصية مخالفة للشرع النبوي، ومقتضية لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو لإخراج المال مضارة للورثة، وميلا عن الحق، وتجنبا للشرع لا يجوز، وأنها من الكبائر، لذلك أحبطت العبادة الواجبة. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود (5)، والترمذي (6)، والحاكم (7) من حديث أبي هريرة بلفظ:" إن الرجل [1] ليعمل، أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة:} مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى
(1)[النساء: 12]
(2)
[النساء: 12]
(3)
أي الزمخشري في كشافه (2/ 39).
(4)
(3/ 425).
(5)
في "السنن" رقم (2867).
(6)
في "السنن" رقم (2117) وقال حديث حسن صحيح غريب.
(7)
لم أجده في المستدرك وهو حديث ضعيف.
بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ {إلى قوله:} وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {(1).
وأخرجه أيضًا أحمد (2)، وابن ماجه (3) بمعناه، وقالا فيه: سبعين سنة. ولا شك أن العمل إذا كان من موجبات دخول النار، ومن أسباب إحباط العمل الكثير محظور، وقد حكى الإمام المهدي في البحر (4) الإجماع على عدم صحة الوصية لمحظور، ولا فرق بين الوصية المحظورة والوصية بالمحظور، لأن مناط المنع واحد، وكذلك حكى الإجماع غيره، كصاحب الوافي (5)، وعلي بن العباس في الوصية للحربي لكونها محظورة، ومن الأدلة القرآنية على عدم جواز الضرار قول الله تعالى:} فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ {(6).
(1)[النساء: 12 - 13].
(2)
في "المسند"(2/ 278).
(3)
في "السنن"(2/ 902 رقم 2704).
قلت: وفي إسناده شهر بن حوشب: صدوق، كثير الإرسال والأوهام.
"الميزان"(2/ 283)، "التقريب"(1/ 355)، "المجروحين"(1/ 361).
قلت: وأخرجه سعيد بن منصور في "السنن"(1/ 109) رقم (343، 344) والدارقطني في "السنن"(4/ 151 رقم 7) وابن كثير في تفسيره (1/ 471) وقال: رواه ابن أبي حاتم، عن داود بن هند، ورواه ابن جرير عن ابن عباس. وقال: الصحيح أنه موقوف.
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(9/ 88 رقم 16456). عن ابن عباس: "الإضرار في الوصية من الكبائر".
وأخرجه النسائي في "التفسير" عزاه إليه الزيلعي في "نصب الراية"(4/ 402) عن علي بن مسهر عن داود بن أبي هند به موقوفًا.
(4)
(5/ 308 - 309).
(5)
عزاه إليه صاحب "الشفاء"(3/ 426). حيث قال: ودل على أن الوصية للحربي باطلة لأنها ليست من الحسنات، قال علي بن العباس: أجمعوا على أن الوصية للحربي باطلة. حكاه عنه في الوافي.
(6)
[البقرة: 182]
فسر صاحب الكشاف (1) الجنف بالميل عن الحق بالخطأ في الوصية، وفسر قوله: فأصلح بينهم، بإجرائهم على طريق الشرع، ثم قال: لأن تبديله تبديل باطل إلى حق وبلا ريب أن رد وصية الضرار إلى منهج الشرع لا يكون إلا بإبطالها ومحو أثرها، وإزالة رسمها ، والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الواردة بمنع الضرار عموما وخصوصا أكثر من أن تحصى، فإن قيل: إن حديث أبي أمامة عند البيهقي (2) والدراقطني (3) بلفظ: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم، لتجعل لكم زكاة في أموالكم " وكذلك حديث أبي الدرداء عند أحمد (4) بنحوه، وكذلك حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (5) والبزار (6) والبيهقي (7) بنحوه، وكذلك حديث أبي بكر الصديق عند العقيلي في تاريخ الضعفاء (8) بنحوه، تدل على أن
(1) أي الزمخشري في "الكشاف"(1/ 278).
(2)
عزاه إليه ابن حجر في "التلخيص"(3/ 194) وفي إسناده إسماعيل بن عياش وشيخه بن حميد وهما ضعيفان.
(3)
في "السنن"(4/ 150).
