المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ٩

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌القول الجلي في حل لبس النساء للحلي

- ‌سؤال عن شأن لبس المعصفر وغيره من سائر أنواع الأحمر

- ‌الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة

- ‌الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة

- ‌الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة

- ‌منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان

- ‌إرشاد السائل إلى دلائل المسائل

- ‌تشنيف السمع بجواب المسائل السبع

- ‌سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون

- ‌بحث في قبول العدلة في عورات النساء

- ‌إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين

- ‌بحث في القرائن وهي رد على تظلم رفع إليه من قبل رجل يتظلم من عريف من عرفاء بلاد الروس

- ‌بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية

- ‌رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين

- ‌بحث في حديث العين المسروقة إذا وجدها المالك

- ‌مناقشة من القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم رحمه الله للبحث السابق (العين المسروقة) وهو السائل

- ‌جواب المناقشة السابقة

- ‌بحث في قاذف الرجل

الفصل: ‌الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة

‌الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة

تأليف

شرف الدين بن أحمد

أمير كوكبان

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 4379

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: " الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة ".

2 -

موضوع الرسالة: " فقه ".

3 -

أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين الطاهرين.

وبعد: فإنها وصلت إلينا الرسالة التي اشتملت على أبحاث تشد إليها الرحال ويعجز عن مثلها العلماء الأمثال .... "

4 -

آخر الرسالة: " وهو يهدي السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

حرر صبح الأحد 13 شهر شعبان الكريم سنة 1218هـ ".

5 -

نوع الخط: خط نسخي جيد.

6 -

عدد الصفحات: 17 صفحة ما عدا صفحة العنوان.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة 24سطرًا.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 13 كلمة.

9 -

الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 4381

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين.

وبعد:

فإنها وصلت إلينا الرسالة (1) التي اشتملت على أبحاث تشد إليها الرحال، ويعجز عن مثلها العلماء الأمثال، إلا أنها وإن تضمنت أنواعًا من الفوائد المتعددة، وعقودًا من الفرائد المتبددة، فهي لم تفد في حل ما أشكل من الأبحاث المسددة، بل سلك المجيب - كثر الله فوائده - في غالبها واديًا لم نرده فيما أوردناه، ولا ورد عين ما أوردناه، واستدل في بعضها بما لا ينهض في حل ما استشكلناه، فهو في بابه من بدائع الفوائد، يجب أن يعتمده كل من جعل في عنقه من أمور المسلمين القلائد، فلا تناط أحكام الله تعالى إلا بمن يعرف صحة ما يحكم بدليله الوارد عن الله ورسوله.

ولا يخفى المجيب - كثر الله فوائده - أن ملخص الجواب الذي أجبنا به عليه هو أن الاستدلال بالآيتين الكريمتين على وجوب الإجابة إلى الحاكم مشكل، وأن دلالتهما لو تمت على وجوب الإجابة إلى الحاكم لما دلت على محل النزاع، وهو وجوب إجابة الغرماء إلى الخارج عن البريد (2)، مع وجود حاكم معتبر في البلد، وأن في بلدنا من كملت فيه الشروط المعتبرة في صحة الحكم، ولا يلزم من القول بعدم دلالة الآيتين على هذا المعنى طي بساط الشريعة، ولا أن يكون القائل بذلك مخالفًا للإجماع القطعي، وللشريعة المطهرة، ورافعًا للتعبد بها، ولا يفضي به ذلك إلى كفر وفسق، بل كتب أئمتنا عليهم السلام وغيرهم مصرحة بعدم وجوب الخروج مع وجود حاكم معتبر في البلد، ولم يلزمهم بذلك طي بساط الشريعة، ومخالفة القطعي الموجب لما يخفاكم،

(1) يشير إلى الرسالة رقم (139).

(2)

تقدم توضيحه.

ص: 4385

فالتهويل منكم في غير محله.

نعم. هو مفيد فيمن نفى وجوب الإجابة إلى الحكام رأسًا، ولم يقل به أصلا، كيف ولفظ كلامنا في الجواب هو ما صورته، وأشكلت علينا فيما ذكرتموه مسألتان:

المسألة الأولى: إلزامكم لأولاد القاضي تسليم نصف الأجرة.

المسألة [1أ] الثانية: في الاستدلال على تكليف الغرماء للرحيل من جهة إلى جهة بالآيتين الكريمتين

إلى آخر كلامنا.

وبهذا التقرير يندفع جميع ما أوردتم علينا من التهويل بلزوم طي بساط الشريعة، وبمخالفة الإجماع القطعي، والنصوص القرآنية، والأحاديث المتواترة، ونحو ذلك من التطويل بالتبكيت العريض الطويل.

قوله - كثر الله فوائده -: فإنه وصل إلى آخر كلامه - عافاه الله تعالى -.

نقول: الذي استشكلناه هو إيجاب الرحيل على الغريم إلى خارج البريد لإجابة الحاكم، مع وجود حاكم معتبر في البلد، وأن الإيجاب لذلك لا يذهب إليه أحد من أهل البيت، ولا من أئمة المذاهب، ولم يستشكل ما ذكره - عافاه الله - لأنه لم يتعرض لذكر ما هو مصب الغرض من الاستشكال الأصلي، وهو قولنا: مع وجود حاكم معتبر في البلد.

قوله - أبقاه الله تعالى -: أقول: نورد عليه قبل الكلام على كلامه هذا سؤال الاستفسار (1) فنقول: هل إجابة

إلخ.

نقول: هذا الترديد ليس واردًا من أصله، لأنه في وجوب الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد، مع عدم وجود مثله في البلد، وكلامنا في حكم الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد مع وجود مثله في البلدة، فاندفع الترديد وما ترتب عليه.

قوله - عافاه الله -: فلنتكلم الآن على ألفاظ المناقشة - إلى قوله -: فهذا على

(1) انظر تعليق الشوكاني في الرسالة رقم (141).

