المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شروط صحة الطلاق ووقوعه: - الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي - جـ ٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌المقدمة

- ‌أولاً: النكاح وما يتعلق به وما يشبهه

- ‌تمهيد:

- ‌حُكم النِكَاحِ شَرْعُا

- ‌مَكانَة الأُسْرَة في الإسلَام وَرعَايتَهِ لَهَا

- ‌النساء اللاتي يحرم نكاحهن

- ‌حكم تعدد الزوجات والحكمة من مشروعيته

- ‌أركان عقد النكاحوالتعريف بكل ركن، وبيان شروطه

- ‌الصَّدَاقأحكامه ـ المغالاة في المهور

- ‌عقد الزواج وما يترتب عليه

- ‌سنن عقد النكاح:

- ‌ الوليمة

- ‌القسم بين الزوجات وما يتعلق بذلك

- ‌النشوز

- ‌العيوب التي يترتب عليها فسخ النكاحوالآثار المترتبة على ذلك

- ‌ثانياً: الطلاق وما يتعلق به وما يشبهه

- ‌شروط صحة الطلاق ووقوعه:

- ‌أحكام الرجعة

- ‌مشبهات الطلاق

- ‌أولاً ـ الإيلاء

- ‌ثانياً ـ الظهار:

- ‌ثالثاً ـ اللعان

- ‌العدَّة

- ‌ثالثاً: النفقات وما يتعلق بها

- ‌النفقات

- ‌رَابعاً: الحَصَاَنة وَأَحْكَامُهَا

- ‌الحَضَاَنة:

- ‌خامساً: الرضاع وأحكامه

- ‌الرضاع

- ‌سادساً: ثبوت النسب

- ‌النَّسَبُ

- ‌سَابعًا: أَحْكَامُ اللّقِيط

- ‌اللّقِيطُ

الفصل: ‌شروط صحة الطلاق ووقوعه:

بِإِحْسَانٍ}. [البقرة: 229]. ثم قال سبحانه وتعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230].

أي إن الزوج يملك أن يطلّق زوجته ثلاث تطليقات، اثنتان منهما رجعيتان، والثالثة تسريح لا رجعة بعده، إلا بشرط سنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.

روى أبو داود (في الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، رقم: 2159)، والنسائي (في الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث: رقم: 6/ 212) عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الرجل كان إذا طلق امرأته، فهو أحقّ برجعتها، وإن طلّقها ثلاثاً، فَنَسخ ذلك، وقال:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أي الطلاق الذي يملك الزوج فيه الرجعة مرتان فقط. ومن ثم فقد انعقد الإجماع على أن الزوج يملك ثلاث تطليقات، ثالثتها بائنة لا رجعة بعدها، إلا بما سنذكره من الشروط إن شاء الله تعالى.

‌شروط صحة الطلاق ووقوعه:

لابدّ لكي يملك الزوج ما ذكرنا من الطلقات، ولابد لكي يقع ذلك منه، من أن تتوفر في الزوج المطلِّق الشروط التالية:

الشرط الأول: ثبوت عقد النكاح:

فلا يقع طلاق الرجل من المرأة التي لم يعقد نكاحه عليها، ولا من التي سيعقد نكاحه عليها، سواء كان ذلك بأسلوب التنجيز، أو التعليق: كأن يقول لامرأة لم يعقد عليها: أنت طالق، أو يقول: إن تزوجتك فأنت طالق.

ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].

ص: 130

فقد علّق سبحانه وتعالى نتائج الطلاق وأحكامه على ثبوت النكاح أولاً.

والدليل من السنة أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا طلاق قبلَ نكاح ".

رواه الحاكم (في الطلاق، باب: لا طلاق لمن لم يملك، رقم: 2/ 205) وصححه.

وروى أبو داود (الطلاق، باب: في الطلاق قبل النكاح، رقم: 2190)، والترمذي

(الطلاق، باب: ما جاء لا طلاق قبل نكاح، رقم: 1181) عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نذر لابن آدم فيما يملكُ، ولا عِتْقَ له فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ له فيما لا يملكُ ".

الشرط الثاني: تكامل الرشد:

فالصبي والمجنون والنائم لا يقع طلاقهم.

ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (في الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حدّا، رقم: 4403) وغيره عن على رضي الله عنه قال: قال رسول الله رضي الله عنه: " رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتِلم َ، وعن المجنون حتى يْعقِلَ " والاحتلام هو البلوغ والكبر.

