الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(145)
20/ 5
سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
وصف المخطوط:
1 -
عنوان الرسالة من المخطوط: " سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون ".
2 -
موضوع الرسالة: " فقه ".
3 -
أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين وبعد. فإن سيدي العلامة زين الأعلام يحيى بن مطهر كثر الله فوائده سألني عن يمين التعنت.
4 -
آخر الرسالة: وليس في تطويل البحث بالزيادة في الوجوه والدفع إلا مجرد الإيضاح.
والحمد لله أولاً وآخرًا وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
5 -
نوع الخط: خط نسخي معتاد.
6 -
عدد الصفحات: 4 صفحات.
7 -
عدد الأسطر في الصفحة: 12 سطرًا.
8 -
عدد الكلمات في السطر: 9 - 11 كلمة.
9 -
الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين.
وبعد:
فإن سيدي العلامة زين الأعلام، يحيى بن مطهر (1) - كثر الله فوائده - سألني عن يمين التعنت المذكورة في كتب الفروع التي تطلبها الخصوم عند التخاصم، ويلزم المطلوب بها بعض الكلام، فأقول:
اعلم أن الشارع صلى الله عليه وآله وسلم جاءنا بحكم كلي ينطبق على كل ما صدق عليه ذلك الحكم فثبت عنه أن المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين (2)، وهو ثابت في دواوين الإسلام من طرق. وقد وقع الإجماع من المسلمين أجمعين على ما أفاده هذا الحكم النبوي، وكان المعلوم صدقه من هذه الحيثية كما تقرر في الأصول، وهو الحق.
هذا على تقدير أنه لم يثبت تواتره، فإن ثبت تواتره انضم إلى هذا الدليل على أنه من المعلوم صدقه دليل آخر فمن وجد فيه وصف كونه مدعيًا كان عليه البينة، ومن وجد فيه وصف كونه مدعى عليه كان عليه اليمين، وهذا الذي قال: إن غريمه لم يرد بطلب اليمين منه إلا مجرد التعنت، وإلا فهو يعلم أن له عنها مندوحة، وأن هناك ما يوجب رفعها عنه، وذلك إما بأن تكون الدعوى كاذبة من أصلها، فإلزام المنكر باليمين ظلم، والطالب لإعنات خصمه طالب باطل، ومريد لما هو خلاف ما شرعه الله - سبحانه - لعباده [1أ]، ولا يجوز تقريره على ذلك، لأنه فاعل لمنكر، ونهي المنكر واجب بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم أن كل حاكم إذا سمع دعوى المدعي قائلاً إن خصمه لم يطلب يمينه إلا تعنتًا وعبثًا، وهو يعلم اندفاع ذلك عنه، وعدم لزومه
(1) تقدمت ترجمته (ص1201).
(2)
تقدم تخريجه.
له يجوز صدقه، ويتردد بين طرفي الاحتمال، فإذا منعه من ذلك مع هذا الاحتمال كان حاكمًا بالجور، ظالمًا لمدعي التعنت، لأنه لم يكن في يده إلا مجرد الاحتمال، وهو مما لا يجوز الاعتماد عليه بإجماع المسلمين، لا سيما في مثل الخصومات، وكان مخالفًا لحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن اليمين على كل منكر (1)، وهذا الذي أنكر التعنت منكر، فالحكم عليه باليمين هو حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشامل له، ولكل منكر، وهذا لا يخفى على منصف، ولا يأباه إلا متعسف.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يأتنا عنه التعرض لتنوع الأيمان، وأن هذه يمين كذا، وهذه يمين كذا كما وقع من أهل الفروع، بل جاءنا بحكم جامع شامل كما هو ديدنه [ ..... ](2) في تشريع الأحكام في غالب الأحوال، فإن غالب هذه الشريعة إنما ثبت بالعمومات الكائنة في الكتاب والسنة، وهذا معلوم لكل من له علم بالكتاب والسنة.
وإذا تقرر هذا فأنت تعلم أنه إذا قرع سمع الحاكم، وسمع كل سامع قول من طلبت منه اليمين أن هذا الطالب ليميني إنما أراد العبث بي، وهو يعلم اندفاع ذلك عني بمسلك الشرع، ومنهج مرضي كان ذلك دعوى شرعية مرضية لا يحل الإخلال بها، ودفع صاحبها لمجرد [1ب] الوهم العاطل، والإباء الباطل، لأن كل من له فهم يعلم أن هذه الدعوى ما يعلم في كل دعوى يسمعها من احتمال الصدق والكذب، ويعلم أن هذا القائل قد صدق عليه أنه مدع، وأن خصمه مدعى عليه.