ص: 4386

تقدير تسليمه لا يضر

إلخ.

نقول: السياق في الآيات قاض بأنها نزلت (1) فيمن يظهر الإيمان، ويعرض عن الإجابة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحكم بينه وبين غريمه، فبكت الله عليهم ذلك، وأخبر بأن المؤمن لا يكون قوله إذا دعي إلى رسول الله ليحكم بينه وبين غريمه إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، وهذا التقرير لا يدافع بأنه لو كان المراد ذلك لقال: إنما كان قول المنافق أو اليهودي كما لا يخفى.

قوله - أبقاه الله -: كما يفيد ذلك الألف واللام التعريفية أو الموصولية على اختلاف الرأيين

إلخ [1ب].

نقول: ليس اللام في مثل المؤمن والكافر ونحوهما اسمًا موصولا، وإن كان صفة، إنما ذلك في الصفات التي يقصد بها الحدوث فتعمل، لا في الصفات التي صارت بمنزلة الصفة المشبهة كالمؤمن ونحوه، فاللام فيها حرف تعريف اتفاقًا. وقد بسط الكلام على ذلك السعد في حاشية الكشاف، وأما تقرير العموم بانهدام الجمعية، ومصير الصيغة جنسية شاملة محيطة فلا حاجة إليه، لأن الجمع (2) المعرف باللام المشار بها إلى الجنس نفسه من حيث الوجود على الإطلاق من صيغ العموم عند الجمهور من الأصوليين بدون ذلك التقدير.

قوله: فهذا مسلم لكن بالنسبة إلى الحاكم لا بالنسبة إلى المحكوم به

إلخ.

نقول: قال الله تعالى - بعد تلك الآيات في آخر سورة النور -: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} (3) وهو اسم جنس مضاف من صيغ العموم وإن كان سببه خاصًا، والمراد العموم في الدعاء إلى تعليم الشرائع أو فصل الخصومات،

(1) انظر " روح المعاني " للآلوسي (196 - 197). " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي (12/ 294).

(2)

انظر " إرشاد الفحول "(ص415)، " تيسير التحرير "(1/ 191 - 192).

(3)

[النور: 63].

ص: 4387

أو غير ذلك، وسر ذلك أن من دعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبى عن الإجابة عليه عنادًا كفر باتفاق الأمة، ومن امتنع عن الإجابة إلى حاكم كامل الشروط بالإجماع لم يكفر بالاتفاق. غاية الأمر أنه يكون عاصيًا وهذا هو الذي أردناه بالخصوص في قوله تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (1) من القسم العظيم على نفي الإيمان عنهم حتى يحكموه فيما شجر بينهم، ثم نفي الحرج فيما قضى، والتسليم المؤكد لذلك.

وأما ما ذكره المجيب - كثر الله فوائده - من الكلام على حديث معاذ (2)، وما يتعلق به فكلام نفيس جدًا، ونحن قائلون به، ولكنه لا يفيد في إبطال ما قلناه.

قوله - أبقاه الله -: الثاني ما قدمنا من الإجماع القطعي على وجوب الإجابة للداعي إلى الشريعة

إلخ.

نقول: إن أراد ما ذكره دليل على صحة الاستدلال بالآيتين على وجوب الإجابة إلى الحاكم فهو لا يفيد [2أ] ذلك، وإن أراد أن ذلك دليل على وجوب الإجابة إلى الحاكم في البلد من غير نظر إلى كونه مدلول الآيتين فمسلم ولا ننكر ذلك أصلا، ولم يكن في كلامنا ما يدل على الإنكار بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، إنما استشكلنا الاستدلال بالآيتين فقط، وهكذا نقول في الوجه الثالث.

قوله: الوجه الرابع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نصب الحكام

إلخ.

نقول: نعم نصب الحكام (3)، وبعث بالولاة، وأمر الأمراء، وهو دليل لنا ليستكفي

(1)[النساء: 65].

(2)

تقدم مرارًا وهو حديث ضعيف.

(3)

انظر " المغني "(4/ 11)، " تبصرة الحكام "(1/ 12 - 15).

ص: 4388

أهل كل قطر بما لديهم من الحكام، وغيرهم مع وجوده صلى الله عليه وآله وسلم وهو إمام الكل، ولم يوجب على الغريمين الوصول إليه، بل نصب لهم الحكام تسهيلا للأمر الذي بعث به من الشريعة السمحة السهلة، ولم يؤثر عن أحد من قضاته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يوجب على المتشاجرين الوصول إليه من الأقطار البعيدة، مع وجود حاكم عندهم، وعلى مدعي ذلك بيانه.

نعم. لو لم يكن في اليمن إلا قاض واحد لوجب الوصول إليه، فليس كلامنا إلا في وجوب الخروج عن البريد مع وجود الحاكم المعتبر في البلد.

قوله - كثر الله فوائده -: الوجه الخامس: أن إفراده صلى الله عليه وآله وسلم في الآيتين بنسبة التحكيم إليه والحكم منه هو كإفراده في قوله: {خذ من أموالهم صدقة} (1)

إلى آخر ما ذكره - عافاه الله - بما محصله أن خطاب الله لرسوله يفيد التعميم لكل الأمة.

نقول: قد تقرر في الأصول (2) عند الجماهير من أئمتنا وغيرهم أن الخطاب الخاص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يتناول الأمة إلا بدليل خارجي كما هو معروف، وهذه الآيات التي ساقها قد قامت الأدلة الخارجية على عمومها، ولم يذهب إلى أن الخطاب الخاص بالرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عام بنفس اللفظ إلا أبو حنيفة وأحمد (3).

قوله - كثر الله فوائده -: إنه تقرر في الأصول أن خطابات الله ورسوله لواحد من الأمة يعم إذا لم يوجد ما يفيد اختصاص ذلك الواحد

إلخ.

