المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إيضاح القول في إثبات العول - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١٠

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الإسلام الحسين بن محمد العنسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني

- ‌هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكانيعلى الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى لما حرره على بحث الجلال في حد قاذف الرجل

- ‌بحث في مسائل الوصايا

- ‌إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلا على جواز الوصية للوارث

- ‌جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث

- ‌المباحث الدرية في المسألة الحمارية

- ‌إيضاح القول في إثبات العول

- ‌بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة

- ‌ترجمة علي بن موسى الرِّضا

- ‌رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم

- ‌حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال

- ‌إرسال المقال على إزالة الإشكال

- ‌تفويق النبال إلى إرسال المقال

- ‌تنبيه الأمثال على عدم جوز الاستعانة من خالص المال

- ‌بحث في التصوير

- ‌إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع

الفصل: ‌إيضاح القول في إثبات العول

(162)

51/ 2

‌إيضاح القول في إثبات العول

تأليف محمد بن علي الشوكاني

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

وقد صدر هذه الرسالة بجواب عن مسألة دوس الزرع بالحيوانات غير المأكولة كالحمير ونحوها، وتروث وتبول حال دوس الزرع والجواب عن ذلك.

ص: 4899

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: إيضاح القول في إثبات العول.

2 -

موضوع الرسالة: "فقه".

3 -

أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" وبعد حمد الله على كل حال. وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه خير خصبٍ وآل فإنَّه وصل هذان السؤالان من مولاي العلامة المفضال صفي الآل نبراس الكمال والجلال، أحمد بن يوسف زبارة

4 -

آخر الرسالة: فلا حاجة بنا إلى إيراده هاهنا، وتكريم الكلام عليهن وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق. حرر في شهر رجب سنة 1217هـ.

بقلم مؤلفه المجيب بن علي الشوكاني غفر الله لهما.

5 -

نوع الخط: خط نسخي جيد.

6 -

عدد الصفحات: 31 صفحة ما عدا صفحة العنوان.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 22 سطرًا.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 12 كلمة.

9 -

الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.

10 -

الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 4901

بسم الله الرحمن الرحيم

وبعد حمد الله على كل حال وصلاتِه وسلامِه على سيدنا محمد وآله وصحبه خيرِ صحبٍ وآلهْ. فإن وصل هذان السؤالانِ من موالي العلامةِ المفضال، صفي الله، نِبْراسِ الكمال والجلال أحمدَ بنِ يوسفَ زبراة (1) - ثبت الله إيراده وإصداره- قال: كثر الله فوائده-:

السؤال الأول: فيما يقع في حال الدِّياسِ للزرع من الحميرِ والأُتَنِ من الرَّوْثِ والبولِ على الحبِّ المْداسِ فماذا يكون الحكمُ فيه؟

الأول: هل يجوز ذلك مما لا يؤكل لحمه؛ لأن فيه تعريضَ المداسِ للإهانةِ بوقوعِ الروث النجس، والبولِ النجسِ عليه.

الثاني: إذا وقع على التبن والحبِّ مع المشاهدة هل يجبُ غسلُ الحبِّ جميعًا أو يعفى عن ذلك، أو يُرجَعُ إلى البراءة الأصليةِ؟

أو تقولُ ربَّما أصاب البولُ الحبَّ الكثير فمع تفرُّقِ الحبِّ في الحبوب الكثيرةِ ربما أنه يبقى على الحبة الواحدة ما هو معفوٌّ عنه، أو ما ذلك الحكمِ فقد بحثتُ عن ذلك في مظانَّه لم أجدْ ما يطمئنُّ إليه الخاطر؟ فأفضِلوا بالإفادةِ والتحقيقِ لذلك بما يغني عن الإعادةِ فالمسألةُ حادثةٌ والاستعمالُ لذلك من الزُّراعِ كائنٌ مأنوسٌ، فأدَاها الموروثُ إلى وارثَهُ. انتهى السؤال الأول.

(1) تقدمت ترجمته.

ص: 4905

وأقول: إنه وقع الاتفاق بين جميع علماء الإسلام. أن الأصلَ في كل شيء الطهارةُ وأن هذا الأصلَ يجبُ استصحابُه (1) حتى يُعْلَمَ وجودُ الناقلِ عنه، علمًا شرعيًّا لا مجرَّد الظنون (2) الفاسدةِ، التي هي شأن كثير من الموسوسينَ في الطهارةِ، فإن الانتقالَ عن ذلك الأصل المجمعِ عليه [اأ] بشيء من ظنونِ أهلِ الوسوسةِ لم يقل به قائلٌ من أهل العلم، بل هو غير جائز لا سيما في أبواب تطهيرِ النِّجسِ ورَفْعِ الحدث ولهذا ثبتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"فمن زاد فقد أساءَ، وتعدَّ وظلم"(3).

بل جزم بعض أهل العلمِ بِفِسْقِ الموسوسينَ في الطهارةِ، المجاوزين للحدود التي شرعها الشارع.

وإذا تقرَّر ما ذكرناه من الإجماع على أن الأشياءَ جميعَها طاهرةٌ أصالة حتى يُعلمَ وجودُ الناقلِ علمًا شرعيًّا.

فاعلم أن الشارعَ قد أشار على هذا الأصلِ، وأرشدَ إليهن وعمل عليهن وقدَّره في غير موطنٍ، فمن ذلك حديثُ عبَّادِ بنِ تميم عن عمِّه قال: شكى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والرجلُ يُخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاةِ قال: "لا ينصرف حتى يسمع

(1) يشير إلى استصحاب البراءة الأصلية ويسميها ابن القيم براءة العدم الأصلية كبراءة الذمة من التكليفات الشرعية حتى يقوم الدليل على ذلك التكليف

وهي استدامة ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًّا.

"أعلام الموقعين"(1/ 339)، "إرشاد الفحول"، (772 - 780)

(2)

يبنى الاستصحاب على مبادئ منها:

أ- اليقين لا يزول.

ب- الأصل في الأشياء الإباحة.

ج- الأصل براءة الذمة.

وانظر أنواع الاستصحاب وحجيته في "إرشاد الفحول"(ص 773 - 774)

(3)

أخرجه: أبو داود، رقم (135)، والنسائي رقم (140)، وابن ماجه، رقم (422)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند حسن.

ص: 4906

صوتًا أو يجد ريحًا" أخرجه الشيخانِ (1) وغيرهما، وحديثِ أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرجَ منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا" أخرجه مسلم (2) والترمذي (3)، وأخرج نحوه الشيخان (4) أيضًا من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وأخرج نحوه أيضًا أحمدُ (5) والحاكمُ (6) وابنُ حبَّانَ (7) من حديث أبي سعيد وفي إسناده عليُّ بن زيد بن جدعان. وأخرج نحوَه أيضًا البزَّار (8) والبيهقي (9) من حديث ابن عباس، وفي إسناده أبو أوَيْسٍ لكنَّه تابعه الدَّراوَرْديُّ.

قال النوويُّ في شرح مسلم (10): هذا الحديثُ أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الدين وهي أنَّ الأشياء يُحْكَمُ ببقائها على أصولها حتى يُتيقَّنَ خلافُ ذلك، ولا يضرُّ الشكُّ الطارئ عليها، فمن ذلك مسألةُ الباب التي ورد فيها الحديثُ،

(1) البخاري في صحيحه رقم (137) ومسلم في صحيحه رقم 98/ 361).

(2)

في صحيحه، رقم (99/ 362)

(3)

في "السنن" رقم (75)، وقال: حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه أبو داود، رقم (177)، وهو حديث صحيح.

(4)

البخاري في صحيحه، رقم (98/ 361). قلت: وأخرجه أبو داود، رقم (176)، والنسائي، رقم (160)، وابن ماجه، رقم (513).

(5)

في "المسند"(3/ 12).

(6)

في "المستدرك"(1/ 134).

(7)

في صحيحه رقم (2665). وهو حديث صحيح لغيره.

(8)

في مسنده (1/ 147 رقم 281 - كشف). وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 242)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" رقم (6622)، والبزار بنحوه ورجاله رجال الصحيح.

(9)

في "السنن الكبرى"(1/ 117، 220). وهو حديث حسن.

(10)

(4/ 49).

ص: 4907

وهي أن من تيقَّن الطهارةَ وشكَّ في الحديثِ حكمَ ببقائِهِ على الطهارةِ ولا فرق بين حصول الشكِّ في نفس الصلاةِ، وحصولِه خارجَ الصلاة.

وهذا مذهبنا ومذهبُ جماهيرِ [1ب] العلماء من السلفِ والخلفِ. ثم قال: ومن مسائلِ القاعدةِ المذكورةِ أن من شكَّ في طلاق زوجته، أو في عِتْقِ عبدِه أو نجاسةِ الماء الطاهر أو طهاة الماء النجسِ، أو نجاسةِ الثوبِ أو الطعام أو غيرِه، أو أنه صلى ثلاثَ ركعاتٍ أم أربعًا، أم أنه ركعَ وسجد أم لا، أو أنَّه نوى الصومَ، أو الصلاةَ، أو الوضوءَ أو الاعتكافَ، وهو في أثناء هذه العبادات ومن أشبهَ هذهِ الأمثلةَ! فكل هذه الشكوكُ لا تأثير لها، والأصل عدمُ الحادثِ. انتهى.

ومن الأدلة الدالة على ذلك الأصلِ العظيم ما أخرجه الدارقطنيُّ (1) وغيره من حديث ابن عمرَ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسارَ ليلًا، فمرُّوا على رجل جالس عند مِقراةٍ له وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء. فقال عمر: أولغتِ السباعُ عليكَ الليلةَ في مِقْراتِك؟ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " يا صاحب المقراةِ لا تخبره، هذا متكلِّفٌن لها ما حملتْ في بطونِها ولنا ما بقيَ شرابٌ طهورٌ" ففي هذا الحديث إرشاد إلى الوقوفِ على حكم الأصلِ، وهو الطهارة وعدمُ البحث والسؤال عن أسباب النجاسةِ المجوِّزِة، وأن ذلك من التكلُّف الذي يخالفُ الشريعةَ (2).

(1) في "السنن"(1/ 26 رقم 30) وهو حديث ضعيف.

(2)

والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقلٌ صحيحٌ لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليهن لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزيئاتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع.

والأصل البراءة من ذلك ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى، وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله تعالى عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال .... ".

ص: 4908

وتأملْ موقع هذا الخطابِ من النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "يا صاحبَ المقراةِ لا تخبره" ثم يواجه هذا الصحابيَّ الجليلَ بقوله: "هذا متكلِّفٌ" فإنَّ في هذا أبلغَ زاجرٍ للمحكِّمينَ للشكوكِ، المتنطعينَ المتكلِّفين، المثبتين في هذه الشريعة ما ليس منها والأحاديث (1) في هذا الباب كثيرة لمن تتبعها، وأمعنَ النظرَ في شأنها.

ولا شك أن الزرعَ الذي وقعَ السؤالُ عنه عند دياسته بدوابً لا تؤكلُ كالحميرِ والأُتنِ محكومٌ له بالطهارةِ؛ لأنه متولِّد بين طاهرينِ: الترابِ الذي نبتَ، والماء الذي سُقي به، بل هما مستحقَّان لوصف زائدٍ على مجرد كونِهما طاهرينِ وهو أنهما مطهَّران لغيرهما.

وإذا تقرر أن الزرع المذكورَ [2أ] طاهرٌ وأن طهارتَه مجمعٌ عليها من جميع المسلمينَ فالواجبُ استصحابُ هذا الأصل. ومن عَرَضتْ له شكوكٌ فسأل عن طهارتِها قلنا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه أنه متكلِّفٌ.

وأما إذا كان السؤالُ بأشياءَ لا عن مجرَّد شكوكٍ كهذا السؤالِ الذي أورده السائل- كثر الله فوائده- فإنه إنما سأل عن شيء يشاهده ويشاهده غيرُه من دياسِ الزُّرَّاعِ في الجرينِ بالدوابِّ التي لا يؤكلُ لحمُها؟ فنقول: لا شكَّ أن الدياس بها مظنَّة لوقوع البولِ

(1) منها ما أخرجه البخاري رقم (7288) ومسلم رقم (1337) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله فقال: "يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجُّوا". فقال رجلٌ: أكلُ عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال صلى الله عليه وسلم: " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلك بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".

