المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكانيعلى الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١٠

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد العنسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكانيعلى الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل

- ‌بحث في مسائل الوصايا

- ‌إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث

- ‌جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث

- ‌المباحث الدرية في المسألة الحمارية

- ‌إيضاح القول في إثبات العول

- ‌بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة

- ‌ترجمة علي بن موسى الرِّضا

- ‌رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم

- ‌حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌إرسال المقال على إزالة الإشكال

- ‌تفويق النبال إلى إرسال المقال

- ‌تنبيه الأمثال على عدم جوز الاستعانة من خالص المال

- ‌بحث في التصوير

- ‌إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع

الفصل: ‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكانيعلى الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل

‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني

على الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 4807

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني على الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل.

2 -

موضوع الرسالة: " فقه ".

3 -

أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين وبعد.

فأوقفنا على ما كتبه تلميذنا الولد القاضي العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد لا برح مجده في كل وقت

4 -

آخر الرسالة: وإلى هنا انتهى شوط القلم، والحمد لله، وأستغفر الله إن كان في هذه المباحثة شيء من الجدل المنهي عنه ولا نشعر به.

5 -

نوع الخط: خط نسخي رديء.

6 -

عدد الصفحات: 12 صفحة.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 24 سطرا.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 11 كلمة.

9 -

الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 4809

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين، وبعد:

فأوقفنا على ما كتبه تلميذنا الولد القاضي العلامة، شرف الإسلام الحسين بن محمد (1) - لا برح مجده في كل وقت يتجدد - على ما كتبناه على بحث الجلال في شرحه على الأزهار (2)، المتعلق بعدم وجوب حد القذف على قاذف الرجل.

فقال - كثر الله فوائده -: فكيف يحمل الشيء - وهو عام - على بعض أفراده؟

أقول: إن أراد بهذا العموم المعروف بالشمولي (3) فليس بصحيح؛ إذ لا شمول لقول الجلال: وفي نفسي منه شيء، ولو فرضنا أنه جاء بعبارة تفيد العموم الشمولي لكان قد أخبر عن نفسه بأنه قد كان فيها كل شيء، فيستلزم وجود جميع الموجودات من الجواهر، والأعراض في نفسه، هذا على فرض اختصاص الشيء بالموجود، وهذا باطل للضرورة، وكذا ملزومه، وإن أراد العموم البدلي (4) فكيف يستنكر حمله على بعض أفراده، وهو لا يكون إلا لفرد من أفراده، كما هو شأن كل بدلي، فإنه للفرد المنتشر، وإذا لم يكن ما أوردناه معينا لما ذكرناه فأقل الأحوال أنه أحد ما يصدق عليه ويتناوله بدلا، على أن هذه العبارة لا تستعمل في مثل المقام الذي تكلمنا عليه إلا بما ذكرنا.

وأما قوله: قلت: يمكن أن يكون المراد منه عدم الحجية.

فأقول: فيكون على هذا المعنى كلام الجلال: وفي نفسي منه عدم الحجية، وهو أيضًا لا يناسب قوله: لأن نقل الإجماع لا يصح، فإن عدم صحة النقل تنفي الدليل بالمرة

(1) تقدمت ترجمته.

(2)

في " ضوء النهار "(4/ 2270 - 2271).

(3)

تقدم تعريفه في الرسالة رقم (154).

(4)

تقدم تعريفه في الرسالة رقم (154).

ص: 4813

لا مجرد عدم حجيته، فإن الاقتصار على نفي الحجية إنما يكون بعد إثبات أصل ما زعمه الخصم دليلا، ثم بعد هذا كله نسأل تلميذنا - كثر الله فوائده - بم يفسر قولي هكذا في نفسي من كون هذا البحث من كلام تلميذنا شيء؟ هل بمجرد الشك؟ أم بزيادة عليه؟ فقد يكون الواقع في النفس تجد شيئا منتهيا إلى ما هو قريب العلم، كما روي أن كثير [1أ] كان يهاجي المرئي (1)، فبعث إليه بقصيدة قد أعانه جرير بثلاث أبيات فيها هي:

يعد الناسبون إلى تميم

بيوت المجد أربعة كبارا

يعدون الرباب وآل سعد

وعمرا ثم حنظلة الخيارا

ويذهب بينها المرئي لغوا

كما ألغيت في الدية الخوارا

فلما وصل رواية كثير عند إنشاده القصيدة إلى هذه الثلاثة الأبيات قام المرئي (2) يصرخ ويلطم وجهه، ويقول: ما لي ولجرير! فقالوا له: سمنت عينك، وأين منك جرير؟ هذا شعر كثير، وهذه روايته؟ فقال: هيهات، والله لا يقول كثير هذا.