نقول: الذي تقرر في الأصول [2ب] عند أئمتنا وغيرهم من جماهير العلماء أن

(1)[التوبة: 103].

(2)

تقدم ذكره. وانظر: " إرشاد الفحول "(ص430).

(3)

" البحر المحيط "(3/ 167)، " الكوكب المنير "(3/ 255).

ص: 4389

خطاب الواحد (1) لا يكون للعموم، ولا يتناول سائر الأمة إلا بدليل.

وقد أخرج مسلم (2) عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: " نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القراءة في الركوع والسجود، ولا أقول: نهاكم " ولم يذهب إلى عمومه إلا الحنابلة وجماعة من الناس، والمسألة مشهورة مدونة في كتب الأصول (3).

قوله - أبقاه الله تعالى -: الوجه السابع: أن الله تعالى قد شرع لنا التحكيم

إلخ.

نقول: التحكيم باب آخر، ولا يشترط في المحكم الاجتهاد، ولا نزاع في ذلك، بل ولا نزاع في وجوب الإجابة إلى الحاكم الخارج عن البريد مع عدم وجود الحاكم في البلد ومنع الاستدلال بالآيتين لا يلزم منه منع الإجابة مطلقًا، وليس في كلامنا ما يدل على المنع الكلي.

(1) انظر " إرشاد الفحول "(ص444)، " البحر المحيط "(3/ 191)، " تيسير التحرير "(1/ 252).

(2)

في صحيحه رقم (211/ 480).

قلت: وأخرجه أحمد (1/ 81) وأبو داود رقم (4046) والنسائي (2/ 188 - 189).

قال القرطبي في " المفهم "(2/ 86 - 87): وقول علي رضي الله عنه: " نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول نهاكم " لا يدل على خصوصيته بهذا الحكم، وإنما أخبر بكيفية توجه صيغة النهي الذي سمعه فكأن صيغة النهي التي سمع:" لا تقرأ القرآن في الركوع " فحافظ حالة التبليغ على كيفية ما سمع حالة التحمل وهذا من باب نقل الحديث بلفظه. ولا شك أن مثل هذا اللفظ مقصور على المخاطب، من حيث اللغة، ولا يعدى إلى غيره إلا بدليل من خارج، إما عام كقوله صلى الله عليه وسلم:" حكمي على الواحد كحكمي على الجميع " تقدم تخريجه - أو خاص في ذلك الحكم كقوله: " نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا ".

وانظر: " تلخيص الحبير "(1/ 377). " إرشاد الفحول "(ص444). " البحر المحيط "(3/ 191) تقدم مرارًا.

(3)

انظر الرسالة رقم (137).

ص: 4390

قوله - عافاه الله -: الوجه الثامن: أنه قد تقرر في الأصول (1) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فعل فعلا، أو شرع الله له شرعًا كان التأسي به في ذلك

إلخ.

نقول: الذي تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يكن جبليًا (2) ولا دل دليل على الخصوصية فيه إما أن يكون معلوم جهته أو لا، فمعلوم الجهة افترقت فيه الأصوليون إلى أربعة مذاهب:

الأول: أن أمته مثله (3).

الثاني: لا تكون مثله.

الثالث: أنهم مثله في العبادات.

الرابع: أنه يكون كمجهول الجهة، ومجهول الجهة فيه أربعة أقوال أيضًا وهي: الوجوب (4)، والندب (5)، والإباحة (6)، والوقف (7). هذا في فعله صلى الله عليه وآله وسلم.

(1) انظر " إرشاد الفحول "(ص145)، " البحر المحيط "(4/ 64).

(2)

كالقيام والقعود ونحوهما فليس فيه تأس ولا به اقتداء ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور.

" نهاية السول "(3/ 16)، " إرشاد الفحول "(ص157).

(3)

أي أن أمته في ذلك الفعل إلا أن يدل دليل على اختصاصه به وهذا هو الحق.

(4)

وقد روي عن ابن سريج قال الجويني في " البرهان "(1/ 493 - 494) وابن خيران وابن أبي هريرة والطبري وأكثر متأخري الشافعية.

" إرشاد الفحول "(ص165).

(5)

قال الزركشي في " البحر "(4/ 183) وهو قول أكثر الحنفية والمعتزلة ونقله القاضي وابن الصباغ عن الصيرفي والقفال الكبير.

(6)

اختاره الجويني في البرهان (1/ 194) وهو الراجح عند الحنابلة.

(7)

الوقف حتى يقوم دليل. نقله ابن السمعاني عن أكثر الأشعرية قاله الزركشي في " البحر المحيط "(4/ 183 - 184).

انظر أدلة كل قول ورد الشوكاني عليهم في " إرشاد الفحول "(ص164 - 166).

ص: 4391

وأما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كان عامًا فلا شك في عمومه، وإن كان لواحد فقد قدمنا الكلام عليه من أنه لا يعم غيره إلا بدليل. وأما خطابات الله تعالى له فإن كانت عامة بنفس اللفظ فلا خلاف فيها، وإن كانت خاصة به فقد قدمنا أنه لا يتناول غيره إلا بدليل، فقول المجيب - كثر الله فوائده -: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين غير مسلم لما ذكرناه من الخلاف، والمسألة معروفة في الأصول.

قوله: وأما ما ذكرتم من كلام الزمخشري [3أ] في كشافه (1) - إلى قوله -: وليس فيه أن إجابة الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تجب إلى غيره

إلخ.

نقول: ومن أين فهم من كلامنا أن الدعوة إلى الشريعة مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فليس في كلامنا ما يدل عليه بشيء من الدلالات، ويأبى الله أن نريد ذلك، أو أن يريده متدين. ولم نذكر كلام الزمخشري للاستدلال على ذلك، وإنما ذكرناه استظهارًا لما قررناه من كون دلالة الآية نفسها على مدعاكم مشكلا وأن الدعاء إلى الله هو الدعاء إلى رسوله، وسياق الآيات واضح في ذلك.