ومنها: ما أخرجه الحاكم في "المستدرك"(2/ 375) وصحح إسناده ووافقه الذهبي عن أبي الدرداء رضي الله عنه (رفع الحديث) قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإنَّ الله لم يكن نسيًّا، ثم تلا هذه الآية:(وما كان ربك نسيا)[مريم: 64]

ص: 4909

والرَّوث منها في ذلك الشيء الذي تدوسه، فإن لم يحصلْ للإنسان إلا مجرَّدُ هذه المظنة فلا يجوز له أن ينتقل عن الأصل بها لأن المظنَّةَ هي محلُّ الظنِّ أعمُّ من أن يكون صحيحًا أو غيرَ صحيح، والانتقالُ عن ذلك الأصل إنما يكون بالعلم اليقيني عند جميع أهل العلم. ومن سوَّغ الانتقال بالظنِّ المقارِب للعلم فلكونه جعلَه لاحقًا بالعلم، ومن جوَّز الانتقالَ بخبر العدلِ الذي لا يُستفاد منه العلمُ فلكونه ورد الدليلُ العامُّ بالتعبُّد بأخبار العدلِ في مسائلِ العبادةِ ولم يردْ ما يدل على جواز العلم بمجرَّد كون الشيء محلًّا للظنِّ ولا سيما في النقل عن الأصل والبراءة المعتضدينِ بأقوال الشارعِ وأفعالِه، فمن رأى زرْعًا يداسُ بدوابِّ لا يؤكل لحمُها فلا يحلُّ له أن ينتقلَ عن طهارةِ شيء من ذلك، بل الحبُّ والكُدُسُ (1) طاهرانِ ولا أظنه يخالفُ في هذا مخالفٌ من علماء الإسلام.

وأما إذا شاهدَ البولَ والرَّوثَ خارجًا من الدابة التي لا تؤكلُن واقعًا على مجموع الكُدُسِ والحبِّ اللذين يُداسانِ فاعلمْ أن من الجائز أن يكون ذلك الخارجُ واقعًا على الكُدُسِ وحدَه. وهذا هو الظاهر لكونه مثلَ الحبِّ أضعافًا مضاعفةً، ولكونه أيضًا يكون عن الدياسِ مرتفعًا وأما الحبُّ فإنه إذا خرجَ من سنابلهِ انحطَّ إلى تحت الكُدُسِ والحبِّ، ويأخُذ كل جنس حصَّتَه على مقدارِ كَثْرَتِه وقلَّتِهِ ومن الجائز أيضًا أن يكون واقعًا على الأرض عن انحفارِ الكدسِ والحبِّ، وإن كان ذلك نادرًا وهذا إنما هو باعتبار البولِ. وأما الروثُ فقد شاهدنا كثيرًا ممن يدوسُ يتلقَّف ذلك قبل وصوله إلى الأرض ويرمي به خارجًا وإذا وقع شيء من ذلك على الكدسِ أخذَه وأخذ ما قد لصق به من الكدسِ ورمى به خارجًا، ولا يتركونه يبقى ويتلوَّث بالكدسِ والحبِّ أصلًا.

(1) الكُدُسُ: العرمة من الطعام والترم والدراهم ونحو ذلك والجمع أكداس وهو الكدِّيس يمنية.

"لسان العرب"(12/ 45).

ص: 4910

وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن مجرد الاحتمالِ المرجوحِ الذي ذكرناه في وقوع البولِ على الحبِّ لا يقول أحدٌ من علماء الإسلام أنَّه مسوغٌ للانتقال عن ذلك الأصلِ المعلومِ المجمعِ عليهن فإنه ليس بظنِّ فضلًا عن أن يكون علْمًا.

وأما ما ذكره- كثر الله فوائده- من أن في الدياسِ بما لا يؤكل لحمهُ تعريضًا لما وقع الدياسُ له للإهانةِ بالبولِ والرَّوث والمحكومِ بنجاستهما فالأمر كذلك. فلا يجوز إلا عند الضرورة، والغالبُ أنهم يدوسونَ الكثيرَ بالبقرِ. والقليل يخبطونه بالخشبِ كما شاهدنا ذلك في غير مكان.

ص: 4911

قال- كثر الله فوائده-: السؤال الثاني: فيما ذاكرتُكم به شِفاهًا أيضًا في مسائل العول (1)، واستدلال ابن عباس- رضي الله عنهما بأن الزوجَ والأمّ لم يخرُجَا عن الفريضةِ بحالٍ، وأشار العلامة الحسن الجلال- رحمه الله في ضوءه (2) بأن من أعال أغفلَ التقييدَ، وأن ميراثَ الزوجينِ والأمِّ مقيِّداتٌ فروضُها وما عداها من الفروض مطلقاتٌ وأنه لم يحملوا المطلقَ على المقيَّد، وهي مخالفةٌ للعملِ الأصوليِّ، هذا ولم أحقِّقِ البحثَ لأني إنما [3أ] سمعتُه إملاءً من بعض العلماء فقط، فأفضلوا بتحقيق البحثِ

(1) العول لغة: وله معان عدة.

العول: الميل في الحكم إلى الجور: قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا).

العول: النقصان.

وقال الجوهري في "الصحاح"(2/ 148) العول والعولة رفع الصوت بالبكاء والعول والعويل: الاستغاثة.

وقيل العول: الغلبة والشدة تقول منه: عالني الأمر يعُولني عولًا إذا غلبك واشتدَّ عليك وعجزت عن التغليب عليه.

وقيل العول: الاتفاق على العيال تقول منه: عال الرجل أولاده يعولهم تريد أنفق عليهم.

"لسان العرب"(9/ 478).

العول في الاصطلاح: هو زيادة في مجموع السهام المفروضة، ونقص في أنصباء الورثة، وذلك عند تزاحم الفروض وكثرتها، بحيث تستغرق جميع التركة، ويبقى بعض أصحاب الفروض، بدون نصيب من الميراث فنضطر عند ذلك إلى زيادة أصل المسألة. حتى تستوعب التركة جميع أصحاب الفروض. وبذلك يدخل النقص إلى كل واحدٍ من الورثة، ولكن بدون أن يحرم أحد من الميراث

فالزوج الذي يستحق النصف، قد يصبح نصيبه الثلث في بعض الحالات، كما إذا عالت المسألة من (6) إلى (9) فعوضًا عن يأخذ (3/ 6) وهو النصف يأخذ (3/ 9) وهو الثلث وهكذا بقية الورثة يدخل عليهم النقص في أنصبائهم في حالة عول المسألة.

وبذلك يتحقق ويتَّضح لنا معنى قول الفرضيين، في تعريف العول:"هو زيادة في السهام المفروضة ونقص في أنصباء الورثة".

(2)

أي "ضوء النهار"(4/ 2646).

ص: 4912

في ذلك؟ فكلام السيِّد الحسن الجلالِ لا يخلُو عن مقال، إذِ التقييدُ في قوله تعالى:} إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك {(1) كالتقييدِ في قوله تعالى:} ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد (2) إلى آخر الآياتِ، فأفضلوا بالإيضاحِ. وتجويدِ البحثِ بما يكون به كمالُ الإيضاحِ؟ كثر الله فوائدكم، وكتب ثوابكم، وجزاكم الله خيرًا- آمين انتهى السؤالُ الثاني.

(1)[النساء: 176]

(2)

[النساء: 12]

ص: 4913

وأقول مستعينًا بالله، ومتكلًا عليه: إن هذا السؤالَ من أشدِّ الأسئلة إشكالًا، وأقواها إعضالًا؛ لأنه انقضى زمن النبوةِ، وأيامُ نزول الوحي من السماء، ولم تحدث مسألةٌ عائلةٌ إنما حدث العولُ في زمن الصحابة (1) فاختلفوا، وليسوا بملومينَ فإن تزاحُم الفرائضِ التي أهلُها يرثون جميعًا ولا يُسْقِطُ بعضُهم بعضًا قبلَ ذلك التزاحُم إذا قلنا أنَّه يرثُ بعضُهم ويُسْقِطُ بعضٌ عند التزاحمِ كان هذا الإسقاطُ لا دليلَ عليه إلا مجرَّدُ الرأي ولا يخفى أن إبطالَ ميراثِ وارثٍ وأثبتَ اللهُ ميراثَه مع كل وارثٍ من المزاحمينَ له بمجرَّد اجتماعِهم على الميراثِ اجتماعًا زادتْ به أجزاءُ فرائضِهم على أجزاء التركةِ. كما لم يدلُّ عليه دليل لا ترتضيه قلوبُ المتورِّعين، ولا تطمئنُّ به خواطرُ المتقيَن ولا تميلُ إليه عقولُ المجتهدين.

وانظر إلى كل مسألةٍ من مسائل العولِ فإنك تجدُ جميعَ من فيها وارثًا غيرَ ساقطٍ، فمن قال أن البعضَ منهم وارثٌ عند التزاحم والبعضَ الآخرَ ساقِطٌ به فهو محتاجٌ إلى دليل يدلُّ على إسقاطِ ذلك الوارثِ، لا سيما بعد الاتفاقِ على إثباتِ ميراثِه في تلك الفريضةِ، فإن جاء بدليل قبِلْناه، وإن لم يأتِ بدليل إلا مجرَّدَ [3ب] ما يتخيَّلُه من أن التزاحمُ مسوِّغٌ لجعل البعض وارِثًان والبعضِ الآخر ساقطًا فهذا التخيلُ ليس بدليل وهكذا ما قاله بعضُ المانعينَ (2) للعَوْلِ من أنه ليس في المالِ نصفٌ ونصفٌ وثلثٌ. ذهب

(1) روي عن ابن عباس أنه قال في زوجة وأخت وأمٍّ: من شاء باهلتهُ أن المسائل لا تعول إنّ الذي أحصى رمل عالج عددًا أعدلُ من أنه يجعل في مالٍ نصفًا، ونصفًا وثلثًا، هذا نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ فسمِّيت هذه المسألة مسألة المباهلة لذلك، وهي أول مسألةٍ عائلة حدثت في زمن عمر رضي الله عنه، فجمع الصحابة للمشورة، فقال العباس: أرى أن نقسم المال بينهم على قدر سهامهم، فأخذ به عمر رضي الله عنه واتبعه الناس على ذلك .. ".

"المغني"(9/ 28)"موسوعة فقه عمر رضي الله عنه"(ص 73).

(2)

وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.

أخرج البيهقي في "السنن"(6/ 253) وسعيد بن منصور في سننه (1/ 44) روى الزهري، عن عبد الله بن عتبة قال: لقيت زفر بن أوس البصري فقال: نمضي على عبد الله بن عباس نتحدث عنده فأتيناه فتحدثنا عنده فكان من حديثه، أنَّه قال: سبحان الله الذي أحصى رمل عالجٍ عددًا، ثم يجعل في مال نصفًا، ونصفا، وثلثًا، ذهب النصفان بالمال، فأين موضع الثلث؟ وأيم الله لو قدَّموا ما قدم الله وأخَّروا ما أخر الله، ما عالت فريضة أبدًا فقال زفر: فمن الذي قدمه الله ومن الذي أخَّره الله؟ فقال: الذي أهبطه من فرض إلى فرض فذلك الذي قدمه الله والذي أهبطه من فرض على ما بقي، فذلك الذي أخَّره الله؟ فقال: الذي أهبطه من فرض إلى فرض فذلك الذي قدمه الله، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقي، فذلك الذي أخَّره الله. فقال زفر: فمن أوَّل من أعال الفرائض؟ قال عمر بن الخطاب فقلت: ألا أشرت عليه؟ فقال: هِبته وكان امرأ مهيبًا.

قال ابن قدامة في "المغني"(9/ 29): قوله من أهبطه من فريضة إلى فريضة فذلك الذي قدَّمه الله. يريد أنَّ الزوجين والأمِّ، لكل واحد منهم فرض ثم يحجب إلى فرض آخر لا ينقص منه، وأما ما أهبطه من فرض إلى ما بقي، قلَّ أو كثر فكان مذهبه، أنَّ الفروض إذا ازدحمت ردَّ النقص على البناتِ والأخوات.

ص: 4914

النصفان بالمال فأين موضع الثلث؟ فإن هذا مجرَّد استبعاد عمليٍّ، وعلى فرض صحَّتِه، والقول بموجبِه فنقول: نعم ذهب النصفانِ بالمال، فأين موضع الثلث؟ لكنْ أخبرونا مَنِ الذي أذنَ لكم عند هذه الحالةِ المستبعدةِ أن تورَّثوا بعضًا وتسقطوا بعضًا؟

إن قلتُم الآذِنُ لكم بذلك هو الله أو رسولُهُ فهذه باطلٌ بلا خلافٍ؛ فإن الله ورسولَه إنما فرضًا مواريثَ الوارثينَ حسبَما تضمَّنه القرآنُ والسنةُ، وبيَّنا الوارثَ والساقطَ، ولم يكن في القرآن ولا في السنة حرفٌ واحد في العولِ، ولا حدثَ ذلك في الأيام التي هي أيامُ نزولِ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا ذِكْرَهُ.

وأما ما يروى عن ابن عباس وهو رأسُ القائلينَ بعدم العولِ من أنَّه قال: "لو قّدَموا من قدَّم الله، وأخَّروا من أخَّر الله"(1) هكذا حُكيَ

(1) انظر التعليقة السابقة

ص: 4915

عنه، وما أظنُّه يصحُّ فإن هذا الدليلَ مع كونه لا يشبهُ كلامَ الفصحاء ولا يحكي كلامَ العرب العرَْباء، فيه غايةُ السقوطِ، والجوابُ عنه من وجوه.