(1) قال صاحب الأغاني (18/ 272 - 273): لقي ذو الرمة جريرا فقال له: تعصبت على خالك للمرئي، فقال جرير: حيث فعلت ماذا؟ حين تقول للمرئي كذا وكذا، فقال جرير: لأنك ألهاك البكاء في دار مية حتى استقبحته محارمك.

فقال ذو الرمة: لا، ولكن اتهمتني بالميل مع الفرزدق عليك، قال: كذلك هو، قال: فوالله ما فعلت، حلف له بما يرضيه، قال: فأنشدني ما هجوت به المرئي، فأنشده قوله:

نبت عيناك عن طلل بحزوى

عفته الريح وامتضح القطارا

فأطال جدا، فقال له جرير: ما صنعت شيئا، أفأرفدك؟ قال: نعم قل، فأنشد هذه الأبيات، فمر ذو الرمة بالفرزدق فقال له: أنشدني أحدث ما قلت في المرئي، فأنشده هذه الأبيات، فقال الفرزدق: كذبت وايم الله، ما هذا لك، ولقد قاله أشد لحيين منك، وما هذا إلا شعر ابن الأتان - يعني جريرا -.

" الأغاني "(18/ 272 - 273).

(2)

انظر " الأغاني "(18/ 274).

ص: 4814

وروي أن الفرزدق مر على كثير وهو ينشد هذه القصيدة بمربد البصرة، فسمعه حتى بلغ هذه الثلاثة الأبيات فقال له: أنت تقول هذا يا كثير؟ قال: نعم، قال: لم تقله! إنما قاله من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراعة (1)، ويشبه هذا دخول راويته مسلم بن الوليد على بعض الأمراء بقصيدة أرسله بها إليه، فأراد أن ينتحلها، وأخبر الأمير أنها له، فأمره بإنشادها فقال:

لا تدع بي الشوق إني غير معمود

نهى النهى عن هوى البيض الرعاديد (2)

وكان الأمير متكئا فاستوى جالسا وقال: إني لأجد ريح مسلم بن الوليد. ونحو هذا، وإن كان دخيلا في المقام يعده غيرهن كلامنا حشوا ففيه فائدة.

قال: كلام الجلال سند للمنع، وكل ما كان سندا للمنع لا يفيد الكلام عليه، ثم قال: وكبرى هذا الشكل مقررة في علم المناظرة (3).

أقول: لم يتقرر في علم المناظرة كلية هذه الكبرى، فإنه لم يقل أحد منهم أنه لا يقل كل كلام على السند أو ولا يفيد، بل قالوا إنه لا يحسن البحث على السند إذا كان غير متساو، وأما إذا كان متساويا فهو من مباحث علم المناظرة، وقد جعلوا [1ب] مباحث هذا الفن في مطولات كتبهم تسعة أبواب، وجعلوا بحث الكلام على السند الخامس منها فليراجعه تلميذنا - كثر الله فوائده - حتى يتقرر لديه ما يقبل من الكلام عليه وما لا يقبل، بل هذا البحث موجود في المختصرات، فإنه قال العضد في آداب البحث (4): ولا يدفع

(1) أي جرير.

(2)

" الأغاني "(19/ 44).

وكتاب الأغاني يحتوي على أخبار وحكايات أوردها عن آل البيت وهي أخبار تسيء إليهم

وفيه حكايات شنيعة وأخبار فظيعة نفس فيها الأصبهاني عن حقده الدفين وضغينته على العرب

وأخبار فيها طعن في العقيدة وتفضيل الجاهلية

انظر كتب تحت المجهر لعبد العزيز بن محمد السرحان (ص 64 - 65).

(3)

انظر " الفقيه والمتفقه "(1/ 229)، مناهج الجدل (ص45)، الجدل لابن عقيل (ص42).

(4)

(ص13). بالمطبعة الرسمية العربية تونس 1340.

ص: 4815

السند إلا إذا كان متساويا، وتكلم السامع بما هو معروف من التقسيم، فكيف قال تلميذنا - عافاه الله -: إن كبرى هذا الشكل مقررة في علم المناظرة! وقد علم أن أهل علم المنطق متفقون على اشتراط كلية الكبرى! وقد بطلت كليتها هاهنا باتفاق أهل العلم الذي نسب تقرير ذلك إليهم.

فإن قلت: قد أوضحت بطلان ما ذكره من صحة ذلك الشكل فأين لي كون هذا السند الذي وقع الكلام عليه على دعواه مساويا للمنع.