قوله: فإن قلت: ما ذكره الزمخشري

إلخ.

نقول: تفسير الزمخشري لذلك يجعله من باب أعجبني زيد وكرمه بعد مطابقة المقام لأن المقام للتبكيت على من أعرض عن الدعاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبكت الله تعالى عليهم بما يفيد تلك النكتة البديعة. ولا يخفى أن التفسير بما وافق بلاغة القرآن وإعجازه هو المتعين، ولهذا كان الإمام الزمخشري هو المجمع على تفسيره العظيم عند المؤالف والمخالف.

قوله - كثر الله فوائده -: أقول: إن كانت الإشارة في قوله: ويؤيد هذا إلى أسفله من كون الآية .. إلخ.

(1)(4/ 313).

ص: 4392

نقول: الإشارة في هذا إلى كلام إمام البيان الزمخشري (1) رحمه الله من جعله الدعاء إلى الله تعالى هو الدعاء إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك من باب أعجبني زيد وكرمه لكونه هو المطابق لمقتضى الحال، ولما كان المراد في هذه الآية من الدعاء إلى الله هو الدعاء إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أفرد الضمير (2) أي ليحكم أي: ليحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، وهذا واضح لا يخفى.

قوله - أبقاه الله -: ثم قوله: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله: يستلزم ما قدمنا ذكره

إلخ.

نقول: قد أكثر المجيب - غفر الله له - من التهويل بطي بساط الشريعة، والوقوع في مخالفة جميع الأمة، ومخالفة الضرورة الدينية، وغير ذلك، وهو تهويل في غير محله؛ إذ صريح [3ب] كلامنا إنما هو استشكال للاستدلال بالآيتين على المدعي فقط، وأنشده بالله هل يجزم متدين بأن الحكم بالآيتين ثابت على من دعي إلى التحاكم لدى قاض معين من نفي إيمانه حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غريمه، ثم ينتفي وجدان الحرج في نفسه مما قضى، ثم التسليم لذلك، وأن يقول: سمعنا وأطعنا. وقد قدمنا أن من امتنع عن الإجابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادًا كفر بالإجماع ولا كذلك من امتنع عن الإجابة إلى حاكم.

قوله: وأما قوله: إن الخصوص في آية سورة النساء أوضح

إلخ.

نقول: وجه الأوضحية واضح بما قدمناه قريبًا، ومن ملاحظة المقام الذي لا يكون الكلام بليغًا إلا بمطابقته على وفق مقتضى الحال.

(1)(4/ 313).

(2)

قال صاحب " الدر المصون "(8/ 426) قوله (ليحكم) أفرد الضمير وقد تقدمه اسمان وهما: الله ورسوله، فهو كقوله تعالى:{والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] لأن حكم الله ورسوله هو حكمه.

ص: 4393

قوله - عافاه الله تعالى -: أقول: هذا الكلام إنما يرد على من قال بوجوب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله تعالى

إلخ.

نقول: فما عدي مما بدا فإذا قد اتفقنا نحن وإياكم على تكليف الغريم للرحيل من الظلم مع وجود من يحكم بحكم الله تعالى في جهة الخصمين، فما شأن إلزامكم بعد ذلك لمن في بلاده من كملت فيه شروط الاجتهاد المجمع عليها عند أئمتنا عليهم السلام!؟ وغيرهم من أئمة الأصول!.

وإن قلتم: إن ذلك دعوى فالعمر هو الشاهد. وهذا الفرس وهذا الميدان. وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وملاحة الدينار يظهر فضله في حكه لا في ملاحة نقشه. والمناظرة لم تزل دائرة بين العلماء في جميع الأزمان. والله المستعان.

قوله - كثر الله فوائده -: فنقول: قلتم: وحكم الله تعالى في تلك الحادثة مظنون كل مجتهد

إلخ.

نقول: قولنا: حكم الله مظنون كل مجتهد صادق على القولين، وهما قول من يقول بالإصابة أو بالصواب، أما من يقول بالإصابة فواضح، وأما من يقول بالصواب فحكم الله هو مظنون للمجتهد في المسائل الظنية لا متيقن له، والفرض [4أ] أن حكم الله واحد والمصيب له غير متعين، فالتعيين له بأنه هذا دون ذاك تحكم ولم نعتبر بهذه العبارة إلا لاحتمالها للقولين. وتقديرنا صحيح عليهما؛ إذ المراد من ذلك أن قول المجتهد لا يلزم التكليف به دون قول المجتهد الآخر بل هما سواء، لأنهما مصيبان إما من الصواب أو الإصابة فجزمكم بأحد الاحتمالين لمدلول عبارتنا فيه ما فيه، وهذه المسألة كما ذكرتم طويلة الذيول، وهي معروفة في جميع كتب الأصول، إلا أنه ليس للخلاف (1) فيها ثمرة،

(1) قال ابن فورك: في المسألة ثلاثة أقوال:

أحدهما: أن الحق في واحد وهو المطلوب وعليه دليل منصوب، فمن وضع النظر موضعه أصاب ومن قصر عنه فقد الصواب فهو مخطئ ولا إثم عليه، ولا نقول إنه معذور لأن المعذور لن يسقط عنه التكليف لعذر في تركه كالعاجز عن القيام في الصلاة، وهو عندنا كلف إصابة المعين لكنه خفف أمر خطابه وأجر على قصده الصواب وحكمه نافذ على الظاهر. وهذا مذهب الشافعي وعليه نص كتاب الرسالة (ص496).

الثاني: أن الحق واحد إلا أن المجتهدين لم يكلفوا إصابته وكلهم مصيبون لما كلفوا من الاجتهاد وإن كان بعضهم مخطئًا.

الثالث: أنهم كلفوا الرد إلى الأشبه على طريق الظن.