الأول: على فرض صحة صدورهِ عن ابن عباس يقال له ما تريد بالتقديم والتأخير (1) هل تقديمُ الذِّكرِ [4أ] في النزولِ أم التقديم في المصحفِ الشريفِ، أم مرادُكَ بالتقديم أن الله قدَّمهم في تقديم إخراجِ ميراثِهم من التركةِ قبلَ إخراجِ ميراثِ غيرِهم، أو المرادُ بالتقديم أنه جاء عن الله- سبحانه- على لسان رسوله؟ إن قال: المرادُ الأولُ أو الثاني فممنوعانِ، بل بطلانهما ظاهرٌ لا يخفى على عالمٍ. وإن أرادَ الثالثَ فأيُّ دليل من كتاب الله- سبحانه- ورد بأنه يقدِّم إخراجِ ميراث بعض الورثةِ من التركةِ قبل إخراجِ ميراثِ البعضِ الآخَرِ، فإنا لم نسمع بشيء في هذا، فمن وقف على ما يفيد ذلك فلْيُهْدِه إلينا.

وإن أراد الرابعَ فليأتنا بالحجة أنَّه جاء شيء من ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والوجه الثاني: أن الورثةَ الذين ينتقلون (2) من فريضةٍ إلى فريضةٍ هم كثيرٌ، فإن البنتَ الواحدةَ مع عصبته فرضُها النصفُ، فإذا وُجدت معها بنتٌ أخرى انتقلتْ من النصف إلى الثلثِ (3)، وهكذا الأخت الواحدةُ لأب وأم، أو لأب مع العُصْبَةِ فرضُها النصفُ. فإذا وجدتْ معها أختُها انتقلت من النصف إلى الثلثِ (4)، وهكذا الأختُ لأبٍ مع العصبةِ

(1) تقدم توضيحه. انظر: "المغني"(9/ 29).

(2)

قال ابن قدامة في "المغني"(9/ 29): قوله: وأما أهبط من فرض إلى ما بقي يريد البنات والأخوات فإنَّهنَّ يفرض لهنَّ فإذا كان معهُنَّ إخوتهنَّ، ورثوا بالتعصيب.

(3)

قال تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف

) [النساء: 11].

(4)

في قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك)[النساء: 176].

ص: 4916

فرضُها النصفُ. فإن وُجدت معها أخت مثلها انتقلت إلى الثلث، وهكذا الأخ لأمٍّ فرضُه السدسُ، فإن وجدَ معه أخوانِ لأمٍّ انتقل إلى التسع. وهكذا الزوجُ والزوجةُ فإنهما ينتقلانِ من النِّصفِ والرُّبُعِ إلى الرُّبعِ والثُّمُنِ (1)، وهكذا الأمُّ تنتقلُ من الثلثِ إلى السدسِ (2) فهول لا يصدق على كل واحد [4ب] منهم أنه ينتقلُ من فريضةٍ إلى فريضةٍ. فإن كان ابن عباس يجعلُهم جميعًا من المقدَّمين فكيف يصنعُ مثلًا في زوجٍ وأختٍ وأمٍّ! أو في زوج وأختينِ لأبٍ وأمٍّ وأم! أو في زوج وابنتين وأمٍّ،! أو في زوجةٍ وأختينٍ لأبوين وأمٍّ! ونحوِ هذه الفرائضِ، فإن هؤلاء جميعَهم على فرض أنه يقول بأنَّهم ممن قدَّم الله قد تزاحمتْ فرائضهم وعالتْ، فإن قال أنه يرثون جميعًا لأنهم ممن قدَّم اللهُ. فإن كل واحد منهم سيأخُذ فريضتَه المنصوصَ عليها لزمَهُ القولُ بالعولِ. وإن يخصُّ بعضَهم بإعطائِه نصيبَه وينقصُ على غيرِه فهذا تحكُّم محضٌ بعد تسليم أنَّهم جميعًا ممن قدم الله.

فإن قال: إن الذي قدَّمهم الله إنما هو الزوجان والأبوان.

فيقال له: قد وُجِدَ في جميعه ما جعلتَه كالبيانِ لمن قدَّم الله ولمن أخَّر فإن كلَّ واحد من هؤلاء إذا زال عن فريضة في جميعهم ما جلتَه كالبيانِ لمن قدَّم اللهُ ولمن أخَّر فإن كلَّ واحد من هؤلاء إذا زال عن فريضة انتقلَ إلى فريضة أخرى.

فإن قال: المراد بذلك هو الذي لا يسقطُ بحال، بل يكون وارثًا في جميع الأحوالِ، ومع كلِّ وارث. ولكنه ينتقلُ من فريضة إلى فريضة بحسب اختلافِ الورثةِ.

فنقول: البنتُ هكذا لا تسقطُ بحال، بل تنتقل من النصفِ إلى الثلثِ، أو إلى أقلَّ من الثلثِ بحسب عددِّ من يرثُ معهَا.

(1) في قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم تكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم .. )[النساء: 12].

(2)

في قوله تعالى: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس)[النساء: 11].

ص: 4917

ثم ما الدليل على أن من لا يسقط بحالٍ هو الذي [5أ] قدَّمه الله. وعلى فرض هذا فإن خلفت الميتٌ ابنتَها وزوجها وأبويها، فإن كانوا ممن قدَّم الله جميعًا ففرْضُ البنت النصف، والزوجُ الربُع، والأبوينِ الثلثُ. فلا بد من القولِ بالعولِ، فإن قال أن بعضَ هؤلاء أقدمُ من بعض فمن هو الأقدم وما الدليلُ على ذلك مع كون كل واحد منهم لا يسقط بحال وبالجملة فلم يظهر لهذا الكلام الذي يروى عن ابن عباس وجهُ صحةٍ لا من طريق الأثرِ، ولا من طريق النظر. بل هو كلام متهافتٌ متناقضٌ (1).

والوجه الثالث: لو سلَّمنا أن هذا الكلامَ صحيحٌ، وأنه غير متناقضٍ بل مقبولٌ فلا يخفاك أن كلام الصحابي ليس بحجةٍ (2) على ما هو الحقُّ كما تقرَّر في الأصول فلا تقوم على القائلين بالعول الحجةُ بكلامه، وكيف يقومُ بكلامِهِ الحجَّةُ وقد خالفه من هو أكبرُ منه من الصحابة!. كما روي عن علي- عليه السلام أنه قال على المنبر:"صار ثُمنها تسعًا"(3) بل سيأتي أن الصحابة ..................................

(1) قال ابن قدامة في "المغني"(9/ 29 - 30): وقد يلزم ابن عباس على قوله مسألةٌ فيها: [زوج وأم وأخوان من أمٍّ، فإن حجب الأمّ إلى السدس خالف مذهبه في حجب الأم بأقل من ثلاثةٍ من الإخوة، وإن نقص الأخوين من الأم، ردّ النقص على من لم يهبطه الله من فرض إلى ما بقي، وإن أعال المسألة رجع إلى قول الجماعة وترك مذهبهن ولا نعلم اليوم قائلًا بمذهب ابن عباس، ولا نعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في القول بالعول.

(2)

تقدم توضحيه. انظر "إرشاد الفحول"(ص795).

(3)

أخرج ابن شيبة في مصنفه (2/ 183) وعبد الرازق في مصنفه (10/ 258) والبيهقي في "السنن"(6/ 253): اشتهر عن علي رضي الله عنه أنه كان يخطب على منبر الكوفة فقال: "الحمد لله الذي يحكم بالحقِّ قطعًا ويجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآل والرجعى

". فقطع عليه ابن الكواء خطبته ليسأله عن رجل توفي وترك زوج وبنتين وأمًا وأبا، فأدرك عليَّ بما حباه الله من ذكاء أن القصد من السؤال هو التأكد من نصيب الزوجة فبادره عليَّ الجواب وقال متابعًا دون توقف "صار ثمنها تسعًا" ومضى في خطبته

وكأنه أراد أن يقول رضي الله عنه أنَّ المسألة قد عالت ولذلك نقص نصيب الزوجة من الثمن إلى التسع.

المسألة أصلها من [24] فأعالها علي رضي الله عنه إلى [27] وقد كان نصيب الزوجة [3/ 24] وهو الثمن فأصبح نصيبها بعد العول [3/ 27] وهو التسع.

بعد العول 27

أصلها 24

صورتها: 3 1/ 8

الزوجة 16 2/ 3

بنتان 4 1/ 6

أم 4 1/ 6

أب

ص: 4918

أجمعوا (1) على إثبات العولِ ولم يخالفْهم إلا ابن عباس.

وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنَّ السائل- دامت إفادته- لما أشار في سؤاله إلى كلام المحققِ الجلالِ (2) كما عرفَ تعيَّن علينا أن ننقلَ كلامَ الجلالِ بحروفِه ثم نتكلَّم على ما فيه، ثم بعد ذلك نتكلَّم على كلامِه في كل فريضةٍ من الفرائضِ العائلةٍ لتعرفِ الحقِّ في هذه المسألةِ. فإنها مسألةٌ عظيمةٌ يترتَّب عليها اختلافُ التوريثِ في كثير من المسائلِ وذلك هو حق من حقوق العباد [5ب]، ومظلمةٌ ماليَّةٌ لا بدَّ أن يقعَ السؤالُ عنها بين يدي اللهِ لكل من قضى فيها بقضيةٍ أو أفتى فيها بِفُتْيا، فإن من انتقص من نصيبِه بتقديمِ غيرِه عليه أو بمزاحمةِ غيره لا بدَّ أن يتعلَّق بمن صنعَ به ذلك حتى يفكَّه عدلُه،. وموافقتُه للحق أو يوبقْه جَوْره ومخالفته له. وأقلُّ الأحوال أن ينتقصَ أجرُه مع توفيتِه حقَّ الاجتهادِ كما ورد في الحديث المتفق عليه:"إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجرانِ، وإن اجتهدَ فأخطأَ فله أجرٌ"(3).

ولكنه لا يكون هكذا إلا من وفَّى الاجتهادَ حقَّه في هذه المسألةِ، وقليلٌ ما هم.

قال الجلال في ضوء النهار (4) ما لفظه: وقيل: قاله الجمهورُ: لا يقدَّم أحدٌ بل تعولُ

(1) انظر "المغني"(9/ 30).

(2)

في "ظهور النهار"(4/ 2654 - 2646).

(3)

تقدم تخريجه مرارًا

(4)

(4/ 2645).

ص: 4919

الفرائضُ أي تميلُ عن مقاسمتِها بحيثُ يصيرُ لكل منهم اسمٌ غير اسمِه الأولِ كما سمّى أمير المؤمنين كرم الله وجهه (1) في الخطبة المنبرية (2) الثمنَ تِسْعًا، لأن [مقسم](3) الثمن ثمانية فأميل إلى تسعةٍ واحتجَّ القائلون بالعول بأنه استحال أن يكون لشيء ونصفٌ، ونصفٌ وثلثٌ، كما في زوج وأختٍ وأمٍّ مثلًا، فوجب تقسيطُ المال على المقادير، وهو معنى القولِ.

وإلا كان إسقاطُ أحدِ المقاديرِ أو نقصه تحكُّمًا، وأجيبَ بمنع التحكُّم مسنَدًا بأن فرضَ غير الأبوينِ والزوجينِ مطلقٌ (4)، والمطلقُ غيرُ عامٍّ للأحوال المسماةِ بالأوضاعِ والأزمان لأنَّ العامَّ مقيَّدٌ (5) كما علم في الأصول، ولا شيء من المطلق مقيَّدٌ على أنه لو كان

(1) قال السفاريني في "غذاء الألباب". كما في "المناهي اللفظية"(ص 454): "قد ذاع ذلك وشاع وملأ الطروس والأسماع، قال الأشياخ: وإنَّما خص علي رضي الله عنه بقوله كرم الله وجهه، لأنه ما سجد إلى صنم قد وهذا إن شاء الله لا بأس

".

فقال صاحب "المناهي اللفظية"(ص 454): أما وقد اتخذته الرافضة- أعداء علي رضي الله عنه والعترة الطاهرة- فلا، منعًا لمجاراة أهل البدع.

ولهم في ذلك تعليلات لا يصح منها شيء ومنها: لأنّه لم يطلع على عورة أحد أصلًا.

ومنها: لأنه لم يسجد لصنم قط، وهذا يشاركه فيه من ولد في الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم

".

(2)

تقد التعليق عليها.

(3)

زيادة من "ضوء النهار"(4/ 2645).

(4)

قال الأمير الصنعاني في "منحة الغفار على ضوء النهار"(4/ 2645): قوله: بأن فرض غير الزوجين والأبوين مطلق أقول: أي في اللفظ الدال على فرضهم وذلك أن قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين) وقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف) لم يقيد بوجود أحد ولا بعدمه، بخلاف فرض الأبوين فإنه قيد استحقاقهم الكثير منه بعد وجود الولد واستحقاق القليل منه بوجوده ومثله فرض الزوجين قيد استحقاق القليل منه بوجود الولد واستحقاق الكثير منه بعدمه.

