الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإثبات لالتقاء أرواح الأحياء والأموات
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
وصف المخطوط
1 -
عنوان الرسالة: " الإثبات لالتقاء أرواح الأحياء والأموات ".
2 -
موضوع الرسالة: في العقيدة.
3 -
أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين، وصحبه الأعظمين. وبعد: وردت مسائل طلب السائل كثر الله فوائده الجواب: أولها: قوله: ما يخبرون من أحوال الموتى، وما آل إليه أمرهم في البرزخ، ويزعمون ....
4 -
آخر الرسالة:
ولا يأخذوا منها شيئا، فإن أخذوا فهو منكر يجب إظهاره عليهم ولو كان مصرفا فلا يجوز له أن يصرف زكاته في نفسه.
وإلى هنا انتهى الجواب بقلم كاتبه: محمد ب! ت علي الشوكاني غفر الله له.
5 -
نوع الخط: خط نسخي جيد.
6 -
الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
7 -
عدد الأوراق: (6) ورقات وورقة للعنوان.
8 -
عدد الأسطر في الصفحة: 27 - 29 سطرا.
9 -
عدد الكلمات في الأسطر: 12 كلمة.
10 -
الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين، وصحبه الأعظمين.
وبعد:
وردت مسائل طلب السائل- كثر الله فوائده- الجواب:
أولها: قوله: ما يخبرون من أحوال الموتى، وما آل إليه أمرهم في البرزخ (1)، ويزعمون أهم يتكلمون ويخبرون. مما أسلفوه وراءهم من أعمال الدنيا مثل رد وديعة، أو يخلد من شيء في الذمة، أو شيء مما يتعلق بأحواله الماضية إلى أن قال: وهذا من غرائب المنفقات مع أنه قد قال تعالى في حال الموتى: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهليهم يرجعون} (2)، {وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى} (3) فإن كان الأمر كما وصف فما الموصل إلى هذا الأمر وحقيقته؟ فهذا شيء ما جاء عن الرسول، ولا أحد من أهل العلم به يقول.
أقول وبالله التوفيق وعليه التوكل: الجواب على هذا السؤال من وجوه:
الوجه الأول: أنه قد ثبت عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم تواترا أن الأموات يسألون في قبورهم (4) عن ربهم، وعن نبيهم، وما قيل لهم، وما قالوا. وهذا يدل أبلغ
(1) انظر الرسالة رقم (18) من مجلدنا هدا.
(2)
[يس: 50]
(3)
[الأحقاف: 9]
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1338) وطرفه رقم (1374) من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العبد إذ وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد!؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله: فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة". .
وأخرج أحمد قي المسند (4/ 287، 288، 295، 296، 297). وأورده الهيثمي في المجمع (3/ 49 - 50) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وأخرجه الطيالسي في المسند رقم (753) والآجري في الشريعة (ص 367 - 370) والحاكم في المستدرك (1/ 37 - 40) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. وأقرهما الألباني في الجنائز (ص 202). وهو حديث صحيح.
من حديث البراء بن عازب قال: حرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكث به في الأرض، فرفع رأسه فقال " استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثة.
ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس .... إلى قوله صلى الله عليه وسلم.
فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ر!. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله تعالى فآمنت به وصدقت. ". وهو حديث طويل.
دلالة على إمكان الكلام منهم في البرزخ، وإذا كان ممكنا فلا مانع من عقل، ولا من شرع أن يلتقي روح بعض الأموات مع روح بعض الأحياء، فيجري بينهم من الخطاب ما يجري بين الأحياء، ويعيى روح الحط ما سمعه من روح الميت. وسيأتي- إن شاء الله- وما وقع من ذلك في أيام الصحابة فمن بعدهم.
الوجه الثاني: أنه قد ثبت بالأحاديث (1) المتواترة عذاب القبر لمن يستحقه، ومعلوم
(1) نعم بلغت نصوص السنة في إثبات عذاب القبر مبلغ التواتر إذ رواها أئمة السنة وحملة الحديث وتعاده عن الجم الغفير والجمع الكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: 1/
حديث أنس تقدم تخريجه في هذه الرمالة وهو حديث صحيح (ص 619 - 620). 2/ البراء بن عازب تقدم تخريجه في هذه الرسالة وهو حديث صحيح (ص. 62). 3/ حديث عبد الله بن عباس أخرجه البخاري في صحيحه رقم (216) وأطرافه [218، 1361، 1378، 6052، 6055]. ومسلم في صحيحه رقم (292) وأبو داود رقم (20) والترمذي رقم (70) وابن ماجة رقم (3471) والنسائي (1/ 28 - 30 رقم 31). "
مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير " ثم قال:" بلى أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله " ثم قال: " أخذ عودا رطبا فكسره باثنتين ثم غرز كل واحد منهما على قبر ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا. 14 حديث عبد الله بن عمر أخرجه البخاري رقم (1379) وطرفاه 3240، 6515 ومسلم رقم (2866) والترمذي رقم (1072) والنسائي (4/ 107 - 108) وابن ماجة رقم (4270) وأحمد (2/ 51 - 113). أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". 5/ حديث عائشة أخرجه البخاري رقم (1049) وأطرافه [1055، 1272، 6366] عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عائذا بالله من عذاب القبر ". 6/ حديث أسماء بنت أبي بكر أخرجه البخاري رقم (1373). " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فذكر فتنة القبر القط يفق فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة ". 7/ حديث أبي أيوب الأنصاري أخرجه البخاري رقم (1375). قال: خرج البني صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال: يهود تعذب في قبورها. 8/ حديث أم خالد فقد أخرجه البخاري رقم (1376): عن موسى بن عقبة قال: " حدثتني ابنة خالد بن سعيد بن العاص أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتعوذ من عذاب القبر ". 9/ حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (4/ 364) وابن ماجة رقم (4268) وهو حديث صحيح. 0 1/ حديث أبي سعيد أخرجه أحمد (3/ 3، 233، 346) وهو حديث صحيح.
