المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من كتاب القضاء - الفواكه العديدة في المسائل المفيدة - جـ ٢

[أحمد المنقور]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الوصاياوالهبة والفرائض

- ‌من كتاب النكاح

- ‌من كتاب الطلاق

- ‌من كتاب الظهار

- ‌ فصل: وعليه دفع الكسوة لها كل عام مر

- ‌من كتاب الرضاع

- ‌من كتاب الصيد

- ‌من كتاب القضاء

- ‌فصل: وأما الفقيه على الحقيقة

- ‌فائدة:

- ‌فصل: في الفرق بين ألفاظ الحكم المتداولة في السجلات

- ‌فائدة: الحكم بالصحة له شروط:

- ‌فصل: وأما الحكم بالموجب

- ‌فصل: ويجتمع الحكم بالصحة والموجب في أمور:

- ‌فائدة: قال البلقيني: من أحضر كتاب وقف أو بيع

- ‌فائدة:

- ‌من كتاب الشهادات

- ‌فائدة: مختصرة في الشهادة على الخط لابن المنجا

- ‌فصل: في الشهادة على الخط:

- ‌ فوائد:

- ‌فائدة: من "المغني": لو مات رجل وترك داراً

- ‌فصلوالعدل: من استمر على فعل الواجب

- ‌ فصل: وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين

- ‌فصل: قال أحمد: مضت السنة أن يقضي باليمين مع الشاهد الواحد

- ‌فائدة: ذكر أبو العباس في رد اليمين والقضاء بالنكول تفصيلاً حسناً

- ‌من كتاب القسمة

- ‌ تنبيه: محل الخلاف إذا كانت من جنس واحد على الصحيح

- ‌مسألة: رجل له وراث، منهم ولد من أمته

- ‌من كتاب الإقرار

- ‌تنبيه: ظاهر كلام المصنف أنه إذا لم يفسره بالهبة

- ‌فوائد:

- ‌فصل: الجدل في اللغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها

- ‌فصل في ترتيب الخصوم في الجدل:

- ‌مسائل فيها إشكال

- ‌إجازة الحجاوي لتلميذه

- ‌ذيل

الفصل: ‌من كتاب القضاء

ومن "الإنصاف" وبعد كلام سبق: اعلم أن الوارد عن الأصحاب، إما وجه، وإما احتمال، وإما تخريج. زاد في "الفروع": والتوجيه.

فأما الوجه: فهو قول بعض الأصحاب، وتخاريجه ما كان مأخوذاً من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه، أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه وقوته. وإن كان مأخوذاً من نصوص الإمام أحمد ومخرجاً منها؛ فهي روايات مخرجة له، ومنقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل، أن قلنا: ما قيس على كلامه مذهب له على ما تقدم، وان قلنا: لا، فهي أوجه لمن خرجها وقاسها

إلى أن قال: وأما القولان هنا؛ فقد يكون الإمام أحمد نص عليهما كما ذكره أبو بكر الشافعي، أو على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه.

وأما الاحتمال الذي للأصحاب؛ فقد يكون الدليل مرجوح بالنسبة

إلى ما خالفه، أو دليل مساو، وقد يختار هذا الاحتمال بعض الأصحاب؛ فيبقى وجهاً. وأما التخريج؛ فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه. وصاحب هذه الأوجه والاحتمالات والتخاريج؛ لا يكون إلا مجتهداً. انتهى.

‌من كتاب القضاء

ومن "شرح المنتهى" لمؤلفه: قال ابن نصر الله: كثيراً ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة، والحكم بالصحة أخرى.

وقد اختلف كلام المتأخرين من الفقهاء في الفرق بينهما وعدمه، ولم أجد لأصحابنا كلاما منقولاً في ذلك، والذي تقوله بعد الاعتصام بالله ورسوله وسؤاله التوفيق: إن الحكم بالصحة، لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعاً، فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عيناً، واعترف

ص: 95

المدعى عليه بذلك؛ لم يجز للحاكم الحكم بالصحة، أي بصحة البيع (1) بمجرد ذلك حتى يدعي المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك. فأما لو اعترف له البائع بذلك؛ لم يكف في جواز الحكم بالصحة، لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملكه العين المبيعة وقت البيع، ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه؛ فلابد من بينة تشهد بملكه وحيازته حالة البيع، حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة. وأما الحكم بالموجَب - بفتح الجيم من الموجب - فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها، هذا هو المعنى، ولا معنى للموجب غير ذلك، فإذا قيل في السجل: وحكم بموجب ذلك؛ فإنه يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلاني بدعوى مدع، وقيام البينة على دعواه، أو بدعواه الثابتة بطريق من طرق الثبوت، كعلم القاضي وغير ذلك، وحينئذ تكون الإشارة بذلك في قوله: حكم بموجب ذلك إلى الأمر المدعي الثابت، وحينئذ ينظر في الدعوى، فإن كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به، وإلا لم يكن الحكم بموجبها حكماً بالصحة، ونبين ذلك بمثالين:

أحدهما: أن يدعي أنه باعه العين هذه وهي في ملكه وحيازته، ولا مانع له من بيعها، وتشهد البينة بذلك كله، فإذا حكم الحاكم بذلك بموجبه؛ كان ذلك حكماً بصحة البيع، لأن موجب الدعوى في هذه الصورة؛ صحة انتقال الملك إليه، لاستيفاء شروطه وصحة العقد، وقد حكم به؛ فيكون حكماً بالصحة، وهذا ظاهر على أن موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته، وهو موجب لها؛ فهي موجبة له. والذي أوجبته في هذه الصورة؛ صحة العقد كما ذكرنا، فإن قيل: الصحة لم يقع لها دعوى، فكيف يصح الحكم بها؟

(1) هنا تنتهي نسخة "العنقري" واعتمدنا نسخة "ابن مانع" إلى آخر الكتاب.

ص: 96

قيل: إن لم تقع في الدعوى صريحاً؛ فهي واقعة فيها ضمناً، لكون مقصود المشتري من الحكم مبين ذلك.