قلت: المنع متوجه إلى الإجماع الذي نقله المستدل، فالمانع طلب الدليل على مقدمة دليل الإجماع، فإذا كان قوله: لأن نقل الإجماع لا يصح سندا للمنع فإبطاله لا يكون إلا بإثبات الصحة، فكان الكلام الواقع على ذلك الزاعم كلاما على السند المساوي، ولو سلم أنه أعم لم يكن عمومه مانعا للكلام عليه، فإنه قد جوزوا الكلام على السند الأعم في ما لم يذكروه؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن مجامعا للمقدمة الممنوعة تحقيقا لمعنى العموم، والكلام معروف في كتب الفن، هذا على فرض صحة ما ذكره تلميذنا - عافاه الله - من كون ذلك الكلام منا كلاما على السند، وأما عند التحقيق فليس ذلك الكلام الذي تكلمنا عليه من الباب الذي ظنه تلميذنا - كثر الله فوائده - فإن الجلال (1) قال في عنوان تحته هكذا: وأما جلد قاذف المحصن فلا تنتهض عليه الآية؛ لأن جمع المؤنث لا يطلق على جمع المذكر

إلخ.

وكل عارف بالفن يعلم أن هذا الكلام [2أ] من باب النقض للدليل بشاهد لا من باب المنع وسنده؛ لأنه كلام على فساد الدليل، وكل كلام على فساد الدليل نقض، فهذا نقض، أما الكبرى فإطباق أهل الفن على ذلك، ومن لم يقبل هذا منع النقل حتى يثبته، وأما الصغرى فظاهره، ثم قال الجلال بعد هذا: وربما يدعي الإجماع، وفي نفسه منه شيء؛ لأن نقل الإجماع لا يصح، وهذا الكلام على ما فيه من عوج وسقوط هو

(1) في " ضوء النهار "(4/ 2270).

ص: 4816

أيضا من النقض؛ لأنه قد أبان فساد نقل الإجماع بشاهد في زعمه، وهو قوله: لأن نقل الإجماع لا يصح، وكثيرا ما يلتبس النقض بالمنع، وشاهد النقض بسند المنع، وهما متفارقان تفارقا في غاية الوضوح والجلاء.

قال: ليس في محله؛ لأن مثبت الحد على قاذف الرجل الحر.

أقول: الناقل للإجماع مستدلا به على مطلب من المطالب إن كان الكلام معه في صحيح نقل الإجماع فهذا لا يشك أحد على أنه كلام على النقل، وإن كان الكلام معه في حجية ذلك الإجماع الذي استدل به فهذا كلام معه في الدليل، وجواب الكلام الأول تصحيح النقل، وجواب الثاني الاستدلال، والذي نحن بصدده، وكلامنا عليه هو قول الجلال؛ لأن نقل الإجماع لا يصح، وهذه العبارة يعلم كل من يفهم تراكيب كلام العرب أن المراد بها الإخبار بعدم صحة الإجماع لا بعدم دلالته، فهذا وجه قولنا في تلك الرسالة: إن المقام مقام أن يطلب منه صحة النقل.

قال: هو أن يروي المجمع عليه عن أهل الإجماع بنقل عدل تام الضبط

إلخ.

أقول: هكذا نقول، ولسنا ممن يخالف في هذا، وإنما تكلمنا على ما في كلام الجلال من مخالفة مسلك المناظرة؛ لأنه قام مقام النقض في مقام طلب تصحيح النقل، ولم نقل [2ب] أنها قد قامت عليه الحجة بمجرد دعوى الإجماع، كيف أقول بهذا وأنا لا أرى حجية الإجماع (1) بعد صحة نقله! فضلا عن مجرد إجماع مدعى، هذا باعتبار ما يقتضيه ظاهر عبارة تلميذنا - كثر الله فوائده - فإنه انتقل من كون كلامنا السابق كلاما على سند المنع إلى اعتبار تصحيح نقل الإجماع بتلك الطريق، ولم يتكلم إلا على أن كلام

(1) هذا رأي الشوكاني، وانظره مفصلا في " إرشاد الفحول "(ص 293) وما بعدها.

والراجح ما ذهب إليه الجمهور أن الإجماع إذا استوفى شروطه يكون حجة قطعية ملزمة للمسلمين، فلا يجوز معه المخالفة أو النقض.

انظر: " حجية الإجماع " للفرغلي (ص 130 - 162).

ص: 4817

الجلال لم يقع موقعه، ولا صادف محزه (1)؛ لأنه جاء بالنقض، ثم بشاهد النقض في موضع لا يصلح فيه إلا طلب تصحيح النقل، فكان مجرد نقضه فاسدا وشاهده دعوى.

قال: وكلامه على القياس ليس لإثباته.