وفيه " ..... وإن كان كافرا أو منافقا يقول له- ملك في يداه مطراقة- ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا، فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو كنت آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله عز وجل أبدلك به هذا فيفتح له بابا إلى النار، ثم يقمعه قمعة بالمطراق فيصيح صيحة يسمعها خلق الله عز وجل كلهم غير الثقلين ". 11/ حديث حمرة أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1386) وهو حديث طويل.
أنه لا يعذب إلا وروحه معه، وإدراكه، ولو لم يكن كذلك لكان العذاب الواقع على مجرد الجسم بلا روح ولا إحساس ليس بعذاب، لأن إدراك الألم واللذة مشروط بوجود ما به الإدراك. وإلا فلا إدراك لمن ليس له حياة ولا إحساس لمن لا روح له. وهذا أمر معقول لا يخالف فيه من له أدنى تعقل فضلا عن من له التعقل التام، والإدراك الصحيح. وإذا تقرر لك [1 أ] هذا فأي مانع من ملاقاة روح الحي في منامه لروح هذا الميت فيخبره ببعض الأخبار.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت تواترا أن النبي- صلى الله عليه واله وسلم- كان يزور القبور، ويخاطبهم. مما يخاطب به الأحياء كقوله- صلى الله عليه وآله وسلم:" السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا بكم- إن شاء الله- لاحقون، نسأل الله ولكم العافية "(1).
الوجه الرابع: أنه- صلى الله عليه واله وسلم- خاطب أهل قليب (2) بدر، ثم قال لمن عنده:(ما أنتم بأسمع منهم) ولا يسمع الخطاب إلا حي، ووقوع هذا منه- صلى الله عليه واله وسلم- مع أهل القليب متواتر، وما روي (3) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الاحتجاج بعموم القرآن لا ينافي هذا الخاص.
الوجه الخامس: ما ثبت في الصحيحين (4) وغيرهما من حديث ابن عمر أن رسول
(1) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (104/ 975) والنسائي (9414 رقم 2040) وابن ماجة رقم (1547) والبغوي في شرح السنة رقم (1555) وأحمد في المسند (5/ 353 و360). كلهم من حديث سليمان ابن بريدة عن أبيه.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه رقم (104/ 975) والنسائي (9414 رقم 2040) وابن ماجة رقم (1547) والبغوي في شرح السنة رقم (1555) وأحمد في المسند (5/ 353 و360). كلهم من حديث سليمان ابن بريدة عن أبيه.
(3)
انظره في الرسالة رقم (23) من هذا القسم.
(4)
تقدم تخريجه آنفا (ص 621).
الله- صلى الله عليه واله وسلم- قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعد بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار " وقد نطق بذلك الكتاب العزيز في حين أهل النار (1) يعرضون عليها غدوا وعشيا. والعرض يستلزم الإدراك، وإلا كان عبثا ليس فيه فائدة. وفي العرض أحاديث (2) كثيرة. الوجه السادس: ما ثبت في أحاديث (3) كثيرة أنها تعرض أعمال الأحياء على الأموات، وذلك يستلزم الإدراك الذي لا يتم إلا بالحياة.
الوجه السابع: ما أخرجه ابن حبان في كتاب الوصايا (4)، والحاكم في المستدرك (5)، والبيهقي (6) وأبو نعيم (7) كلاهما في الدلائل عن عطاء الخراساني قال: حدثتني ابنة ثابت-
(1) قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 146].
(2)
انظر الأحاديث المتقدمة (ص 619 - 621).
(3)
بل وردت أحاديث ضعيفة في " معرفة الموتى في قبورهم بحال أهليهم وأقاربهم في الدنيا " والحديث الضعيف لا تقوم به حجة.
انظر: " أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور " لأبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ص 150 - 157).
- " المنامات " لابن أبي الدنيا (ص 18 - 22).
- " شرح الصدور " للسيوطي (ص 342 - 345).
- كتاب الترغيب والترهيب للحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الجوزي الأصبهاني المعروف بـ (قوام السنة). (1/ 42 - 145 رقم 156، 157، 158، 159، 165، 161، 162، 163، 164).
- وضعيف الجامع رقم (1395) و (1396) والضعيفة رقم (863 و864).
(4)
عزاه إليه السيوطي في " شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور "(ص 353).
(5)
(3/ 235) وقال الحاكم: " صحيح " ووافقه الذهبي.
(6)
في الدلائل (356/ 6 - 357).
(7)
في الدلائل (2/ 730 - 731).
ابن قيس بن كاس أن ثابتا قتل يوم اليمامة وعليه درع له نفسية، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال: أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه: إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين، فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه وبين لبستي في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل فأت خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- يعني أبا بكر الصديق- رضي الله عنه فقل له: إن علي من الدين كذا وكذا، وفلان وفلان من رقيقي عتيق، وفلان، فأتى الرجل خالدا وأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى ها، وحدثت أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته قال: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته [1ب] أ غير ثابت، فهذا كما ترى وهو وحده يكفي في جواب السؤال.
وأخرج الحاكم في المستدرك (1)، والبيهقي في الدلائل (2) عن كثير بن الصلت قال: أغفى عثمان- رضي الله عنه في اليوم الذي قتل فيه فاستيقظ فقال: إني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم في منامي هذا فقال: إنك شاهد معنا الجمعة.
وأخرج أيضًا (3) عن ابن عمر أن عثمان أصبح فحدث فقال: إني رأيت النبي- صلى الله عليه واله وسلم- الليلة في منامي، فقال يا عثمان: أفطر عندنا فأصبح عثمان صائما. وقتل من يومه.
= وأورده الهيثمى في المجمع (9/ 322) وقال رواه الطبراني وبنت ثابت بت قيس لم أعرفها، وبقية رجاله ثقات.
(1)
(9913) وقال: هدا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2)
(7/ 47 - 48). وأورده الهيثمي في المجمع (7/ 232): رواه أبو يعلى وفيه أبو علقمة مولى عبد الرحمن بن عود ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(3)
أخرجه البيهقي والدلائل (7/ 48).