(5)

انظر "إرشاد الفحول"(ص 454).

ص: 4920

عاما لوجوب تخصيصُه بفرضِ الأبوين والزوجينِ (1)، لأن الأقلَّ مقيَّدٌ بوجود الولد والأكثرَ بعدمِ الولدِ، فهو خاصٌّ في الأحوالِ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ كما عَلِمَ.

وإذا ثبتَ أنْ لا عمومَ للمطلق (2) فهو صادقٌ في ضمن مقيَّدٍ ما، وهو ما خلا [حالة](3) مزاحمةِ فروض الأبوينِ والزوجينِ مقيدٌ المعارضةَ للمطلقِ، وإلا لزمَ مخالفةَ أصلينِ متفقٍ عليهما:

أحدهما: أن الاجتهادَ إنما يصح في مقابلةِ الظواهرِ [6أ] بتأويلها وتخصيصِها وتقييدِها بالقياس ونحوه، وأما النصوص الصرائح التي لا تحتملُ تخصيصًا ولا تقييدًا ولا تأويلًا فلا يصحُّ فيها الاجتهادُ.

ثانيهما: أن المقيَّد هو المقدمُ على المطلقِ، وقد عكسَ الأمرين مَنْ قالَ بالعولِ فأخرج السدسَ والرُّبُعَ والثُّمنَ ونحوَهما التي هي نصوصٌ صريحةٌ لا تحتملُ غيرَ معنى واحدٍ من معانيها وقدم المطلقَ على المقيَّد مع أن دلالةَ المقيدِ على مدلوله أقوى من دلالة المطلقِ على ذلك المقيَّد. ولهذا يجب تخصيصُ العامِّ بالخاصِّ إن اختلفَ حكمُهما، ويُحْملُ المطلقُ على المقيَّد إنِ اتَّفق حكمُهُما (4) والقائل بالعولِ قد زاغَ عن الثبوت على جبال هذه القواعد الرسيةِ. وحينئذ يجبُ أن يَستوفي الأبوانِ والزوجانِ فرضَهُما في محلِّهما، وما بقي كان لأقرب فرعٍ تعصيبًا لا فرضًا؛ إذ لا مانعَ من أن يكونَ بعضُ الورثةِ ذا فرضٍ على تقدير وعصَبَةً على آخر كما في الأب والجدِّ فإنهما ذو فرض مع الأولاد، وعصَبَةٌ مع غيرهم، فيجب أن يكون البناتُ كذلك ذواتِ فرضٍ عند انفاردهنَّ مع الأبوينِ والزوجينِ وعصَبَاتٍ معَهما كما يكنَّ عصباتٌ مع إخوتهنَّ، والأخواتُ أيضًا

(1) تقدم. انظر: آيات المواريث.

(2)

تقدم مرارًا.

(3)

زيادة من "ضوء النهار"(4/ 2644).

(4)

تقدم ذلك مفصلًا

ص: 4921

مع البناتِ، وكذا الأبوان يقتسمان ما بقي بعد [أحد](1) الزوجين للذكرِ مثلُ حظ الأنثيينِ على الأصحِّ تعصيبًا لا فرْضًا؛ لأنَّ ما بقي بعد فروضِ الزوجينِ والأبوينِ إن زاد على قدر فرضِ الإناثِ وجب أن يوفين منه على قدرِ فرضهنَّ، وما بقي فلذي فرضٍ أو عصَبَةٍ غيرِهنَّ لئلا يزيدَ ما لهنَّ مع المزاحمِ عليه مع عدمِه. انتهى كلامه (2).

وها أنا أتكلم على كلامه هذا بما تراه فتدبَّر الصوابَ.

أما قوله: وأجيب بمنع التحكُّمِ مسندًا بأن فرضَ غيرِ الأبوينِ والزوجينِ مُطْلَقٌ.

فأقول: ماذا أردتَ بالمطلق؟ إن قلتَ هو ما دلَّ على ماهيَّتِهِ مجرَّدُهُ، أو ما دل على شائعٍ في جنسهِ (3)، فلا فرقَ بين الأبوين والزوجينِ وبين غيرهم من الورثةِ في هذا المفهومِ؛ لأنهم مذكورون في القرآن الكريم على نمطٍ متفقٍ.

فإنه من حكم على قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} ، قوله:{ولهن الربع مما تركتم} (4)، وقوله:{وورثه أبواه فلأمه الثلث} ، وقوله:{فإن كان له إخوة فلأمه السدس} (5) وبالعموم أو الإطلاقِ [6ب] لزمه أن يحكمَ على مثل قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (6)، وقوله:{فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} (7) بمثل ذلك الحكم وهكذا في الآية الواردةِ في ميراث الأخواتِ، وذلك في قوله تعالى:{فإن كانتا اثنتين} الآية. وكذلك قوله: {إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك}

(1) زيادة من "ضوء النهار".

(2)

أي الجلال في "ضوء النهار"(4/ 2644 - 2648).

(3)

انظر "إرشاد الفحول"(ص 540)، "المسودة"(ص 147).

(4)

[النساء: 12].

(5)

[النساء: 11]

(6)

[النساء: 12]

(7)

[النساء: 12]

ص: 4922

(1)

، وكذلك الإخوة لأم، ونحوُ ذلك. وهكذا العكسُ.

وإن أردتَ بالمطلقِ هاهنا هو ما لم يقيَّد بقيدٍ، وميراثُ الزوجين والأبوين مقيَّدٌ. فإن الزوجَ يستحقُّ النصفَ بقيد عدمِ الولدِ، والرُّبُعَ بقيد وجوده، والزوجة الربع أو الثمن بقيدين المذكورين، والأمُّ تستحقُّ والأبُ الباقي بقيد أن لا يكون للميِّت وارثٌ سواهما. فنقول: وهكذا البنتُ تستحقُّ النصفَ بقيد أن لا يكون معها أحدٌ من إخوتها وأخواتِها، وتستحق الثلثَ بقيد وجودِ أختِها معها.

والأختُ لأبوين أو لأب تستحقُّ النصف بقيد عدم وجود أختِها معها، وذلك حيث يخلِّف الميت مثلًا أختًا لأبوينِ أو لأب وعصبَةً كالأعمام، وأولادِ الإخوةِ. وتستحق الثلَث بقيدِ وجودِ أختِها معها، وهكذا الإخوةُ والأخوات لأمٍّ، فإن الواحد منهم يستحقُّ السدسَ بقيد وجودِه منفردًا. أو مع واحدٍ معه منهم، وتستحقُّ التسعَ بقيد وجود اثنين معه. ونحو ذلك كثيرٌ.

فإن قال المرادُ التقييد مع عدمِ السقوطِ بحال. فنقول: والبنتُ أيضًا كذلك، فإنه وُجِدَ التقييدُ فيها مع عدم السقوط بحال، فكيف تقول في امرأة خلَّفت أبوين وابنتين وزوجًا، أو أبوين وبنتًا وزوجةً، إن قال يأخذ الأبوان الثلثَ والزوجُ الربعَ والابنتانِ أو البنتُ الباقي، وهو ثلثٌ ونصف سدسٍ فقد أدخل النقصَ على من هو الميِّتِ بمكان القُرْبِ لا يلحقُ به غيرُه مع كونِه لا يسقطُ بحالٍ، ومع كونه يستحقُّ مقدارًا معينًا بقيدٍ، ومقدارًا آخر بقيدٍ آخَرَ.

وأما قوله: والمطلق غيرُ عام للأحوال المسماة بالأوضاع والأزمانِ، وأن العامَّ مقيد كما علم في الأصول ولا شيءَ من المطلق.

فأقول: هذا الفرق بين [7أ] المطلق والعام لا يتعلَّق به فائدةٌ معتدًّ بها في محل النزاع لأنك قد عرفتَ اتحادَ الصيغِ الواردةِ في ميراث الأبوين والزوجين وغيرِهما، فإن أراد

(1)[النساء: 176]

ص: 4923

أن الورادَ في ميراث الأبوين والزوجين عامٌّ، والواردَ في ميراثِ غيرِهما مطلقُ فهذا هو التحكُّم البحْتُ، والتكلُّف الصِّرْفُ، وإن أراد أن الصيغَ الواردةَ في الجميع مطلقة، لكن التقييدَ في الأبوين والزوجين صار كالعامِّ من جهة كونِه مقيَّدًا فليس كل مقيَّد له حكم العامِّ، ولا يخالف في ذلك من له أدنى إلمام بعلمِ الأصولِ، بل من له أدنى إلمام باللغة العربية. ومع هذه فقد قررنا فيما سبق أنه لم يختصَّ بالتقييد ميراثُ الأبوينِ والزوجين فقط بل معَهم غيرهم كما عرفت، فالعلَّة موجودةٌ، والإلزام مشتركٌ.

وأما قوله على أنه لو كان عامًّا لوجب تخصيصه بفرضِ الأبوينِ والزوجينِ لأن الأقلَّ مقيَّدٌ بوجود الولدِ، والأكْثَرَ بعدم العولِ، فهو خاص في الأحوال، والخاصُّ مقدم على العامِّ كما عُلِمَ.

فأقول: قد تردد ميراثَ من عدا الأبوين والزوجينِ بين أن يكون مطلقًا أو عامًّا.

وأجاب على فرض العموم بأن ميراث الأبوين والزوجينِ خاصٌّ، والواجبُ بناء العام على الخاصِّ، ولا يخفى عليك أن هذه التفرقةَ بين الأبوين والزوجين وبين غيرهم إن كان من حيث الصيغُ الواردةُ في مواريثهم في القرآن الكريم أو السنة النبوية فممنوعٌ.

فإن من يعرفُ علم البيانِ والأصولِ يعلم أن الحكمَ على الصيغِ الواردةِ في ميراثِ الأبوين والزوجين بالتقييدِ أو التخصيص، وعلى الصيغِ الواردةِ في ميراث غيرهم بالإطلاقِ أو العمومِ باطلٌ لا يرجع إلا قاعدةٍ مقرَّرةٍ، ولا إلى قانون صحيح، بل مجازفةٌ محْضةٌ [7ب]، وتحكُّم خالصٌ. وإن كانت هذه التفرقةُ من حيث كونُ ميراثِ الأبوينِ والزوجينِ مقيَّدينِ بتلك القيود، فميراث غيرِهما أيضًا مقيَّد بمثل تلك القيودِ. وإن كانت من حيث عدمُ السقوطِ بحال فميراثُ غيرِهم كذلك كالبنتِ.

وأما قوله: وإذا ثبت أنه لا عمومَ للمطلقِ فهو صادقٌ في ضمن مقيَّد ما وهو ما خلى عن مزاحمة فرض الأبوينِ والزوجين.

فأقول: هذا إنما يتمُّ بعد تسليم الإطلاقِ في ميراثًِ غير الأبوينِ والزوجينِ، والتقييدِ

ص: 4924

في ميراثهما. وقد عرفتَ أنه منقوضٌ على كل تقدير، وأنه قوله: وإلَّا لزم مخالفةً أصلينِ متفقٍ عليهما: أحدُهما أن الاجتهادَ إنما يصحُّ في مقابلةِ الظواهِر بتأويلها وتخصيصِها وتقييدها بالقياسِ ونحوِه.

وأما النصوص الصرائحُ التي لا تحتمل تخصيصًا ولا تقييدًا ولا تأويلًا فلا يصحُّ فيها الاجتهادُ.

فأقول: هذا يرد على القائلين بعدم ثبوت العول، وتقديم الزوجين والأبوين على سائر الورثة لا على القائلين بثبوت العول، وتقديم الزوجين والأبوين على سائر الورثة لا على القائلين بثبوت العول، وبيانه أن الله- سبحانه- جعل للبنتين الثلثينِ، وهذا نصٌّ صريحٌ. فاجتهد القائلون بعدم العولِ بأن الأب والأمِّ يأخذانِ الثلثَ كاملا، والزوجُ الربعَ كاملًا، ولم يجعلوا للبنتين إلا ثلثَ التَّركةِ ونصفَ سُدُسِهِا، وكذلك جعل الله للأختين الثلثين.

فقال النافون للعول: إن للزوج النصفَ وللأبوين الثلثَ وللأختين السدسَ، وهكذا في البنت الواحدة في المسألة الأولى فإنها أخذتْ دون ما فرضه الله لها وهو النصفُ بدون دليل، بل لمجرد اجتهادٍ في مقابلة النصوصِ الصريحةِ، وهكذا الأخت الواحدةُ في المسألة الثانية إذا انفردت عن أختها أخذتِ السدسَ وهو ثلثَ فَرْضِها، وهكذا الأخوانِ للأمِّ مع زوجٍ وأختٍ لأبوين، وغيرت هذهِ الصورِ كثيرٌ.