أقول: هكذا نقول إنه لم يحرر هذا البحث إلا لإبطال أدلة المستدلين على وجوب الحد على قاذف الرجل، ولكنه ادعى لتلك الأدلة عللا وأسبابا لم يقل بها المستدل، ولا يوجد في كتبه، فإن كان كل من تكلم على دليل فقد بطل بمجرد كلامه لزم بطلان غالب الأدلة، وإن كان الكلام الذي يوجب بطلان الدليل من منع، أو نقض، أو معارضة هو ما كان من ذلك جاريا على الوجه المعتبر فليس منه ما فعله الجلال، فإنه زعم عدم صحة نقل الإجماع بمجرد قوله: لا يصح، وزعم بطلان القياس بمجرد قوله: إن علة الحد دفع النقيصة، فهل يبطل القياس بمجرد ذكره بهذه العلة؟

إن قلتم: نعم، لزم بطلان كل قياس يزعم الخصم أن له علة مدفوعة، سواء كانت العلة في الواقع أو لا، وحينئذ لا يعجز أحد عن دفع دليل القياس؛ لأنه يعلله بعلة باطلة، ويبطله بإبطالها، وليس لأحد أن يقول له هذه العلة [3أ] التي ذكرت ليست العلة التي قصدها الشارع، فإن قال قائل بذلك قلنا له: بل هي العلة كما زعم خصمك شئت أم أبيت، فقد بطل قياسك ببطلانها، وهذا الصنيع ليس من العلم في شيء.

وإن قلتم: لا يقبل القدح في استدلال من استدل بالقياس بالقدح في علته بكونها كذا وكذا، أو كذا إلا إذا كانت تلك العلة المقدوح فيها هي العلة في زعم المستدل.

فنقول: هذا صحيح، ولكن ما زعمه الجلال من أن العلة في حد القذف لم يقل به أحد، ولا وقفنا عليه في شيء مما قد وقفنا عليه، فكيف يلزم المستدل بذلك القياس أن يتحملوا ما حملهم الجلال حتى يبطل قياسهم بمجرد ما جاء به من عند نفسه من العلة!

(1) غير مقروءة في المخطوط.

ص: 4818

قال: نعم إبطال أن العلة ما ذكر الجلال مع بيان أن العلة غيرها

إلخ.

أقول: قد ذكرنا في تلك الرسالة (1) ما قيل: إنه العلة فليراجعه تلميذنا - عافاه الله -.

قال: والفرق بين النقيصتين ضروري، فإن الرجل يجد من نفسه عند أن تزني ابنته ما لا يجده عنده أن يزني ولده.

أقول: سلمنا هذا فكان ماذا؟ فإن الشارع لم يربط الحد بأبلغ ما يجده الإنسان من العار، ولا قال بهذا قائل من المسلمين، ولو كان الأمر كذلك لم يثبت حد القذف إلا لمن هو قاذف لمن كان أعلى الناس رتبة، وأشرفهم نفسا؛ لأن في الناس من لا يبالي إذا قذفت ابنته أو أخته، أو يبالي مبالاة يسيرة، بل قد يجد الرجل الرفيع بزنى أمته زيادة مما يجده هذا بزنى ابنته وأخته، بل قد يجد الرجل الرفيع عالي الهمة للكلمة التي فيها أدنى انتقاص وأحقر شتم زيادة على ما يجده [3ب] من قذفت بالزنى ابنته. وقد تكون الكلمة التي يعدها الوضيع كمالا ومدحا عند الرفيع نقصا وهجاء، فبالله دعونا من تقويم المعوج، وإصلاح الفاسد، فإن الكلام على كون هذا قذفا فيه من النقص ما هو أشد من غيره، أو أخف من غيره ليس من الشرع في شيء، ولا اعتبره أحد بل هو من ساقط المقال، وزائف النظر، والله يحب الإنصاف.

قال: ولا يريد إلا أهل الجاهلية

إلخ.

أقول: إن كان يريد بذلك أهل الجاهلية فما ينفعه ولا يضرنا، فإنه جاء الشرع بأن الزنى نقيصة على الذكر والأنثى، ومذمة بالغة، وصار مما يتغاير به المسلمون، وينتقصون فاعله، فإذا كان أهل الجاهلية لا يتغايرون به، أو لا يرونه نقصا فيما يفيد هذا من فائدة! فإنا بصدد الكلام على الأحكام الشرعية، لا على ذكر مآثر الجاهلية، وما كانت عليه، وما يحمد عندها ويذم، فكيف قال تلميذنا - كثر الله فوائده -: فإنا لو سوغنا أن هذا الكلام قادح فيما نقل الجلال لسددنا باب رواية أخبار العرب ووقائعها وأشعارها

(1) الرسالة (154).

ص: 4819

إلخ، فإنا لم نكن بصدد إنكار ما رواه الجلال عن العرب، بل بصدد إنكار القدح في الأحكام الشرعية أو تخصيصها أو تقييدها بمجرد كون العرب كانت تفعل كذا، أو تستحسن كذا أو تستقبح كذا، وبين المقامين فرق يجل قدر تلميذنا - عافاه الله - عن أن يلتبس عليه أو يخفى عنه [4أ].

قال: بل المحكوم به أعم من حد القذف

إلخ.