وذهب قوم إلى أن الحق واحد والمخالف له مخطئ آثم ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم، فقد يكون كبيرة وقد يكون صغيرة. ومن القائلين بهذا القول الأصم والمريسي وابن علية. وحكي عن أهل الظاهر وعن جماعة من الشافعية وطائفة من الحنفية.

انظر: " إرشاد الفحول "(ص849 - 850)، " المسودة "(ص495)، (البحر المحيط)(6/ 245).

ص: 4394

لأن القائل بتخطئة البعض قائل بأنه يثاب المخطئ، ولا مخالف في عدم ثوابه إلا الأصم، وابن علية، والمريسي (1). وقد ذكر العلماء أنهم خالفوا العقل والنقل، ولا أرى إلا أن المخطية يعينون الشيطان في تفريق المذاهب، ونشر العداوة، وجعل الدين عضين، وكل حزب بما لديهم فرحون، لأنهم يقولون الحق مع واحد، ويسكتون عن كون المخطئ مأجورًا. وينبغي التنبه لفائدة ذكرها شيخ الإسلام الوجيه عبد القادر بن أحمد رضي الله عنه وهي: أن الأحاديث (2) الواردة في أجر المصيب والمخطئ هي في الحاكم المجتهد، لا في مطلق المجتهد؛ فالحاكم إذا اجتهد وعمل بشهادة عادلة، وقطع بها الحق فقد أصاب حكم الله تعالى، فإن كانت الشهادة زورًا إما لوهم الشهود، أو لنحو ذلك فقد أخطأ الواقع مع إصابته لحكم الله، فإنه تعالى أمره بالعمل بالشهادة بدليل قطعي لا تجوز مخالفته، ولا إثم على من عمل بحكم الله تعالى وأخطأ الواقع، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:" فإنما أقطع له قطعة من نار "(3) فجعل أحاديث الحاكم وتخطئته في

(1) انظر التعليقة السابقة.

(2)

انظر الرسالة رقم (139).

(3)

أخرجه البخاري رقم (457) ومسلم رقم (1558) من حديث أم سلمة قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ".

ص: 4395

الواقع لا في الحكم دليلا على تخطئة المجتهد، وأنه ليس بمصيب من الإصابة من نصب الدليل على خلاف محل النزاع.

وإذا تقرر أن الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له فلا تشنيع على من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب من الإصابة، ولا يليق الإنكار عليه [4ب]، ولا يقال في حقه: إنه متقول على الله وعلى رسوله، وإنه جاء برأي فاسد، ومذهب باطل خصوصًا مثل الإمام المهدي أحمد بن يحيى (1) عليه السلام فالناس في القطر اليمني عالة عليه، وإن ادعوا خلاف ذلك.

قوله - أبقاه الله -: وقلتم: والاجتهاد - إلى قوله - وأقول: هذه الكلية ممنوعة

إلى آخر الكلام، وهو قريب من نصف كراسة اشتملت على بيان تفاوت العلماء في الاستنباط، وعلى تقسيم المجتهد لنفسه، ومجتهد يحكم أو يفتي، أو يؤلف، وأنه يشترط في الثاني ما لا يشترط في الأول.

نقول: أما تفاوت العلماء (2) فلا شك في ذلك، وقل أن يترشح أحد من أبناء الزمان

(1) تقدمت ترجمته.

(2)

انظر " المغني "(14/ 15 - 16).

وقال الحافظ في " الفتح "(13/ 146): قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في " كتاب آداب القضاء " له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافًا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله حافظًا لأكثرها وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق، والخلاف وأقوال فقهاء التابعين، يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب فإن لم يجد فالسنن فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع، ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه، فهمًا بكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا ماثلا عن الهوى، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم.

ص: 4396

للنظر في الأدلة إلا وهو متوسع في العلوم النافعة، ويعتقد أنه بلغ إلى رتبة لم يبلغها غيره مع إقامته الدليل على ما ادعاه من تأليفه لمسائل، وتقريره لمباحث، وتحريره لأنظار ونحو ذلك مما يدل البعض فيه على الكل، ولا يشترط في إقامة الدليل على دعواه أن يكون بتصنيف الكتب الكبار، أو بتأليف الرسائل المتعددة، وربما كان ميل بعضهم إلى الخمول، أو عدم الرغوب إلى التأليف فلا يشتهر كاشتهار غيره. وفضل الله تعالى ليس مختصًا بواحد بعينه حتى لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يشار بالبيان إلا إليه، ولا تؤخذ أحكام الله إلا منه.

وأما تقسيم المجتهد إلى ما ذكره المجيب - كثر الله فوائده - فهو غريب، وقد أكثر العلامة الجلال في مؤلفاته من تقرير أن العامل بنصوص الأدلة ليس بمقلد ولا مجتهد، قال: وهو الذي كان عليه عامة الصحابة والصدر الأول. وهذا الكلام موافق لما ذهبتم إليه من حيث المعنى، ولكن الجلال لم يجعل العامل كذلك مجتهدًا ولا سيما العمل بالنصوص اجتهادًا، وذلك لأن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي، فالعامل بالنصوص ليس بمستفرغ [5أ] للوسع في ذلك، وكذلك العمل بالأدلة القطعية ليس باجتهاد، بل الاجتهاد أمر خاص فيما تعارضت فيه الأدلة، أو لم يوجد دليل على المطلوب بخصوصه أو نحو ذلك. ثم غير خاف عليكم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نصب قضاة، وكان في الصحابة من هو أعلم منهم، وقد حكم صلى الله عليه وآله وسلم بأن أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه (أقضى الصحابة) وقد قامت الأدلة أنه أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومع هذا فلم تكن أحكام القضاة الآخرين مع وجوده غير صحيحة ولا متوقفة على اجتهاده، بل مع وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أعلم الناس أجمعين، ولولا أن ذلك ظاهر للعالم بالأخبار لوسعنا البحث فيه، وأطلنا ذيوله، ولكن الإشارة كافية في ذلك، وبذلك يندفع ما قرره المجيب - عافاه الله - في آخر البحث.