المثال الثاني: أن يدعي أنه باعه هذه العين، ولا يدعي أنها ملكه، فيعترف لع البائع أو ينكر، وتقوم البينة فيحكم الحاكم بموجب ذلك؛ فموجب الدعوى في هذه الصورة هو حصول صورة بيع بينهما، ولم تشتمل الدعوى على ما يقتضي صحة ذلك البيع؛ لأنه لم يذكر في دعواه أن العين كانت ملكاً للبائع، ولم تقم بذلك بينة، وصحة العقد متوقفة على ذلك؛ فلا يكون الحكم بالموجب هنا حكماً بالصحة أصلاً، بخلاف التي قبلها. وقد تبين مما ذكرنا أن الحكم بالموجب؛ تارة يكون كالحكم بالصحة، وتارة يكون كذلك، وهنا أشكال، وهو أن يقال: أي فائدة تبقى للحكم بالموجب إذا لم نجعله حكماً بالصحة؟ إن قلتم: فائدته ثبوت ذلك؛ قيل: الثبوت قد يستفاد مما قد يكون سبق من الألفاظ، أيضاً: الثبوت لا يقال فيه: حكم به، وإن قلتم: فائدته الإلزام بتسليم العين قبل ذلك؛ لم تقع فيه الدعوى، فكيف يحكم بما لم يدع به؟

وجوابه: إن فائدته الحكم بالموجب أنه حكم على العاقد بمقتضى ما ثبت عليه من العقد؛ لا حكم بالعقد، وفائدته: أنه لو أراد العاقد رفع هذا العقد إلى من لا يرى صحته ليبطله؛ لو يجز له ذلك، ولا للحاكم حتى يتبين موجب بعدم صحة العقد. فلو وقف على نفسه، ورفعه إلى حنبلي فحكم بموجبه؛ لم يكن لحاكم شافعي بعد ذلك أن يسمع دعوى الواقف في إبطال الوقف بمقتضى كونه وقفاً على النفس، وخاصله أنه حكم على العاقد بمقتضى عقده لا حكم بالعقد، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت. انتهى.

ص: 97

من "إعلام الموقعين": الهدية تفقأ عين الحكم، قال ابن عقيل: معناه أن المحبة الحاصلة للمهدي إليه، وفرحته بالظفر بها، وميله إلى المهدي؛ يمنعه من تحديق النظر إلى معرفة باطل المهدي، وأفعاله الدالة على أنه مبطل؛ فلا ينظر في أفعاله بعين ينظر بها إلى من لا يهدى إليه.

قلت: وشاهده الحديث المرفوع "حبك الشيء يعمي ويصم". فالهدية إذا أوجبت له محبة المهدي؛ فقأت عين الحق، وأصمت أذانه.

فائدة: قال ابن عقيل: الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام: رشوة، وهدية، وأجرة، ورزق.

فالرشوة حرام، وهي ضربان: رشوة ليميل إلى أحدهما بغير حق؛ فهذا حرام عن فعل حرام، على الآخذ والمعطي، وهما آثمان.

ورشوة يعطاها ليحكم بالحق واستيفاء حق المعطي من دين ونحوه، فهي حرام على الحاكم دون المعطي، لأنها استنقاذ؛ فهي كجعل الآبق، وأجرة الوكالة في الخصومة.

وأما الهدية فضربان: هدية كانت قبل الولاية؛ فلا يحرم استدامتها، وهدية لم تكن إلا بعد الولاية؛ فهي ضربان: مكروهة وهي الهدية إليه ممن لا حكومة له، وهدية ممن قد اتجهت له حكومة؛ فهي حرام على الحاكم.

والأجرة: إن كان له رزق من بيت المال؛ حرم عليه أخذ الأجرة قولاً واحداً، لأنه أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم؛ فلا وجه لأخذ الأجرة من جهة الخصومة. وإن كان الحاكم لا رزق له؛ فعلى وجهين، أحدهما الإباحة لأنه عمل مباح؛ فهو كما لو حكماه، ولأنه مع عدم الرزق لا يتعين عليه الحكم؛ فلا يمنع من أخذ الأجرة، كالوصي، وأمين الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدر الحاجة.

وأما الرزق من بيت المال؛ فإن كان غنياً لا حاجة له إليه احتمل أن

ص: 98

يكره، ويحتمل أنه يباح؛ لأنه بذل نفسه لذلك، كالعامل في الزكاة والخراج

إلى أن قال: وأما الحاكم؛ فإنه منتصب لإلزام الناس بشرائع الرب سبحانه وأحكامه، وتبليغها إليهم؛ فهو مبلغ عن الله بفتياه، ويتميز المفتي بالإلزام لولاية الله وقدرته، والمبلغ عن الله الملزم للأمة بدينه لا يستحق عليهم شيئاً، فالحاكم مفتي في خبره عن حكم الله ورسوله، وشاهد فيما ثبت عنده، ملزم بمن توجه عليه الحق، فيشترط له شروط المفتي والشاهد، ويتميز بالقدرة على التنفيذ، فهو في منصب خلافة من قال:"لا أسألكم عليه أجرً"(1) فهؤلاء هم الحكام المقدر وجودهم في الأذهان، المفقودون في الأعيان، الذين جعلهم الله ظلاً يأوي إليه اللهفان، ومناهل يردها الظمآن.

فائدة: الحاكم يحتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات.

فالأدلة: معرفة الحكم الشرعي الكلي.

والأسباب: معرفة ثبوته في هذا المحل المعتبر وانتفاؤه عنه.

والبينات: معرفة طريق الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحدة من هذه الثلاث؛ أخطأ في الحكم، وجميع خطأ الحكام مداره الخطأ فيها أو في بعضها.

مثال ذلك: إذا تنازع اثنان عنده في رد سلعة مشتراه بعيب؛ فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي سلط المشتري على الرد، وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصرَّاة، وعزاه عن أهل العلم بالسبب المثبت لحكم الشارع في هذا المبيع المعين، ويقولون: هذا الوصف عيب يسلط على الرد، أم ليس بعيب؟

وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع، بل على الحس، والعادة،

(1) 6/ 90.