أقول: هذا صحيح، ولست أظن أن عالما من علماء الإسلام يستدل على حد القذف بهذه الآية (1) ولا أحسب مصنفا من المصنفين يحرر في مصنفه هذه الآية دليلا على حد القذف، فليست من الدلالة على ذلك في ورد ولا صدر، لأن الله - سبحانه - إنما قال:{لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، ولم يقل يجلدون ثمانين جلدة، لكن الجلال لما أوقع نفسه في مضيق أن الحد لا يجب على قاذف الرجل لأن النقص بنسبة الزنى إليه هو دون النقص بنسبة الزنى إلى النساء استشعر بأن قائلا سيقول له ما يقول في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} (2)

إلخ ففر من هذا الذي يخيله إلى ما هو أضيق منه فحكم بتخصيصها وتقييدها بدون مخصص ومقيد إلا مجرد الوهم، فليراجع تلميذنا - دامت إفادته - ما حررناه في تلك الرسالة متصورا للإنصاف متنكبا للاعتساف، فإن ذلك أولى بالحق وأهله.

قال: وإن هذا وجه الحكم على تلك القصة بالإظلام.

أقول: فيكون حاصل هذا أن القصة المتواترة (3) التي لا خلاف في صحتها اشتملت على لفظ فيه نكارة، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يحكم ببطلان قصة متواترة ثابتة في

(1) يشير إلى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[النور: 19].

(2)

[النور: 19].

(3)

قال الأمير الصنعاني في " منحة الغفار حاشية على ضوء النهار "(4/ 2273): في هذا النقل تسامح فإن الذي في تاريخ ابن خلكان وغيره أن عمر لما لم يتم النصاب على ما رمي به المغيرة بعد شهادة الثلاثة الذين ذكرهم الشارح على المغيرة بالزنى أمر عمر بحدهم حد القذف فلما تم جلد أبي بكرة قال: أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا فهم عمر أن يضربه حدا ثانيا فقال له علي: إن ضربته فارجم صاحبك.

وهكذا رواية القصة في جميع الكتب التي ذكرت فيها إنما في ألفاظها اختلاف يسير وبهذا عرفت أن عمر جلد الثلاثة وأن كلام علي عليه السلام إنما قاله لما أراد عمر جلد أبي بكرة ثانيا لقذفه المغيرة بعد الجلد.

قال ابن خلكان بعد سياقه القصة كما ذكرنا ما لفظه: قلت وقد تكلم الفقهاء على قول علي رضي الله عنه " إن ضربته فارجم صاحبك " قال أبو نصر الصباغ وهو صاحب كتاب الشامل في المذهب: يريد أن هذا القول إن كان شهادة أخرى فقد تم العدد وإن كان هو الأولى فقد جلدته عليه.

قلت: وقد ذكر ابن السبكي القضية وذكر ما ذكره ابن الصباغ وزاد وجها آخر فقال: معنى قوله: إن جلدته رجمت صاحبك أي أنك إن استحللت جلده من غير استحقاقه إياه فارجم صاحبك. هذا واعلم أن ما ذكره الشارح يقتضي التوقف عن الجزم بإيجاب الجلد على قاذف الرجل سيما والأصل عدم الوجوب فلا يرفع إلا بدليل قائم يقوم هنا على ذلك.

وحديث أبي اليسر الأنصاري لا أدري ما صحته وما أظنه قد سبق الشارح إلى هذا أحد وقد ذكر البحث في حاشيته على الكشاف في سورة النور ثم رأيت بعد أعوام كلاما لأبي محمد بن حزم بعد أن أبطل إثبات جلد قاذف الرجل بالقياس على قاذف المرأة، فقال: ونحن نبين بحمد الله وقوته من أين أوجبنا جلد القاذف للرجل من نص القرآن فنقول وبالله التأييد: إن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) عموم لا يجوز تخصيصه إلا بنص أو إجماع فيمكن أن يريد الله النساء المحصنات كما قلتم ويمكن أن يريد الفروج المحصنات فقلنا نحن: إنه يريد الفروج المحصنات ووجب علينا البرهان الواضح على دعوانا فقلنا: إن الفروج أعم من النساء لأن الاقتصار من مراد الله على النساء تخصيص لعموم اللفظ وهو لا يجوز إلا بنص أو إجماع وأيضا فإن الفروج هي المرمية بذلك لا غيرها من الرجال والنساء برهان ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) وقوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) ومثلها: (وَالحافظين فُرُوجَهُم وَالْحَافِظَات) وقال: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) فصح أن الفرج هو المحصن وصاحبه هو المحصن له بنص القرآن ثم ساق بسنده حديث أبي هريرة مرفوعًا وفيه: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " وساق حديث أبي هريرة الآخر مرفوعًا بمعنى هذا ثم قال فصح يقينا أن المرمية هي الفروج خاصة وأن المحصنة على الحقيقة هي الفروج لا ما عداها وصح أن الزنى الواجب فيه الحد هو زنى الفرج خاصة لا زنى سائر الأعضاء وزنى النفس دون الفرج لا حد فيه بالنص كما أوردنا في العينين تزنيان فمن رمى بالزنى أي عضو من الأعضاء المذكورة بأنها زانية لم يكن راميا ولا حد عليه بالنص لأن الفرج إن كذب ذلك كله فهو لغو فصح يقينا أن الرمي الذي يجب فيه الحدود وشهادة القاذف وفسقه إنما هو رمي الفروج بلا شك بل يقين لا مرية فيه وأن مراد الله تعالى رمي الفروج، وإذا كان كذلك ففروج النساء والرجال داخلات في الآية دخولا مستويا. انتهى. وهو كما تراه من القوة وإن كان سياق آيات النور ظاهرة في رمي النساء فالسياق تصرفه الأدلة عن التخصيص به وإن أبيت فإجماع الصحابة أنهض شيء في هذا الباب

