المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ترجمة علي بن موسى الرضا - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١٠

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد العنسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكانيعلى الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل

- ‌بحث في مسائل الوصايا

- ‌إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث

- ‌جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث

- ‌المباحث الدرية في المسألة الحمارية

- ‌إيضاح القول في إثبات العول

- ‌بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة

- ‌ترجمة علي بن موسى الرِّضا

- ‌رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم

- ‌حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌إرسال المقال على إزالة الإشكال

- ‌تفويق النبال إلى إرسال المقال

- ‌تنبيه الأمثال على عدم جوز الاستعانة من خالص المال

- ‌بحث في التصوير

- ‌إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع

الفصل: ‌ترجمة علي بن موسى الرضا

‌ترجمة علي بن موسى الرِّضا

(1)

تأليف

محمد بن علي الشوكاني

حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

(1) كذا في المخطوط "العنوان" ولكن موضوع الرسالة يحتم أن يكون عنوان الرسالة "تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا الله".

ص: 4965

وصف المخطوط

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: ترجمة علي بن موسى الرِّضا.

2 -

موضوع الرسالة: "فقه".

3 -

أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وجدت بخط المولى شيخ الإسلام رضي الله عنه ما لفظه: ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرِّضا.

4 -

آخر الرسالة: هذا غير بعيد فليراجع هذا البحث، فإني لم أكتبه هنا إلَّا لقصد إمعان النظر فيه بعد حين إن شاء الله محمد بن علي الشوكاني.

5 -

نوع الخط: خط نسخي مقبول.

6 -

عدد الصفحات: 5 صفحات.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 19 سطرًا، ما عدا الصفحة الأولى فعدد أسطرها 10 أسطر.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 8 كلمات.

9 -

الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.

10 -

الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 4967

بسم الله الرحمن الرحيم

وجدتُ بخطِّ المولى شيخ الإسلام رضي الله عنه ما لفظه: ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة علي بن موسى الرضا (1) ما لفظُهُ: بعد حذف السندِ منه إليه لما أُدخِلَ على المأمون رجلٌ نصراني قد وُجِدَ مع امرأةٍ هاشميةٍ، فلما أدخل عليه أسْلَمَ فغاظ المأمون ذلك غيظًا شديدًا، فاستفتى الفقهاء فكلٌّ قال: هدمَ إسلامُهُ ما فعلَه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى علي بن موسى في هذا. قال: فكتب إليه فوافاهُ علي بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين، اضرب عنُقَهُ؛ فإنه إنما أسلمَ [اأ] مخافةً من السيف، فقال الفقهاء: من أين لك هذا؟ قال: فقرأ علي بن موسى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (2) انتهى.

(1) علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن علي، بن الحسين، الهاشمي العلوي المدني، وأمه ثويبة اسمه سُكينة. كان مولده بالمدينة سنة 148هـ.

قال ابن جرير الطبري في تاريخه (8/ 554): "إن المأمون جعل عليّ بن موسى وليّ عهده لأنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحدًا هو أفضل ولا أعلم ولا أورع منه وأنه سماه الرضي من آل محمد توفي سنة 203هـ.

انظر "تاريخ الطبري"(8/ 554، 568)، "سير أعلام النبلاء"(9/ 387)، "شذرات الذهب"(2/ 602)، "وفيات الأعيان"(3/ 269).

(2)

[غافر: 84، 85].

قال الألوسي في "روح المعاني"(24/ 92 - 93):

"فلما رأوا بأسنا" مترتب على قوله تعالى: " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات " تابع له لأنه بمنزلة فكفروا إلا أن " فلما جاءتهم " الآية بيان كفر مفصل مشتمل على سوء معاملتهم وكفرانهم بنعمة الله تعالى العظمى من الكتاب والسنة فكأنه قيل: فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا، ومثلها الفاء "فلم يك ينفعه" عطف على آمنوا دلالة على أن عدم نفع إيمانهم ورده عليهم تابع للإيمان عند رؤية العذاب كأنه قيل: فلما رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم إذ النافع إيمان الاختيار.

" سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ " أي سن الله تعالى ذلك أعني عدم الإيمان عند رؤية البأس سنة ماضية في العباد وهي من المصادر المؤكدة كوعد الله وصبغة الله.

قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(15/ 336)"سنة الله" منصوب على التحذير والإغراء: أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في إهلاك الكفرة.

وانظر "جامع البيان للطبري"(12جـ 24/ 90).

قال الرازي في تفسيره (27/ 91 - 92):

المعنى: فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم، فإن قيل اذكروا ضابطًا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه.

قلنا: إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان، فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه، حتى يكون المرء مختارًا، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا.

قال تعالى: "سنة الله التي قد خلت في عباده " المعنى أن عدم قبول الإيمان حال البأس سنة الله مطردة في كل الأمم.

قال ابن كثير في تفسيره (7/ 160):

" فلما رأوا بأسنا " أي: عاينوا وقوع العذاب بهم.

" قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين " أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال هذه العثرات ولا تنفع المعذرة، وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق:" آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ "[يونس: 90].

قال سبحانه وتعالى: "الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين "[يونس: 91]. أي: فلم يقبل الله منه، لأنَّه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال:"واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم "[يونس: 88]. وهكذا هاهنا أيضًا قال: " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ": أي هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب. أنه لا يقبل ولهذا جاء في الحديث: "أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"- أخرجه الترمذي رقم (3537) وابن ماجه رقم (4253) من حديث ابن عمر - أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك، فلا توبة حينئذ ولهذا قال:"وخسر هنالك الكافرون ".

ص: 4971

أقول: وهذا استدلال قوي، ودليل قرآني سوي، فإنَّ الله- سبحانه- جاء في هذه الآية بما هو يشفي ويكفي، فذكر أولا وقتَ هذه المقالةِ منهم فقال:{فلما رأوا بأسنا} أي: وقتَ رؤيتهم لبأسنا قالوا آمنا بالله وحده، وذكر مع الجملة الدالةِ على إنشاء الإيمان منهم، وهو قوله:{آمنا بالله} ما يفيد تأكيدَ هذا، ثم لم يكتفِ بهذا حتى جاء بجملةٍ مؤكِّدةٍ لمضمون الجملة الأولى فقال:{وكفرنا بما كنا به مشركين} فهذا المعنى فُهِمَ أولًا من قولهم: {آمنا بالله} ثم فهم ثانيًا من قولهم: {وحده} ثم فهم ثالثا بأبلغ عبارةٍ، وأوضح دلالةٍ، وأتمِّ تصريحٍ من قولهم:{وكفرنا بما كنا به مشركين} وهذا التأكيدُ المستفاد من كلام الله تعالى [1ب] يدلُّ على أنه قد أظهروا بألسنتهم من الإيمان غايةَ ما يمكن من الإظهارِ، وكفروا بما يخالف الإيمانَ أبلغَ كفرٍ، ثم

ص: 4972

عقَّب سبحانه هذا بقوله: {فلم يك ينفعهم إيمانهم} فجاء بهذه الجملة المصدَّرة بحرف النفي المتوجِّه إلى نفي النفعِ الكافي له بذلك الإيمانِ، فأفاد ذلك العمومَ، وأنه لا نفعَ لهم في هذا الإيمان الواقع عند رؤية الناس بوجه من الوجوه، كما تقرر من أن الأفعال مشتملةٌ على النكرات، فهو في قوة: لا نفعَ لهم بهذا الإيمان، والنكرةُ في سياق النفي من أبلغ صيغِ العمومِ (1)، ثم كرر هذا ذكر الوقت الذي وقع فيه ذلك الإيمان بعد أن ذكره أولا بلفظه وحروفه فقال:{لما رأوا بأسنا} فكان من التأكيد الدال على عدم نفع الإيمانِ في هذا الوقتِ، فوجهٌ من وجوه النفعِ لم يكتف بهذا حتى أردفه بجملةٍ دالةٍ على أنَّ عدم نفعِ الإيمانِ في هذا الوقت هو سنةُ الله عز وجل، ثم لم يكتف بمجرَّد ذكرِ

(1) قال الشوكاني في "إرشاد الفحول"(ص 410): إن النكرة المنفية بما، أو لن أو لم أو ليس أو لا مفيدةًُ للعموم سواءٌ دخل حرف النفي على فعل ما رأيت رجلًا أو على اسم نحو لا رجلٌ في الدار ونحو ما أحدٌ قائمًا. وما قام أحدٌ.

