المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ٩

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌القول الجلي في حل لبس النساء للحلي

- ‌سؤال عن شأن لبس المعصفر وغيره من سائر أنواع الأحمر

- ‌الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة

- ‌الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة

- ‌الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة

- ‌منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان

- ‌إرشاد السائل إلى دلائل المسائل

- ‌تشنيف السمع بجواب المسائل السبع

- ‌سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون

- ‌بحث في قبول العدلة في عورات النساء

- ‌إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين

- ‌بحث في القرائن وهي رد على تظلم رفع إليه من قبل رجل يتظلم من عريف من عرفاء بلاد الروس

- ‌بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية

- ‌رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين

- ‌بحث في حديث العين المسروقة إذا وجدها المالك

- ‌مناقشة من القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم رحمه الله للبحث السابق (العين المسروقة) وهو السائل

- ‌جواب المناقشة السابقة

- ‌بحث في قاذف الرجل

الفصل: ‌الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة

‌الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة

تأليف

محمد بن علي الشوكاني

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 4405

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: " الذريعة إلى دفع الأجوبة المنيعة على الأبحاث البديعة ".

2 -

موضوع الرسالة: " فقه ".

3 -

أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرشد إلى الهداية، وأوضح طرائق الحق بما علم من علم الرواية والدراية

"

4 -

آخر الرسالة: " وأنه قد يتمكن من وجود الدليل في المواطن التي لم تكن بيد غيره فيها إلا محض الرأي.

وفي هذا المقدار كفاية إن شاء الله ".

5 -

نوع الخط: خط نسخي مقبول.

6 -

عدد الصفحات: 15 صفحة ما عدا صفحة العنوان.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة 27 سطرًا.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 13 كلمة.

9 -

الرسالة من المجلد الثاني من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 4407

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرشد إلى الهداية، وأوضح طرائق الحق بما علم من علم الرواية (1) والدراية (2)، وجعل الإنصاف في مواضع الخلاف والاعتراف بالحق، لا الاعتساف من سيما المتقين، وشمائل المتورعين، والصلاة والسلام على من قال:" أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس " كما أخرجه الحاكم في مستدركه، وصححه، وعلى آله الذين دانوا بقبول الحق، وتنكبوا مزالق الجدل، ووقفوا عند الشبه، وبعد، فإنها وصلت الجوابات (3) المنيعة المكتوبة على جوابي الذي سميته بالأبحاث البديعة (4) في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة، ورأيتها مع رصانة أبحاثها، ومتانة معانيها، وقوة مبانيها محتاجة إلى إيضاح بعض ما تضمنته معاونة على البر والتقوى فأقول:

قوله - كثر الله فوائده -: فهي لم تفد في حل ما أشكل من الأبحاث المسددة

إلخ.

أقول: ينبغي هاهنا أن يحرر حاصل سؤال السائل، ثم جوابي الأول عليه، ثم جواب

(1) علم الحديث رواية: هو علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها، وموضوعه هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي فإنه يبحث في هذا العلم عن روايتها وضبطها ودراسة أسانيدها ومعرفة كل حديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف، كما أنهم يبحثون في هذا العلم عن معنى الحديث وما يستنبط منه من الفوائد.

" تدريب الراوي "(1/ 21).

(2)

قال ابن جماعة " علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن ".

وقيل: " علم يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها وأحكامها وحال الرواة، وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها ".

انظر: " تدريب الراوي "(1/ 22)، " منهج النقد في علوم الحديث "(ص30 - 33) نور الدين عتر.

(3)

الرسالة رقم (140).

(4)

الرسالة رقم (139).

ص: 4411

السائل على جوابي على السؤال.

أما تحرير سؤال السائل فحاصله أنه سأل هل يكلف الغرماء بالإجابة إلى حاكم خارج عن الجهة التي هم فيها مع وجود الحكام فيها؟ ثم قال - أطال الله بقاءه - بعد هذا السؤال ما لفظه: فإذا لديكم وجه شرعي مسوغ للإجبار على ذلك، وتكليف الغرماء للحضور إلى خارج البريد أجبتم بالإفادة به، وسنقلدكم في ذلك، ويجعل عذرًا لنا عند الله لما أنتم عليه من الاجتهاد والتضلع من العلوم، ولا يركن على غيركم من الحكام أصلا، انتهى. فهذا حاصل السؤال.

وأما حاصل جوابي على هذا السؤال فهو: أن الجهة التي فيها [1أ] الغريمان إن كان فيها حاكم يحكم بما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، ويعلم من علم الشريعة ما يبلغ به إلى رتبة الاجتهاد فلا تجب الإجابة إلى غيره، وإن لم يكن فيها من هو كذلك وجبت الإجابة إلى حاكم يتصف بتلك الصفة.

وأما حاصل ما أجاب به على الجواب فهو المناقشة في بعض ما أوردته من الأدلة في جواب السؤال، ثم الرجوع إلى الكلام على أن في جهة السائل - كثر الله فوائده - حكامًا مجتهدين، وأن الإجابة إلى غيرهم من الحكام الذين هم خارجون على الجهة لا يجب، ثم ذكر مباحث آخرة خارجة عن ذلك، فكان الجواب مني على ذلك الجواب الذي هو جواب عن جواب السؤال بدفع ما أورده من المناقشة على ما أوردته من الأدلة ثم بالتصريح مرة بعد مرة بأن الإجابة مع وجود الحاكم المجتهد في الجهة التي لا تجب، وكررت هذا في ذلك الجواب الذي سميته " الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة "(1) تكريرًا كثيرًا، وأوضحت أن جوابي الأول لم يكن فيه ما يدل على وجوب الإجابة مع وجود حاكم مجتهد في الجهة لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، بل فيه التصريح بعدم الوجوب، وأن القول بالإجابة - والحال كذلك - مخالف للشريعة. وأحلت

(1) الرسالة رقم (139).

ص: 4412

السائل - عافاه الله - على جوابي الأول ليعلم أن ما أورده في جواب الجواب لم يصدر عن تدبر.