ص: 4820

جميع كتب السير والتواريخ، مذكورة للاحتجاج بها عند كل طائفة، وفي كل مذهب بمجرد وجود لفظ فيه نكارة قد تركه الرواة جميعا إلا الشاذ على فرض صحة ما زعمه الجلال من ورود ذلك! فإن الذي يتعين هاهنا هو ترك ذلك اللفظ المنكر وطرحه من القصة [4ب] المتواترة. وأما ما جعله علة لها توجب إظلامها واطراح حجتها فلست أظن هذا مراء لتلميذنا - كثر الله فوائده - فإنه لا يخفى عليه مثل هذا، وهو أجل من أن يصير إليه، أو يتعلل به أو يعترض بمثله، ولو كان هذا صحيحا لكان من أعظم المفاسد على الشريعة، فإنه لا يعجز الزنادقة والمبتدعة وأعداء الإسلام أن يعمدوا إلى الأحاديث الصحيحة، والقصص المتواترة فيزيدون عليها لفظا منكرا، ويتوصلون بذلك إلى إبطال ما أرادوا إبطاله، وهذا لا يقول به مصنف، أو يصير إليه عالم.

وما الجلال حتى تقع في التعصب لتصحيح باطله في هذه المهاوي! فإن مثل هذا لا يحسن في تأويل كلام المعصوم فضلا عن غيره، وأما ما في الرواية المذكورة من قول عمر: أرى وجه رجل لا يفضح رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليس في هذا من الإيهام لذلك الشاهد، والرغبة في كتمه الشهادة شيء، هذا على أن هذا اللفظ ثبت من طريق صحيحة (1)، وبهذا يعرف تلميذنا - عافاه الله - ما في قوله: فيعود على التنزيه بالإبطال. وما ذكره - كثر الله فوائده - من المناقشة في دعوى التواتر فنقول عليه - عافاه الله - أن يبحث كتب السير، ثم كتب التاريخ المرتبة على السنين،

(1) قال الحافظ في التلخيص (4/ 118 رقم 2069) قوله: " إن عمر عرض لزياد بالتوقف في الشهادة على المغيرة، قال: أرى وجه رجل لا يفضح رجلا من أصحاب رسول الله، روي ذلك في هذه القصة من طرق بمعناه.

منها: رواية البلاذري عن وهب بن بقية عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد.

انظر: " فتوح البلدان "(2/ 423 - 424)، " فتح الباري "(5/ 301 - 303).

ومنها: رواية عبد الرزاق في مصنفه (7/ 384 رقم 13566) عن الثوري، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان الهندي قال: شهد أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة

إلخ.

ص: 4821

ثم كتب التاريخ على غيرها، ثم الكتب المشتملة على التراجم للرواة المشتملة على ذكر أبي بكرة ومن معه، وجميع ما ذكر فيه ترجمة للمغيرة (1) أو لأبي بكرة (2) من الكتب، ثم المجاميع التي يذكر فيها أدلة الفقه، والكتب التي تذكر فيه المسألة [5أ] الفقهية ودليلها، وينظر في أبواب حد القذف منها، فإن وجد في مجموع ما ذكرناه ما يفيد بعضه التواتر ينقل ذلك أهل العصور المختلفة إلى عصر الصحابة، فذاك ولو سلمنا عدم اجتماع شروط التواتر المعتبرة في الإصلاح لم يضرنا ذلك، فإن القضية متلقاة بالقبول لم يدفع صحتها أحد من أهل الإسلام، وما كان كذلك فهو من الأدلة القطعية، فليس له أن ينكر على من يقول: إنه قد تواتر لديه ولدى أهل العلم هذه القصة، فإن تواتر النقل لا يحصل إلا بعد كمال البحث والاستقصاء، وقد يتواتر لرجل من النقل ما لم يتواتر لغيره، بل قد يتواتر لرجل ما لم يصح لغيره، بل قد يتواتر لرجل ما لم يعلم به غيره أصلا، وتلميذنا - عافاه الله - أجل قدرا من ذلك.