وستعرف ذلك عند الكلام على كل مسألةٍ من مسائلِ العولِ، فانظر بعين الإنصافِ أيّما أشد مخالفةً للنص هل مَنْ جعلَ الميراثَ [8أ] لبعض الورثةِ، وأسقطَ البعضَ الآخَرَ مع كونهم جميعًا وارثينَ في تلك الفريضة بالنصوص الصحيحة، أم من قسمَ الميراث بينهم جميعًا لكل واحد منهم بمقدارِ فريضتِه؟ ولكنها لما تزاحمتْ وزادتْ فرائضُ الورثة على أجزاء التركةِ جعلوا لكلِّ ذي فرض من الورثةِ بمقدارِ نصيبِه من التركةِ، فإنه لا شكَّ ولا ريبَ أن المثبتين للعول أبعدُ لموافقةِ النصوصِ من النافينَ، لأن المثبتين أعملوا النصوصَ بحسب الإمكانِ، وبغاية الحرص على أن لا يقطعوا ميراثَ وارثٍ، ولا يفضِّلوا عليه غيْرَه بدون دليل.

ص: 4925

وأما النافونَ فإنَّهم أعملوا بعضَ النصوص فوفَّروا ما فيها من الفرائض على أهلِها وطرحُوا النصوصَ الآخرةَ فنقصُوا أهلَها من بعض ما يستحقونه، أو من كلِّه بدون برهانٍ ولا قُرآنٍ، ولا عقلٍ ولا نقلٍ، فتأمل في هذا الأصل الأول الذي أورده الجلالُ على القائلينَ بالعول، حتى يتبينَ لك أنه أورد عليهم ما هو واردٌ عليه، عند من أنصفَ فإن القائلينَ بالعول إنما أعملوا النصوصَ ولم يهدُروا شيئًا منها، بل جمعوا بينَها بما يمكن عند التزاحُم، وزيادةِ أجزاء الفريضةِ على أجزاء التركةِ، بخلاف المانعينَ للعول، فإنهم أهدروا بعضَها إهدارًا ظاهرًا، وقدموا البعضَ وأخَّروا البعضَ بل دليل يدلُّ على ذلك، بل بمجرد رأي قد تبين فساده.

وأما قوله: وثانيها أن المقيَّد هو المقدَّمُ على المطلقِ. وقد عكس الأمرينِ من قال بالعول فأخرجَ السدسَ والربعَ والثمنَ ونحوَها التي هي نصوصٌ صريحةٌ لا تحتملُ غيرَ معنى واحد من معانيها، وقدَّم المطلقَ على المقيَّد مع أن دلالةَ المقيد على مدلوله أقوى من دلالة المطلق على ذلك المقيد، إن اتَّفقَ حكمُهما [8ب] والقولُ بالعولِ قد زاغ عن الثبوتِ على جبال هذه القواعدِ الراسيةِ.

فأقول: لا شكَّ فيما ذكره من تقديمِ المقيَّد على المطلق، ولكن نحن نمنع أن بعضَ فرائضِ الورثةِ مطلقةٌ، وبعضَها مقيَّدةٌ كما عرفت ذلك. فهذا الكلامُ إنما يكون نافعًا في محل النزاعِ بعد الاتفاقِ على أن فريضةِ الزوجينِ والأبوينِ مقيَّدةٌ، وفريضةُ مَنْ عداهما مطلقةٌ، وهو غيرُ صحيح كما مرَّ.

وأما دعواه أنه قد عكس الأمر من قال بالعول فباطلٌ. فإنه إنما تتمُّ هذه الدعوى بعد تسليم أنهم قدَّموا المطلقَ على المقيدِ، ولم يفعلوا ذلك، بل جمعوا بين جميعِ الفرائضِ وأخرجوا لكل واحدة منها بمقدارها من التركةِ.

ثم أيضًا هذا الكلام في نفسه فاسدٌ، فإن أهل العولِ لم يقدِّموا المطلقَ على المقيَّد على فرض صحة ما ادَّعاه من كون فريضةِ الأبوينِ والزوجينِ مقدَّرةٌ، وفريضةُ مَنْ عداهم

ص: 4926

مطلقةٌ، بل أعطوا كل ذي فرضٍ فرْضَهُ، وإنما يكون التقديمُ لو وفَّروا نصيبَ من عدا الزوجينِ والأبوينِ، وجعلوا النقصَ في نصيبهما عند التزاحم، فالعكسُ الذي ادعاه إنما يصدُق بهذا ولا يصدُق بمجرَّد التسويةِ على أهلِ الفرائضِ المتزاحمةِ، بل الذي جاء بما لا يعقلُ ولا يجري على قواعدِ الأصولِ هو النافي للعولِ، فإنه قُدِمَ مطلقًا على مطلق أو مقيَّدًا على مقيِّد، أو عامًا على عامٍّ، أو خاصًّا على خاصٍّ، على حسب تلك النصوصِ الواردةِ، فإنها متساوية الأقدام. فمن ادَّعى العمومَ أو الخصوصَ في بعضها فالآخر مثلُه، ومن ادَّعى الإطلاقَ أو التقييدَ في بعضها فالآخر أيضًا مثلُه لما عرَّفناك سابقًا.

وأما ما ادعاهُ من إخراجِ السدس والربعِ والثمنِ ونحوِها فأهلُ العول لم يخْرِجُوها كما زعم [9أ]، بل أعطوا كلِّ واحد من أهلها فرْضَهُ المسمَّى له، لكنها لما تزاحمت الفرائضُ، وزادتِ على أجزاءِ التركةِ قسمُوا التركةَ على تلك الفرائضِ من غير إخراجٍ، بل لضرورة عقليةٍ اقتضتْ أنه لا يجتمعُ في المال مثلًا نصفانِ وثلثُ، أو نصفانِ وسدسٌ، أو ثلثانِ ونصفٌ، أو نحو ذلك.

وإنما الذي أخرج وخالف النصوصَ هو الذي أثبتَ بعضَها وأسقطَ بعضَها لمجرد خيالٍ مختلٍّ، وتوهمٍ فاسدٍ. وبهذا تعرف أن عدمَ القولِ بالعولِ هو الذي زاغ عن جبال هذه القواعدِ الراسيةِ.

وأما قوله: وحينئذ يجبُ أن يستوفي الأبوانِ والزوجانِ فرضَهما في محلهما، وما بقي كان لأقربَ نوع تعْصيبًا لا فَرْضًا. إذ لا مانعَ من أن يكون بعض الورثة ذا فرضٍ على تقديرٍ وعصَبَةٍ على آخر كما في الأبِ والجدِّ، فإنهما ذو فرضٍ مع الأولادِ وعصَبَة مع غيرهم فيجب أن يكون البناتُ كذلك ذواتِ فرضٍ عن انفرادهنَّ عن الأبوينِ والزوجينِ، وعصَبَاتٍ معهما كما هنَّ عصباتٌ مع أخوتهنَّ. والأخواتُ أيضًا مع البناتِ على الأصح تعصيبًا لا فرضًا لأن ما بقي بعد فرض الزوجينِ والأبوينِ إن زاد على قدرِ فرضِ الإناثِ وجب أن يوفى منه على قدرِ فرضهنَّ، وما بقي فلذي فرض أو عصبةٍ غيرهنَّ لئلا يزيدَ حالُهن مع المزاحم عليه مع عدمه.

ص: 4927

فأقول: لا يخفى على كل ذي لبٍّ وإنصافٍ ما في هذا الكلام من التكلُّف والتهافُتِ، فإنه ما تم عدمُ القول بالعول إلا بقطع ميراث وارثٍ وإحرامه جميعَ ميراثِه أو بعضه، ثم لم يكتف النافون للعول بهذا حتى جاوزه إلى إخراجِ أهل الفرائضِ المقدَّرِة عن فرائضهم وإبطال كونهم [9ب] من ذوي السِّهام، وإلحاقِهم، بالعصَبَاتِ لا لدليل ولا لأمر اقتضاه العقلُ، بل لمجرد رأي فاسدٍ، ثم اقتحام قياس من عالتْ بهم المسألةُ في مصيرهم عصباتٍ في بعض الأحوال على الأبِ والجدِّ الذين ورد الدليل بأنهم كذلك. ثم إخراجُ أقربِ الورثةِ وأحقِّهم بالإحسان، وأمسِّهم رجاءً، وأقدمهم في كل شيء البناتِ الذين هنا قطعةٌ من كبد الميت، وتأثير أحد الزوجينِ وتقديمُه عليهنَّ لا لدليل عقلٍ ولا نقلٍ، فانظر بعين الإنصافِ ما لزم القائلينَ بعد العولِ من المخالفاتِ للأدلةِ الصريحةِ الصحيحةِ، فإنهم رجحوا بل مرجِّحٍ، وقدموا بل سببٍ شرعيٍّ يقتضي التقديمَ، وجعلوا النقضَ على من الأدلةِ والجمعُ بينهما على وجهٍ هو أعدل الوجوهِ وأقومُها، من دون تأثير ولا تقديمٍ ولا العولِ إذا جمعتْ أجزاؤُها زادت على أجزاء التركةِ قسموا التركةَ بين أهل تلك الفرائضِ لكل واحد منهم بمقدارِ فريضتِه، ولم يقعوا في عملٍ يلزمهم به التحكُّمُ من قطع ميراثِ وارثٍ، وتقديمِ غيرِه عليه، وإخراجه عن كونه من أهلِ الفرائضِ المقدرةِ المنصوصةِ في المعادلة بين ما يلزمُ عن كل قول [10أ] من هذين القولين من المصالحِ والمفاسدِ والمطابقةِ للمقاصدِ الشرعيةِ والمخالفةِ لها، فلو لم يكن بيد من أثبتَ العولَ ونفاهُ إلا محضُ الرأي لكان رأي المثبتين أحقَّ بالقبول وأقربَ إلى المنقولِ والمعقولِ.

وهكذا لو نظرنا إلى من قال لا إلا ما قالَ، لكن العملُ بقول الجمهورِ، وهم المثبتونَ للعول أولى من العمل بقولِ شِرْذِمَةٍ يسيرةٍ من العلماء النافينَ للعول. وقد حكى الأمير الحسني صاحبُ .................................................

ص: 4928

الشِّفا (1) عن الإمام المؤيَّد بالله أنه قال: أجمع الصحابةُ على القول بالعول، ولم يخالِفْ في ذلك إلا ابنُ عباس، فانظُر أين يقعَ ابنُ عباس- رحمه الله من جميع الصحابةِ، وأين يقع قوله منفردًا من قول جميعِهم! ومع هذا فهاهنا دليلٌ يصلح للتعويلِ، وهو حديث ابن عباس الصحيحُ المتفقُ (2) عليه بلفظ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأول رجلٍ ذكرٍ" فإن من تأمل هذه الحديث حقَّ التأمُّلِ وجدَ فيه ما يرد على ابن عباس النافي للعولِ، وعلى سائرِ القائلينَ بقوله، فإن المرادَ بالفرائضِ المذكورةِ في الحديثِ هي الأنصباءُ المقدَّرةُ (3)، وأهلها هم المستحقون لها بالنصِّ.

هكذا فسَّر الحديثَ المحققونَ من شرَّاحِ كتب الحديث. قالوا: والحديثُ يدل على أنَّ الباقي بعد استفياء أهل الفروضِ المقدرةِ لفروضِهم يكون لأقربَ العصَبَاتِ من الرجال ولا [10ب] يشاركُه من هو أبعدُ منه (4). وقد حكى النووي (5) الإجماعَ على ذلك، فعرفتَ أن استيفاءَ أهل الفروض المقدرةِ لفروضِهم لا يكون إلا بإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه أما مع عدم المزاحمةِ بالعول فظاهرٌ، وأما مع المزاحمةِ بالعول فلا يحصلُ العملُ بالحديثِ إلا بإعطاءِ كلِّ وارثٍ في تلك الفريضة بمقدارِ فَرْضِهِ من التركةِ، وتعول المسألةُ بخلافِ إسقاطِ بعض ميراثِ أهلِ الفروضِ المقدرةِ أو كلِّه، فإنه لم يحصل العملُ فيه بالحديثِ لأنه لم يقع إلحاقُ الفرائضِ بأهلها. وقد اعترف الجلالُ في ضوء النهار (6) بأن

(1) أي "شفاء الأوام"(3/ 471).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

قال الحافظ في "الفتح"(12/ 11) قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها" المراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى وهي النصفُ ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن.

(4)

انظر "فتح الباري"(12/ 11 - 12).

(5)

في شرحه لصحيح مسلم (4/ 49 - 50).

(6)

(4/ 2643).