وإذا تقرر هذا فكيف يقول هاهنا أن الجواب لم يفد في حل ما أشكل، وهو قد أفاده مرة بعد مرة، فعليه - أدام الله فوائده - أن يتدبر سؤاله، ثم جوابي الأول عليه، ثم ما حرره وحررناه بعد ذلك، هذا إذا كان مراده بالأبحاث المسددة مضمون السؤال وما يتعلق به، وإن كان مراده بها ما أورده على جوابي من عدم انطباق دلالة الدليل على المدلول فقد أوضحته إيضاحًا يفهمه كل فاهم، ويعرفه كل عارف.

فإن قال: هذا [1ب] الذي تزعمه واضحًا لم يتضح لي، فنقول: كان ينبغي أن يطلب - عافاه الله - زيادة الإيضاح، ويدع ما جزم به من عدم الإفادة بادي بدء، اللهم إلا أن يريد أن نفي الإفادة لم يكن باعتبار الواقع، ولا باعتبار أصل الكلام، ولا بالنسبة إلى كل المستفيدين، بل بالنظر إلى من يحتاج إلى زيادة الإيضاح، وتكرير التصوير، وتكميل التمثيل، فسيأتي في ذلك ما يفيد السائل - كثر الله فوائده - بهذا الاعتبار، ومن هذه الحيثية.

قوله - كثر الله فوائده -: ولا يخفى المجيب أن ملخص الجواب الذي أجبنا به عليه

إلخ.

أقول: الجواب الذي وصل إلينا مشتمل على أطراف ثلاثة:

الطرف الأول: قال السائل فيه ما لفظه: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالقياس، وللمانع إبداء الفارق، انتهى.

وهذا الكلام مصرح باختصاص ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إلحاق غيره به في ذلك، إلا بمجرد القياس الممنوع بإبداء الفارق الموجب له طلاق الإلحاق فكانت المؤاخذة منا على هذه العبارة التي يفهم مضمونها كل ناظر فيها مع أنا لا نظن به أن يكون قائلا بذلك، بل هو بمكان مكين من العدل والدين. وقد أشرنا إلى هذا في " الأبحاث البديعة " ولكنا أوردنا على الكلام ما يحتمله كما جرت بذلك قاعدة المتناظرين

ص: 4413

في العلم، ولم يكن إيراد ما أوردناه على من قال بأنها لا تجب الإجابة إلى حاكم خارج عن الجهة مع وجود حاكم مجتهد فيها، وكيف يورد ذلك على شيء قد جزمنا به غير مرة، وارتضينا، فما معنى قوله - كثر الله فوائده -: بل كتب أئمتنا وغيرهم مصرحة بعدم وجوب الخروج (1) إن أراد بهذا المغالطة فهو أجل من ذلك، وإن أراد التهويل على المجيب فهو لا يهاب إلا الدليل، لا القال والقيل.

قوله - عافاه الله -: لأنه لم يتعرض لذكر مصب الغرض

إلخ.

أقول: سبحان الله وبحمده، تعرضنا له في الجواب الأول الذي بخطي لديكم، وتعرضنا له في الأبحاث البديعة مرة بعد مرة، فما هذا الإنكار؟ وأين الإنصاف؟.

قوله - عافاه الله -: هذا الترديد ليس واردًا من أصله

إلخ.

أقول [2أ]: لم أسمع إلى الآن في علم المناظرة بأنه يجاب عن سؤال الاستفسار بمثل هذا الجواب؛ لأنه في حكم سؤال مستقل، فكيف يقال لا يرد، فإنه لو جاز دفع الأسئلة بمثل هذا لاستراح كل مسئول، ثم لو فرضنا أن هذا السؤال لم يحرر هذا التحرير بل حرر تحرير النقص الإجمالي أو التفصيلي، أو المعارضة فهو ناشئ عن منشأ صحيح مقبول؛ لأنكم قلتم: إن الآيتين مختصتان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلو فرضنا أنه لم يكن في كلامكم إلا هذا فقط لصح أن يقال: هل لغيره بعد موته حكمه في هذا الأمر أم لا؟ فهل يقال هذا الترديد غير وارد على مثل هذا الكلام على فرض أنه لم يكن في الكلام سواه، فكيف وقد صرحتم بأن ذلك مختص برسول الله، ولا يلحق به

(1) قال الشوكاني في " السيل الجرار "(3/ 476 - 477):

ولكن إنما تجب الإجابة بشرطين:

1 -

أن يكون الحاكم الذي طلب إليه جامعًا للشروط السابقة وإلا فهو ليس بحاكم بل متوثب على ما ليس له، داخل فيما لا يحل له الدخول فيه قاعد في مقعد يجب من باب النهي عن المنكر إقامته منه.

2 -

أن لا يكون في طلب الوصول إلى الحاكم الذي طلب الوصول إليه إضرار بالخصم وإتعاب له إذا كان يمكن وجود غيره بدون ذلك.

ص: 4414

غيره إلا بقياس قد اعترفتم ببطلانه.

قوله: فاللام فيها حرف تعريف اتفاقًا

إلخ.

أقول: المطلوب بيان هذا الاتفاق بنقل صحيح صريح، فإن ما كان مشتقًا إذا لم يقصد به الحدوث جاز اعتبار أصله، وهو الصفة، وجاز اعتبار ما هو عليه عند عدم القصد، ولا أظن أحدًا من علماء هذا الشأن ينكر هذا، بل قد صرحوا بجواز اعتبار المعنى الوصفي في الصفات التي قد صارت أعلامًا، فكيف بالصفات التي لم تصر أعلامًا بل استعملت استعمال غير المشتقات. قال المحقق الرضي في شرح الكافية (1) ما لفظه: والدليل على إمكان لمح الوصفية مع العلمية قولهم: " إنما سميت هانئًا لتهنأ "(2) وقول حسان (3):

وشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمود وهذا محمد (4)

ثم تكلم بكلام (5) طويل قبل هذا أو بعده فليراجع، بل قد أجاز جماعة من النحاة أن يكون الاسم الجامد المعرف باللام موصولا، قال الرضي في شرح الكافية (6) أيضًا ما لفظه: وقد ذهب أهل الكوفة إلى أنه يجوز أن يكون الاسم الجامد المعرف باللام موصولا

(1)(1/ 129).