ص: 99

والعرف، والخبرة ونحو ذلك، وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين، وهو كل ما يبين له صدق أحدهما، أو ظناً من إقرار، أو شهادة أربعة عدول، أو ثلاثة، أو شاهدين، أو رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجل واحد، وهو الذي يسميه بعضهم الأخبار، ويفرق بينه وبين الشهادة بمجرد اللفظ، أو شهادة امرأة واحدة كالقابلة، والمرضعة، وشهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن، كالحمامات، والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره، أو شهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا، وشهادة الأربع من النسوة، أو المرأتين أو القرائن الظاهرة عند الجمهور، كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة؛ كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما، وكتب العلم ونحو ذلك، أو رائحة المسك، أو وجود المسروق عند من ادعى عليه سرقته على أصح القولين، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعذيب أحد بني الحقيق اليهودي ليدله على كنز حيي بن أحظب، وقد ادعى ذهابه، فقال: هو أكثر (1) من ذلك، والعهد قريب؛ فاستدل بهذه القرينة الظاهرة على كذبه في دعواه؛ فأمر الزبير أن يعذبه حتى يقر به، فإذا عذب الوالي المتهم إذا ظهر كذبه ليقر بالسرقة؛ لم يخرج عن الشريعة، بل ضربه في هذه الحال من الشرع، وقد حبس النبي صلى الله عليه وسلم في تهمة، وقد عزم علي والزبير على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها لما تيقنا أن الكتاب معها، فإذا غلب على ظن الحاكم أن المال المسروق أو غيره في بيت المدعى عليه أو معه، فأمر بتفتيشه حتى يظهر المال؛ لم يكن بذلك خارجاً عن الشرع، والأمة مجمعة على جواز وطء الزوج للمرأة التي يهديها إليه النساء ليلة العرس، ومجمعة على جواز أكل الهدية وإن كانت مع فاسق، أو كافر، أو صبي، ومجمعة على شراء ما بيد الرجل اعتماداً على قرينة كونه في

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (أكبر).

ص: 100

يده وإن جاز أن يكون مغصوباً. انتهى.

ومن "مسودة" ابن تيمية، المجد، وابنه، وابن ابنه، وهو الشيخ أبو العباس، وذكر الكاتب أنه نقله من خطهم بأيديهم، والكاتب سليمان المرداوي في سنة نيف عن ثمانمائة من الهجرة، قال: ومن أفتى بحكم، أو سمعه من مفت؛ فله العمل به، لا فتوى غيره؛ لأنه حاك فتوى غيره، وإنما سئل عما عنده.

مسألة: هل يلزم العامي أن يختص بمذهب يجب عليه الأخذ به بعزائمه ورخصه؟

فيه للشافعية وجهان. وكذلك يخرج لنا، قال شيخنا: وكذلك قال أبو الحسن القدوري: المقلد إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب فقيه أقوى؛ فعليه أن يقلد فيها ذلك الفقيه، وإذا أفتى بها حاكياً لمذهب من قلده، جاز.

فصل: ومن اجتهد في مذهب إمامه فلم يقلده في حكمه ودليله؛ ففتياه به عن نفسه، لا عن إمامه؛ فهو موافق له فيه لا تابع، فإن قوي عنده مذهب غيره؛ أفتى به وأعلم السائل، فإن قلد إمامه في حكمه، وفي دليله، أو دون دليله؛ ففتياه إن قدر على التحرير، والتقرير، والتصوير، والتعليل، والتفريع، والتخريج، والجمع، والفرق؛ كالذي لم يقلد فيهما. فإن عجز عن ذلك أو بعضه؛ ففتياه عن إمامه لا عن نفسه، وقيل: من عرف المذهب دون دليله؛ جاز تقليده فيه.

فصل: لا يلزم السائل العمل بالفتوى، إلا أن يلتزم بها إن جاز تقليده، وإلا فعن نفسه، ويظنها حقاً، وقيل: وشرع في العمل بها. فإن لم يجد مفتياً آخر يخالفه؛ لزمه العمل بها مطلقاً، كما لو حكم عليه بها حاكم. وإذا بان للمفتي أنه خالف ما يجب العمل به، من إجماع، أو كتاب، او سنة؛ نقض فتياه، وأعلم المستفتي بذلك ليرجع. قال الوزير

ص: 101

أبي هريرة: الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد؛ فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي أجمعت الأمة على أن كلاً منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقاضي في هذا الوقت، وإن لم يكن سعى في طلب الحديث ونقله، وعرف من لغة الناطق بالشريعة ما لا يعوده معه معرفة ما يحتاج إليه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد؛ فإن ذلك مما فرغ له منه غيره، ودأب فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق، فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذه عنهم، أو عن الواحد منهم؛ فإنه في معنى من كان اجتهاده إلى قول قاله، فإنه إذا خرج من خلافهم متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكنه، كان آخذاً بالحزم، عاملاً بالأولى، وكذلك إذا قصد مواطن الخلاف توخيه ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز أن يعمل بقول الواحد، إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة، يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إذا حضر عنده خصمان، وكان مما تشاجرا فيه مما نقل عن الفقهاء الثلاثة فيه بحكم، نحو التوكيل بغير رضى الخصم، وكان الحاكم حنفياً، وقد علم أن مالكاً، والشافعي، وأحمد اتفقوا على جواز ذلك، وأن أبا حنيفة لم يجز ذلك، فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، فإني أخاف على هذا أن يكون متبوعاً من الله، بأن اتبع في ذلك هواه، وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه

إلى أن قال: وبمقتضى

ص: 102

هذا؛ فإن ولاية الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة، وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ثغراً سده فرض كفاية، ولو قد أهملنا هذا القول ولم نذكره، ومشينا على طريقة التغافل التي يمشي فيها من يمشي من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتاب صنفه، أو كلام قاله؛ أنه لا يصح أن يكون أحد قاضياً حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء لست موجودة في الحكام؛ فإن هذه كالإحالة، وكالتناقض، وكان تعطيلاً للأحكام، وسداً لباب الحكم، وإنه لا ينفذ حق، ولا يكاتب فيه، ولا يقان بينة إلى غير ذلك من هذه القواعد الشرعية؛ فكان هذا غير صحيح، وبأن الصحيح أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعاً، فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد يجوز إذا تعذر تولية المجتهد، وأنه انعقد الإجماع على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة، وأن إجماع الفقهاء الأربعة حجة لا يخرج الحق عنهم.

وقال أيضاً: فإن خرج من الخلاف فإخذ بالأحوط، كتحريه مسح جميع رأسه، وأخذه فيما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه، كمسألة البسملة بقول الأكثر؛ كان الأولى

إلى أن قال: ومن لم يكن فتياه حكاية من غيره؛ لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها.