فقال - أبقاه الله -: إنه لا يحل لأحد أن يقوم في مقام الإرشاد للعباد مع وجود من

ص: 4397

هو أعلم منه بالشريعة في عصره وقطره، لأنه يظن في كل من هو أعلم منه أنه يعلم بدليل لا يعلمه ويقدر على استنباط لا يقدر عليه، وهذا يجده كل رجل من نفسه. انتهى كلامه.

وبهذه الطريقة سد المتأخرون من مقلدي الفقهاء أبواب الاجتهاد بعد أئمتهم، لأن الشافعية مثلا لما أحسنوا الظن بالإمام الشافعي قالوا: إنه يعلم بدليل لا نعلمه، ويقدر على استنباط لا نقدر عليه، فما بقي إلا التقليد له، وإذا وجدوا حديثًا صحيحًا يخالف مذهب الشافعي قالوا: من البعيد أن لا يطلع عليه الشافعي، بل قد اطلع عليه ولم يعمل به، إما لعدم صحته عنده، أو لكونه منسوخًا لديه، أو لوجوده لدليل أصح منه وأقوى لم نعلمه نحن ولا اطلعنا عليه، ونحو ذلك من التعصبات والتمذهبات التي يلزم منها طي بساط الشريعة، ومخالفة الأدلة ورد الشريعة المطهرة، وكذا وكذا من ذلكم التهويل [5ب] الذي كررتموا ذكره.

قوله - كثر الله فوائده -: ولكنا نقول يجب عليكم تفويض ما عرض من الشجار

إلى آخر ما ذكره.

نقول: هذا هو صنيعنا وديدننا، فإنا نجمع الحكام لدينا للنظر في الخصومات، ثم نعرض ما صح على من لدينا من العلماء، فإن وقع خلاف وقفنا الشجار حتى يحصل الاتفاق، ثم نجزم بما حصل الاتفاق عليه بعد التثبت والبحث، هذا إذا كان في حكم، وأما إذا كان على جهة الصلح فالعمدة رضى الغريمين على أي جهة كانت. وأما تكليفنا للغريمين بالوصول إليكم مع وجود المجتهدين لدينا فشيء لم يقم عليه أثارة من علم، ولم يكلف معاذ أهل اليمن الوصول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد ولد آدم، وكذلك غيره من قضاته صلى الله عليه وآله وسلم بل اكتفى بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقرهم على أن يحكموا بين الناس، ولم يقل لهم: لماذا تحكمون ولا ترفعون إلينا، لأن عندنا من العلم ما لم يكن عندكم، ونحن نعلم بدليل لا تعلموه، ونقدر على استنباط لا تقدرون عليه، هذا وقد أعطاه الله علم

ص: 4398

الأولين والآخرين، وسلك الخلفاء الراشدون بعده هذا المسلك، وكل ذلك تسهيل للأمة من التعسير الذي نهى عنه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنه لم يبعث إلا بالشريعة السمحة السهلة، وبعد ذلك تعرفون أن قولكم: إن ذلك من كمال العدل، وتمام البر ليس على ما ينبغي، بل تكليف الغريم بما لم يجب عليه من كمال الجور، وتمام العقوق. على أنا - والله - لو نعلم بأن تظلم الغريم من حكامنا لأمر ديني لبادرنا إلى إلزام الغريم بإجابته إلى الخارج عن البريد، ولو نحتمل غرامة مؤنته من بيت المال، إنما نحن نعلم يقينًا أن هرب الغريم من الحكام، ونفوره إلى غيرهم لشهوة نفسانية، ومنافسة دنيوية، وتشوش شيطاني لدواع تظهر لمن يعرف الحقائق، ويميز بين الخطأ والصواب، ويمارس أحوال الناس، ويجرب حوادث الأيام. والله المستعان. [6أ]

قوله: فلا يثبت حكم الحاكم على الخصمين إلا إذا كان مجمعًا على أهليته

إلخ.

نقول: إن أردتم بالإجماع عليه في مذهب المتشاجرين فقد عرفتم أن المتشاجرين في هذا القطر أكثرهم زيدية، والحاكم المجمع عليه عندهم على المذهب أعز من بيض الأنوق (1). وإن أردتم بالإجماع عليه بين العلماء جميعهم فلا يخفاكم ما على الإجماع من الإشكالات في الأصول. وإن أردتم علماء مدينته أو غالب أهل قطره فلا يفيد.

قوله - كثر الله فوائده -: والذي عندي أن حكام الشريعة - إلى قوله -: فإذا حكم الحاكم بمحض الرأي ظنًا منه أن دليل ذلك الحكم لا يوجد في الكتاب ولا في السنة، ثم وجد غيره النص الدال على ذلك الحكم

إلخ.

نقول: وهذا الذي عنده - كثر الله فوائده - هو الذي عند بعض العلماء.

(1) قالوا: الأنوق الرخمة، وعز بيضها لأنه لا يظفر به، لأن أوكارها في رءوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة، قال الأخطل:

من الجاريات الحور، مطلب سرها

كبيض الأنوق المستكنة في الوكر

" مجمع الأمثال "(2/ 390).

ص: 4399

قال أي الإمام في الغاية (1): مسألة: اختلف في نقض الحكم إن لم يخالف قاطعًا فقيل بالمنع لفوات مصلحة نصب الحكام، وقيل بالجواز إن خالف نصًا أو حديثًَا، وهو على التخطئة ظاهرًا، انتهى. وإنما لم يذهب الإمام المهدي إلى هذا لأن مذهبه أن كل مجتهد مصيب من الإصابة، ولهذا قال: ولا ينقض حكم حاكم إلا بدليل علمي (2).