ص: 4929

الفرائض المذكورة في هذا الحديثِ هي الفرائضُ المذكورة في القرآن. فلزمه هو وسائرُ النافينَ للعول أن يقولوا به؛ لأنه يتمُّ إلحاقُ الفرائضِ بأهلها مع تتزاحمِ إلا بالعولِ، لا بتقديمِ البعضِ على البعضِ فإنه ليس بإلحاق لجميع أهل الفرائض بفرائضِهم، بل لبعضِهم. فهذا ما أمكنَ من الكلام على كلام الجلالِ فقد نقلناه بحروفِهِ، وتكلمنا على كل لفظٍ من ألفاظِه، ولم يحضرْ عندي حالَ تحريرِ هذا حاشيتُه للعلامةِ الأميرِ المسماةِ بالمنحة (1) فلينظر فيها هل وافقَ اجتهادُ صاحبها اجتهادَ صاحبِ الشرح أم خالفه؟ وإذا قد فرغنا من الكلام على ما استدلَّ به القائلين بعدمِ العولِ فلنتكلم الآن في كل صورة من صور العولِ التي مثَّل بها لمسائل العولِ (2)، وذكر فيها كيفيةَ التوريث على العول، وكيفية

(1) أي "منحة الغفار على ضوء النهار"(4/ 2642 - 2651): قال ابن الأمير: "

أن المسألة لا نص فيها إنما اجتهد فيها الصحابة لما دهمهم وليس فيها إلا رأي عمر شبه التركة بالدين والورثة بالغرماء الذين لا تفي التركة بمقدار دينهم، وابن عباس على ما ذكره اجتهادًا منه أيضًا والشارح- أي الجلال- رجح رأي ابن عباس وجعله متنًا وشرحه وفصله.

(2)

خلاصة مسألة العول:

1 -

أصول سهام الفرائض التي تعول: معنى أصول المسائل: المخارج التي تخرج منها فروضها.

وأصول المسائل كلها سبعة لأن الفروض المحدودة في كتاب الله تعالى ستةٌ: النصفُ والربع، والثمن والثلثان، والثلث، والسدس.

ومخارج هذه الفروض مفردة خمسة:

الثلث والثلثان مخرجهما واحد.

النصف من اثنين والثلث الثلثان من ثلاثة، والربع من أربعة والسدس من ستة والثمن من ثمانية، والربع والسدس أو الثلث أو الثلثين من اثني عشر، والثمن من السدس أو الثلثين من أربعةٍ وعشرين. فصارت سبعةٌ. وهذه الفروض نوعان:

أحدهما: النصف ونصفه، ونصف نصفه.

ثانيهما: الثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.

وكل مسألةٍ فيها فرض مفردٌ فأصله من مخرجه، وإن كان فيها فرضان يؤخذ أحدهما من مخرج الآخر فأصلها من مخرج أقلها، وإن كان فيها فرضان من نوعين لا يؤخذ أحدهما من مخرج الآخر. فاضرب أحد المخرجين في الآخر أو وفقه، فما بلغ فهو أصل المسألة، وفيها يكون العول، لأن العول إنما يكون في مسألة تزدحم فيه الفروض، ولا يتسع المال لها، فكل مسألة فيها نصف وفرض من النوع الآخر فأصلها من ستة، لأن مخرج النصف اثنان ومخرج الثلث ومخرج الثلث والثلثين ثلاثة. فتضرب اثنين في ثلاثة تكن ستة.

والمسألة على ثلاثة أضرب: -

عادلة: وهي التي يستوي مالها وفروضها.

- عائلة: وهي التي تزيد فروضها عن مالها.

- رد: وهي التي يفضل مالها عن فروضها ولا عصبة فيها.

1 -

ما فيه نصف وسدس:

فإن مخرج النصف اثنان، ويوجد ذلك في مخرج السدس وهو الستة فكان أصلهما جميعًا ستة وهكذا لو كان سدس وثلث أو ثلثان فأصلهما من مخرج السدس ولا يزيد عليه.

2 -

ما فيه نصف وثلث أو نصف وثلثان:

فإن مخرج النصف اثنان. ومخرج الثلث والثلثان ثلاثة ولا وفق بينهما. فاضرب أحد المجروحين في الآخر تكن ستة ويصير كل كسر بعدد مخرج الآخر ويدخل العول هذا الأصل لازدحام الفروض فيه، وهي أكثر عدولًا. والعول زيادة في السهام ونقصان في أنصباء الورثة.

قاعدة: فما كان أصلها من ستة كما تقدم تعول إلى سبعة وإلى ثمانية وإلى تسعة وإلى عشرة ولا تعول أكثر من ذلك.

وما فيها ربع وسدس، أو ربع وثلث، أو ربع وثلثان، فأصلهما من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر، وإلى خمسة عشر، وإلى سبعة عشر، ولا تعول إلى أكثر من ذلك.

وما فيه ثمن وسدس أو ثمن وسدسان، أو ثمن وثلثان، فأصلهما من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، ولا تعول إلى أكثر من ذلك.

انظر: "المغني"(9/ 35 - 38).

ص: 4930

التوريث على عدمه، وإنما جعلنا الاعتراض منا مختص بما ذكره الجلال في الاستدلال والمثال، لأن السائل- كثر الله فوائده- قد أشار في سؤال الذي قدمنا ذكره إلى كلام الجلال، واستفهم عنه فنقول [11أ]: قال في عول سبعة (1) بعد أن مثلها بزوج وأخت

(1) مثاله: ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختًا لأب وجدا، فأصل المسألة من ستة لأن فيها نصفا وسدسا وتعول إلى سبعة.

للزوج ثلاثة فينقص نصيبه بمقدار الفرق بين (3/ 6، 3/ 7) وللأخت ثلاثة كذا وللجد واحد فينقص نصيبه بمقدار بين (1/ 6، 1/ 7).

وانظر: "المغني"(9/ 36).

ص: 4931

لأبوين، وأخت لأب أنه يكون للزوج النصف، وللأخت لأبوين النصف، وتسقط الأخت لأب لأنهم إنما قاسوا الأخت لأب مع الأخت لأبوين على بنت الابن مع البنت، ولم يفرض تكملة الثلثين ببنت الابن من البنت إلا في حديث ابن مسعود المقدم يعني ما أخرجه أحمد (1)، والبخاري (2)، وأبو داود (3)، والترمذي (4)، وابن ماجه (5)، والحاكم (6) من حديث ابن مسعود أنه سئل عن بنت وبنت وابن وأخت فقال أقضي فيها بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. قال: ولا زوج في تلك المسألة، وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فعل، والفعل لا عموم له كما علم، فتوقف استحقاق بنت الابن والأخت لأب بتكملة الثلثين على مورد النص الذي لا عموم فيه ولا إطلاق أيضًا حتى يكون ظاهرًا، بل الفعل لا ظاهر له فلا عول حينئذ. انتهى.

ولا يخفى عليك أن دعواه أن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في البنت وبنت الابن والأخت فعل لا يتم إلا إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) في "المسند"(1/ 389).

(2)

في صحيحه رقم (6736) وطرفه رقم (6742).

(3)

في "السنن" رقم (2890).

(4)

في "السنن" رقم (2890).

(5)

في "السنن" رقم (2721).

(6)

في "المستدرك"(4/ 334 - 335).

قال الحافظ في "الفتح"(12/ 18): قال ابن بطال: ولا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود وعن ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك.

ص: 4932

قسمَ التركةَ على ذلك من دون أن يتكلَّم في شأنها بشيء، أما إذا كان القضاءُ منه صلى الله عليه وسلم وهو أن يقولَ: يكون للبنتِ النصفُ، ولبنتِ الابنِ السدسُ تكملةَ الثلثينِ، وللأخت الباقي، فهذا من قسمِ الأقوالِ لا من قسمِ الأفعال، ومثل هذا لا يخفى على أحدٍ وكثيرًا ما يجعلُ الجلالُ مثلَ هذا من قسمِ الأفعالِ، وهو غلطٌ بحتٌ، ووهْمٌ فاحشٌ، والظاهرُ من قوله قضَى رسول الله أنه أخبرهم بكيفية قسمةِ تلك الفريضةِ، لا أنه قسمَها بنفسه من دون أن يتكلَّم، فإن هذا خلافُ ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وخلافُ ما يفهمه الناسُ.

وقد عمل الجلالُ بهذا القياس الذي ذكره، فجعل للأختِ لأبٍ مع الأخت لأبوينِ السدسَ تكملةَ الثلثينِ، فرَفْضه لهذا القياسِ هاهنا إن كان لما ذكره من أن ذلكَ فعلٌ، فقد عرفتَ أنه قولٌ [11ب] وليس بفعلٍ، وأيضًا إذا كان كونه فعلًا كما زعمه موجبًا لبطلانِ قياسِ الأختِ لأبٍ على النبتِ فكان يلزمه أن لا يعطيها السدسَ لا في مسألة أختٍ لأبوينِ، وأختٍ لأبٍ، وعصَبَةٍ، ولا في مسألة زوجٍ وأختٍ لأبوين، وأختٍ لأب فما باله عمل بالقياس في المسألة الأولى! فأعطاها السدس كما قرره في ذلك الكتابِ، ولم يعطِها السدس مع الزوجِ بل تركَ العملَ بالقياس، فإن الإلزام مشتركٌ، والمانع مُتَّحِدٌ على زعْمِه، فإذا تقرَّر لك هذا فاعلم أن إعطاءَ الأختِ لأبٍ مع الأخت لأبٍ وأمٍّ، والعصَبَةِ السدسَ يلزمُ مثلُه في مسألة زوجٍ وأختٍ لأبوينِ، وأختٍ لأبٍ. ومن زعم أن الأختَ لأبٍ قد سقطت وبطل إرثها بمجرد تزاحم الفرائضِ احتاجَ إلى دليلٍ يدلُّ على ذلكَ، وإلا كان قط قطع ميراثَ وارثٍ بل حجةٍ شرعيةٍ. وقد عرفتَ فيما قدمنا بأنَّه لا حجَّة للقائلينَ بعد العول فيما حكموا به من إبطال ميراثِ بعض الورثةِ، لا من كتاب ولا من سُنَّةٍ، ولا من قياس، ولا من اجتهاد صحيح.

ومثَّل (1) رحمه الله عول ثمانية (2) بزوجٍ، وأم .....................................

(1) الجلال في "ضوء النهار"(4/ 2648).

(2)

ومثاله: ماتت امرأة وتركت زوجًا وأمًّا وأختين لأب.

أصل المسألة: من ستة لأن فيها نصفًا وسدسًا.

تعول إلى ثمانيةٍ: للزوج ثلاثة فينقص نصيبه بمقدار الفرق (3/ 6، 3/ 8) وللأم واحد فينقص نصيبها بمقدار الفرق بين (1/ 6، 1/ 8). وللأختين لأب أربعة فينقص نصيبهما بمقدار الفرق بين (4/ 6، 4/ 8).

ص: 4933

وأختٍ (1)، وقال: لا فرضَ للأختِ لأن فرضها إنما هو في الكلالةِ ولا كلالة مع وجود الأمِّ، أو لأنَّ الأم أقوى منها، وأخصُّ بمالها من الولادةِ، ولهذا لا تسقُطُ مع الأولادِ بخلافِها، والأختُ الواحدةُ لا تحجُبها عن الثلثِ فحينئذٍ تستوفي الأمُّ الثلثَ، وتأخذ الأختُ ما بقي تعصيبًا كما تأخذه البناتُ. انتهى.

وأقول: إن كان لا كلالة مع وجودِ الأمِّ فلا ميراث للأختِ أصلًا مع وجود الأمِّ فإذا خلّف الميت أمَّه وأختَه لأبويه، وعصبةً كان للأمِّ الثلثُ، والباقي للعصبةِ، ولا شيء للأختِ، وهذا من أغرب الاجتهاداتِ وأبعدِها عن الحقِّ، وأشذِّها عن علماء الإسلامِ!.

فانظر ما وقع فيه النافونَ للعول من المضائقِ المخالفةِ [12أ] للشريعةِ، فإن الأختَ لأبوينِ قد أثبت الله- سبحانه- ميراثَها في محكم كتابه، وجعل لها فريضةٌ مقدَّرةٌ محدودٌ؟ فأيُّ دليلٍ دلَّ على أنه لا ميراثَ لها هاهنا! وما ذاكَ الذي أوجبَ نسخَ ما في كتاب الله عند تزاحم الفرائضِ بالعولِ؟ إن قالوا هو كونُها لا ترِثُ إلا إذا كان الميِّتُ كلالة (2)، وهو من لا ولدَ له ولا والدَ، فما بالُهم أثبتوا ميراثَها مع الأمِّ في غير مسألة! ومن جملتهم المتكلِّم بالكلام المنقولِ، وهكذا أثبتوا ميراثَ الإخوةِ لأمٍّ في غير مسألة! ومن جملتهم المتكلِّم بالكلام المنقولِ، وهكذا أثبتوا ميراثَ الإخوةِ لأم مع الأمِّ مع أنَّ الله يقول:{وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخت أو أخت فلكل واحد منهما السدس} (3)، فإن هذا فيه التصريحُ بالكلالةِ، وترتيبِ ميراثِ الأخ والأختِ لأمٍّ على

(1)[زوج وأختٌ وأمٍّ] للزوج النصف وللأخت النصف وللأم الثلث سهما تعول إلى ثمانية وهي مسألة المباهلة وتقدم ذكرها.