وإذا سئل المجتهد عن الحكم؛ لم يجز له أن يفتي بمذهب غيره، لأنه إنما سئل عما عنده، فإن سئل عن مذهب غيره؛ جاز له أن يحكيه، لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء، وإنما يفتيه به فقيه، هذا قول أبي الخطاب.

وقال الحليمي، والروياني: لا يجوز. وقال أبو عمر: وقول من قال: لا يجوز. معناه أنه لا يذكر في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه، فعلى هذا: من عددناه في إضافة المفتين من المقلدين؛ ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقامهم

ص: 103

فعدوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلاً: مذهب فلان كذا، ومقتضى مذهبهم كذا، ومن ترك منهم إضافة إلى إمامه؛ اكتفى بدلالة الحال. انتهى.

قال الزركشي، بعد كلام سبق: نعم إذا حلف بعضهم؛ ثبت له من الحق بقدر إرثه، ولا يشاركه فيه صاحبه، انتهى.

قوله: وقسمة الدين في ذمم الغرماء.

قال في "الإنصاف" في الشركة: محل الخلاف إن كان في ذمتين فأكثر، قال الأصحاب، أما إن كان في ذمة واحدة؛ فلا تصح المقاسمة قولاً واحداً، قال في "الشرح" و "الفروع" وغيرهم، وقال الشيخ: يجوز. ذكره في "الاختيارات" وذكره ابن القيم في "أعلام الموقعين". انتهى.

ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: وأما إذا عرف خط الشاهد بعد موته بشهادته؛ فإن ذلك جائز، لكن على مرجوح، وقواه بعضهم. انتهى.

وقد سئل، هل يجوز الحكم بشهادة الشاهد الميت بخطه، أم لا؟ فأجاب بما ذكرنا.

ومن جواب له أيضاً: إذا ادعى شركة في الجدار الذي بين ملكيهما ليبني معه، وليس معه بينة، فانكر؛ فيمينه، وإذا غرس أحد الشريكين بغير حق، ولزم القلع، وطلب القسمة؛ وجبت قبل القلع، فإذا وقع لغير الغارس تبعة؛ قلع ما فيها.

والظاهر أن الشريك في بئر يعطي حقه من جميع فروجها كلها، لا من فرج واحد. انتهى. وفيه بعض تأمل.

ذكر شيخنا في وثيقة وجدت بخط زامل بن سلطان، تلميذ الشيخين، ابن النجار والحجاوي: شهد عندي فلان شهادة شرعية صحيحة مقبولة،

ص: 104

أن لزيد مشرباً من القليب الفلاني. انتهى. وكذا رأينا مثل ذلك بخط غيره من الفقهاء وحكموا به، مثل ناصر بن محمد، وسليمان بن محمد ابن شمس، والعادة توافقه، لاسيما إن كان العقار لورثة، وهذا المدعي أحدهم، أو هو منتقل إليه من بعضهم، بإرث أو شراء لتصديق الحس له؛ فإذا شهد الشاهدان له يوماً مثلاً من ثلاث مثلاً؛ سمعت. وإن ادعى أن له يوماً من ثلاث؛ فدعوى مقبولة لديتها اليمين على المنكر، لاسيما مع أمارات الصدق، كنحو ساقي خارج منها إلى أرضه، أو سقيه منها، ويدعي المنكر أنه على سبيل الإعارة؛ كلف اليمين بذلك، من تقرير شيخنا.

إذا ادعى على آخر أنه أخذ ثمرته، فشهدت له البينة كانت بقدر معلوم من الثمرة؛ صح. وإن قالت: الثمرة كثيرة، واليقين الذي تقطع عليه كذا؛ صح ذلك، كتبه سليمان بن علي، ومن خطه نقلت.

ومن جواب له أيضاً: ادعى محمد بن راشد الأسطار الشمالية التي توالي الروية (1) التي شرى ناصر من أبيه راشد، أن ذلك وقف وقفة راشد عليه، وأن شاهده على ذلك حسن عمه، وهو شريك في النخل؛ فلم تجز شهادته، ووجب على ناصر اليمين على نفي العلم أنه لا يعلم أن راشداً وقفه عليه، ومن خطه نقلت. انتهى.

وقال أبو المعالي: ومن هو ببلد وماله فيه وأهله، ثم انتقل لقضاء حاجة، ثم مات وانتقل الولد بعده وهو غير رشيد؛ فالحج عليه في بلده الذي هو معروف فيه على أولاده الصغار إن لم يكن بينه انتقال عنه. انتهى.

قال ابن القيم في "الهدي": يجوز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرراً على الغير، إذا كان يتوصل بالكذب إلى حاجته،

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (الزاوية).

ص: 105

كما كذب الحجاج بن علاط على المشركين حتى أخذ ماله، ونظير ذلك الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق، كما أوهم سليمان بن داود المرأتين بشق الولد، انتهى.

إذا أجمع وجوه أهل قرية وعدولهم على بيع تركة وقضاء دين؛ صح ما صدر منهم، ولأن ما لزم الركب؛ يلزم فيه التساوي، ولأن هذا الذي تقدم قد فعل فيه مصلحة، أو دفع مضرة، أو دفع شر، وقد يعمل بأدنى المفسدتين لترك أعلاهما، قاله شيخنا.

وذكره ابن عطوة، قال في "شرح المنتهى" لمؤلفه: وقد صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعه العراقي الشافعي وريقات في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب، فأجبت إيرادها كلها لعموم نفعها، وهي أما بعد حمد الله ولي النعم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه خير الأمم، فقد عهدنا الحكام على طريقة في الحكم بالصحة، والحكم بالموجب، وهي أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به؛ حكم بصحته. وإن لم تتم البينة باستيفاء شروطه؛ حكم بموجبه، فالحكم بالموجب عندهم أحط رتبة من الحكم بالصحة، ويرد على ذلك شيئان.

أحدهما: أن المرجح فيما لو طلب جماعة في أيديهم أرض من القاضي قسمتها بينهم من غير إقامة بينة على أنها ملكهم؛ لا يجيبهم القاضي إلى ذلك. وقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشي الروضة": يخرج من هذا أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف المتعاقدين بالبيع، ولا بمجرد قيام البينة عليهما بما صدر منهما؛ لأن المعنى الذي قيل هنا يأتي هناك.