وأخرج الحاكم (1) والبيهقي في الدلائل (2) عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهى تبكى فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- في المنام يبكي، وعلى رأسه ولحييه التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: وشهدت قتل الحسين آنفا.
وأخرج ابن أبي الدنيا (3)، وابن الجوزي في كتاب عيون الحكايات (4) بسنده عن شهر ابن حوشب أن الصعب بن جثامة، وعوف بن مالك، وكانا متواخين، فقال الصعب لعوف: أي أخي، أينا مات قبل صاحبه فليتراءى له قال: أو يكون ذلك؟ قال نعم، فمات الصعب فراه عوف في اليوم فقال: ما فعل بك قال: غفر لي بعد المشاق. قال: ورأيت لمعة سوداء في عنقه، قلت: ما هذه؟ قال: عشره دنانير استلفتها من فلان اليهودي فهي في قرني فأعطوه إياها.
واعلم أنه لم يحدث في أهلي حدث بعد موتي إلا قد لحق لي خبره حتى هرة ماتت يوم كذا. واعلم أن بنتي تموت إلى ستة أيام، فاستوصوا بها معروفا قال: عوف: فلما أصبحت أتيت أهله، فنظرت إلى القرن وهو بالقاف محركا حجبه النشاب فأنزلته، فإذا فيه عشرة دنانير في صرة، فبعثت إلى اليهودي فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال: رحم الله صعبا كان من خيار أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم
(1) في المستدرك (4/ 19) وفي سند الحاكم تحريف عجيب. فقد أخرجه الترمذي رقم (3860) والطبراني في الكبير (23/ 882) وقال الترمذي: غريب. وذلك لجهالة سلمى.
(2)
(4817). وخلاصة القول أن الخبر ضعيف والله أعلم.
(3)
في المنامات رقم (25).
وأورده ابن القيم نقلا عن ابن أبي الدنيا. وقال: صح عن حماد بن سلمة. ثم ذكر الأثر كاملا.
وقال: وهذا من فقه عوف رحمه ألله (الروح ص 20 - 21).
(4)
عزاه إليه السيوطي في " شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور "(ص 352).
أسلفته عشرة دنانير فنقدتها إليه قال: هي والله بأعيانها فقلت: هل حدث فيكم حدث بعد موت الصعب قالوا: نعم حدث فينا كذا، وحدث فينا كذا، فمازالوا يذكرون حتى ذكروا موت الهرة، قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب فأتيت ها ومسستها فإذا هي محمومة فقلت: استوصوا ها معروفا فماتت لستة أيام.
وأخرج ابن المبارك في الزهد (1) عن عطية بن قيس، عن عوف بن مالك الأشجعي أنه كان مؤاخيا لرجل يقال له: محلم، ثم إن محلما حضرته الوفاة، فأقبل عليه عوف فقال له: إذا أنت وردت فارجع إلينا فأخبرنا بالذي صنع بك قال محلم: إن كان ذلك يكون لمثلي فعلت، فقبض [2أ] محلم، ثم ثوى عوف بعده عاما فرآه في منامه فقال: يا محلم، ما صنعت، وما صنع بك؟ قال: وفينا أجورنا كفها إلا الأحراض (2)، وهم الذين يشار إليهم بالأصابع في الشر، والله لقد وفيت أجري كفه، حتى أجر هرة ضلت لأهلي قبل وفاتي بليلة فأصبح عوف إلى امرأة محلم، فلما دخل قالت: مرحبا فقال عوف: هل رأيت محلما منذ توفي قالت: نعم (3) رأيته البارحة، ونازعني ابنتي ليذهب بها معه، فأخبرها عوف بالذي رأى، وذكره الهرة التي ضلت. فقالت: لا علم لي بذلك، خدمي أعلم فدعت خدمها فسألتهم فأخبروها أنها ضلت لهم هرة قبل موت محلم بليله، ومحلم هو ابن جثامة أخو الصعب.
وأخرج النسائي (4) عن خزيمة قال: رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة النبي
(1)(2/ 633 رقم 779) بسند ضعيف.
(2)
قال صاحب لسان العرب (12713): الحرض: الرديء من الناس والكلام. والجمع أحراض. وقيل: هم الدين يشار إليهم بالأصابع أي اشتهروا بالشر.
وقيل: هم الذين أسرفوا في الذنوب فأهلكوا أنفسهم.
وقيل: الذين فسدت مذاهبهم.
(3)
في الأصل مكرر.
(4)
في السنن الكبرى (4/ 384 رقم 7631/ 3).
- صلى الله عليه واله وسلم- فأخبرته بذلك. فقال: إن الروح لتلقى الروح.
وأخرج ابن أبي (1) الدنيا أن عفيف بن الحارث قال لعبد الله بن عائذ الصحابي رضي الله عنه حين حضرته الوفاة: إن استطعت أن تلقاني فتخبرنا ما لقيت بعد الموت، فلقيه في منامه بعد حين فقال له: ألا تخبرنا قال: نجونا، ولم نكد أن ننجو نجونا بعد المشيبات فوجدنا ربا خير رب، غفر الذنب، وتجاوز عن السيئة إلا ما كان من الأحراض، قلت له: وما الأحراض؟ قال: الذين يشار إليهم بالأصابع في الشر.
وأخرج ابن أبي الدنيا (2) عن أبي الزاهية قال: عاد عبد الأعلى بن عدي ابن أبي بلال الخزاعي فقاله عبد الأعلى: أقرء رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم مش السلام، وإن استطعت أن تلقانا فتعلمني ذلك، وكانت أم عبد الله أخت أبي الزاهرية تحت ابن أبي بلال، فرأته في منامها بعد وفاته بثلاثة أيام فقال: إن ابنتي بعد ثلاثة أيام لاحقتي، فهل تعرفين عبد الأعلى؟ قالت: لا. قال: فاسألي عنه، ثم أخبريه أني قد قرأت رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم- منه السلام فرد عليه، فأخبرت أخاها أبا الزاهية بذلك فأبلغه.