(2)

وهو مثل يضرب في الحث على العطاء.

" جمهرة الأمثال "(1/ 513)، " لسان العرب "(1/ 186).

(3)

وهو حسان بن ثابت.

انظر: ديوانه (ص338).

(4)

والشاهد فيه: أنه يمكن ملاحظة الوصف مع العلمية، أي يمكن أن نلمح بعد العلمية الوصف الذي كان في الاسم قبل جعله علمًا، فـ (محمد) وضع علمًا لنبينا صلى الله عليه وسلم مع ملاحظة معناه في اللغة وهو كثرة خصاله الحميدة.

(5)

أي " الرضي " في " الكافية "(1/ 128 - 129).

(6)

(3/ 97 - 98).

ص: 4415

قالوا في قوله:

لعمري [لنعم](1) لأنت البيت أكرم أهله

وأقعد في أفيائه بالأصائل

إن التقدير: لأنت الذي أكرم أهله. وعند البصريين أن اللام [2ب] غير مقصود قصده، والمضارع صفة له كما في قوله:

ولقد أمر على اللئيم يسبني (2) انتهى.

فإذا جاز اعتبار الوصفية في الأعلام المنقولة من الصفات، فكيف لا يجوز اعتبارها في الصفات الباقية على ما هي عليه من دون نقل! وكيف لا يجوز أن يقال الرجل الكافر، أو الرجل المؤمن، أو الكافر بالله، أو المؤمن بالله، فإنه لا شك أن الكافر والمؤمن إذا وقعا صفات لموصوف، أو تعلق بهما ظرف من الظروف الحقيقية أو المجازية كان ذلك رجوعًا إلى معنى الحدوث والاشتقاق، فكيف يقال: لا يكون التعريف الذي فيهما موصولا! وقد جاز أن يكون التعريف في الجامد البحث موصولا عند طائفة من النحاة! وكيف يدعى الاتفاق في مثل هذا! وقد أشار السائل - كثر الله فوائده - إلى أن السعد بسط ذلك في حاشية الكشاف، فإن كان ذلك البسط إنما هو باعتبار جواز كون التعريف فيهما غير موصول في حال عدم ملاحظة الوصفية فهذا قد ذكره الجمع الجم من أهل الفن، وإن كان السعد قد ادعى الاتفاق كما ادعاه السائل فهذه الدعوى باطلة مردودة على ناقلها كائنًا من كان.

قوله - كثر الله فوائده - وأما تقرير العموم بانهدام الجمعية، ومصير الصيغة شاملة محيطة فلا حاجة إليه

إلخ.

(1) زيادة من الكافية.

(2)

وهو من (الكامل) لرجل من سلول في " الدر "(1/ 78).

ولقد أمر على اللئيم يسبني

فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

وقيل لشمر بن عمرو الحنفي. " الأصمعيات "(ص126).

وبلا نسبة في " الأشباه والنظائر "(3/ 90) و" مغني اللبيب "(1/ 102)، " لسان العرب "(12/ 781).

ص: 4416

أقول: ليس ذلك تقريرًا لمجرد العموم، بل هو تقرير للشمول التام والإحاطة، وقد صرحت بهذا في الأبحاث البديعة، بل صرح به السائل - عافاه الله - في كلامه هذا الذي نقلناه عنه، ولعله لم يخطر ببال السائل - عافاه الله - عند تحرير هذا الكلام ما في التلخيص حيث قال: واستغراق المفرد أشمل بدليل صحة: لا رجال في الدار، إذا كان فيها رجل أو رجلان دون لا رجل، انتهى. وقد شرحه السعد في المطول بشرح طويل.

فالمراد بقولنا: وانهدام الجمعية ومصير الصيغة جنسية (1) شاملة محيطة الإشارة إلى هذا المعنى، فإن الجمع لو لم ينهدم لم يكن محيطًا بل يكون عمومه متناولا للجموع لا لكل فرد فرد. وقد أحلت السائل في الجواب الأول على علم المعاني، ولكنه لم يتدبر الكلام كما ينبغي، وبادر بالاعتراض [3أ] قبل التأمل فإنه لو فهم مدلول قولي: شاملة محيطة لم تحتج إلى تحرير هذا الاعتراض. وقد ذكر أهل العلم أن المعترض غير معذور إذا كان للكلام المعترض عليه وجه صحة، فكيف يعذر إذا كان الكلام مشتملا على ما يدفع الاعتراض اشتمالا في غاية الوضوح والجلاء!.

قوله - كثر الله فوائده -: قال الله تعالى بعد تلك الآيات في آخر السورة: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} (2)

إلخ.

أقول: محل النزاع هو الدعاء الكائن من بعض الأمة لبعض إلى الرسول ليحكم بينهم بالشريعة، كما يدل عليه قوله تعالى:{وإذا دعوا إلى الله} وقوله: {حتى يحكموك} . وأما دعاء الرسول فهو شيء آخر سواء كان ذلك من باب إضافة المصدر إلى الفاعل أو إلى المفعول.

قوله - عافاه الله - ومن امتنع عن الإجابة إلى حاكم كامل الشروط بالإجماع لم يكفر

(1) انظر " معترك الأقران في إعجاز القرآن "(2/ 56 - 57).

انظر: " البحر المحيط "(3/ 93)، " اللمع "(ص15).

(2)

[النور: 63].

ص: 4417

بالاتفاق.

أقول: المطلوب صحة النقل، فإن دعوى الاتفاق هنا فائدة إن صحت؛ لأن رد القطعي فضلا عن الضروري الديني له حكم معروف. وإذا نقلتم البحث إلى هذا بعد تصحيح تلك الدعوى تكلمنا فيه.

قوله - كثر الله فوائده -: إن أراد ما ذكره دليل على صحة الاستدلال بالآيتين

إلخ.