ويدخل في حكم هؤلاء الثلاثة: الساهي، والجاهل بمعنى الكلام الذي يقوله: ولكن لا تقبل دعواه أنه ساهٍ، أو جاهل بمعنى ما يقول إلا بقرينة أو بيِّنة.

طلاق السكران:

أما السكران، فإن سكر بدواء لا مندوحة له عن استعماله، وغاب من جرّائه عقله، أو أُكره على شرب مُسكِر، بالتهديد، أو صُبَّ المُسِكر في جوفه، فإن حكمه كالصبي والنائم والساهي، بجامع العذر في كلَّ.

أما إن سكر متعدياً ـ أي عن قصد واختيار وبدون عذر ـ فإن طلاقه

ص: 131

يقع، ويعتبر كالرشيد حكماً، وعقوبة له على تعدّيه بشرب المُسكر، لأن السكران مكلّف، ولأنه بإجماع الصحابة مؤاخذ بما يتلفظ به حال سكره، من عبارات القذف، ونحوه.

الشرط الثالث تكامل الاختيار:

فلا يقع طلاق المكره. لكن مع مراعاة الشروط التالية في الإكراه:

1ـ أن يكون الإكراه بغير حق، فإن أُكره على الطلاق بحق ـ كأن كان مُضاراً لزوجته، فأكرهه الحاكم على تطليقها ـ فإن الطلاق يقع.

2ـ أن يكون الإكراه معتمداً على التهديد له مباشرة، بما يحصل منه ضرر شديد: كالقتل، والقطع، والضرب المبرح، ومثله الضرب القليل والإيذاء البسيط بالنسبة لمن هو من ذوي الأقدار.

3ـ وأن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به.

ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا طلاق ولا عتاق في إغْلَاقٍ ".

رواه ابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: 2046) أي في إكراه، لأن المكره يغلق عليه أمره، وتصرّفه.

وروى ابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: 2045) وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أي وضع عنهم حكم ذلك، لا نفس هذه الأمور، لأنها واقعة.

4ـ أن لا يصدر من الزوج المُكْرَه إلا القدر الذي أُكره عليه، فلو أُكره على الطلاق مرة، أو مطلقاً، فطلق طلقتين، أو ثلاثاً، وقع الطلاق.

طلاق الهازل واللاعب:

إذا تأملت في الشروط التي ذكرناها لوقوع المكره علمت أن

ص: 132

طلاق الهازل واللاعب واقع، إذا كان رشيداً بالغاً عاقلاً مختاراً، ولا يُعدّ لعبه وهزله عذراً في عدم وقوع الطلاق.

ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (في الطلاق، باب: ما جاء في الجدّ والهزل في الطلاق، رقم: 1184)، وأبو داود (في الطلاق، باب: في الطلاق على الهزل، رقم: 2149)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: من طلّق أو نكح أو راجع لاعباً، رقم: 2039) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث جدّهنّ جد، وهزلهنّ جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ".

الكيفيات المشروعة للطلاق:

يمكن إيقاع الطلاق على كيفيات مختلفة:

ـ كالجمع بين الطلقات بلفظ واحد، أو التفريق بينها.

ـ أو إيقاع الطلاق منجزاً، أو معلقاً على شرط، أو مع استثناء.

الكيفية الأولي للطلاق:

واعلم أن الكيفية التي هي أفضل في الطلاق شرعاً، والمتفقة مع الحكمة من جعل الشّارع طلاق الرجل زوجته موزعاً على ثلاث مراحل، هي: أن يطلّق طلقة واحدة في طهر لم يجامع الرجل زوجته فيه، فإذا بدا له وندم أرجعها إليه أثناء العدّة.

فإن عاودته الرغبة في الطلاق طلاقها طلّقة ثانية، وكان في يده بعد ذلك طلقة واحدة، تبين بها زوجته عنه بينونة كبرى، ولا ترجع إليه إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً شرعياً كاملاً، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

وهذه الكيفية هي المفهومة من صريح قول الله عز وجل: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229].

ص: 133

حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد:

إذا لم يلتزم بالكيفية المفضلة للطلاق، فلا يعني أن الطلاق لا يقع، بل يقع كيفما كان، ما دامت الشروط التي تحدّثنا عنها مجتمعة في الشخص المطلق.

وعلى ذلك، فلو جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد في وقت واحد، فقال: أنتِ طالق ثلاثاً، بانت منه بثلاث طلقات، كما لو نطق بهنّ متفرقات.

ولا يعتبر ذلك محرماً، بل هو خلاف السنة، وجنوح عن الطريقة المفضلة.