وأخرج ابن عدي (3)، وابن عساكر في تاريخه (4) عن محمد بن يحيي الجحدري قال:
قال لي ابن الأجلح: قال أبي لسلمة ابن كهيل: إن مت قبلي فقدرت أن تأتيني في يومي
= وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد "(7/ 182)" رواه أحمد بأسانيد، أحدها هدا وهو متصل، والطبراني ورجالهما ثقات " اهـ.
(1)
في المنامات رقم (159) بسند حسن.
وأوردهـ السيوطي في " شرح الصدور "(ص 339).
(2)
في المنامات رقم (160) بسند حسن.
وأورده السيوطى في " شرح الصدور " ص 359.
(3)
في المنامات رقم (160) بسند حسن.
وأورده السيوطى في " شرح الصدور " ص 359.
(4)
عزاه إليه السيوطى في شرح الصدور ص 360.
فافعل، قال سلمة: وأنت إن مت قبلي فقدرت أن تأتيني في نومي فتخبرني. مما رأيت فافعل، فمات ابن سلمة قبل الأجلح فقال لي: أي بني علمت أن سلمة أتاني في نومي فقلت: أليس قدمت؟ قال [2ب]: إن الله قد أحياني قلت: كيف وجدت ربك؟ قال: رحيما. قلت: أيش رأيت أفضل الأعمال التي يتقرب بها العباد؟ قال: ما رأيت عندهم أشرف من صلاة الليل. قلت: كيف وجدت الأمر قال: سهلا، ولكن لا تتكلموا.
وأخرج أحمد في الزهد (1)، وابن سعد في الطبقات (2) عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب- خنه- لي خليلا، وإنه لما توفي لبثت حولا أدعو الله أن يرنيه في المنام قال: فرأيته على رأس الحول يمسح العرق عن جبهته قلت: يا أمير المؤمنين، ما فعل بك ربك؟ فقال: هذا أوان فزعت، وإن كان عرشي ليهد لولا أني لقيت ربا رؤوفا رحيما.
وأخرج ابن سعد (3) عن سالم بن عبد الله قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت الله أن يري! ط عمر في اليوم فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما! لت؟. فقال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت. وأخرج ابن سعد (4) أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: ما كان شيء أحب إلي أن أعلمه من أمر عمر فرأيته في المنام قصرا فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر، خرج من القصر عليه ملحفة كأنه قد اغتسل فقلت: كيف صنعت؟ قال: خيرا، كاد عرشي يهوي لولا أني لقيت ربا غفورا. قلت: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قلت:
(1) عزاه إليه السيوطي في " شرح الصدور"(ص 360)
(2)
(3/ 375).
(3)
في الطبقات (3/ 375).
(4)
في الطبقات (3/ 376).
منذ ثنتى عشرة سنة قال: إنما نقلت الآن من الحساب.
وأخرج ابن عساكر (1) عن مطرف أنه رأى عثمان بن عفان- رضي الله عنه في اليوم فقال: رأيت عليه ثيابا خضرا قلت: يا أمير المؤمنين، كيف فعل الله بك؟ قال: فعل بي خيرا. قلت: أي الدين خير؟ قال: الدين القيم ليس بسفك الدم.
وأخرج ابن أبي الدنيا (2) عن محمد بن النضر الحارثي قال: رأى مسلمة بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز- رحمه الله بعد موته فقال: يا أمير المؤمنين، ليت شعري إلى أي الحالات صرت بعد الموت؟. قال: يا مسلمة، هذا أوان فراغي، والله ما استرحت إلا الآن. قلت: فأين أنت؟ قال: مع أئمة الهدى في جنات عدن، والقصص في هذا كثير جدا، والتقاء أرواح الأحياء بأرواح الأموات معلوم يتفق منه في كل عصر مع كثير من الناس قصص، فلا حاجة لنا إلى الاستكثار من ذلك. قال الشيخ عز الدين (3) بن عبد السلام: أجرى الله العادة [3أ] إن الروح إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان، ورأت تلك الروح المنامات إذا فارقت الجسد ". قال ابن القيم (4): تلاقي أرواح الموتى وأرواح الأحياء أدلته أكثر مع أن يحصيها إلا الله تعالى، والحس الواقع من أعدل الشهود فتتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات كما تتلاقى أرواح الأحياء. قال الله تعالى:{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} (5) انتهى، قلت: وفي هذه الآية أعظم دلالة على التقاء أرواح الأحياء، والأموات، لأن أرواح الأحياء عندما يتوفى الأنفس التي لم تمت تصير مجتمعة بأرواح الأموات بجامع
(1) عزاه إليه السيوطي في " شرح الصدور ص 361
(2)
في المنامات رقم (27) لإسناد منقطع.
(3)
في القواعد الكبرى (2/ 381).
(4)
في كتاب الروح (ص 28 - 29).
(5)
[الزمر: 42].
كون الله سبحانه توفى الجميع. أما الأموات فظاهر، وأما الأحياء ففي حالة النوم، وعند ذلك يتساءلون بينهم. وقد أخرج بقي بن مخلد، وابن منده (1) في كتاب الروح، والطبراني في الأوسط (2) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. ولا يخفاك أن ابن عباس- ر! نه- لا يقول هذا من نفسه، إذ لا مجال للاجتهاد فيه، فله حكم الرفع.
وأخرج ابن أبي حاتم (3) عن السدي معناه.
وأخرج جويبر (4) عن ابن عباس في هذه الآية قال: سبب ممدود ما بين المشرق
(1) عزاه إليه ابن كثير في تفسيره (7/ 101).
(2)
(1/ 45 رقم 122).
وأورده الهيثمي في المجمع (7/ 100) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.
(3)
في تفسيره (10/ 3252 رقم 13897).
(4)
ذكره السيوطي في الدر المنثور (7/ 231).
* قال ابن القيم في " الروح "(ص 29 - 30): الأقوال في هذه الآية:-
1/ القول الأول: أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولا، والمرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل بوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.