ولو أنها لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا لا إله إلا الله نفيًا لجميع الآلهةِ سوى الله سبحانه وتعالى.

"البحر المحيط"(3/ 112)، "تيسير التحرير"(1/ 225).

ص: 4973

السنةِ حتى أبانَ لنا بأنَّ هذه السنة (1) هي التي خلتْ في عباده، وأنه شرْعُه الذي ارتضاه لمن مضَى من الأمم، وأنَّ الشرائع التي شرعَها لسابق عبادِه ولاحقِهم في كتبه المنزَّلةِ [2أ]، وعلى ألسنِ رسله هي هذه، ثم ذيَّلَ هذا الكلامَ بقوله:{وخسر هنالك الكافرون} فكان في هذه الجملة [ .... ](2) أبلغ مناداةِ، فإنه لم يحصلْ لهم من ذلك الإيمانِ عند رؤية الناس إلا الخسران، فلم يعاقبوا بمجرَّد الخيبةِ مما قالوه بألسنتهم، بل ضمَّ لهم إلى ذلك الخسرانَ المشعِرَ بأنه قد نزل بهم من المِحَنِ ما لا يُعَبَّرُ عنه إلا بهذه العبارة المفيدة لجمعِ العقوبةِ لهم على أبلغِ وجهٍ، وأتمِّ صورة، فكان فيها من الدلالة على ما أراده الإمام علي بن موسى رحمه الله والمناداةُ بما قصده بما هو أوضحُ من شمس النهار، وأمَّا حديثُ:"الإسلام يجب ما قبله"(3) فغايتُه أنه دلَّ بعمومه باعتبار تعريفِ المسندِ إليه على أنه يجبُّ كلَّ ما تقدَّمهُ، وإن كان قائله إنما قاله عند رؤية الناس، ومخافةِ السيفِ. ولا يصلح مثل هذا الحديث لتخصيص عموم الآيةِ؛ لأنه عامٌّ فيها يعارضُ عموماتٍ، فيطلب المرجح لأحدِهما، لا سيَّما بعد ورودِه على هذا الوجه من التأكيد، والتكرُّرِ، والمبالغةُ في العبارة أرجحُ لكونه قطعيَّ المتنِ، وإن كان ظنيَّ الدلالة لكنه أرجحُ من الحديث، فإنه ظنيُّ المتن والدلالةِ جميعًا [2ب].

(1) تقدم شرحها.

(2)

كلمة غير واضحة في المخطوط.

(3)

أخرجه أحمد في "المسند"(4/ 199) و (4/ 205).

وأخرجه الطبراني كما في "المجمع"(9/ 350 - 351) وقال: رجالهما رجال الصحيح.

والبيهقي في "السنن الكبرى" من حديث عمرو بن العاص أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يجب ما قبله".

وأخرجه ابن سعد في "الطبقات"(7/ 296 - 497)، من حديث جبير بن مطعم.

وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (192/ 121) من حديث عمر بلفظ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله".

ص: 4974

فإن قلت: من جملة الأدلة الخارجية القاضيةِ بترجيح عمومِ الحديثِ على عموم القرآنِ ما وقع منه صلى الله عليه وسلم في معاقبته لمحمد بن مسلمةَ، أو لأسامةَ (1) بن زيد على اختلاف الرواية لما قتَلَ كافِرًا تكلَّم بكلمة الشهادةِ عند رؤية السيفِ، أو نحو هذه العبارة. فقال له:"هل شققتَ عن قلبه"(2) وكرر ذلك عليه حتى عاهد الله أن لا يقاتلَ بعدها من تكلَّم بكلمة الشهادةِ. والقصةُ معروفة مشهورةٌ.