قال: وكان المقام أن يطالب الجلال بتصحيح النقل.

أقول: هانحن نقوم هذا المقام، ونطلب من تلميذنا - عافاه الله - أن يصحح ما نقله الجلال، ويبحثه في جميع ما يمكن بحثه، فإن وجد ما ذكره من قوله: لئن حددتهم فارجم المغيرة، فلتهده إلينا متفضلا، وإن لم تجده فلتعلم أن هذا اللفظ هو خرج من المخرج الذي خرج منه ما تقدم له من قوله حين أفهمه عمر رغبته من المخرج الذي خرج

(1) انظر " المغازي " للواقدي (3/ 1240)، " الطبقات " لابن سعد (2/ 284)، " مرآة الجنان " لليافعي (1/ 124).

(2)

انظر " الاستيعاب " رقم (2907)، " الإصابة " رقم (9638) وأبو بكرة الثقفي اسمه نفيع بن مسروح وقيل: نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن عبدة بن عوف بن قيسي.

وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناه بأبي بكرة، لأنه تعلق ببكرة من حصن الطائف فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر " أسد الغابة " رقم (5738).

ص: 4822

منه قوله: إن العلة في حد القذف النقيصة الشديدة التي لا يوجد إلا في زنى النساء، ونحو ذلك.

قال: فحد المغيرة يترتب على صحة كون كلام أبي بكرة

إلخ.

أقول: المراد من ذلك التركيب الذي ذكرنا معناه من قول علي عليه السلام أن عمر إذا أوجب الحد على أبي بكرة بقذفه للمغيرة بعد جلده فقد جعله بمنزلة شاهد (رابع رابع)(1)، ومن شهد عليه أربعة يحد ولا يحد الشاهد عليه، ولا يقال له قاذف، فكأنه قال: إن كان أبو بكرة يستحق عندي الجلد بهذه المقالة الواقعة منه بعد جلده فقد استحق أن يكون [5أ] شاهدا رابعا على المغيرة، فارجم المغيرة بشهادته ولا تجعله قاذفا، وهذا لا يلزم منه ما ذكره - كثر الله فوائده - من الترتبات، فإن المراد هذا وليس المراد أنك تحد أبا بكرة ثم حد المغيرة أو العكس.

قال: وقد علمت بطلان دليل الإجماع السابق، ثم بطلان القياس، ثم بطلان ما يخيل أنه إجماع من قصة المغيرة.

أقول: إن كان بطلان دليل الإجماع بما ذكره الجلال من قوله: وفي نفسي منه شيء؛ لأن نقل الإجماع لا يصح، وكذلك بطلان القياس بقوله: إن الحد لدفع النقيصة التي تلحق العرب

إلخ، وكذلك بطلان قصة المغيرة بمجرد قوله: إنها مظلمة فهذا لا يخفى على تلميذنا - كثر الله فوائده - أنه لا يشكك سامعه في أدنى حكم من أحكام الظن فضلا عن هذه الأمور فكيف تكون باطلة بمجرد ذلك! وإن كان البطلان بغير ذلك فما هو؟ فإنا لم نقف فيما ذكرناه - كثر الله فوائده - إلا على مجرد توجيه ما تكلم به الجلال، وحمله على تلك المحامل التي قد بينا ما فيها.

قال: إن جمع المؤنث لا يطلق على جمع المذكر.

أقول: قد ذكرنا وجه .........................................

(1) كذا في المخطوط.

ص: 4823

التغليب (1) فإن قدح فيه تلميذنا أو صح ذلك.

قال: ففيه ما أسلفنا من عدم بيان علة القياس، ومسلكها إلى آخره.

أقول: كان الأولى بالمقام الاستفسار عن ذلك، حتى يورده مدعيه، لا جعل عدم الذكر اعتراضا، فليس كل مستدل بالقياس في مسألة من المسائل يذكر أركان القياس، ويبين مسالك علته، وليس مثل هذا مما يخفى على تلميذنا - عافاه الله - فلا نطول بذكره. قال: فيقال عليه: من ذا المراد من الخلفاء الراشدين هل جميعهم

إلخ.