أقول: لا وجه لترديد ما أردناه بعد أن أوضحنا ما هو مرادنا قبل هذا الكلام وبعده، وصرحنا بأن تخصيصه في الآيتين الكريمتين ليس إلا لكونه صاحب الشرع، فهو كسائر الخطابات العربية التي يخص بها كبير قوم في شيء يعمهم، وهذا معلوم في لغة العرب.

قوله - عافاه الله -: ولم يؤثر عن أحد من قضاته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يوجب على المتشاجرين الوصول إليه

إلخ.

أقول: هذا هو الذي نريده؛ لأن كلامنا في إيجابه صلى الله عليه وآله وسلم للإجابة إلى قضاته في الأقطار كالإجابة إليه، ولو لم يكن حكمهم حكمه في ذلك (1) لما بعثهم، ولا أوجب الإجابة إليهم. وقد أوضحنا ذلك في تلك الأبحاث فهذا القلب لا يقبله القلب.

قوله - كثر الله فوائده - قد تقرر في الأصول عند الجماهير من أئمتنا وغيرهم أن الخطاب الخاص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يتناول الأمة

إلخ (2).

أقول: الانتقال إلى مسألة الخطاب خروج عن البحث، أو مغالطة، ومقصودنا أن أمته صلى الله عليه وآله وسلم أسوته في وجوب الإجابة [3ب] إلى القائمين بالهداية والبيان للناس كما كانت إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا هو مذهب أئمتنا والجمهور، ولم يذهب إلى الاختصاص إلا ................................................................

(1) تقدم في الرسالة رقم (139).

(2)

تقدم في الرسالة رقم (139).

ص: 4418

الكرخي (1) ومن بايعه، فقالوا: يختص بالرسول حتى يقوم دليل الشركة. وأما ما ذكرتم من أن تلك الآيات التي ذكرناها قد قامت الأدلة الخارجية على عمومها فأوضحوا لنا هذه الأدلة الخارجية حتى نبين لكم صدق ما قلناه من أن كل دليل يفرض في تلك الآيات فمحل النزاع مثله.

قوله: الذي تقرر في الأصول عند أئمتنا وغيرهم من جماهير العلماء أن خطاب الواحد لا يكون للعموم

إلخ (2).

أقول: إن أردتم أنه لا يعم باعتبار الصيغة فلا نخالفكم في هذا، وإن أردتم أنه لا يعم لا من حيث الصيغة، ولا من حيث الأدلة الدالة على العموم كقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" ما قولي لامرأة واحدة إلا قولي لمائة امرأة "(3) فباطل، بل خلاف الإجماع، وهذا الوجه الآخر هو الذي

(1) انظر " البحر المحيط "(3/ 189).

قال في " البحر المحيط ": واعلم أن مثل هذا الخطاب نوعان:

نوع مختص لفظه بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكن يتناول غيره بطريق الأولى كقوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} [التحريم: 1].

ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2].

وقوله: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1].

ونوع يكون الخطاب له وللأمة، وأفرده بالخطاب، لكونه هو المواجه بالوحي وهو الأصل فيه. والمبلغ للأمة والسفير بينهم وبين الله، وهذا معنى قول المفسرين: الخطاب له، والمراد غيره ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلا كما يقول السلطان لمقدم العساكر: اخرج غدًا، أو انزل بمكان كذا.

ومنه قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79].

وقوله تعالى: {وأرسلناك للناس رسولا} [النساء79].

(2)

تقدم. انظر الرسالة رقم (139).

(3)

تقدم تخريجه مرارًا.

ص: 4419

أردناه في تلك الأبحاث، فإنما قلنا إن الخطابات لواحد تعم، ولم نقل أن ذلك العموم مستفاد من الصيغة حتى يرد ما اعترضتم به، فكان عليكم أن تقولوا إن أراد المجيب كذا فمسلم، وإن أراد كذا فممنوع، كيف وقد أوضحت هذا المراد بقولي بعد ذلك: ولا يقدح في ذلك تخصيصه صلى الله عليه وآله وسلم بالخطاب! فإني لو أردت العموم من حيث الصيغة لكان هذا التخصيص قادحًا وأي قادح!.

قوله: قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القرآن في الركوع والسجود.

أقول: هذا عليكم لا لكم، فإنه لو كان الخطاب للواحد خاصًا على كل تقدير لم يحتج - كرم الله وجهه - إلى أن يقول هذا، بل كان فهم العرب على مقتضى لغتهم يغني عن هذا البيان، فلم يقل هذه المقالة إلا دفعًا لما يفهمه السامعون من كون غيره له حكمه في ذلك، وهذا واضح لا سترة به.

قوله: التحكيم باب آخر

إلخ.

أقول: لعله - كثر الله فوائده - لم يتدبر ما ذكرناه في هذا الوجه، فإنا قلنا في آخره ما لفظه: فإذا كانت الإجابة لدعوة من دعى إلى التحكيم واجبة فكيف لا تجب إجابة من دعى إلى حاكم من حكام الشريعة، انتهى!. فهذا الكلام هو في قوة القياس بفحوى الخطاب، فكيف غاب عنه - عافاه الله -!.

قوله - كثر الله فوائده -: فقول المجيب: لا خلاف فيه بين المسلمين غير مسلم

إلخ.

أقول: ما كان من أفعاله جبليًا (1) يعلم كل من لديه علم أنه غير مراد، ولا يحتاج [4أ] إلى إخراجه إلا إذا كان الكلام مع من لم يعرف كلام أهل الأصول، وأما الخاص فقد أخرجناه في تلك الأبحاث.

(1) انظر الرسالة رقم (140).

ص: 4420

وأما ما ذكرناه من الإجماع فقد صرح به أهل الأصول عند تحرير الأدلة في هذه المسألة فقالوا: إن السلف كانوا يرجعون إلى فعله من دون تخصيص، ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعًا. وهذا موجود منصوص عليه في كتب الأصول (1) فليراجعها السائل - عافاه الله - حتى يعلم أنا لم نتكلم في ذلك إلا بما تكلم به غيرنا.