2/ القول الثاني - في الآية-: أن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفى وفاة النوم فمن استكملت أجلها أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى جسدها لتستكلمه واختار شيخ الإسلام- ابن تيمية- هذا القول وقال: عليه يدل الكتاب والسمة. قال: فإنه سبحانه ذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاة النوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك يصفها بإمساك ولا بإرسال، بل هي قسم ثالث.
والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين: قسما قضى عليها بالموت فأمسكها عمده وهى التي توفاها وفاة الموت وقسما لها بقية أحل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها، وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا فهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هذه التي توفاها في منامها، فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين: وفاة موت، ووفاة نوم لم يقل {والتي لم تمت في منامها} فإنها من حين قبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك {يمسك التي قضى علتها الموت} ولمن نصر هذا القول أن يقول: قوله تعالى: {فيمسك التي قضى عليها الموت} بعد أن توفاها وفاة النوم، فهو سبحانه توفاها أولا وفاة نوم، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإله سبحانه ذكر وفاتين وفاة نوم، ووفاة موت، وذكر إمساك المتوفاه وإرسال الأخرى ومعلوم أنه سبحانه يمسك كل نفس ميت سواء مات في النوم أو في اليقظة، ويرسل نفس من لم يمت. فقوله سبحانه & يتوفى الأنفس حين موتها، يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام.
والمغرب بين السماء والأرض، فأرواح الموتى إلى أرواح الأحياء إلى ذلك السبب، فتعلق النفس الميتة بالنفس الحية، فإذا أذن لهذه الحية بالانصراف إلى جسدها لتستكمل رزقها أمسكت النفس الميتة، وأرسلت الأخرى.
وأخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الوصايا عن قيس بن قبيصة مرفوعًا " من لم يوصي لم يؤذن له في الكلام مع الموتى. قيل: يا رسول الله، وهل يتكلم الموتى؟ قال: نعم. ويتزاورون ".
وأخرج أبو أحمد الحاكم في الكني (1) عن جابر مرفوعا: " من مات عن غر وصية لم يؤذن له في الكلام إلى يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، ويتكلمون قبل يوم القيامة؟ قال: نعم. ويزور بعضهم بعضا ".
وأخرج الديلمي (2) من طريق أبي هدبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [3ب]: " رأيت امرأتان: واحدة تتكلم، والأخرى لا تتكلم، كلتاهما من أهل الجنة. فقلت لها: أنت تتكلمين، وهذه لا تتكلم فقالت: أما أنا فأوصيت،
(1) عزاه إليه السيوطي في " شرح الصدور "(ص 349).
(2)
في الفردوس. بمأثور الخطاب (2/ 258 رقم 3202).
وهذه ماتت بلا وصية لا تتكلم إلى يوم القيامة ".
وأخرج الطبراني في الأوسط (1)، وابن أبي الدنيا وأورده الهيثمي في المجمع (32712) وقال فيه مسلمة لن على، وهو ضعيف. (2) عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم قال:" إن نفس المؤمن إذا قبضت يلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشر من أهل الدنيا، فيقولون: انظروا صاحبكم يستريح، إنه كان في كرب شديد، ثم يسألونه: ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت؟ إذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول: هيهات قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إلا لله وإلا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية ".
والحاصل: أن رؤية الأحياء للأموات في المنام كائنة في جميع الأزمنة منذ عصر الصحابة إلى الآن. وقد ذكر من ذلك الكثير الطيب القرطبي في تذكرته، وابن القيم (3) في كثير من مؤلفاته، والسيوطي في شرح الصدور (4) بشرح أحوال الموتى في القبور.
الوجه الثامن: من وجوه الأدلة المقتضية لالتقاء أرواح الأحياء والأموات، وهو دليل عقلي لا يمكن الإنكار له، ولا القدح في دلالته، ولا التشكيك عليه، وذلك أنه قد وقع في عصرنا فضلا عن العصور المتقدمة أخبار كثيرة من الأحياء أفم رأوا في منامهم أمواتا فأخبروهم بأخبار هي راجعة إلى دار الدنيا، إما بأن فلانا يموت في وقت كذا تصريحا منهم بذلك، أو تلويحا، أو بأن أهلي تركوا كذا أو فعلوا كذا، أو لم ينفذوا وصيتي، أو لم يواصلوني بالدعاء، أو عندي لفلان كذا، أو عند فلان لي كذا، أو يذكر شيئا قد أودعه بطن الأرض، أو خبأه عند بعض من يعرفه فينكشف ذلك صدقا وحقا
(1)(1/ 53 - 54 رقم 148) مرفوعا. وفي الكبير رقم (3887).
(2)
في المنامات (ص 28 - 45) مختصرا بإسناد حسن.
(3)
في الروح (ص 28 - 45).
(4)
(ص 351 - 356).
مطابقا لخبره (1). فهذا من الأدلة العقلية القوية. وإذا ضمت هذا الدليل العقلي إلى ما قدمناه لك من الأدلة النقلية انقلع عنك شكال الإشكال، واندفع عنك عضل الإعضال- إن شاء الله-.
وأما قول السائل- كثر الله فوائده-: فإن قيل أنها خصائص لبعض الأفراد فقد يتأهل لها ناس كير مرضين، فهل يجوز العمل هذه الأخبار ويترتب عليها أحكام أم ماذا يكون حالها؟ [4أ].