ودليل ذلك ما رواه الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتّة، رقم: 1177)، وأبو داود (في الطلاق، باب: في البتّة، رقم: 2208)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق البتة رقم: 20511) أن ركانة طلّق زوجته البتَّة ـ أي قال لها أنت طالق البتّة ـ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ـ وقد سأله ركانة عن سبيل لرجعتها ـ (آلله ما أردت إلا واحدة).

قال: الله ما أردت إلا واحدة فردّها إليه.

فالحديث دليل على أن ركانة لو أراد بقوله (البتَّة) ثلاثاً لوقعن، ولما أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بردها، وإلا لم يكن لسؤاله وتحليفه له أيّ معنى.

تعليق الطلاق بصفة أو شرط:

كما يصح الطلاق ويقع منجزاً، فإنه يصحّ معلقاً.

ومعنى تعليق الطلاق: أن يعلّق الزوج وقوع الطلاق على حدوث صفة، أو شرط، سواء مما قد تتلبس به الزوجة أو غيرها، كتعليقه طلاقها على قدوم غائب، أو على تصرّف معين قد تقوم به الزوجة أو غيرها.

مثال تعليق طلاقها على صفة: أن يقول: أنت طالق عند قدوم أبيك،

ص: 134

أو أنت طالق في شهر رمضان فتطلق إذا قَدِم أبوها أو إذا دخل شهر رمضان.

ومثال تعليقه بالشرط أن يقول لها: أنت طالق إن خرجت من الدار، أو أنت طالق إن دخل أخوك الدار، فتطلق إن هي خرجت من الدار، أو إن دخل أخوها الدار.

ودليل صحة تعليق الطلاق على صفة أو شرط، ووقوعه إذا تحقق ذلك الشرط، أو تلك الصفة، قول النبي صلى الله عليه وسلم:" المسلمون عند شروطهم ".

رواه الحاكم (البيوع، باب: المسلمون على شروطهم والصلح جائز: 2/ 49.

إذ يُفهم من الحديث أن الشروط التي يعلّق الإنسان عليها إبرام شيء تكون محل اعتبار وتقدير من الشارع، ما لم تكن تحرم حلالاً، أو تحلّ حراماً.

الآثار التي يترتب على الطلاق المعلق:

ويترتب على الطلاق المعلّق ما يلي:

1ـ عدم وقوع الطلاق ما دام الشيء الذي عُلق الطلاق به لم يحصل بعد.

2ـ تظل الحياة الزوجية مستمرة بكامل أحكامها ومستلزماتها، ما دام الشرط المعلّق عليه لم يتحقق بعد، وإن كان حصوله على حكم المحقّق. كقوله: إذا جاء شهر رمضان فأنت طالق.

3ـ يقع الطلاق بمجرد حصول الشرط الذي علّق الزوج الطلاق به، دون حاجة إلى أن ينطق نطقاً جديداً بالطلاق.

الاستثناء في الطلاق:

وكما يصحّ الطلاق المعلّق بصفة، أو شرط، كما ذكرنا يصحّ الطلاق الذي دخله الاستثناء.

ص: 135

والمقصود بالاستثناء في الطلاق: أن يجمع بلفظ واحد أكثر من طلقة واحدة، ثم يطرح بعضاً منها بأداة الاستثناء، وهي (إلاّ) بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، إلا طلقة واحدة، أو إلا طلقتين.

وذلك لأن الاستثناء من المعدود أسلوب عربي متّبع، ومستعمل في كلّ من الكتاب والسنة، للتعبير عن المعاني، وضبط الكميات والأعداد.

قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت: 14]

لذلك جاز استعمال الاستثناء في التعبير عن الطلاق، وضبط عدد الطلقات المراد إيقاعها

شروط صحة الاستثناء في الطلاق:

يشترط لصحة الاستثناء في الطلاق مراعاة الشروط التالية:

1ـأن ينوي المطلّق إلحاق الاستثناء بكلامه قبل فراغه من النطق بالكلام الأصلي المستثنى منه. فلو أتمّ كلامه الأصلي، ثم طرأ على باله أن يستثني منه شيئاً، لم يصح الاستثناء، ووقع الطلاق كما يقتضيه كلامه الأصلي قبل تعليق الاستثناء به.

2ـ أن يتصل لفظ الاستثناء بلفظ المستثنى منه عُرفاً.

فلو فصل بينهما بفاصل زمني يعتبره العُرْف فاصلاً: كدقيقة مثلاً، بطل استثناؤه، ووقع الطلاق كما يقتضيه لفظ المستثنى منه.