(1) أخرج البخاري في صحيحه رقم (4269) وطرفه (6872) ومسلم رقم (96) وأبو داود رقم (2643) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقة، فصبَّحنا القوم فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذًا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".

قال الخطابي في "معالم السنن"(3/ 102) فيه من الفقه: أن الكافر إذا تكلم بالشهادة وإن لم يُصَفْ بالإيمان وجب الكف عنه والوقوف عن قتله سواء كان بعد القدرة عليه أو قبلها.

وفي قوله: "هلا شققت عن قلبه"- وفي رواية أبي داود رقم (2643) - دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه.

وفيه أنَّه لم يلزمه - مع إنكاره عليه- الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء الكفار الإباحة وكان عند أسامة إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذًا، لا مصدقًا بها، فقتله على أنه كافر مباح الدم فلم تلزمه الدية إذ كان في الأصل مأمورًا بقتاله والخطأ عن المجتهد موضوع.

ويحتمل أن يكون قد تأول فيه قول الله تعالى: " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا "[غافر: 58]. وقوله في قصة فرعون: "الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين "[يونس: 91]، فلم يخلصهم إظهار الإيمان عن الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم.

قال الحافظ في "الفتح"(12/ 196): كأنَّه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنَّه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيَّدًا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالًصا من قلبه أو خشية من القتل، وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد بالآية.

(2)

أخرجه أبو داود في "السنن". رقم (2643) وهو حديث صحيح.

ص: 4975

وفي هذا ما يدلُّ على اعتبار إسلامِ من تكلَّم بكلمة الشهادةِ عند رؤية السيفِ (1)، ومخافةَ القتل، فيحمل ما في الآية من البأس على ما هو من الله - سبحانه- كما يرشد إليه إضافةُ البأس إلى ضميره - سبحانه- كالقيامةِ، والخسِْف، والصواعقِ، ونحو ذلك.

(1) ويؤيد ذلك الحديث المشهور الذي أخرجه مسلم رقم (33/ 21) والنسائي (6/ 4 - 5)(6 - 7) وابن حبان في صحيحه رقم (218) والطبراني في "الأوسط"(2/ 158 رقم 1294) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 213) وابن منده في "الإيمان"(1/ 162 رقم 23) و (1/ 359 رقم 199) و (1/ 360 رقم 200) من طريق الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله".

قال القاضي عياض في كتاب "الإيمان من إكمال المعلّم بفوائد صحيح مسلم"(1/ 206): ومعنى "عصموا" منعوا. قال الله تعالى: " والله يعصمك من الناس "[المائدة: 67]. و" لا عاصم اليوم من أمر الله "[هود: 43]، و {يعصمني من الماء} [هود: 43].

وقد فسره في الحديث الآخر بقوله: "حرم ماله ودمُه"- أخرجه مسلم رقم (34/ 21) - واختصاصه ذلك بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبيرٌ عن الإجابة إلى الإيمان وأنَّ المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده وهم كانوا أوَّل من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأمَّا غيرهم ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقول ذلك إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده فلذلك جاء الحديث الآخر:"وأني رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة".

انظر: "فتح الباري"(3/ 358)، (12/ 279)، "مجموع الفتاوى"(7/ 186 - 189).

وقد بوب مسلم في صحيحه رقم (41) - باب تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا الله.

وأخرج حديث رقم (155/ 95) عن المقداد بن الأسود أنَّه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار. فقاتلني. فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقتله" قال فقلت: يا رسول الله إنَّه قد قطع يدي، ثم قال بعد ذلك: إن قطعها أفأقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتله، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".

وأخرجه البخاري في صحيحه رقم (4019).

ص: 4976

قلت: هذا غير بعيد فلنراجع هذا البحثَ، فإني لم أكتبه هنا إلّا لقصد إمعان النظر فيه بعد حين - إن شاء الله- محمد بن علي الشوكاني [3أ].

ص: 4977