أقول: أما من لم يكن من أهل العدالة فأخباره مردودة غير مقبولة في اليقظة عن الأحياء فضلا عن الأموات، ولكن إذا أخبرنا عن الميت بشيء مطابق للواقع توجه العمل بذلك الخبر لكونه انكشف صحيحا، وأما إذا كان المخبر عدلا فيتعين قبول خبره، لكن إذا كان في حق له على الغير وجب الكشف كما وقع في الدليل السابع الذي قدمناه عن ثابت بن قيس بن تهاس، وأما إذا أخبر بأن عند فلان لفلان كذا، أو فلان فعل بفلان كذا فيجعل ذلك قرينة، فإن صح ما ذكره برهان شرعي عمل عليه، وإلا كان على المدعى عليه اليمن، وأما إذا أخبر بأن عنده لفلان كذا، فإن لم يصدقه الورثة كان عليهم اليمن أنهم لا يعلمون صحة هذا الخبر، ولا مطابقته للواقع، لأن من شرط الخبر أن يكون المخبر به حصل له سببه في اليقظة، لا في النوم، لأن النوم ليس فيه ضبط صحيح، والنائم غير ضابط ضبطا معتبرا في الرواية، ولكن لا يترك هذا الخبر هملا بل
(1) في هامش المخطوط: ومن ذلك ما وقع للمجيب شيخ الإسلام- رضي الله عنه وهو أنه قبيل موته بقليل قام من مرقده فظن من لديه أنه يريد الحاجة، فقاموا معه لئلا يتعثر فمشى خطوتين، ثم سجد سجدة طويلة كان يفعلها بعد الصلاة، ثم قام ورجع إلى محله، وتوفي بعد ذلك بنحو ساعتين أو ثلاث، فرأته بعض أفاضل الناس فقالت له:. بمعنى أنك سجدت قبل الموت فلم ذلك؟ قال: إنه ورد أن الإنسان ينظر ما سيؤول إليه وأين محله، فلما نظرت ذلك قمت لأسجد لله شكرا، وكذلك ل مص ض ولده كانت الأخوف، فطال المرض فوصل إلى بعض الخدم، وذكر أنه رأي شيخ الإسلام فقال: كيف ولدي أحمد؟ فذكر له أنه باق في مرضه، فقال: قل له يفعل كابلي من الذي كان معه يعرفني فتحيرت لأن الكابلى لا يناسب ذلك العارض ثم فعلته فبرئت بإذن الله رحمه الله وغفر له ورضي عنه.
يجب على الورثة اليمين (1).
فإن قلت: قد جعل السائل قول الله- عز وجل: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ويرجعون} (2) دليلا على عدم قبول ما يرويه الأحياء عن الأموات في المنام.
قلت: هذه الآية في شيء آخر، وهم الذين تقوم عليهم القيامة، وينفخ في الصور فيموتون جميعا، لا يستطيع أحدهم أن يوصي إلى الآخر بأن يبلغ أهله عنه. والسياق يوضح المعنى قال- عز وجل:{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهليهم يرجعون} (3). ويدلا على ذلك ما أخرجه عبد الرزاق (4)، والفريابي (5)،
(1) لا تثبت الأحكام بالإلهام والأحلام، وكذا صحة الأحاديث والأخبار: قال المحدث المباركفوري: " إن الحديث الذي لا يعلم صحته لا يكون صحيحا بتصحيحه قي المنام ولا بالكشف والإلهام، فإن أمثال هذا الحكم لا تثبت بقوله صلى الله عليه وسلم في المنام وإنما تثبت بقوله في حياته في الدنيا ولأن مدار الحديث على الإسناد، تال القاري في شرح النخبة وأما الكشف والإلهام فخارجان عن المبحث لاحتمال الغلط فيهما ".
انظر: مقدمة تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (1/ 309).
وقال ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 77 - 78): وأما رؤيا غير- الأنبياء فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل ها.
فإن قيل؛ فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو تواطأت؟
قلنا: مني كانت كذلك استحال مخالفتها للوص، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فيتنبه بالرؤيا على ذلك.
(2)
[يس: 50]
(3)
[يس: 48 - 50]
(4)
في تفسيره (2/ 144).
(5)
عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (7/ 62).
وعبد بن حميد (1)، وابن المنذر (2)، وابن مردويه (3) عن أبي هريرة في تفسير الآية وهي:{فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهليهم يرجعون} (4) قال: تقوم الساعة والناس في أسواقهم يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويجلبون اللقاح (5)، وفي حوائجهم فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
وأخرج عبد بن حميد (6)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (7)، وابن المنذر عن الزبر ابن العوام قال: إن الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ {فلا يستطيعون توصية} (8) الآية.
وأخرج البخاري (9) ومسلم (10) وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقط فيه " الحديث إلى آخره.
وأما ما استدل به- عافاه الله- من قوله: " ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم "(11). فهذا قاله رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا فلا دخل له في مسألة السؤال، والأمر ظاهر واضح [4ب].
قال السائل- كثر الله فوائده-: المسألة الثانية: مسألة المقذيين (12)، وهذه المسألة أشد إشكالا من الأولى، وعذابه كون فاعلها يستخرج أشياء من الجوف الحيواني
(1) عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (7/ 62).
(2)
عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (7/ 62).
(3)
عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (7/ 62).
(4)
[يس: 50]
(5)
اللقاح: ذوات الألبان. النهاية (4/ 262).
(6)
عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (7/ 62).
(7)
عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (7/ 62).
(8)
[يس: 50]
(9)
في صحيحه رقم (7121).
(10)
في صحيحه رقم (157).
(11)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1243) من حديث أم العلاء.
(12)
قذت قذيا وأقذيتها إذا أخرجت منها القذى، والقذى، ما يقع في العين وما ترس به. والمقصود ها هنا رقية باطلة يفعلها بعض الجهلة.
لسان العرب (11/ 77).
والجمادي مثل الطعام والحصاة والرصاص والشعري، وغير ذلك إلى آخر ذكره. أقول: قد ثبت عنه- صلى الله عليه وآله وسلم صحة الرقية للحمة (1) من الحية والعقرب ونحوهما، وقال للذي (2) يرقى بالفاتحة: وما يدريك أنها رقية! متعجبا من إصابته وقال له: اضربوا لي معكم بسهم، يعني في الجعل الذي أخذوه من المرقط للراقي. وهو القطيع (3) من الغنم وهذا ثابت في الصحيح (4). فإذا كان الذي يرقط من شيء من أخلاط الجوف، أو من شيء نشب في الحلق، أو نحو ذلك بصيرا في هذه الصناعة، مجربا فيها فلا بأس بأن يطلب منه ذلك، ونحمله على أن عنده رقيه غير مخالفة للشرع، ما لم نعلم أن تلك الرقية التي استخرج ها ذلك مخالفة للشرع. وقد ورد مدح الذين لا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون كما في الأحاديث (5) الصحيحة. ولكن
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (10/ 205) رقم الباب 37.