قوله: لأن المقام للتبكيت

إلخ.

أقول: التبكيت لهم قد حصل بجعل الدعوة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقترنة بالدعوة إلى الله، ولا يختص حصول هذا المعنى بما قاله الزمخشري (2) من جعل الكلام من باب أعجبني زيد وكرمه، بل قد حصل النعي عليهم، والتبكيت لهم بأن هذا الرسول الذي لا يجيبونه الدعوة إليه كالدعوة إلى الله تعالى للعطف المؤذن بذلك إيذانًا يفهمه من يفهم أسرار كلام العرب كما يقول القائل: من كان صادق الطاعة لهذا الملك فليلب دعوته عبده، فإن في هذا الاقتران من رفع شأن العبد، والتبكيت على من لم يجب دعوته ما لا يقادر قدره، ولا يتوقف حصول ذلك على كون تلك الدعوة إلى الملك هي الدعوة إلى العبد، بل قد يفوت هذا المعنى السري بذلك، لأنه لم يكن على هذا التقدير اقتران بين الدعوتين وإن وقع بين المدعوين صورة، فإذا انضم إلى هذا فائدة التأسيس مع سلوك أقرب المجازين كان ذلك أدخل في بلاغة الكلام، وأتم وأبهج لا جرم الزمخشري كما ذكرتم هو المجمع على تفسيره، ولا سيما وقد تقدم عصره قبل هذا العصر بنحو سبعمائة سنة.

قوله - كثر الله فوائده -: الإشارة في هذا إلى كلام إمام البيان الزمخشري

إلخ.

أقول: يأبى هذا الحاكم بالكتاب على تقدير أنه المراد بالدعوة إلى الله هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والترافع هو إليه، فإفراد الضمير هو كائن على كلا

(1) انظر " إرشاد الفحول "(ص158)، " البحر المحيط "(4/ 179).

(2)

في " الكشاف "(4/ 313).

ص: 4421

التقديرين فلا يكون الإفراد مؤيدًا لكون ذلك من باب أعجبني زيد وكرمه، ويأبى ذلك أيضًا قول السائل - كثر الله فوائده -: عقب ذلك: فلا يثبت هذا الحكم لغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالقياس

إلخ؛ فإن هذا هو كالنتيجة لذلك التأييد، ومعناه أنه لا يثبت لغيره صلى الله عليه وآله وسلم من الناس ما ثبت له، ولو كان ذلك تأييدًا لما قاله الزمخشري لكان المناسب أن يقول فلا يثبت ذلك لله - سبحانه -، ويأبى ذلك أيضًا قول السائل - عافاه الله - عقب ذلك، وهكذا يقال في آية سورة النساء، فإنه لا يصح [4ب] أن يقال في هذه الإشارة كما قيل في الإشارة الأولى، لأن ما في سورة النساء ليس فيه ذكر الدعوة إلى الله، ولا التحكيم له، وإن كان يريد أن الإشارة إلى ما قاله من الاختصاص به صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره من الناس كان الكلام غير متناسب الأطراف، ولا متلائم الضمائر والإشارات، والأمر في مثل هذا سهل، ولكن لما قال - عافاه الله - إن ذلك واضح لا يخفى أردنا أن نبين له ما فيه من الخفاء وعدم الوضوح.

قوله: وأنشده بالله هل يجزم متدين

إلخ.

أقول: إن كان هذا التشديد والتهديد الكائن في الآيتين الكريمتين هو لرفع منار الشرع الذي شرعه الله في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله، فهو باق بين أيدينا، والتعبد به مستمر، وليس تعبد السلف به يخالف تعبد الخلف فالسمع والطاعة، وكذلك عدم الحرج والتسليم ليست للقاضي بل للشريعة التي هي كتاب الله وسنة رسوله، وليس هذا التشديد تعظيمًا بالنسبة إلى عظم الشريعة المطهرة التي هي سبب الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فكيف لا يجزم المتدين على من حكم عليه بما شرعه الله أنه لا يكون مؤمنًا حتى يسمع ويطيع ويسلم لحكم الله غير متحرج ولا متأسف، وإن كان ما في هاتين الآيتين ليس المقصود به إلا تعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعريف الأمة بما يجب له من الحق، فقد عرفوا من حقه ما هو أدخل من ذلك في التعظيم، فإن الله - سبحانه - قد أخبرهم أنه أولى بهم من أنفسهم، ولم نقل ولا قال

ص: 4422

أحد من الناس أن ما في هاتين الآيتين تعظيم للقاضي، وتشييد لأمره، فإنه لو حكم بغير الشرع لم يستحق أن يقال له: سمعنا وأطعنا، بل يستحق أن يقال له: لا نسمع ولا نطيع، وحكمك رد عليك، ومضروب به في وجهك؛ فالسائل - عافاه الله - إنما استبعد هذا الاستبعاد حتى ناشد المسئول هذه المناشدة، لأنه ظن أن القاضي المسكين لا يستحق أن يكون من خاصم إليه غير مؤمن حتى يحكمه ويسلم لحكمه، ويسمع ويطيع غير متحرج.

وهكذا نقول: ومن هو القاضي حتى يكون له هذا الشأن؟ وإنما قلنا: إن السمع والطاعة والتسليم وعدم الحرج للشريعة المطهرة لا القاضي.

قوله - كثر الله فوائده [5أ]-: فما شأن إلزامكم بعد ذلك لمن في بلاده من كملت فيه شروط الاجتهاد

إلخ؟.

أقول: ومتى ألزمت مع وجود من هو كذلك، فبالله عليكم! أخبروني أين أوجبت ذلك ومتى قلته؟ فإن جوابي الأول لديكم، وكذلك الرسالة (1) المسماة بالأبحاث البديعة، وقد ذكرت فيها قبل نقل كلامكم ما لفظه: فاعلم أن خلاصة ما أجبت به في الجواب المشار إليه سابقًا عن السؤال المتقدم ذكره هو أن المحل الذي سكنه الخصمان إن كان فيه من يتمكن من الحكم بينهما بالشريعة المطهرة على الوجه الذي لخصناه هاهنا فلا يجوز لأحدهما أن يطالب الآخر بالخروج إلى قاض آخر في مكان غير المكان الذي يسكنانه، لأن ذلك مجرد إتعاب، ومحض مشقة.