3ـ أن لا يكون الاستثناء مستغرقاً لكمية المستثنى منه: كأن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاث طلقات، فمثل هذا الاستثناء يعتبر لاغياً، ويستقر الحكم على ما يقتضيه لفظ المستثنى منه.

وينبغي أن تعلم بعد هذا أن الاستثناء من الكلام المثبت يعتبر نفياً، وأن الاستثناء من الكلام المنفي يعتبر إثباتاً، لأن الاستثناء يعطي نقيض

ص: 136

الحكم الأصلي للمستثنى، فلو قال: ما طلّقتك إلا طلقتين، وقعت طلقتان.

دليل صحة الاستثناء في الطلاق:

ويستدل لصحة الاستثناء في الطلاق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مَن أعتق، أو طلّق واستثنى فله ثنياه: ".

أي استثناؤه. ذكر ابن الأثير في النهاية مادة: (ثنا).

تفويض الطلاق إلى الزوجة:

يصحّ للزوج أن يفوِّض إيقاع الطلاق إلى زوجته، وهذا التفويض إنما هو بمثابة تمليك الطلاق لها.

شروط وقوع طلاق التفويض:

يشترط لوقوع هذا الطلاق الشروط التالية:

1ـ أن يكون الطلاق منجزاً، فلا يصحّ تعليقه على شيء: كإذا جاء الغد فطلَّقي نفسك.

2ـ أن يكون الزوج المفوَّض مكلفاً، فلا يصحّ تفويض الصغير والمجنون.

3ـ أن تكون الزوجة أيضاً مكلفة، فلا يصحّ تفويض صغيرة أو مجنونة.

4ـ أن تُطلَّق نفسها على الفور، بعد تفويضها مباشرة، فلو أخّرت بقدر ما ينقطع به القبول من الإيجاب، لم يصحّ طلاقها.

دليل جواز تفويض الطلاق إلى الزوجة:

ويستدلّ على جواز ذلك، بأن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر نساءه من بين المقام معه، وبين مفارقته، وذلك لمّا نزل قول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28].

فلو لم يكن لاختيارهنَّ الفرقة لم يكن لتخييرهنّ معنى.

ص: 137

خاتمة في بعض مسائل الطلاق:

1ـ إذا تلفظ بالطلاق باللغة العربية رجل غير عربي، وهو لا يدري معناه، فإنه لا يقع طلاقه، لانتفاء قصده، ولو تلفظ به بلغته وقع، ولو لم ينوه إذا كان اللفظ الذي استعمله في الطلاق صريحاً في لغته، أي لا يحتمل إلا الطلاق، وإذا كان غير صريح اشترط لوقوع الطلاق النية، كما هو الشأن في اللغة العربية.

2ـ قال رجل لزوجته: أنا منكِ طالق ، فإن نوى تطليقها طلقت ، وإن لم ينو لم تطلق ، لأن اللفظ خرج عن الصراحة إلى الكناية ، بإضافته إلى غير محله ، فشرط فيه ما شرط في الكناية من قصد إيقاع الطلاق.

3ـ قال رجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.

فإن تخلل سكوت بين هذه الجمل بما يعد فاصلا عرفا، وقعت ثلاث طلقات، ولا يقبل قضاء قوله أردت التأكيد، لأنه خلاف الظاهر، وإن لم يتخلل هذه الجمل فاصل، فإن نوى التأكيد وقعت طلقة واحدة، فإن نوى الثلاث وقعت ثلاثاُ، وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، وقعت أيضاً ثلاثاً. عملاً بظاهر اللفظ.

4ـ إذا قال لزوجته: إن شاء الله فأنت طالق: لم تطلق إن قصد التعليق بمشيئة الله عز وجل، لأن المعلق عليه من مشيئة الله تعالى غير معلوم. فإن لم يقصد بالمشيئة التعليق، وإنما قصد بها التبرك، أو لم يقصد شيئاً، فإن الطلاق يقع.

5ـ لو خاطبت الزوجة زوجها بمكروه، فقالت له يا سفيه، أو يا خسيس، فقال لها: إن كنتُ كما تقولين فأنت طالق.

فإن قصد بذلك مكافأتها بإسماعها ما تكره، وإغاظتها بالطلاق كما أغاظته بالشتم، فإن الطلاق يقع، وإن لم يكن سفيهاً، ولا خسيساً. وكأنه قال: إن كنت بزعمك كذلك فأنت طالق.

ص: 138