وإن كان معهم أختٌ أخرى من أي جهة كانت، أو أخ من أم فهي من ثمانية أيضًا.

(2)

تقدم توضيحه.

(3)

[النساء: 12]

ص: 4934

وجودِها، وصرَّحوا أيضًا بأن الإخوةَ مطلقًا يحجبونَ الأمِّ، في الله العجبُ من هذه الاجتهادات التي أبطلتِ النصوصَ، وعطَّلتْ منها العمومَ والخصوصَ! والجلال قط اضطره الحال فصرَّح في بحث ميراث الإخوة لأمٍّ بأنهم يسقطونَ مع الأمِّ اتباعًا للإماميةِ، وعملًا بمجرد مناسبةِ ساقطة ذكرها هنالك لا يجوز العلمُ بها على فرض عدمِ الدليل، فكيفَ مع وجودِه ومع إجماع الأمة إلا من لا يعتد به! وإن كان المانعُ من توريثِ الأختِ لأبوينِ هاهنا هو قولُهُ أو لأن الأمَّ أقوى إلى آخر ما نقلناه عنه، فيقال: إن كانت أقوى منها مطلقًا فينبغي أن تكون أقدمَ من الأختِ في جميعِ الأحوالِ، وعلى كل تقدير لا في مسائلِ العولِ بخصوصِها.

فإن قيل: أنَّه لا يظهر أثرُ هذه الأولوية إلا في مسائِل المزاحمةِ عند العولِ، وأما في غيرها فكلُّ وارث يأخذ نصيبه المقدَّر وفرْضَهُ المسمَّى.

فيقال: وما الدليلُ على هذه الأولوية التي كانت سببًا لإبطال حكمٍ شرعيٍّ مصرِّحٍ به في القرآن الكريم، وهو ميراثُ الأختِ حتى صارَ ميراثها أو بعضَه بيدِ غيرِها؟ وكيف تصلُحُ مثلُ هذهِ الأولويةِ المدَّعاةِ لرفعِ الآياتِ القرآنيةِ والأحاديث الصحيحة [12ب]! وهل هذه إلا معارضةٌ لصريح الدليل بفساد الرأي وكاسد الاجتهادِ الذي لا دليلَ عليه بوجه من الوجوه!

وبالجملة فلو كانت مثلُ هذه الدَّعاوي الباردة نافقًا ومقدِّمًا على أدلةِ الكتاب والسنةِ لقال من شاء ما شاء، وادعى نسخَ القرآنِ الكريمِ والسنةَ الصحيحةَ كلُّ مبطلٍ ومبتدعٍ. فانظر ما وقع فيه المانعونَ للعول فكانوا كما قال:

فكنت كالساعي إلى مثعبٍ

موايلًا من سُبل الراعد (1)

ومثّل- رحمه الله: عول تسعةٍ (2) بزوجٍ وأمٍّ وأختٍ وجد، وقال: إن الأختَ.

(1) تقدم ذكر معناه.

(2)

مثاله: ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختين لأب وأختين لأم، فأصل هذه المسألة من ستة لأن فيها نصفًا وثلثًا، وتعول إلى تسعة.

للزوج: ثلاثة فينقص نصيبه بمقدار الفرق بين (3/ 6، 3/ 9).

وللأختين لأب: أربعة فينقص نصيبها بمقدار الفرق بين (4/ 6، 4/ 9).

وللأختين لأم: اثنان فينقص نصيبهما بمقدار الفرق بين (2/ 6، 2/ 9).

ص: 4935

تسقطُ إما بانتفاء الكلالة التي فرضَها فيها بوجود الجدِّ، وإما لأنهما وإن استويا في أنَّ كلًّا منهما وارثٌ بواسطةِ الأبِ فللجدِّ مزيةٌ، الأصالة والولادةِ، وبها ورثَ مع الأولادِ كما قلنا في الأمِّ. انتهى.

أقول: أما ما ادَّعاه من انتفاء الكلالة مع الجدِّ فالجواب عنه كالجواب المتقدم في المسألةِ التي قبلَ هذه. ويالله للعجبُ كيف يحكم المصنفُ وغيرُه من النافينَ للعول بأن الأختَ لأبوين أو لأبٍ ترثُ مع الأم والجدِّ! ولم يلتفتوا إلى اشتراط الكلالةِ فلما أرادوا نفيَ العول وأعْوَزَهُم الحالُ صرَّحوا بأن الكلالةِ، شرط في ميراث الأخت المذكورة فإن كان ميراثها تارة مشروطًا بالكلالة وتارة غيرَ مشروطٍ فما هو الذي اقتضى هذه التفرقةَ والتحكُّمَ والتلاعُبَ بالأدلةِ المصرحة في الكتاب والسنةِ وإن كانت الكلالةُ شرطًا في ميراثِ الأخواتِ فما بالُهم أهملوا هذا الشرطَ في غير باب العولِ وإن كانت ليست بشرط مطلقًا، فما هذه الدَّعاوي الباردةِ المخالفة [13أ] للثابت في الشريعة، وأعجبُ من هذا ما ذكره من مزيةِ الجدِّ فإن كانت هذه المزيةُ مؤثرةٌ في الميراثِ إثباتًا ونفيًا فما الدليلُ على ذلك؟ فما قد سمعنا عن عالم من علماء الإسلام، أنه يثبتُ الأحكام الشرعية بمثل هذه الخيالاتِ المختلَّةِ فضلًا عن أن يبطُلَ بها حكمًا ثابتًا في كتاب الله، أو سنة رسوله. ورحم الله هذا العلامةَ فلقد كان قدوة في الإنصافِ وفي التقيد بالدليل، ولكنه يوقعُ نفسه في كثير من المعاركِ فلا يخرُجُ منها إلا وقد جنى على الكتابِ والسنة جنايةً عظيمةً، ومحبةُ الإغراب والتفرُّدِ لا تأتي إلا بمثل هذا.

ومثَّل (1) رحمه الله عولَ ...........................

(1) أي الجلال في "ضوء النهار"(4/ 2648).

ص: 4936

عشرةٍ (1) بأمٍّ وزوجٍ وأخوينِ لأمٍّ وأختٍ لأبوينِ وأختٍ لأبٍ، وقال: إنه يبطُلُ فرضُ غيرِ الزوجِ بوجود الأمِّ لما تقدَّم، يعني من اعتبار الكلالةِ، ثم قال: لا سيَّما الأخوين لأمٍّ فإنَّهما إنما يرثانِ بواسطتِهما، وذو الواسطة لا يرثُ مع وجودِها كالجدّاتِ مع وجود الأمِّ، والجدِّ والإخوة مع الأبِ، وذو الأرحامِ مع وجودِ واسطتِهم، وهذا استقراء بعد الزوج والأم إلا السدس، لأن إناث الإخوةِ لا يحجُبها عن الثلثِ فتكونُ الأختُ لأبوينِ أحقَّ بالسدسِ الباقي تعصيبًا، وتسقط الأختُ لأبٍ لأن سدسَها إنما هو بعد استيفاء الأختِ لأبوين النصفَ، ومع غير الزوجينِ كما تقدَّم على أنَّا لو فرضنا [13ب] أن لا أمَّ في المسألةِ حتى تكونَ مسألةُ كلالةٍ لكلِّ من إخوةِ الأمِّ وإخوةِ الأبِ فيها فرضٌ بنصِّ القرآن يوجبُ سقوطَ إخوةِ الأمِّ بالأختِ لأبوينِ؛ لأنَّ ذا النَّسبِ الواحدِ يسقط مع وجود ذي النسبينِ كما قدمنا تحقيقَه في فرض الثلثِ. انتهى.

أقول: فيما ذكره هاهنا إشكالٌ من وجوه:

الأول: الحكمُ ببطلانِ ميراث مَنْ عدا الزوجَ والأمَّ، فإن ميراثَ الأخوينِ لأمٍّ ثابتٌ بصريح القرآنِ (2)، وكذلك ميراثُ الأختِ لأبوينِ، وكذا الأختُ لأب، إما بصدقِ اسم الأختِ عليها، أو للإجماعِ، فكيف أبطلَ الجلالُ الأدلةَ القرآنيةَ وما استدلَّ بها! إن كان مجردُ الفرارِ من العولِ فالأمرُ أيسرُ من هذا، وما بمثل هذه الأمورِ تطرحُ أدلةُ

(1) قال ابن قدامة في "المغني"(9/ 37) فنقول في زوجٍ وأمٍّ وست أخوات متفرقات: الزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس سهمٌ وللأختين الثلثان أربعةٌ وللأختين من الأم الثلث سهمان صارت عشرةً.

قال: ومتى عالت المسألة إلى تسعة أو إلى عشرة، لم يكن الميت إلا امرأة؛ لأنها لا بدَّ فيها من زوج ولا يمكن أن تعول المسألة إلى أكثر من هذا، ولا يمكن أن يجتمع فروض أكثر من هذا، وطريق العمل في العول، أن نأخذ الفروض من أصل المسألة، وتضم بعضها إلى بعض، فما بلغت السَّهام فإليه ينتهي .. ".

(2)

تقدم، وانظر الرسالة (160).

ص: 4937

الكتاب والسنة.

الوجه الثاني: قوله بوجودِ الأمِّ

إلخ. قد قدَّمنا أن ميراثَ الإخوةِ مطلقًا إن كان مشروطًا بالكلالةِ فلا ميراثَ لهم مع وجودِ الأمِّ، في مسائلِ العول، ولا في غيرِها، وهو خلافُ ما اختارَهُ الجلال في هذا الكلام الذي نحن بصددِ الكلامِ عليه هاهنا، وخلاف ما اختارَه غيرُه من النافينَ للعولِ، فما هو المسوغُ للتفرقةِ؟ وهل هذه التفرقةُ كانت بدليلٍ أو بخيالٍ فاسدٍ ورأي كاسدٍ؟

والوجه الثالث: قولُه لاسيَّما الأخوانِ لأمٍّ فإنَّهما إنما يرثانِ بواسطتِها إلخ.

ولا يخفاكَ أنه يلزمُ من هذا أنْ لا يرثَ الإخوةُ لأمٍّ مع وجود الأمِّ بحالٍ، وهو خلافُ ما عند أهل العولِ، بل قد صرَّحوا في بحث ميراثِ الإخوةِ لأمٍّ بأن وجودها لا يسقُط ميراثهم وخصَّصوا الكلالة بالنسبةِ إليهم بالولدِ والأب [14أ] دونَ الجدَّ، وبعضهم زاد الجد. وأما الأم فلم يجعلْها مسقطةً لميراثِ الإخوةِ لأمٍّ أحدٌ إلا الإماميةُ، وليسوا ممن يُقتدى به أو يُعتدُّ بخلافه.

ومن الغرائب أن الجلالَ (1) قال بعد حكاية مذهبهم أنه الحقُّ، مع أنه قال في أول البحثِ المشارِ إليه ما لفظه: ولولا الإجماعُ (2) على أن الأبَ يسقطُ الإخوةَ لكان في حَجْبٍ الإخوةِ للأمِّ من الثلث إلى السدسِ إيماءً إلى حَجْبِهم الأبَ من الثلثينِ إلى الثلث. انتهى.

فانظر هذا التلوُّن والاضطرابَ.

والوجه الرابعُ: قوله: وهذا استقراءٌ تامٌّ، ولا يخفى عليك أن هذا الاستقراءَ لأفرادِ الساقطينَ مع وجودِ واسطتِهم هو باعتبارِ دلالةِ الأدلةِ على ذلك، أو إجماعِ المسلمينَ أو علماء الفرائضِ منهم لا غيرَ ذلك. فلا استقراءَ تامٌّ قطُّ، فإن الأدلةَ لم تدلُّ على ذلك.

(1) في "ضوء النهار"(4/ 2649).

(2)

في "ضوء النهار"(4/ 2633).

ص: 4938

وهكذا لا إجماعَ من جميع المسلمينَ، ولا من أهل للفرائضِ فقط، وإن كان هذا الاستقراءُ التامُّ باعتبار اجتهادِه الذي قد اضطربَ في هذه المباحثِ اضطرابًا يخرجُه عن حد الإتقانِ فليسَ بحجةٍ على أحدٍ.

الوجه الخامس: قوله وقياسٌ صحيحٌ، ولستُ أدري كيف كان هذا القياسُ عنده صحيحًا! فإن إثباتَ ميراثِ الإخوةِ لأم مع الأم قد أجمعَ (1) عليه المسلمونَ إلا من لا يُعْتدُّ به، فلو فرضنا أن للقياسِ وجهًا لكان هذا الإجماعُ مانعًا منه.