(4)
في "المسند"(6/ 440 - 441).
وأورده الهيثمي في "المجمع"(4/ 212) وقال: "فيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط".
وأخرجه البزار في مسنده (2/ 139 رقم 1382 - كشف).
وقال البزار: "وقد روي هذا الحديث من غير وجه، وأعلى من رواه أبو الدرداء ولا نعلم عن أبي الدرداء طريقًا غيره، وأبو بكر بن أبي مريم وضمره معروفان وقد احتمل حديثهما".
(5)
في "السنن" رقم (2709).
(6)
عزاه إليه ابن حجر في "التلخيص"(3/ 91 رقم 1363).
(7)
في "السنن"(6/ 269).
وفي سنده "طلحة بن عمرو" متروك كما في "التقريب"(1/ 379 رقم 37) وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 98 رقم 962): "هذا إسناد ضعيف .. ".
(8)
(1/ 275).
وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(2/ 794) وفيه: حفص بن عمر بن ميمون: متروك.
قال العقلي: "وحفص بن عمر هذا يحدث عن شعبة، ومسعر، ومالك بن مغول والأئمة بالبواطيل".
وقال ابن عدي: "وحفص هذا عامة حديثه غير محفوظ، وأخاف أن يكون ضعيفًا كما ذكره النسائي".
قلت: وأخرجه الدارقطني (4/ 150 رقم 3) والطبراني كما في "المجمع"(4/ 212) وقال الهيثمي: "وفيه عتبة بن حميد الضبي، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه أحمد".
وهو من حديث معاذ بن جبل.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد"(4/ 212) من حديث خالد بن عبيد السلمي وقال: إسناده حسن وليس كما قال.
وقال المحدث الألباني في "الإرواء"(6/ 79): بعد ما أورد طرق الحديث: وخلاصة القول: إن جميع طرق الحديث ضعيفة شديدة الضعف إلا الطريق الثانية- من حديث أبي الدرداء- والثالثة- من حديث معاذ بن جبل- والخامسة- من حديث خالد بن عبد السلمي- فإن ضعفها يسير.
ولذلك فإني أرى أن الحديث بمجموع هذه الطرق الثلاث يرتقي إلى درجة الحسن وسائر الطرق إن لم تزده قوة، لم تضره، وقد أشار إلى هذا القول الحافظ في "بلوغ المرام" فقال: رواه الدارقطني يعني عن معاذ، وأحمد. والبزار عن أبي الدرداء، وابن ماجه عن أبي هريرة وكلها ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضًا.
الإنسان مفوض في ثلث ماله يتصرف فيه عند موته كيف يشاء من غير فرق بين وصية الضرار وغيرها، فهي أعم من الأدلة القاضية بتحريم الضرار من وجه وأخص من وجه، فلا تصلح أدلة الفرار لتخصيصها ولا لتقييدها، كما تقرر في الأصول أن الدليلين إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه فلا سبيل إلى الجمع، بل يتعين المصير إلى التعارض (1)
(1) التعادل: فهو التساوي. وفي الشرع: استواء الأمارتين.
وقيل التعارض: لغة التمانع. ومنه تعارض البينات لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها. "مقاييس اللغة"(4/ 247، 272).
وقد ذهب جماهير علماء الأصول إلى استعمال التعادل في معنى التعارض لأنه تعارض إلا بعد التعادل، وإذا تعارضت الأدلة، ولم يظهر- مبدئيًا- لأحدها مزية على الآخر فقد حصل التعادل بينهما، أي التكافؤ والتساوي.
انظر: "اللمع"(ص 66)، "الإبهاج"(3/ 132).
والترجيح (1)، فالجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن أسانيدها (2) كلها ضعيفة كما صرح بذلك الحفاظ، وفي إسناد حديث أبي أمامة إسماعيل بن عياش، وشيخه عتبة بن حميد، وهما ضعيفان، وفي إسناد حديث أبي بكر حفص بن عمر بن ميمون، وهو متروك.
وروي أيضًا من طريق خالد بن عبيد الله السلمي، وهو مع كونه مختلفا في صحبته في إسناده ابنه الحارث بن خالد، وهو مجهول، وبقية الأسانيد ضعيفة كما سلف، وممن صرح بذلك الحافظ (3).