انتهى بلفظه وحروفه. فهل وجدتم هذا في النسخة التي أرسلتها إليكم أم لا؟ ثم هل كررت هذا المعنى بعد ذلك بقليل في سؤال الاستفسار، ثم ذكرت عند الكلام على الوجه الثاني من كلامكم ما لفظه: هذا الكلام إنما يرد على من قال بوجوب الإجابة إلى حاكم يحكم بحكم الله - سبحانه - في غير جهة الخصمين، مع وجود من يحكم بحكم الله في جهة الخصمين، مع كون كل واحد من الحاكمين عالمًا بكتاب الله وبسنة رسوله .....

(1) رقم (139).

ص: 4423

إلى أن قلت: ولم يتقدم مني ما يدل على هذا لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام. بل حاصل ما أجبت به إلى آخر ما سردته في تلك الأبحاث. فأخبروني هل هذا مكتوب لديكم في تلك النسخة المرسلة أم لا؟ وهل بعد هذا التصريح والتنصل وتقرير محل النزاع، وجوابه مرة بعد مرة! فإن كنتم قرأتم هذا وفهمتوه فما بالكم توردون علي ما لم أقل به وتحملون كلامي ما لا يحتمله! فإن هذه المباحثة الجارية بيني وبينكم في هذه المادة مركبة على غير قياس، ومبنية على غير أساس، وبيان ذلك أني أجبت في جوابي الأول بالفرق بين وجود الحاكم المجتهد في المحل وعدمه، فجاء عنكم ما يفيد أنكم قد نسيتم هذا أو تناسيتموه، فأجبت عليكم بالرسالة وكررت هذا، وتنصلت من ذلك الوهم الذي وهمتوه [5ب] في مواضع من تلك الرسالة، فظننت أن ذلك من الإطناب والتكرير الذي تمجه الأسماع، فلما وصلت منكم هذه المباحثة الآخرة ازداد تعجبي، وترددت هل أحملكم على عدم الاطلاع على جميع ما قد كتبته إليكم، أو على عدم الإنصاف إن حملتكم على عدم الاطلاع فكيف تعترضون على ما لم تطلعوا عليه! وإن حملتكم على عدم الإنصاف فما هو الظن بكم؟ فأنتم أهله ومحله.

قوله - كثر الله فوائدكم -: وإن قلتم: إن ذلك دعوى، والعمل هو الشاهد وهذا الفرس والميدان

إلخ.

أقول: وهذا أيضًا هو من جنس ما فرغنا منه، فإني قلت في تلك الأبحاث عند أن ذكرتم أن لديكم من هو متأهل للنظر، وجامع للشروط ما لفظه: أقول: هذا مسلم فإن في أهل ذلك البيت الشريف، والمحتد العالي المنيف من هو كذلك وفوق ذلك، بل وفي الواردين إليه المستقرين فيه، ولسنا ممن ينكر وجود المجتهدين في ذلك المحل الذي هو محط رجال العلوم والآداب، انتهى بلفظه وحروفه. فهل وجدتم هذا مزبورًا في تلك الأبحاث المسماة " بالأبحاث البديعة "؟. إن قلتم: نعم ففيم طلب المبارزة لمن قد سلف منه هذا الاعتراف. وإن قلتم: لم نقفوا عليه هنالك فأعيدوا نظرًا، فإنه مزبور هنالك بيقين، ووجوده يكفينا عن المخاطرة بالمناظرة، وتغنينا عن أن يقال لنا: ما قاله الشاعر:

ص: 4424

يا سالكًا بين الأسنة والقنا

إني أشم عليك رائحة الدم

قوله: ولم يعبر بهذه العبارة إلا لاحتمالها للقولين

إلخ.

أقول: حكم الله مبتدأ، ومظنون كل مجتهد خبره، وهذا التركيب يفيد الحكم على حكم الله بأنه مظنون كل مجتهد، هذا من غير نظر، إلى ما يقتضيه اسم الجنس (1) المضاف من العموم، وإيضاح مثل هذا لمثلكم عبث، فإنكم تفهمون ما هو في الدقة تابع إلى غايتها، فكيف بهذا الواضح! والله يحب الإنصاف.

قوله - كثر الله فوائده -: فالحاكم إذا اجتهد وعمل بشهادة عادلة

إلخ.

أقول: وهكذا المجتهد إذا عمل بدليل ظني صحيح في ظاهر الأمر، ثم انكشف أنه موضوع، فلا فرق بينه وبين الحاكم إذا حكم [6أ] بشهادة عادلة في الظاهر، وانكشف زورًا، لأن المجتهد مأمور بالعمل بأخبار الآحاد بدليل كالدليل المتضمن للأمر للحاكم بالعمل بالشهادة، فما الفرق؟ فإن جميع مدارك الحكم من الشهادة واليمين والإقرار لا يحصل بكل واحد منها من الظن إلا دون ما يحصل للمجتهد بأخبار الآحاد الخارجة مخرج الصحيح، بل لا يبعد أن يقال إن خطأ الحاكم في دماء المسلمين وأموالهم فيه من الخطر العظيم بالجناية على مال الغير أو على دمه ما ليس في خطأ المجتهد من الخطر إذا عمل باجتهاده في مسألة الطهارة، أو الصلاة، أو نحو ذلك، فإذا كان الخطأ مغفورًا بل مأجورًا عليه في الجناية على مال الغير ودمه فكيف لا يكون مغفورا بل مأجورا عليه في عمل المجتهد لنفسه في غير جناية على نفس الغير، ولا على ماله؟.

(1) قال الشوكاني في " إرشاد الفحول "(ص416): الإضافة من مقتضيات العموم كالألف واللام من غير فرق بين كون المضاف جمعًا نحو عبيد زيد أو اسم جمع نحو جاءني ركب المدينة. أو اسم جنس نحو: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل: 18]. " ومنعت العراق درهمها ودينارها ومنعت الشام قفيزها وصاعها ".