قلت: وفي هذا نظر؛ فإن القسمة تتضمن إفراز نصيب كل واحد، وصيرورته معيناً بعد أن كان مشاعاً، وقد لا يكون الواقفون له مالكين

ص: 106

لذلك؛ فيكون متصرفاً في ملك غيره بغير إذنه.

وأما الحكم بالصحة والموجب؛ فإنما هو في تصرف صدر من غير الحاكم (1) ورفع إليه؛ فقد يحكم بصحته، وقد يحكم بموجبه.

والاصطلاح أن الأول يكون عند قيام البينة، يوقعه على خلاف الشروط المعتبرة؛ فإنه لا يحكم فيه بصحة ولا موجب، وعلى كل تقدير؛ فلم يتصرف الحاكم في ملك غيره، بل الغير هو المتصرف والصادر من الحاكم حكم على ذلك التصرف؛ فلا يلزم من امتناع الحاكم من القسمة هنا امتناعه من الحكم بالموجب وإن لم تقم البينة باستيفاء الشروط، قم إن قول الأصحاب: لا يجيبهم، هل أرادوا به لا تجب إجابتهم، أو لا تجوز إجابتهم؟

لم أر تصريحاً بذلك. والظاهر الأول، وهو انتفاء الوجوب، لا الجواز.

الشيء الثاني: إن ما نقله من عمل الحكام؛ يدل على أن الحكم بالموجب لا يزيد على الثبوت المجرد شيئاً، لكن مازالوا يرون للحكم بالموجب تمييزاً على مجرد الثبوت، والله أعلم.

ووجدت لشيخنا الإمام البلقيني فروقاً أبداها في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب، وكنت سمعتها منه أو بعضها، وفي كلها أو بعضها نظر سأذكره.

فالفرق الأول أن الحكم بالصحة ينصب على إنقاذه ذلك الصادر، من بيع وقف ونحوهما، والحكم بالموجب منصب على أثر ذلك الصادر.

قلت: وفيما ذكره نظر؛ فإنه إذا كان الحكم بالصحة منصباً إلى نفاذ ذلك الصادر، وترتب عليه إنفاذ آثاره، وكيف ينفذ ذلك الأمر ولا ينفذ أثره المقصود منه، ولاسيما قد عرف غير واحد من أهل الأصول

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (حكم).

ص: 107

الصحة بأنها استتباع الغاية، أي كون الشيء بحيث تتبعه غايته، ويترتب وجودها على وجوده. فإنه حكم بالصحة؛ فقد حكم بترتب آثاره عليه، لأنه هذا هو معنى الصحة، ولا يقال في الحكم بالموجب: إنه منصب على الآثار خاصة، وكيف تثبت الآثار بدون المؤثر لها؛ فالحكم بثبوت الآثار مرتب على الحكم بثبوت المؤثر بلا شك، فلولا صحة ذلك العق؛ لما حكم ذلك القاضي بترتيب آثاره؛ فالصواب يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، وإلا لما ترتب الآثار بالصحة في الحكم الجامع لجميع الآثار، وحينئذ فظاهر، استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ لأنه لا يحكم إلا بموجب ما صح، دون ما فسد، ولا يصح بالشيء وتختلف آثاره عنه، فإذا حكم بالصحة؛ فقد حكم بترتيب آثاره عليه.

والتحقيق أن الحكم بالموجب يتناول الآثار بالتنصيص عليها، للإتيان بلفظ عام يتناول جميع آثارها؛ فإن موجب الشيء هو مقتضاه، وهو مفرد مضاف؛ فيعم كل موجب، بخلاف لفظ الصحة؛ فإنه إنما يتناول الآثار بالتضمن، لا بالتنصيص عليها، ومقتضى ذلك أن يكون الحكم بالموجب هو أعلى، وهو بخلاف الاصطلاح، وكان الحكم بالصحة إنما علت مرتبته عندهم لاختصاصه بما يثبت به وجود الشرط، وانحطت مرتبة الحكم بالموجب عندهم لثبوت (1) الشروط فيه، لكن هذا راجع إلى الاصطلاح فيما أظن، ولا يظهر للفرق المذكور معنى من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع؛ فلا ينبغي من حاكم يحكم إلا بحجة معتبرة، إما بينة، وإما علم، وإما قرار الخصم الذي هو صاحب اليد، وإما يمين المدعي المردودة بعد نكول الخصم، سواء كان ذلك بإقرار أو بينة، وإنما نازعت شيخنا في استنباط هذا من مسألة القسمة، لا في أصل الحكم؛ فإني أوافق عليه. فإذا قامت البينة فحكم بالصحة؛ فقد يترتب غايته عليه

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (لعدم ثبوت).

ص: 108

من غير تنصيص عليها، لا لعموم ولا لخصوص. وإن حكم بالموجب؛ فقد أتى بصيغة شاملة لجميع أحكامه؛ فإن صيغة العموم في تناولها بكل فرد فرد كلية، فكأنه ينص (1) بذلك على جميع آثاره. فإن قلت: فهل شربت عليه بذلك جميع آثاره المتفق عليها والمختلف فيها.

قلت: أما المتفق عليها؛ فلا يحتاج فيها إلى الحكم. وأما المختلف فيها، فما كان منها قد جاء وقت الحكم فيه؛ نفذ، وما لم يجيء وقت الحكم فيه؛ لم ينفذ.

مثال الأول: أن يحكم حنفي بموجب التدبير، فمن موجبه منع بيع المدبر؛ فقد حكم الحنفي بذلك في وقته، لأنه منع سيد المدبر من بيع عبده المدبر، فليس له بمقتضى الحكم المذكور الإقدام على بيعه بمنع الحاكم له من ذلك، وليس للشافعي أن يأذن له بعد ذلك في بيعه لما فيه من نقض حكم الحنفي بمنع البيع، ولا أن يحكم بصحة بيعه، فإن ارتكب ببيعه محرماً قد منعه منه جائز الحكم؛ فصار المدبر في هذا الحكم كأم الولد.