الوجه الثاني: أن يقال: وعلى تسليم صحة الاجتماع بها لتقوية بعضها بعضا فلا
(1) الترجيح: فهو الفضل في أحد جانبي المتقابلين أو جعل الشيء راجحًا ويقال مجازًا لاعتقاد الرجحان.
وفي الاصطلاح: الترجيح تقوية أحد الطرفين على الآخر فيعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر.
"المحصول"(5/ 397).
وقيل: الترجيح: اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضتها.
من شروط الترجيح.
الأول: التساوي في الثبوت فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد إلا من حيث الدلالة.
الثاني: التساوي في القوة فلا تعارض بين المتواتر والآحاد بل يقدم المتواتر بالاتفاق كما نقله إمام الحرمين في "البرهان"(2/ 1143).
الثالث: اتفاقهما في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة فلا تعارض بين النهي عن البيع مثلًا في وقت النداء مع الإذن به في غيره.
انظر: "تيسير التحرير"(3/ 153)، "المحصول"(5/ 397).
(2)
تقدم ذلك مفصلاً. فانظره.
قلت: إن الحديث حسن والله أعلم.
(3)
في "التلخيص"(3/ 91 - 92).
نسلم [2] أن ظاهرها عدم الفرق بين وصية الضرار وغيرها، لأن وصية الضرار قد سلف أنها من محبطات الأعمال، ومن موجبات دخول النار، فهي بلا شك زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قيد الإذن بالتصرف في الثلث والتفويض فيه بقوله: زيادة في حسناتكم، وفي حديث أبي هريرة (1) المشار إليه بلفظ: زيادة في أعمالكم، فليس في هذه الأحاديث بعد تقييدها بالزيادة في الحسنات ، والزيادة في الأعمال ما يدل على أنها تدل على صحة وصية الضرار (2).
الوجه الثالث: أنا لو سلمنا أنها أعم من الأدلة المانعة من وصية الضرار من وجه، وأخص منها من وجه، ولم نلتفت إلى ما قيدت به من الزيادة في الحسنات، والزيادة في الأعمال، وصرنا إلى التعارض والترجيح، فلا يشك من له أدنى تمسك بأذيال العلم أن نصوص الكتاب والسنة القاضية بالمنع من وصية الضرار أرجح من هذه الأحاديث الضعيفة.
وإذا تقرر هذا علم المنصف أن من أجاز الوصية بالثلث ضرارا وإحراما للوارث ليس بيده دليل، وأما ما يستند إليه من قصر باعه، وقلة حظه، واطلاعه من أن الوصية ليس من شرطها القربة فتصح وصية الضرار (3)؛ فهذه غفلة عظيمة سببها عدم الاطلاع على
(1) تقدم تخريجه وهو حديث حسن.
(2)
قال الشوكاني في "وبل الغمام"(2/ 396): "بتحقيقي .. فوصية الضرار ممنوعة بالكتاب والسنة، ومن جملة أنواع لضرار تفضيل بعض الورثة على بعض فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك جورًا كما في حديث النعمان وقد تقدم".
ومن جملة أنواع الضرار ما أشار إليه بقوله: أو لإخراج المال مضارة للورثة، فإن من أوصى بماله أو بجزء منه لقربة من القرب، مريدًا بذلك إحارم الورثة جميع ميراثهم أو بعضه فوصيته باطلة، لأنه مضار وظاهر الأدلة أنه لا ينفذ من وصية الضرار شيء سواء كانت بالثلث أو بما دونه أو بما فوقه، بل هي رد على فاعلها فتكون أحاديث الإذن بالثلث مقيدة بعدم الضرار.
(3)
قال ابن قدامة في "المغني"(8/ 397): وإن وصى لولد وارثه صح، فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى. قال طاووس في قوله تعالى:" فمن خاف من موص جنفا أو إثما "[البقرة: 186]. قال: أن يوصي لولد ابنته، وهو يريد ابنته. رواه سعيد- أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 265 - 266) والدارقطني (4/ 52).
قال ابن عباس: الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر.