وانظر " المسودة "(ص101)، " تيسير التحرير "(1/ 219).

ص: 4425

قوله: وإذا تقرر أن الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له

إلخ.

أقول: كيف يقال هذا وأحد القولين (1) جازم بأن حكم الله في الحادثة التي اختلفت فيها الأقوال هو واحد فقط، والقول الآخر جازم بأن حكم الله في تلك الحادثة التي اختلفت فيها الأقوال هو واحد فقط، والقول الآخر جازم بأن حكم الله في تلك الحادثة متعدد بحسب تعدد أقوال المجتهدين، فإذا لم يكن لهذا الخلاف ثمرة فلا ثمرة لكل خلاف.

قوله - كثر الله فوائده -: وإن ادعوا خلاف ذلك.

أقول: هذا يعود على ما قد تم من قولكم، وهذا الفرس والميدان بالنقض، فإن من كان عالة على عالم من علماء الإسلام فهو ليس من الاجتهاد في قبيل ولا دبير، ولا من أهلية النظر في ورد ولا صدر.

قوله: ويعتقد أنه بلغ إلى رتبة لم يبلغها غيره .. إلخ.

أقول: أما هذا الاعتقاد فقد صان الله عنه علماء الاجتهاد، فإنهم وإن بلغوا إلى المراتب العلية يزدادون اعترافًا بأنهم مقصرون لاطلاعهم على مؤلفات الأئمة الأكابر في كل فن، وتراجم المحققين الذين لا يلحق بهم غيرهم خصوصًا الذين قطعوا غالب العمر في فن فإنهم يبلغون في تحقيقه ما لا يتهيأ لمن اشتغل بفنون أن يلحق بهم في ذلك الفن، فكل مجتهد يعترف بقصوره عن رتبة سيبويه وأمثاله في النحو، والرازي وطبقته في الأصول، والسكاكي وأشباهه في علم البلاغة، وأحمد بن حنبل وأنظاره [6ب] في الحديث، والشافعي ونحوه في الفقه، والزمخشري ومن يلتحق به في التفسير. وهكذا غير هذه الفنون لها رءوس يعترف كل عارف بقصوره عن اللحوق بهم.

قوله - كثر الله فوائده -: حاكيًا لكلامي في الأبحاث البديعة أنه لا يحل لأحد أن يقوم مقام الإرشاد وللعباد مع وجود من هو أعلم بالشريعة

إلخ.

أقول: قد أسقط - عافاه الله - من كلامي قيدًا هو مذكور في النسخة التي لديه

(1) تقدم ذكره مرارًا.

ص: 4426

صححته بخطي لما أهمله الناسخ. ولفظ كلامي هكذا: ولا يحل له أن يقوم مقام الإرشاد والمعياد في شيء لم يبلغ إليه دليله مع وجود من هو أعلم منه بالشريعة في عصره وقطره

إلى آخر ما ذكرته. وهذا صواب، فإن من لم يكن عنده إلا محض الرأي لا يحل له أن يدبر الأمة به، مع وجود من يقوم بتدبيرهم بالدليل في عصره وقطره، فلا يلزم من هذا الكلام ما ألزم به - أبقاه الله -.

قوله - عافاه الله -: وهم إنما يترافعون إلى الحاكم ليحكم بينهم بمذهب من قلدوه

إلخ.

أقول: نصب الحكام لم يشرعه الشارع لقطع الخصومات بما يوافق إعراض أهلها، بل ليحكم بينهم بالشريعة المطهرة الواردة عن الله وعن رسوله، ويقطع خصوماتهم بحكم الله سبحانه، ويدبرهم بما دبرهم الله به. ولو كانت مطابقة مقاصد المتحاكمين، وموافقة أغراضهم ومراداتهم من عمل القضاة لكان الحق الذي يريده الله من العباد دائرًا مع مذاهب الخصوم، فالخصمان إذا كانا من الخوارج، أو الروافض، أو سائر أهل البدع لا يريدان إلا الحكم بمذهبهما، وما لهذا شرع الله نصب حكام الشريعة، ولا بهذا أمرهم، وأن هذا هو الجمود البحت، والتقليد المحض، وعنه تلزم اللوازم التي قدمها السائل - عافاه الله - قبل هذا الكلام من سد باب الاجتهاد ونحو ذلك، فإن كان يريد بهذا الكلام أمرًا خاصًا وهو مطابقة أغراض مقلدة هذه الديار دون غيرهم فمع كون ذلك تخصيصًا بغير مخصص، وتقييدًا لكلامه بما لا يصلح لتقييده فليعلم - أبقاه الله - أن من مذهبهم الذي يعرفونه ويجدونه في المختصرات كالأزهار (1) ونحوه أن القاضي لا يكون إلا مجتهدًا، ومعلوم قطعًا أن صاحب الأزهار وغيره لا مقصد لهم بكون القاضي مجتهدًا إلا أن تكون أحكامه صادرة عن اجتهاده لا أن يكون واقفًا مع المقلدين، بل مع العامة من المتشاجرين، ولو كان هذا مرادًا لكان ذلك الاشتراط ضائعًا، لأن المقلد يقوم

(1)(3/ 439 - مع السيل).

ص: 4427

بالحكم [7أ] بما هو المعتقد لأهل بلده أتم قيام، فليت شعري كيف جرى قلمه - عافاه الله - بمثل هذا! وكيف نفق على ذهنه السليم، وفكره القويم! فإن هذا كلام لا تقبله أذهان أهل الجمود من المقلدين، لأن كل واحد منهم يعلم أن القاضي المستجمع للشروط المذكورة في الأزهار (1) هو القاضي على الحقيقة، وأن بلوغه إلى درجة الاجتهاد يمنعه من التقليد، بل قد عرفوا هذا وهم في المكتب، فإن أول ما يفتق أذهانهم بعد كتاب الله أن التقليد جائز لغير المجتهد، لا له. ولو وقف على نص أعلم منه.