الوجه السادس: أن إناثَ الإخوةِ لا تحجُبها يعين الأمِّ عن الثلثِ، وإلا يخفى أنَّ هذا مبنيٌّ على ما هو عنده من أنه لا يحجب الأمَّ إلا الإخوةُ لأبوينِ أو الأخواتُ إذا كان معهن أخٌ لهن ذَكَرٌ. مستدلًّا على ذلك بقوله تعالى:{فإن كان له إخوة فلأمه السدس} (2) ويردُّ عليه أن الكلامَ في هذه الآيةِ [14ب] كالكلام في قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين} (3) بل هذه الآيةُ أدلُّ على اعتبار الزيادةِ على الاثنتين لقوله: {فوق اثنتين} بخلاف تلك، فإن الجمعَ قد يصدُق على الاثنين إما حقيقةً عند مثل الزخشريِّ ومن وافقَه على أن أقلَّ الجمعِ اثنان، وإما مجازًا عند غيره. وكان يلزمُه أيضًا أن لا يحجبها إلَاّ الثلاثة الذكورِ، ولا يكفي في الحجبِ أنثيان مع ذكرٍ كما سوَّغ ذلكَ لأن التغليبَ مع كونه مجازًا هو مع كثرةِ عددِ الإناثِ خلافُ الظاهر، وأيضًا كان يلزمُهُ أن يحجب الأمَّ بالثلاثةِ من الإخوةِ لأبٍ أو الثلاثةِ من الإخوةِ لأمٍّ. فما باله اشترطَ أن يكونوا لأبوين في كلامِه على حجب الأم!

الوجه السابع: قوله: توقُّفٌ يوجبُ سقوطَ إخوةِ الأمِّ بالأختِ لأبوينِ إلى آخرِ كلامِهِ استشعرَ هاهنا أن المسألةَ عائلةٌ بدون الأمِّ، وأنه لا يتم له من سقوط الإخوة لأم

(1) انظر "المغني"(9/ 7).

(2)

[النساء: 11]

(3)

انظر "التبصرة"(127)، "المستصفى"(3/ 312)، "إرشاد الفحول"(425).

ص: 4939

بالأمِّ لكونهم ورثّوا بواسطتِها فأجاب بأنَّهم يسقُطون بالإخوةِ لأبوينِ. وقد ذكر مثلَ هذا فيما سبق له في ميراثِ الإخوةِ لأمٍّ من هذا الكتاب (1)، وجعلَ الدليلُ له في ذلك القياسِ على إسقاطِ الإخوةِ لأبوينِ للإخوةِ لأبٍ، ولكنه اقتصرَ على الأخ لأبوين. وهاهنا توسَّع فصرَّح بأن الأختَ لأبوين تُسْقِطُ الإخوةَ لأمٍّ، فإن كان ذلك بالقياسِ على الأخ لأبوينِ فهو قياسٌ مع الفارقِ؛ لأنه لما قوي على إسقاطِ الأخ لأبٍ قوي على إسقاطِ الأخ لأمٍّ على زعمه بخلافِ الأختِ لأبوين فإنها لا تقوى على إسقاطِ الأختِ لأب، فلا تقوى على إسقاطِ الإخوةِ لأمٍّ.

وأقول: ما أحقَّه- رحمه الله في هذه الأبحاثِ بقول القائِل:

تفرقت الضِّباءُ على خداشٍ

فما تدري خداشٌ ما تصيدُ (2)

ولقد انتشرتْ أبحاثُ الفرائضِ عليه انتشارًا عظيمًا حتى خالفَ النصوصَ الصحيحةَ الصريحةَ في الكتاب والسنةِ، وخالف إجماعاتِ الأُمَّةِ، بمجرَّد خيالاتٍ باطلةٍ، وآراء فاسدةٍ فليت شعري ما حملَه على ذلك! فلقد كان له سعةٌ عن الوقوع في مثل هذه المضائقِ المظلمةِ التي ليس له بها أنيسٌ [15أ]، ومثَّل عول ثلاثةَ عشَرَ بزوجٍ وأمٍّ وبنتٍ وبنتِ ابنٍ وقال إنها تصيرُ البنتُ مع الأمِّ عصَبَةً؛ لأن فرضها إنما هو على تقدير الانفراد عن الأبوينِ ولكن لما كان الباقي بعد الزوج والأمِّ أكثرُ من فرض البنتِ منفردةً رُدَّت إلى قدرِ فرضِها لئلا يكونَ ما تأخذُه مع المزاحم أكثرَ مما تأخذه مع الانفراد. مع أن المعقولَ هو العكسُ وحينئذٍ لا يبقى إلا نصفُ سدسٍ، إن قلنا أن بنتَ الابن تصير كالأخت مع البنت عصبةً كان الباقي لها، وذلك من قياس الأولى؛ لأن بنتَ الابن بنتٌ، وهي أخصُّ من الأختِ. وقد بطل عمومٌ فما بقيَ فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ لما عرفناكَ سابقًا، وإن قلنا البنتُ

(1)"ضوء النهار"(4/ 2633).

(2)

"ضوء النهار"(4/ 2633).

ص: 4940

والأمُّ تصيرانِ كبنتين استوفَيا الثلثينِ، ولا فرضَ لبنتِ الابنِ من غيرِ الثلثينِ كان الباقي للعصَبَةِ. انتهى.

أقول: انظر إلى هذا الاجتهادِ الذي هو شبيهٌ بِلَعبِِ الصبيانِ، حكمَ بكون البنتِ عصَبَةً فأخرجَها عن أهل الفرائضِ، ثم حكمَ برجوعِها إلى أهل الفرائضِ فقصَرَها على فَرْضِها الأصلي، ثم تردَّد في بنتِ الابنِ، هل هي عصَبَةٌ للبنتِ التي عصبةٌ، فتأخذُ الباقي أم ليست بعصبة؟ فيكون الباقي لعصبةِ غيرِها. وهكذا حالت من تعمَّد مخالفةَ النصوصِ؛ فإنَّه يصير كلامُهُ المؤسَّسُ على محضِ الرأي خالصا عن قانونِ المعقولِ والمنقولِ عقوبةٍ من الله- عز وجل لمن لم يقفْ حيث أوقفه.

فانظر كم الفرقُ بين هذه الطريقةِ العوجاءِ وبين عمل القائلينَ بالعول! فإنَّهم لما وجدُوا النصوصَ من كتاب الله- سبحانه- قد قضتْ بأن للزوج الرٌُّبُعَ مع الولدِ، وللأمِّ السدسَ معه أيضًا، وللبنت النِّصفُ، ولبنتِ الابنِ السدسَ تكملةَ الثلثينِ كما في حديث ابن مسعودٍ السابقِ الثابتِ في الصحيحِ (1) أخذُوا بهذه النصوصِ الواردةِ، ولم يقدِّموا بعض أهل هذه الفرائضِ على بعض؛ لأنَّ هذه الأدلةَ لم يثبتْ تقييدها بقيود تسوِّغُ تقديم بعضِ أهلِها على بعض، ولكن لما كان المالُ لا يتَّسعُ لجميعِ هذه الفرائضِ أعطُوْا كلَّ وارثٍ بمقدارِ فريضتِه من المال، ودخل النقصُ على الجميعِ [15ب] لأن الضرورةَ أوجبتْ ذلك، استعملوا النصوصَ بحسبِ الإمكانِ، ولم يهملوا شيئًا منها.

ومثَّل عولَ خمسةَ عشرَ (2) بزوجٍ وأبوينِ وابنتينِ. وقال: تكون البناتُ عصَبَةً مع

(1) تقدم تخريجه.

(2)

أصلها اثني عشر، لأن مخرج الربع أربعة، ومخرج الثلث ثلاثة، ولا وفق بينهما، فإن ضربت أحدها في الآخر، كان اثني عشر، فإذا كان مع الربع سدس فبيَّن الستة والأربعة موافقة، فإذا ضربت وفق أحدهما في الآخر صار اثني عشر.

ولا بدَّ في هذا الأصل من أحد الزوجين؛ لأنه لا بد من الربع، ولا يكون فرضًا لغيرهما.

مثاله: ماتت امرأة وتركت زوجًا وبنتين وأمًّا وأبًا. أصل المسألة من اثني عشر لأن فيها ربعًا وسدسًا.

تعول إلى خمسة عشر:

الزوج: من ثلاثة فينقص نصيبه بمقدار الفرق بين (3/ 12، 3/ 15).

البنتين: لهما ثمانية فينقص نصيبهما بمقدار الفرق بين (8/ 12، 8/ 15).

الأم: اثنان فينقص نصيبها بمقدار الفرق بين (2/ 12، 2/ 15).

الأب: اثنان فينقص نصيبه بمقدار الفرق بين (2/ 12، 2/ 15).

ص: 4941

الأبوين.

وأقول: لله درُّ هذا النظرِ الذي جعلَ النقصَ على بناتِ الميِّت لصُلْبِهِ! وأخرجهنَّ من فرائضهنَّ المقدَّرة في كتاب الله، وسنةِ رسول الله! وجعلهنَّ عصبَاتٍ يأخذنَ الباقي كالرجالِ الأباعدِ من العصَبَاتِ بلا دليلٍ اقتضى ذلك، ولا عقلٍ أوجَبه، بل مجرَّد خيالاتٍ مختلَّةٍ قد قدَّمنا إبطالَها.

ومثلَ عولَ سبعَ عشرَ (1) بأمٍّ وزوجةٍ وأخوينِ لأمٍّ، وأختينِ لأبٍ. وقال: تأخذ الأمُّ الثلثَ، والزوجةُ الربعَ، والباقي للأختينِ لأبٍ تعصيبًا، ويسقطُ الأخوانِ لأمٍّ بأمٍّ.

وقد عرفت فيما سبقَ جوابَ هذا، وأهل العولِ يقولون: ميراثُ كلِّ واحد من هؤلاء ثابتٌ في الكتاب العزيز، فالواجبُ العملُ بذلك كما سلف على الصفةِ المتقدِّمةِ من دون طرحٍ لشيء من ذلك، بل معارضٍ راجحٍ، بل بلا معارض مرجوح، بل بمجرَّد رأي فاسدٍ لا يقبلُه العقلُ.

ومثَّل عولَ سبعةً وعشرينَ (2) بأبوينِ وابنتينِ، وزوجةٍ، وجعل البناتِ مع الأبوينِ

(1) وأصل هذه المسألة من اثني عشر تعول إلى سبعة عشرة.

قال ابن قدام في "المغني"(9/ 38): ولا يعول هذا الأصل إلى أكثر من هذا ولا يمكن أن يكمل هذا الأصل بفروضٍ من غير عصبة ولا عول، ولا يمكن أن تعول إلا على الأفراد، لأنَّ فيها فرضًا يباين سائر فروضها، وهو الرب فإنَّه ثلاثة وهي فرد، وسائر فروضها يكون زوجًا، فالسدس اثنان، والثلث أربعة والثلثان ثمانية، النصف ستة، ومتى عالت إلى سبعة عشر لم يكن الميت فيها إلا رجلًا.

(2)

أصل هذه المسألة من أربعة وعشرينَ لأنَّ فيها ثمنًا وسدسًا وتعول إلى سبعة وعشرين:

الأب: له أربعةُ فينقص نصيبه بمقدار الفرق بين (4/ 24، 4/ 27).

الأم: لها أربعة فينقص نصيبها بمقدار الفرق بين (4/ 24، 4/ 27).

البنتان: لهما ستة عشر فينقص نصيبها بمقدار الفرق (16/ 24، 16/ 27).

الزوجة: لها ثلاثة فينقص نصيبها بمقدار الفرق (3/ 24، 3/ 27).

وانظر: "المغني"(9/ 38 - 42).

ص: 4942

عصَبَةً. وقد تقدم جوابُه في عول ثلاثةَ عشرَ وما بعدَه وما قبله.

وبالجملة فإنه تارةً يجمع الأمَّ مسقطةً للإخوةِ والأخواتِ مطلقًا. وتارةً يخصُّ بالإخوة لأمٍّ، وتارةً يجعلُ البناتِ والأخواتِ من أهل الفرائضِ، وتارةً يجعلهنَّ عصَبَاتٍ مع كون حديثِ:"فما أبقتِ الفرائضُ فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ"(1) يردُّ عليه لأن لم يثبت التعصيب إلا للرجل الذكر. وأما كون الأخواتِ مع البناتِ عصَبَةً، فإذا كان ثابتً بدليل صحيح يصلُح لتخصيص هذا الحديث، كان ذلك مقصورًا على ذلك الخاصِّ لا يجاوزُه إلى غيرِه لا بمجرد القياس عند من قال به، لأن الفارقَ موجودٌ، ولا بمحض الرأي الذي لا مستندَ له فلا وجهَ لمخالفةِ الحديث بلا دليلٍ، وجعل البناتِ عصباتٍ في بعض الحالاتِ بلا مقتضٍ. وقد تكلَّم الجلال- رحمه الله بعد فراغِه من مسائل العولِ بكلام قد أسلفنا دفْعَهُ فلا حاجةَ بنا إلى إيراده هاهنا، وتكرير الكلامِ عليه. وفي هذا المقدار كفايةُ لمن له هدايةٌ. والله ولي التوفيق. حرر في شهر رجب سنة 1217.

بقلم مؤلِّفه المجيبِ محمد بن علي الشوكانيِّ- غفر الله لهما-.

(1) تقدم تخريجه وتوضيح دلالته.

ص: 4943