الأدلة، وعلى كلام الأئمة؛ لأن عدم اشتراط القرابة إنما يدل على جوازها مع عدمها كالوصية المباحة، أو بالمباح لا جوازها مع وجود المعصية، كأن تكون هي معصية بنفسها أو تؤول إلى المعصية؛ فإنها غير صحيحة، ولا جائزة، وقد تقدم ما يدل على أن ذلك إجماع، وهذا لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الفروع، فإنه قد صرح في الأزهار (1) الذي هو مدرس صغار الطلبة أنه يجب امتثال ما ذكر (2)، أو عرف من قصده ما لم يكن محظورا (3)، يعني فلا يجب امتثاله، بل لا يجوز، لأن تنفيذه وتصحيحه من المعاونة على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى:} وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ {(4) فهذا النهي القرآني يدل على تحريم تنفيذ الوصية المشتملة على ....................................
(1)(3/ 672 - 673 مع السيل).
(2)
قال الشوكاني في "السيل الجرار"(3/ 673) تعليقًا على ذلك: "وجه هذا أن الميت إذا كانت وصيته تتضمن تخليصه من شيء واجب عليه فقد فعل بالوصية ما يجب عليه، وكان تنجيزها واجبًا على وصيته أو على وارثه أو على سائر المسلمين إن لم يكن ثم وصي ولا وارث والإمام والحاكم أولى بالمسلمين بالقيام بذلك والإلزام به لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وإن كان الذي أوصى به الموصي من القرب التي ليست بواجبة عليه فقد فعل ذلك في ماله الذي أذن الله سبحانه له بالتصرف فيه فكيف يشاء وإنفاذ ذلك واجب على الوصي أو على الوارث أو على الإمام والحاكم، لأن في إهماله إهمالا لحق امرئ مسلم. وهو منكر يجب إنكاره. وما عرف من القصد فله حكم اللفظ إذ ليس المراد باللفظ إلا مجرد الدلالة على المعنى الذي يريده اللافظ. وقد حصلت هذه الدلالة بالقصد.
(3)
قال الشوكاني في "السيل"(3/ 673) أما قوله: "ما لم يكن محظورًا" فوجهه ظاهر لأن ذلك منكر وهو يجب دفعه على كل مسلم ومن دفعه ترك تنفيذه وعدم امتثال أمر الموصي بذلك.
(4)
[المائدة: 2].
الضرار (1)، ومن الطاعة للمخلوق في معصية الخالق، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في دواوين الإسلام أنه قال:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "(2) ومن ترك إنكار المنكر؛ وقد تواترت أحاديث الأمر به ، والنهي عن تركه.
وبهذا يتبين أن الوصية التي لا يراد بها وجه الله، بل المضارة للوارث، وإحرامه ما فرضه الله له باطلة من غير فرق بين أن يكون بالثلث، أو بما دونه، أو بما فوقه، فإذا قامت البينة العادلة على إقرار الموصي بما يدل على ذلك فوصيته مردودة، هذا حكم الله، ومن أحسن من الله حكما [3].
(1) قال ابن كثير في تفسيره (1/ 495): قوله: " فمن خاف من موص جنفا أو إثما " قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجنف: الخطأ، وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها، بان زاد وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيء الفلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحوها ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي- والحال هذه- أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء ولهذا عطف هذا فنبه على النهي لذلك، ليعلم أن هذا ليس من ذلك السبيل ..
وقال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(2/ 270) قوله: " فمن خاف " لجميع المسلمين. قيل لهم: إن خفتم من موص ميلاً في الوصية وعدولاً عن الحق ووقوعًا في إثم ولم يخرجها المعروف، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته، أو ابن ابنه والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الإصلاح سقط الإثم عن المصلح، والإصلاح فرض كفاية، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل.
وقال الشوكاني في "فتح القدير"(1/ 246): قوله: (فأصلح بينهم) أي أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق والاضطرار بسبب الوصية، بإبطال ما فيه ضرار ومخالفة لما شرعه الله، وإثبات ما هو حق كالوصية في قربة لغير وارث.
(2)
تقدم تخريجه.
انتهى من تحرير المجيب عمدة المسلمين وحاكمهم القاضي محمد بن علي الشوكاني حفظه الله تعالى.