باب رقية الحية والعقرب، وذكر فيه حديث عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: سألت عائشة عن الرقية من الحمة فقالت: رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة.
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5741) ومسلم في صحيحه رقم (2193).
(2)
أخرجه البخاري قي صحيحه رقم (5736) ومسلم رقم (2201) من حديث أبي سعيد الخدري.
(3)
وهو قول البخاري في صحيحه (10/ 198) رقم الباب (34).
باب الشرط في الرقية بقطع من الغنم.
(4)
عند البخاري رقم (5737) من حديث ابن عباس رضي الله عنه: " أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا. بماء فيه لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرأ، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ".
(5)
(منها): ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5752) ومسلم رقم (374/ 220) من حديث ابن عباس قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألف بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطرون ولا يكتوون على ربهم يتوكلون ".
ذلك فضيلة لا حتم. فقد قرر- صلى الله عليه واله وسلم- أصل الرقية، ومدح عليها، وأخذ من الجعل المجعول لصاحبها كما تقدم في حديث الرقية. وهذا باب من أبواب الطب والتداوي به. وقد صح عنه- صلى الله عليه وآله وسلم الأمر (1) بالتداوي وإن كان التوكل (2) أفضل من ذلك، فإنه قد يشفط الله المريض على يد ذلك الراقي برقية حق لا برقية باطل، فإنه أخبرني بعض ثقاة العلماء أن والده وكان من كبار العلماء الحريصين على العمل بالسنن، وهجر البدع نشب بحلقه عظم، وأعيت الحيلة في استخراجه، فجاء رجل من أهل هذه الصناعة الذين يقال لهم في بلادنا مقذيون، وهم من جملة من يندرج تحت اسم الراقين، فرقاه فخرج العظم من حلقه. فهذا صنع حسن، وطب محمود، ورقية نافعة. ولهذه القصة أخوات كثيرة.
والحاصل أنه لا فرق بين من يرقط من حمة، وبن من يرقي مما يؤذي، لأن الجامع بينهما أنه استخراج من البدن لما يحصل به التأذي، وإن اختلفا بشدة التألم والإفضاء إلى الموت في البعض دون البعض، مهما كانت بحق لا بباطل، فالكل من باب [5أ] الطب المحمود، وفيه أجر عظيم، لأن الإنسان يشح بنفسه فوق شحه. بماله، والتسبب لعافيته من مرضه أعظم أجرا من التسبب لغناه ودفع الحاجة عنه، ولذا قال الشاعر:
يجود بالنفس إن ضن الجبان بها
…
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وهذا معلوم لكل فرد من أفراد بني آدم أنه يطلب ما يدفع عنه المرض طلبا فوق طلب
(1)(منها) ما أخرجه مسلم في صحيحه (69/ 2204) من حديث جابر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله ".
(ومنها) ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5678) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".
(2)
لما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5652) ومسلم في صحيحه رقم (2576) من حديث ابن عباس لا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأتته امرأة سوداء فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك قالت: أصبر ".
شيء من الدنيا. ثم الدليل العقلي قد دل على جواز الاستشفاء بالأدوية، بل على مشروعية ذلك، وهذا منها. وقد يكون المدعي لذلك مخرقا متحيلا لطلب ما يحصل له من الجعل، وهذا لا شك أنه إذا عرف منه ذلك لم يجز قصده، ولا التداوي كما لو عرف من يدعى الطب. ممثل ذلك، وليس كلامنا إلا فيمن عرف حاله بإدراك تلك الصناعة وجرب.
قال- كثر الله فوائده-: المسألة الثالثة: إذا أتى الرجل الجماعة، فوجد قد أم رجل غير مرضى عنده، وإن كانت أحوال الناس مبنية على السلامة، وإحسان الظن بالمسلمين أولى من الوساوس الشيطانية، والأوهام الفاسدة- أعاذنا الله من ذلك- وإنما قد يفضل ذلك كثير من الفقهاء المتسميين، فهل يجوز له اجتناب الجماعة؟ إلخ ما ذكره.
أقول: هذا الداء العضال لا يتعلق إلا بأحد رجلن: إما جاهل للشرائع وكفى بجهله حجة عليه، ويجب على أولي الأمر ومن لهم قدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يعاقبوه حتى يترك ما خيله له جهله ويكرهوه على أن يسلك مسلك غيره من عباد الله من الائتمام. ممن يؤمهم، فالجاهل يقتدي بغيره، ويسأل أهل العلم، حتى ترتفع عنه الجهالة، ويعرف المسالك الشرعية، فما جئ عليه سوى جهله، وعلى براقش نفسها (1) تجئ وإما رجل قد تلبس بشيء من العلم من دون أن يمعن فيه، ويعرف ما ورد في تحسين الظن الحسن، ويقبح الظن السيئ، فهذا أشد الرجلين ذنبا، وأكثرهم إثما، فإنه لا يفعل ذلك إلا وقد صار معجبا بنفسه، وصار مستحقرا لغيره، فجمع بين ذنبن عظيمين، ولا سيما إذا كان له هيئة. بملبوسه، فإنه يقتدي به من يراه من العوام، ويصنعون كصنعه، [5ب] فيضل ويضل. وقد تأملنا حال جماعة ممن أصيب هذا الداء فوجهناهم متفقين في
(1) قال الميداني في مجمع الأمثال (2/ 337): كانت براقش كلية لقوم من العرب، فأغير عليهم، فهربوا ومعهم براقش فاتبع القوم آثارهم بنباح براقش، فهجموا عليهم فاصطلموهم، قال حمزة بن بيض.
لم تكن عن جناية لحقتني
…
لا يساري ولا يميني رمتني
بل جناها أخ علي كريم
…
وعلى أهلها براقش تجني
صفة واحدة هي كما ذكرنا أن يظن أنه قد نال نصيبا من العلم ظنا فاسدا، وجهالة مركبة، وقد يجمع عليه جماعة من العامة الذين لا يفهمون حقيقة، فيريد أن ينبل في أعينهم بالعلم والورع، فينتقص أهل العلم وأهل الدين، وضميره المستتر أنه بحاله أعلى من حالاتهم، وجلالة أكبر من جلالتهم، فيوقعه ذلك في هذا الذنب العظيم. وصار لا علم ولا عمل ولا تورع عن أعراض أهل العلم وصالحي عباد الله.