قوله - عافاه الله -: لأنا نقول إنه لو كان ذلك كذلك فهما إنما ترافعا إليه ليحكم بينهما بالشريعة المطهرة لا بمحض رأيه

إلخ.

نقول: قد قدمنا أن غالب المتشاجرين بل جميعهم زيدية المذهب، وهم إنما يترافعون إلى الحاكم ليحكم بينهم بمذهب من قلدوه، ولم يحكموه إلا لظنهم الحكم بذلك، ولو أنه يقال لهم: إن الحاكم الفلاني سيحكم بينكم في هذه الحادثة باجتهاده، وبما أداه إليه نظره، أو يحكم بما يخالف مذهبكم، أو بما يذهب من قلدتموه إلى خلافه لم يرضوا بذلك، ولنفر الغريم وغريمه من ذلك الحاكم، وهذا شيء قد سمعناه عنهم، وشاهدناه منهم، ولا يوقف الغرماء من النفور إذا علموا بذلك إلا الخوف من الحبس والتنكيل ونحو ذلك لأجل ذلك، مع ملاحظة عدم التنفير وجمع القلوب التي أرشد إليها الشارع.

كان بعض أكابر العلماء المحققين وهو من مشائخنا ومشائخكم إذا أداه نظره إلى [6ب] الحكم بما يخالف المذهب نظر إلى من يقول بذلك الذي ذهب إليه من أهل البيت عليهم السلام ثم يصدره فيما يحرره من الأحكام، لئلا يظن به المتشاجرون مخالفة أهل البيت عليهم السلام في حكمه، وهم لا يريدون منه إلا الحكم بمذهب أهل البيت، مع كون ذلك موافقًا لاجتهاده، وكان بعض شيوخ هذا العلامة إذا ورد إليه سؤال أجاب فيه بأنه إذا كان السؤال عن المذهب الشريف فالأمر على كيت وكيت، وإن كان السؤال عما يترجح لدي فكيت وكيت، فسأله تلميذه عن سبب صنيعه هذا فقال: إن هؤلاء يسألون هذه السؤالات ليس قصدهم بها إلا أن يجاب عنها بالمذهب.

(1) انظر: " مؤلفات الزيدية "(2/ 293).

(2)

تقدم ذكره.

ص: 4400

قوله: مثلا لو قال لهم القائل أنه قد وقع الإجماع على عدم جواز تقليد الأموات كما نقل ذلك العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في القواعد (1)

إلخ.

نقول: الذي في الذهن أن السيد محمد بن إبراهيم إنما نقل عن الإمام الهادي عليه السلام عدم جواز تقليد الأموات (2)، ثم بكت على من يقلد الهادي بعد موته بأنه مقلد لمن لا يجوز تقليده. وأما نقل الإجماع فلم يكن في الذهن أنه نقله، ولا يظن به ذلك؛ إذ هو بمحل من التثبت في النقل، كيف وقد قال الإمام المهدي في الأزهار (3): والحي أولى من الميت، وهو أجل من أن ينقل ما أجمعت الأمة أو أهل البيت على خلافه.

قوله: لمثل هذا المنصب الذي هو أساس الدين.

نقول: أساس الدين هو اتباع القدم المحمدي في جميع ما جاء به، ونشر العلم، والعكوف على العبادة والجهاد في سبيل الله الذي هو سنام الدين، والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، وإقامة حدود الله على الوجه المشروع، فمجموع هذا هو أساس

(1) تقدم ذكره.

(2)

قال الزركشي في " البحر المحيط "(6/ 297 - 300) فإن قلد ميتًا ففيه مذاهب:

أحدها: وهو الأصح وعليه أكثر أصحابنا كما قاله الروياني، الجواز، وقد قال فيه الإجماع، وأيده الرافعي بموت الشاهد بعدما يؤدي شهادته عند الحاكم فإن شهادته لا تبطل.

الثاني: المنع المطلق: إما لأنه ليس من أهل الاجتهاد، كمن تجدد فسقه بعد عدالته، لا يبقى حكم عدالته. وإما لأن قوله وصف له وبقاء الوصف مع زوال الأصل محال، وإما لأنه لو كان حيًا لوجب عليه تجديد الاجتهاد، وعلى تقدير تجديده، لا يتحقق بقاؤه على القول الأول فتقليده بناءً على وهم أو تردد والقول بذلك غير جائز.

وهذا الوجه نقله ابن حزم عن القاضي، وحكى الغزالي في " المنخول " فيه إجماع الأصوليين.

الثالث: الجواز بشرط فقد الحي، وجزم به إلكيا وابن برهان.

الرابع: التفصيل بين أن يكون الناقل له أهلا للمناظرة، مجتهدًا في ذلك الاجتهاد الذي يحكى عنه، فيجوز، وإلا فلا قاله الآمدي والهندي.

(3)

(1/ 111 - مع السيل).

ص: 4401

الدين، وليس أساس الدين مجرد وصول قبيلي يدعي في شفعة أو نحوها ليحكم الحاكم له أو عليه. نعم هذا من الدين لا أنه أساس الدين.

قوله: وأما إذا كان ذلك المتأهل الذي قضى بالرأي

إلخ.

نقول: العمل بالرأي المحض غير صحيح، وحديث معاذ (1) مع ضعفه ظني لا ينهض في محل النزاع، والمسألة أصولية لا يثبت بالظنيات كما علم، فالحاكم الذي لم يجد إلا الرأي لم يكلفه الله بالتشريع لعباده، ولا أذن له في ذلك، ولا أوجب عليه الحكم في كل جزئي من جزئيات المتشاجرين، فإذا وقع مثل ذلك فلا وصمة عليه أن يقول: لا علم لي [7أ] بذلك، اذهبوا إلى غيري، بل هو من كمال العلم، ومزيد الورع، وشدة التقوى، وتمام البر. وقد قال بعض السلف: من ترك لا أعلم أصيبت مقاتله. وما أحسن ما قيل:

قد كان لا أدري (2) لهم في دينهم

تلبية بل كانت عمود نصابه

وقد كانت الفتوى تدور في أيام الصحابة حتى ترجع إلى الأول.