أقول: قد قدح تلميذنا - عافاه الله - في دلالة الحديث على الكل والبعض، والمعين وغير المعين، والمفرد والمتعدد، ولعله لم يتصور أن هذا يستلزم [6أ] الاعتراض على الشارع؛ لأن كلامه في هذا الحديث لا يصح حمله على معنى يصح الحمل عليه، فلم يبق إلا رده عليه أو الحكم بأنه كذب، أو أنه صلى الله عليه وآله وسلم تكلم بما لا معنى له، فاعتراض تلميذنا وتقسيمه للمراد بالحديث إلى تلك الأقسام وإبطاله لكل قسم منها قد استلزم هذا، وإن لم يكن مرادا له - عافاه الله - وكان ينبغي حمله على الخلفاء الموجودين في الثلاثين السنة الكائنة بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم لقوله:" الخلافة من بعدي ثلاثون عاما، ثم يكون ملكا عضوضا "(2) فإن هذا الحديث يرشد إلى خلافة الحق، وإلى خلفاء الرشد المذكورين في الحديث، ويعبر عن المراد به، ولا ينفي وجود خلفاء آخرين لم يكونوا مرادين بالحديث، فإذا ضم هذا إلى أن اللام الداخلة على الجمع تهدمه، ويصير للجنس كما تقرر في علم البيان والأصول صار معنى الحديث في غاية الوضوح. وهذا عندي في معنى الحديث ما لا يتسع له البسط، وإنما أوردته في تلك الرسالة تكميلا لاحتجاج من احتج بالقصة العمرية. وقد أهمل تلميذنا - كثر الله فوائده - الكلام على ما ذكرنا من القذف للرجل بأنه يلوط أو ....................................

(1) التغليب: هو إعطاء شيء حكم غيره، وقيل: ترجيح أحد المغلوبين على الآخر، وإطلاق لفظه عليهما وإجراء للمختلفين مجرى المتفقين.

نحو: (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)[التحريم: 12].

(إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)[الأعراف: 83].

والأصل من القانتات والغابرات، فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب.

قال في البرهان: إنما كان التغليب من باب المجاز؛ لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وضع له

" معترك الأقران "(1/ 197 - 198).

(2)

تقدم تخريجه في الرسالة (154).

ص: 4824

يلاط به (1)، والمطلوب تتميم بحثه الذي كتبنا عليه هذه الكلمات بالكلام على ذلك فلعله يجد للجلال في ذلك مخرجا، ويفتح له في سماء ذلك السؤال معرجا.

وإلى هنا انتهى شوط القلم، والحمد لله، وأستغفر الله إن كان في هذه المباحثة شيء من الجدل المنهي (2) عنه ولا نشعر به [6ب].

(1) قال ابن قدامة في المغني (12/ 389 - 390): وفي هذه المسألة فصلان:

أحدهما: أن من قذف رجلا بعمل قوم لوط، إما فاعلا وإما مفعولا، فعليه حد القذف وبه قال الحسن والشافعي والنخعي والزهري، ومالك وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن وأبو ثور.

قال عطاء وقتادة وأبو حنيفة: لا حد عليه لأنه قذف بما لا يوجب الحد عنده.

قال ابن قدامة: وعندنا هو موجب للحد.

ثانيهما: أنه إذا قال: أردت أنك من قوم لوط، فاختلفت الرواية عن أحمد فروى عنه جماعة أنه يجب عليه الحد بقوله: يا لوطي ولا يسمع تفسيره بما يحيل القذف وهذا اختيار أبي بكر. ونحوه قال الزهري، ومالك وفي الرواية الثانية أنه لا حد عليه نقلها المروزي ونحو هذا قال الحسن والنخعي، قال الحسن: إذا قال: نويت أن دينه دين لوط فلا حد عليه، وإن قال: أردت أنه يعمل عمل قوم لوط فعليه الحد.

ووجه ذلك أنه فسر كلامه بما لا يوجب الحد، فلم يجب عليه حد، كما لو فسر به متصلا بكلامه، وروي عن أحمد رواية ثالثة أنه إذا كان في غضب قال: إنه لأهل أن يقام عليه الحد لأن قرينة الغضب تدل على إرادة القذف، بخلاف حال الرضا.

والصحيح في المذهب الرواية الأولى: لأن هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط. فكانت صريحة فيه، كقوله: يا زاني، ولأن قوم لوط لم يبق منهم أحد، فلا يحتمل أن ينسب إليهم.

(2)

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها ".

أخرجه أبو داود رقم (4800) والترمذي رقم (1993) وابن ماجه رقم (51) وهو حديث صحيح. والله أعلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ".

وهو حديث صحيح أخرجه البخاري رقم (7188) ومسلم رقم (2668).

قال ابن عقيل في " الواضح ": وكل جدل لم يكن الغرض منه نصرة الحق، فإنه وبال على صاحبه، والمضرة فيه أكثر من المنفعة، لأن المخالفة توحش ولولا ما يلزم من إنكار الباطل واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رده عن ضلالته لما حسنت المجادلة للإيحاش فيها غالبا.

ولكن فيها أعظم المنفعة إذا قصد بها نصرة الحق، والتقوي على الاجتهاد، ونعوذ بالله من قصد المغالبة

"

انظر " الكوكب المنير "(4/ 370)، " الفقيه والمتفقه "(2/ 25).

ص: 4825