الثاني: أن يعلق طلاق امرأة أجنبية منه على التزويج بها، فيحكم مالكي أو حنفي بموجبه، فإذا تزوج بها، فبادر شافعي، وحكم باستمرار العصمة وعدم وقوع الطلاق؛ نفذ حكمه، ولم يكن ذلك نقضاً لحكم الحاكم الأول بموجب التعليق، لأن حكم الأول لم يتناول وقوع الطلاق لو تزوج بها؛ فإنه أمر لم يقع إلى الآن، فكيف يحكم على ما لم يقع؟ والحكم إنما يكون في شخص، فما هذا منه إلا فتوى، وتسميته حكماً جهل أو تجوز مفت به أن هذا حكم الشرع عنده، لا أنه (2) ثبت وألزم به، وكيف يلزم بما لم يقع؟ ومما يوضح ذلك انه لو لم يأت بصيغة عموم وهو الموجب، بل حكم هذه المجرد به خاصة، فقال: حكمت

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (يفضي).

(2)

وفي نسخة مكتبة الرياض: (لأنه ثبت).

ص: 109

بوقوع الطلاق إن تزوجها؛ لم يصادف ذلك محلاً، وعد سفهاً وجهلاً، وكيف يحكم الإنسان بالشيء قبل وقوعه، فيقول: حكمت بصحة بيع هذا العبد لو وقع بشروطه، وبصحة نكاح هذه المرأة لو وقع بشروطه، بخلاف قول الحنفي في المدبر بعد تدبيره: حكمت بمنع بيعه؛ فإنه حكم صحيح على مذهبه، وقع في محله ووقته؛ فنفذ ولم يجز نقضه، فأفهم ذلك فإنه حسن، وقع بسبب عدم تدبره خبط في الأحكام.

وقد ظهر أن توجيه الحنفي والمالكي حكمه إلى وقوع الطلاق على التي لم يتزوج بها بحال، وحكمه بمنع التزوج بها أفسد منه؛ فإن النكاح صحيح بلا توقف، وإنما الكلام في وقوع الطلاق بعد صدور النكاح، ولا يدري (1) هل يكون بينهما نكاح أم لا؟ فلا يمكن توجيه الحكم إلى منع الحاكم كما وجه الحنفي حكمه إلى منع بيع المدبر، ولا إلى وقوع الطلاق من عصمة من لا يدري هذه تقع في الوجود أم لا؟ فإن نفس الطلاق لم يقع قبل النكاح، وإنما وقع تعليقه خاصة، والتعليق غير موقع في الحال؛ فكيف يحكم على شيء لو وجد بشيء لم يقع؟ وهذا واضح لصاحب العملية الخالي من العصبية، وقس على هذين المثالين بقية الأمثلة؛ فقد عرفت الذي أوجب الفرق بينهما.

الفرق الثاني بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب: إن الحكم بالصحة لا يختص بأحد، والحكم بالموجب يختص بالمحكوم عليه بذلك.

قلت: وفي هذا الفرق أيضاً نظر، فإذا وقف الإنسان شيئاً من أملاكه على نفسه، ومات قبل الحكم بصحته وبطلانه، فأراد بعض ورثته أن يبيعه، فمنعه حنفي، وحكم بموجب الوقف المذكور؛ لم يختص ذلك الحكم به في صحته. فلو أراد وارث آخر أن يبيع حصته منه؛ لم يصح، وكيف يصح ذلك بعد حكم الحنفي بموجبه؟ فلو بادر شافعي وحكم

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (ولا يدرون).

ص: 110

عند إرادة أحد الورثة بيع حصته بموجب الوقف المذكور، وهو البطلان عنده؛ لم يكن لحاكم حنفي بعد ذلك الحكم بمنع بيع الووارث الآخر حصته مع حكم الشافعي ببطلان الوقف المذكور، هذا بعيد، والله أعلم.

الفرق الثالث: إن الحكم بالصحة يقتضي استيفاء الشروط، والحكم بالموجب لا يقتضي استيفاء الشروط، وإنما مقتضاه صدور ذلك الحكم على المصدر؛ لموجب ما صدر عنه.

قلت: وفيه نظر أيضاً؛ فقد قمت عن شيخنا المذكور أنه استنبط من مسألة اقتناع القاضي من القسمة، فيما إذا لم تقم بينة بأنه ملك طالبها؛ أن الحكم لا يقع بصحة ولا موجب إلا بعد استيفاء الشروط، وهذا الفرق هو الذي يعمل به الناس الآن، وفيه ما قدمته. ثم إن في تعبير الشيخ عن هذا الفرق نظر، وكان ينبغي: التعبير بالحكم بالصحة متوقف على ثبوت أن المتعاطي لذلك التصرف استوفى الشروط فيه. فإذا رفع إلى القاضي بيع لا يحكم بصحته من حيث شروط البيع، من كون المبيع ظاهراً، منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، مملوكاً للعاقد أو لمن له العقد، معلوماً، بخلاف الحكم بالموجب؛ فلا يتوقف على ثبوت استيفاء الشروط. وليت شعري كيف يكون حكم القاضي ينوب جميع الآثار ثابتاً، فيما إذا لم يثبت أن العاقد استوفى الشروط؟ ! هذا مما لا يعقل، والله أعلم.

الفرق الرابع: إنه إذا كان العقد الصادر صحيحاً باتفاق (1)، ووقع الخلاف في موجبه، فالحكم بالصحة لا يمنع الحكم بموجبه عند غير الحاكم بالصحة. ولو حكم فيه بالموجب؛ امتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب.

قلت: ولا بأس بهذا الفرق، لكن إطلاقه في الموجب أنه يمتنع العمل

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (بما تعلق).

ص: 111

بموجبه عن غير الحاكم بالموجب؛ لابد من تقييده بأن يكون قد جاء وقت الحكم بموجبه، فمتى لم يجيء وقته؛ فلغيره عند مجيء وقته الحكم بموجبه عنده، إن لم يكن موجبه عند الحاكم الأول، والله أعلم.

الفرق الخامس: إن كل دعوى كان المطلوب فيها إلزام المدعى عليه بما أقر به، أو قامت به البينة؛ كان الحكم حينئذ بالإلزام، وهو الموجب، ولا يكون الحكم بالصحة، ولكن يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة، ومن ذلك له وجهان: صحة، وإبطال، لا يدخل فيه الحكم بالصحة؛ إنما يدخل فيه الحكم بالموجب.

قلت: لم يظهر لي هذا الفرق؛ فإن مقتضاه أنه إذا ادعى على إنسان بمائة درهم مثلاً، واعترف بذلك بمجلس الحكم، أو قامت عليه بينة بالاعتراف؛ لم يسغ للقاضي (1) الحكم بالصحة بالاعتراف المذكور، وإنما يسوغ له الحكم بالموجب، ولا يظهر له معنى؛ فليتأمل، وقد رجح الشيخ ما ذكرته أولاً من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة.