قوله: وأما الاستناد في الأحكام الشرعية إلى الأعراف المألوفة

إلخ.

نقول: مرادنا بالأعراف المألوفة الإشارة إلى أحد القواعد الكلية التي يذكرونها أئمة الأشباه والنظائر في قواعد الفقه، وهي أن العادة محكمة، وفرعوا عليها مسائل كثيرة. وقد بسط الكلام عليها الحافظ السيوطي (3)، وصدر الدين ابن الوكيل (4) في كتابيهما:

(1) تقدم تخريجه وهو حديث ضعيف.

(2)

وحكي أن مالكًا سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري. ولم يخرجه ذلك عن كونه مجتهدًا.

وقيل: من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم: لا أدري أصيبت مقاتله. انظر: " المغني "(4/ 16).

(3)

في " الأشباه والنظائر "(ص119).

(4)

في " الأشباه والنظائر "(1/ 165).

ص: 4402

الأشباه والنظائر. ومن الأعراف المألوفة لحكام زماننا ما صاروا يعتمدون عليه في مثل مسألة بيت العاضي، وهي شركة الأولاد في الكسائب مع أبيهم من جعلهم ذلك نصفًا على النفقة، ونصفًا على التركة، وهذا هو الذي ذكرنا في الجواب عليكم أن دلالة الآيتين لو تمت فإنما تدل على وجوب الإجابة إلى الحاكم بحكم الله في تلك الحادثة، وشجار بيت العاضي لم يكن الحكم فيه إلا بما عرفتم، ولم يستند الحكم إلى دليل يخصه من كتاب أو سنة. وقد ورد " أنت ومالك لأبيك "(1) فكان الأولى العمل به، ولا يعدل إلى الرأي إلا بعد فقدان النص كما قررتم سابقًا.

منحوه بالجزع السلام وأعرضوا

بالغور عنه فما عدى مما بدا

قوله: وأما ما ذكره الحاكم في المجتهد الذي لا يتولى النظر بنفسه

إلخ فينبغي أن يفصل في ذلك فيقال

إلخ.

نقول: هذا كلام حسن، ولكن الواجب أن المأمون ينفذ إلى محل الشجار ينظره ويصف لكم كيفية تحضره الغرماء جميعهم ليصدقوه أو يكذبوه، ثم ترجحون ما أدى إليه نظركم. وأما أنه ينفذ إلى محل الشجار، ثم يرقم ما يريده ولا يجيء إليكم إلا بورقة محررة، وغاية ما تصنعونه أن تعلموا على تلك الورقة من دون استفصال لشيء، أو تستفصلون من المأمون من دون حضور الغرماء، أو في حضورهم. ولا يلتفتون إلى كلامهم، فلا ينبغي الركون على المأمون، فكم أمين رأينا غير مأمون فيأكل أموال الناس وأنتم لا تشعرون، وحاشاكم أن ترضوا [7ب] بذلك، وأن تعلموا به وتغضوا عنه، فإنا نعلم قطعًا أنه لم يأت حاكم في الدولة القاسمية مثلكم، ولا جمع حاكم ما جمعتموه من الفضائل، ولله الحمد.

قوله: أقول: قد ذكرت في هذه الأبحاث غير مرة إلى آخر كلامه.

نقول: لفظ كلامنا الذي أجبنا به عليكم هو قولنا: ولو صح لمجتهد في وجوب الإجابة

(1) تقدم تخريجه مرارًا.

ص: 4403

إلى غير الجهة

إلخ، فمرادنا بذلك أن المجتهد لا يلزم الغير اجتهاده، وهذا مجمع عليه عند الكل.

وأما الحاكم فلا يلزم اجتهاده غيره إلا بعد حصول شرائط التداعي بين الخصمين، فالمراد من ذلك أنه إذا كان اجتهادكم وجوب إجابة المدعي إلى الحاكم الخارج عن البريد مع وجود حاكم معتبر في البلد، فإن هذا الاجتهاد لا يلزم غيركم، سواء كان الغير مجتهدًا أو مقلدًا.

أما إذا كان مجتهدًا فهو لا يجوز له العمل باجتهاد غيره، وأما إذا كان مقلدًا فهو إنما قلد إمامه ولا إنكار على من فعل ما يجوزه إمامه.

قوله: الحكام المتصفون بهذه الصفة

إلخ.

نقول: نعم. إذا كان الأمر على ما وصفتم فقد أحسنتم، ولكنه لم يبلغنا إلا أن كل من نصب في صنعاء وغيرها يحكم فيما يريد، ولا يتوقف على أمر دون آخر بل قد يصل المتظلم شاكيًا إليكم من الحاكم الذي ظلمه فتجيبون عليه أنه قد تقلد بكم حاكم خصوصًا إذا كان من كبارهم، ولا ينقضون حكمًا من حاكم خالف اجتهادكم مع كونه مقصرًا مقلدًا. هذا الذي تواتر عنكم ولم ينقم عليكم إلا هذا، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه.

قوله - كثر الله فوائده -: وأما ما لمحتم إليه

إلخ.

نقول: قد عرفتم أن الأحاديث كلها مقيدة لوجوب الطاعة بما لم يكن إثمًا، وأي إثم أعظم من أكل أموال الناس بالباطل! الذي أطبقت الشرائع كلها على حرمته!؟.

وعلى الجملة إن تحسين الألفاظ، وحسن المسلك في الاستدلال مع المعرفة للحقيقة لا ينفع بين يدي الله تعالى، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

حرر صبح الأحد 13 شهر شعبان الكريم سنة 1218. [8ب]

ص: 4404