قال السائل- عافاه الله-: ثم كذلك ما يفعل بعض المتفقهين من أنه يأتي إلى الصلاة في آخر وقتها فيؤم يصلى هم مثلا الظهر في آخر وقتها، ثم يتبعها بصلاة العصر بعد دخول الوقت. ممن صفى هم، وقد ينضم إليه جماعة آخرون من المنتظرين لصلاة العصر مع الإمام الراتب، والإمام الراتب قد صار في المسجد متأهبا إما يتوضئ أو يركع إلى آخر كلامه.
أقول: هذا الذي أخر الظهر إلى آخر وقتها قد أحرم نفسه الأجر العظيم، وأحرم من اقتدى به، فإنه قد صح أن الصلاة لأول (1) وقتها من أفضل الأعمال، وجمع بين الصلاتين لا لسبب، بل لمجرد استثقال العبادة، وعدم الرغوب إليها، وفعل منكرا عظيما بالتجميع في مسجد فيه راتب يؤم فيه، وفرق الجماعة مع صحة النهى (2) عن النبي - صلى الله عليه واله وسلم- عن تفريق الجماعة، وقال: ......................
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري قي صحيحه رقم (527) ومسلم رقم (85) من حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: " الصلاة على وقتها " قلت: ثم أي؟ قال " بر الوالدين " قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله ".
(2)
(منها) ما أخرجه مسلم قي صحيحه رقم (1848/ 53) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية ".
(ومنها) ما أخرجه البخاري قي صحيحه (7143) ومسلم قي صحيحه رقم (55/ 1849) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى من أمره شيئا يكرهه فليصب فإن فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية ".
مالي أراكم عزين (1)، أي متفرقين! وأدخل الشحناء بين المسلمين، ووثب على وظيفة هي لغيره فيتوجه الإنكار عليه وزجره. وإذا لم يرعو عزر بالحبس وغيره.
ولا يصدر ذلك من عارف قط، بل يقع في هذا المنكر جاهل ظن بنفسه العلم، وعاص ظن أنه مطيع مع ما يصحب ذلك من التكبر والعجب، وظن الشمر بالناس، والانقياد للشيطان بزمام.
قال السائل- كثر الله فوائده-: المسألة الرابعة: في الرجل يتولى على شيء من أموال المصالح من طريق إمام الزمان، ويفرض له أجرة معلومة، فيتوسع في التكليف، فإن كان من أهل الرياسة توسع في الأعوان والمراكيب والسلاح والفراشات والنفائس العظيمة، وإن كان من أهل العلم توسع في جمع الكتب العظيمة النفيسة إلى آخر كلامه.
أقول [6أ] إن كان رزق هذا الذي فرضه له الإمام من بيت المال معلوما، وكان لا يقوم ذلك. مما توسع به في النفقة والكسب فهو خائن إن كان متوليا على شيء من بيت المال، أو من الأوقاف، أو من سائر الأعمال، وإن كان قاضيا فهو مرتش، آكل لأموال الناس بالباطل. هذا على تقدير أن دخله معلوم، وأنه لا دخل له من عمل آخر غير ذلك، وإن كان له من بيت المال دخل غير ما هو معلوم عند من لا يعرف حاله، أو هو متول على أعمال متعددة بحيث يمكن منها أن يتوسع التوسع الذي صار فيه، فينبغي تحسين الظن به، وإعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شأنه ويشافهه، فهو إن كان من أهل العلم لا يحرج من ذلك، وأما ما يجوز له تناوله فإن كان له من بيت المال
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم (119/ 430) من حديث جابر بن حمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة " قال ثم خرج علينا فرآنا حلقا. فقال: " مالي أراكم عزين؟ ". .
خيل شمس: أي لا تستقر بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.
عزين: أي جماعات في تفرقة.
ما يكفيه لا يجوز له أن يأخذ أجرة غير ذلك، بل يقتصر على ذلك، وإذا قصرت الجراية عن تكليفه طلب من الإمام أن يزيد على ما جعله له من بيت المال إلى القدر الذي يقوم به، فإن لم يفعل الإمام ترك العمل الذي فوضه فيه، واشتغل بغيره، واتكل على خالقه في رزقه، فقد جرت عاده الله- عز وجل أن من ترك ما لا يحل له عوضه الله من حلاله، ووسع عليه، فقد تكفل- سبحانه- برزق عباده، وأمرهم بطاعته والقيام. مما شرعه لهم.
قال- كثر الله فوائده-: المسألة الخامسة: في أموال المصالح المعشرية مثل المناهل والمساجد والس! بل، هل يجب فيها الزكاة إلى آخر كلامه؟.
أقول: إن كانت الأموال مكسوبة من فاضل الغلة لمثل المساجد والمناهل ونحوهما ففيهما الزكاة كغيرها من أموال الناس، وعموم أدلة الزكاة متناولة لها، لأنها أموال، وإما أنها تجب الزكاة في نفس الزكاة المسوقه إلى بيت المال فلا، وكذلك الجزية المسوقة إلى من هي له لا تجب فيها الزكاة، لأنها من أموال الله- عز وجل وقد صارت إلى مصرفها، فإخراج بعضها زكاة يحالف موضوعها الشرعي، ويجوز للعامل على هذه الأمور إذا كانت له ولاية شرعية عليها أن يأخذ أجرته بالمعروف، وأما من كان أمر زكاته إليه بتفويض من الإمام كالإجبار فواجب عليهم أن يصرفوها في مصارفها، ولا يأخذوا منها شيئا، فإن أخذوا فهو منكر يجب إظهاره عليهم، ولو كان مصرفا فلا يجوز له أن يصرف زكاته في نفسه.
وإلى هنا انتهى الجواب بقلم كاتبه محمد بن على الشوكاني- غفر الله له [6ب]-.