الفرق السادس: إن تنفيذ الحكم المختلف فيه يكون بالصحة عند الموافق، وكذا عند المخالف الذي يجيز التنفيذ في المختلف فيه؛ فيكون الأمر فيه كما تقدم في الحكم بالصحة، فقول القاضي: حكمت بصحة حكم فلان؛ كقوله: حكمت بموجب حكم فلان، إذا أريد هذا المعنى، وهو الإلزام بحكم الحاكم، وإن أريد الإلزام بذلك الشيء المحكوم به؛ فيجوز ذلك من الموافق، ولا يجوز من المخالف؛ لأنه ابتداء حكم بذلك الشيء من غير تعرض للحكم الأول، وذلك لا يجوز عند المخالف.

قلت: لم يتحرر من هذا الكلام فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ لأنه ذكر: إن أريد الإلزام بحكم المخالف في موضع الخلاف؛ استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب في الجواز، وإن أريد الإلزام

(1) في الأصل: (لم يسع القاضي).

ص: 112

بذلك الشيء من غير توسط حكم المخالف؛ امتنع ذلك بالصحة بالموجب، فإن المخالف لا يراه، وليس هذا تنفيذ، بل ابتداء حكم بما لا يراه الحاكم به.

وذكر شيخنا الإمام البلقيني أنه يستوي الحكم بالصحة والحكم بالموجب في مسائل، منها:

حكم الحنفي بصحة النكاح بلا ولي، أو بموجبه؛ فليس للشافعي نقضه.

ومنها: حكمه بشفعة الحوار؛ لا ينقضه الشافعي، سواء حكم بصحة ذلك أو بموجبه.

ومنها: حكم الشافعي في إجارة الشيء من دار، أو عبد، أو نحوهما، ليس للحنفي إبطاله، سواء حكم فيه بالصحة أو بالموجب.

وذكر شيخنا المذكور افتراقهما في مسائل: يكون في بعضها الحكم بالصحة أقوى، وفي بعضها الحكم بالموجب أقوى.

فالقسم الأول: كما لو حكم الشافعي بموجب الوكالة بغير رضى. الخصم؛ فللحنفي الحكم بإبطالها، لأن موجبها المخاصمة صحت أو فسدت، لأجل الإذن، فلم يتعرض الشافعي للحكم بالصحة، وإنما تعرض للأثر؛ شاع للحنفي الحكم بإبطالها، لأنه يقول للشافعي: جرد حكمك اللازم، لو لم يتعرض لصحة الملزوم ولا عدمه، وأنا أقول بإبطالها؛ فلم يقع الحكم في محل الخلاف، هذا كلام شيخنا، وفيه نظر لما تقدم من أن الحكم بالآثار يتوقف على الحكم بالمؤثر، فلولا صحة الوكالة، لما حكم بترك آثارها، وقد تقدم من كلام الآخر أن بيان الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة، فإن قلت: الوكالة يترتب عليها أثرها، وهو صحة التصرف لعموم الإذن ولو كانت فاسدة.

ص: 113

قلت: من جملة موجبها ومقتضاها صحتها عند الشافعي. ولو لم يرض الخصم اللازم؛ فقد تناوله حكمه، ولا نسلم قول الحنفي: إن الشافعي جرد حكمه اللازم، ولم يتعرض لصحة الملزوم ولا بطلانه، بل قد تعرض لها ضمناً، كما اعترف به الشيخ، أو صريحاً، كما أعتقد؛ لأن الصحة من جملة الواجب، فقد دخل بالموجب، لأنه مفرد مضاف؛ فيعم جميع الواجب، ولو كان التوكيل عند الشافعي فاسداً كالوكالة المعلقة؛ لم يسغ له الحكم بموجب الوكالة اعتماداً على صحة التصرف؛ لعموم الإذن، لما ذكرناه من أن جملة الواجب الصحة، والوكالة المذكورة؛ فلم يثبت جميع موجبها، فإذا حكم؛ فليوجه حكمه إلى ما يترتب من الآثار، وهو صحة التصرف، ولا يأتي بصيغة تعم جميع الواجب؛ لفساد ذلك.

القسم الثاني: له أمثلة:

منها: لو حكم الحنفي بصحة التدبير؛ لم يمتنع على الشافعي الحكم بالبيع، لأنه عند الشافعي صحيح، ولكن يباع، فلو حكم بموجب التدبير؛ لم يكن للشافعي الحكم بالبيع، لأن موجب التدبير عنده عدم البيع.

ومنها: لو حكم الشافعي بصحة شراء الدار التي لها جار؛ فإنه يسوغ للحنفي أن يحكم بأخذ الدار بالشفعة، لأن البيع عنده صحيح مسلط لأخذ الجار، كما يقول الشافعي في بيع أحد الشركاء. ولو حكم الشافعي بموجب شراء الدار المذكورة؛ فليس للحنفي أن يحكم بأخذها، لأن موجبه عنده دوامه واستمراره.

ومنها: لو حكم شافعي بصحة إجارة، ثم مات المؤجر؛ كان للحنفي إبطالها بالموت (1). ولو حكم بموجب الإجارة؛ لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها بالموت، لأن موجبها الدوام والاستمرار للورثة.

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: إبطالها بالإجارة.

ص: 114

قلت: هذه الصورة الثالثة ممنوعة، والفرق بينها وبين الصورتين قبلها؛ أنه وقع الحكم فيها بالموجب بعد دخول وقته فيقدم، لأنه لما حكم فيها بموجب التدبير؛ فقد منعه من البيع الذي يسوغه الشافعي، ولما حكم بموجب شراء الدار التي لها جار؛ فقد منع الجار من الأخذ بالشفعة؛ فامتنع ذلك عليه، كما لو وجد الحكم إلى ذلك صريحاً، فإنه ينفذ ويعمل به، ولا فرق بين الحكم بالشيء بخصوصه، وبين الحكم بصيغة تمامه؛ فشمله.