فلو قلنا أنه يجوز للحاكم دفع هذه الدعوى بخصوصها لمجرد الاحتمال لزمه دفع كل دعوى، لأنها في حيز الاحتمال، ولا يثبت صدقها إلا بعد أن يعضدها البرهان الذي يكون به دفع الخصومات، وهو ما أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح
(1) انظر الرسالة رقم (144)" السؤال الأول ".
وهو أيضًا عن يمين التعنت.
(2)
كلمة غير واضحة في المخطوط.
عنه بقوله: " شاهداك أو يمينه "(1). وبهذا تعلم أنه لا ملجئ لقياس هذه اليمين على يمين التأكيد، ولا على غيرها، فصاحبها قد شمله الحكم العام من سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.
وأما الاعتلال بأنه يلزم التسلسل فمن أعجب ما يسمعه السامع، ومن أغرب ما ترد به الشرائع؛ فإن التسلسل كما قرره علماء المعقول هي عدم تناهي التوقفات في أمور غير متناهية، كما أن الدور هو عدم تناهي التوقفات في أمور متناهية، فلو كان لهذا الاعتلال مدخل في دفع الشريعة المطهرة لجوزناه فيمن ادعى على خصمه الذي ادعى عليه بدعوى غير هذه الدعوى، فإنه لا يمتنع أن يدعي عليه الآخر بدعوى أخرى، ثم كذلك.
ثم قد عرفت أن حكم الشرع هو إما الشاهدان أو اليمين، فلو كان للمدعي شهادة وطلب يمين المنكر كان هذا تعنتًا، لأن الجمع بين الشهادة من المدعي، واليمين من المنكر لم تثبت في هذه الشريعة، فهذه دعوى تعنت مقبولة بالحكم الشرعي، لأن خصمه أراد أن يحمله ما لا يلزمه مع وجود البينة، مع أنه لو طاوعه، وحلف لجاء بعد ذلك بالبرهان، فكان طالبًا لما يخالف الشرع من هذه الحيثية [2أ](2) ..
بواجب على حكام الشرع مع الاحتمال أن يجيبوا طالب يمين المتعنت إليها إلا أن يعرفوا أن ذلك الطلب بما هو تطويل للمسافة، وإغراق في إتعاب الغريم، وجرى على ما جرى عليه عرف المتخاصمين من طلب بين التعنت في كل يمين تطلب من المنكر، فلهم المنع من ذلك، بل لا يحل لهم أن يقبلوا من طالب يمين التعنت هذا المطلب، لأنه خارج عن القوانين الشرعية، والمسالك المرضية، بل مجرد عبث وإتعاب.
وبالجملة فدعوى التسلسل باطلة، لأن غاية ما هنالك أن يدعي كل واحد من
(1) أخرجه البخاري رقم (2669، 2670) ومسلم رقم (220/ 138) من حديث الأشعث بن قيس. وقد تقدم.
(2)
هنا قطع في المخطوط لا نعرف مقداره.
الخصمين على خصمه التعنت في اليمين المطلوبة من كل واحد منهما، فهاهنا يمينان وتعنتان ليس في الواقع غيرهما. وإذا ادعى أحدهما بعد التعنت تعنتًا، أو بعد اليمين يمينًا فهو ذلك التعنت، وتلك اليمين، فالعجب حيث يجعل مثل هذا الوهم الكاسد الفاسد سببًا لدفع الشرع الواضح الظاهر، وما قيل من أنه لا ثمرة لهذه اليمين لعدم الحكم على من نكل عنها، فهذا كلام باطل، بل يحكم عليه بأنه متعنت بطلب اليمين فترفع عن المدعى عليه في الحال، ويطلب منه البرهان، لأنه أحد مستندي الحكم، بل أجلهما وأولاهما. فإذا تعذر البرهان، ولم تبق إلا اليمين التي هي المستند الآخر، وأعوز الأمر، ولم يظهر بوجه من الوجوه كان الرجوع إلى اليمين هو آخر ما دار من الخصومة، وبها ينقطع النزاع، ويرتفع التخاصم بحديث:" شاهداك أو يمينه "(1). وهذا يكفي. وليس في تطويل البحث بالزيادة في الوجوه والدفع إلا مجرد الإيضاح.
والحمد لله أولاً وآخرًا - وصلى الله على سيدنا محمد وآله [2ب]-.
(1) انظر مناقشة الموضوع في الرسالة رقم (144).