وقد نقل أئمة الأصول الإجماع على أن المجتهد بعد اجتهاده ممنوع من التقليد، لا جرم:" بدأ الدين غريبًا، وسيعود إلى غربته "(2) وجرى أقلام أهل العلم بمثل هذا الكلام من الغربة ومن علامات القيامة، ومن مصير المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.

ومن هاهنا تتفرق السبل، وتتفاوت الأقدام، وتتباين المراتب، وتتخالف القرائح. فدع عنك نهبًا صيح في حجراته.

قوله - كثر الله فوائده -: وأما نقل الإجماع فلم يكن في الذهن

إلخ.

أقول: قد ذكرت لكم أنه في كتابه الذي سماه بالقواعد فطالعوه حتى يرتسم ذلك في الذهن، وكيف يستبعدون ذلك - وقد روى هذا الإجماع جماعة من الأئمة المشهورين -! كما نقلنا ذلك عنهم في " القول المفيد في حكم التقليد "(3).

قوله: وهو أجل من أن ينقل ما أجمعت الأمة، أو أهل البيت على خلافه.

أقول: عليه - أبقاه الله - أن يبحث ولا يرد الكلام بمجرد الاستبعاد، فإن حكايته هاهنا لإجماع الأمة أو إجماع أهل البيت من الغرائب، ولو نظر في مختصر من مختصرات

(1)(3/ 439 - مع السيل).

(2)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (232/ 145) وابن ماجه رقم (3986) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: " بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء ". وهو حديث صحيح.

(3)

الرسالة رقم (60).

ص: 4428

الأصول كالغاية وشرحها لوجد المنع من تقليد الأموات من الأكثرين، ونصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع مطلقًا موجودة لدينا، معزوة إلى كتبهم المعروفة إذا أراد - أبقاه الله - الوقوف عليها أوقفناه. ولقد رسخ في قلبه من محبة التقليد ما رسخ حتى قال فيما سبق: إن الناس عيال على عالم من العلماء، ثم جاوز ذلك حتى قال في البحث الذي قبل هذا ما قال من أن الحاكم المجتهد يحكم بما يعتقده الخصوم، ثم جاوز ذلك حتى حكى هنا الإجماع على تقليد الأموات (1)، فلا أدري ما أقول!

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد [7ب](2)

قوله - عافاه الله -: وليس أساس الدين مجرد وصول قبيلي يدعي في شفعة

إلخ.

أقول: الدين هو هذه الشريعة المطهرة التي جاءنا بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم والعلماء والقضاة هم المترجمون لها، الذين أخذ الله عليهم بيانها للناس، وأمرهم أن يقضوا بينهم فيما اختلفوا فيه بما شرعه لهم، وهم ورثة الأنبياء، وأمناء الله على دينه، والمبلغون له إلى عباده، فإذا لم يكن هذا المنصب حقيقًا بالتعظيم والتبجيل فليت شعري ما هو المستحق لذلك! ويا لله العجب من استصغار منصب العلم وتحقيره، والإزراء عليه وعلى أهله بإيراد مثل هذه العبارة البالغة في الشناعة إلى حد يقصر عنه الوصف.

ألم يكن من عمل أهل هذا المنصب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم معالم الدين، وإرشاد المسترشدين، وبأقلامهم تضرب الأعناق، وتقام الحدود، وتتعارك الجيوش. وبهم يصير الإمام إمامًا، والسلطان سلطانًا، وعليهم تدور رحى مسائل

(1) تقدم توضيحه.

(2)

من [الطويل] والشاعر دريد بن الصمة وهو من قصيدة يرثي عبد الله أخاه وقد قتلته بنو عبس.

* غزية قبيلة من هوازن وهي رهط الشاعر وهو اسم أحد أجداده " غزية بن جشم ".

انظر " الديوان "(ص47) حيث قال: [وهل أنا إلا من غزية]. وهو من شواهد " لسان العرب "(10/ 68).

ص: 4429

العبادات والمعاملات، وجميع الشرعيات، وهم من لا تستغني عنه المخدرات من النساء في أمور دينهن ودنياهن، فكيف بغيرهن من الرجال على اختلاف طبقاتهم؛ فتلك شكاة ظاهر عنك عارها.

قوله - كثر الله فوائده -: العمل بالرأي المحض غير صحيح

إلخ.

أقول: هذا صواب، وهكذا السلف الصالح، لكن هذا غير مناسب لما أسلفه من أنه لا اجتهاد في النصوص، وأنه كما قال أهل الأصول استفراغ الفقيه الوسع إلى آخره. فإن هذا يصدق على الرأي مطلقًا، ثم لا يناسب أيضًا ما قدمه من تسويغ التقليد، بل دعوى الإجماع عليه؛ فإن التقليد هو قبول رأي الغير دون روايته، ثم لا يناسب ما ذكره من الحكم بين المتشاجرين بما يطابق ما يعتقدونه، فإن الذي لزمهم هو قبول رأي الغير دون روايته، ثم لا يناسب ما قدمه أن الناس في هذا القطر اليمني عيال على فرد من أفراد العلماء؛ فإنهم لا يكونون عيالا عليه إلا وهم مقلدون له في رأيه دون روايته.

سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا

جبال جنين ما سقيت لغنت

ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له

إياك إياك أن تبتل بالماء

قوله - كثر الله فوائده -: ولم يستند الحكم إلى دليل يخصه

إلخ.

أقول: إن كنتم تنكرون ثبوت الشركة وتفاصيلها، وتقولون إنها لم تكن من مسائل الشريعة، ولا دل عليها دليل نقلنا البحث معكم إلى هنا، وإن كنتم تعترفون بذلك وتخصون الإنكار بتلك المسألة فقط أوضحنا لكم برهانها بما تعلمون به صحة ما كررناه، من أن تفويض أحكام الله لا تكون إلا لكامل الأهلية، وأنه قد يتمكن من وجود الدليل في المواطن التي لم تكن بيد غيره فيها إلا محض الرأي.

وفي هذا المقدار كفاية - إن شاء الله -.

ص: 4430