وأما الصورة الثالثة: لما حكم الشافعي فيها بموجب الإجارة قبل موت المؤجر؛ لم يكن توجه حكمه إلى عدم الانفساخ؛ لأنه لم يجيء وقته، ولم يوجد سببه. ولو وجد الحكم إليه، فقال: حكمت بعدم انفساخ الإجارة، إذا مات المؤجر؛ لم يكن ذلك حكما، وكيف يحكم على ما لم يقع، ولا يدري هل يقع، أم لا؟

فتسمية هذا حكما، إما جهلا، وإما تجوزا، كما قدمناه في حكم المالكي والحنفي بموجب تعليق الطلاق في امرأة معينة على التزويج بها قبل التزويج بها؛ فإنه لا يدخل في موجبه وقوع الطلاق بعد التزويج، فإن التزوج إلى الآن لم يقع، وقد يوجد؛ فلا يمكن الحكم على معدوم، ولم يدخل في الوجود، فهذه الصورة وتلك من واد واحد، فإذا ظهر ما ذكرناه من الفرق؛ عرفت المسائل واتضحت، ولم يشكل منها شيء.

وذكر شيخنا أن ضابط ذلك أن المتنازع فيه، إن كان صحة ذلك الشيء، وكان لوازمه لا تترتب إلا بعد صحته؛ كان الحكم بالصحة رافعاً للخلاف، واستويا حينئذ، وإن كان المتنازع فيه الآثار واللوازم؛ كان الحكم بالصحة غير رافع للخلاف.

وكان الحكم بالموجب رافعاً، ويوجب الموجب حينئّذ، إن ترتب مع

ص: 115

فساده؛ قوى الحكم بالصحة على الحكم بالموجب.

قلت: قوله: فيما إذا كان النزاع في الآثار واللوازم أن الحكم بالموجب رافع للخلاف.

محله أن يكون ذلك بعد دخول وقته ووجود سببه، وتمكنه من الحكم بذلك الشيء بعينه، فأدرجناه في الحكم بموجبه الذي هو من صيغ العموم، لأنه من جملة أفراده، وقد جاء وقته، وقد قدمنا الأمثلة في ذلك بحيث اتضح الحال فيه، وقد عرفت الكلام معه فيما ذكر أن الحكم فيه بالصحة أقوى من الموجب؛ لترتب آثاره عليه مع فساده كالوكالة؛ فأغنى ذلك عن إعادته.

وقد ظهر بذلك أن حكم الحنفي بموجب التدبير؛ يمنع الشافعي من الحكم بجواز بيعه، وحكم الشافعي بموجب الدار التي لها جار؛ يمنع الحنفي من تجويز الأخذ بالشفعة، وحكم الشافعي بموجب الإجارة؛ لا يمنع الحنفي من الحكم بعد موت المؤجر بانفساخها، وحكم الحنفي والمالكي بموجب تعليق طلاق امرأة على التزوج بها؛ لا يمنع الشافعي من الحكم بدوام العصمة واستمرارها بعد وقوع التزويج بها.

والفرق بين المسائل ما قدمناه من أن الحكم في الصورتين الأوليين على الشيء بعد وقوعه، ولهذا صح توجيه الحكم إليه بعينه.

وفي الصورتين الأخيرتين الحكم على الشيء قبل وجوده، ولهذا لم يصح توجيه الحكم فيها إلى ذلك الشيء بعينه كما قدمناه.

ولنذكر مثالاً آخر فيه الوقف، وهو فيما إذا أوقف إنسان، وجعل لنفسه التغيير فيه، والزيادة فيه، والنقص منه، وحكم حنفي بموجبه، ثم وقع منه التغيير، هل للشافعي المبادرة بعد التغيير إلى الحكم بإبطاله؟

يحتمل أن تكون كالمسألتين الأوليين؛ فيمتنع على الشافعي الحكم فيه بالبطلان، لأن حكم الحنفي بموجبه يتضمن الإذن للواقف في التغيير،

ص: 116

فقد فعل ما هو مأذون له فيه من حاكم شرعي، فليس لحاكم آخر منعه، ولا الحكم بإبطاله لو وقع.

ويحتمل أن يكون كالمسألتين الأخيرتين؛ لأن التغيير إلى الآن لم يقع، ولا يلزم من إذن الحنفي له بالتغيير وقوعه؛ فقد يغير وقد لا يغير، فلا يدخل ذلك بعد الحكم بالموجب؛ فإن الحنفي لو وجه حكمه الآن إليه بعينه، وقال: حكمت بموجب التغيير أو صحته؛ لم يصح، لأنه حكم على الشيء قبل وقوعه، وقد تحرر الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب؛ أن الحكم بالصحة متوجه إلى نفس العقد صريحاً وإلى آثاره تضمناً، وإن الحكم بالموجب متوجه إلى آثاره صريحاً، وإلى نفس العقد تضمناً؛ فليس أحدهما أقوى من الآخر إلا على مالا بحثه من توجه الحكم بالموجب إلى صحة العقد وجميع آثاره صريحاً. فإن الصحة من موجبه؛ فيكون الحكم بالموجب حينئذ أقوى مطلقاً، لسعته وتناوله الصحة وآثارها، والله أعلم بالصواب، انتهى كلام الشيخ ولي الدين العراقي.

وكن عالماً أن القضاء فضيلة

وأجر عظيم للمحق المؤيد

لأمر بمعروف وكشف ظلامه

وإصلاح ذات البين مع زجر معتد

إذا بذل الجهد المحق وإن يصب

يفز بأجرين والمخطي له واحد قد

ولابد من قاض لفصل خصومة

مع الخطر البادي العظيم المشدد

ومع ذلك فالحكم فرض كفاية

وعين إذا (ما) لم يجد غير مفرد

وفي كل إقليم على ذي إمامة

إقامة قاض خير أهل التقلد

حوى لأصول الفقه ثم فروعه

فمن نحوه فهماً أن الأكثر أشهد

له أنه أهل الفتاوى والقضا

ومن نحوه في موضع فيه قلد

وقد يكتفي في وقتنا - ذا ضرورة-

ببعض الذي قالوا لفقد المعدد

ص: 117

قويّ بلطف ليِّن غير عاجز

عليهم يفوض بالتأني مرقد

طابق المحيا لا عبوس منفر

ولكن مهيب لا يماذح بالرَّدي

فلا ييأس الضعفا من الحق عنده

ولا يطمع العادي إليه فيعتدي

عفيف صدوق اللفظ والوعد ناقد

لطبع بعيد الغوص في كل مشهد

أخو فطنة لا ينفق الزور عنده

يشاور ذي الألباب عند التعقد

ولما يخف في الله لومة لائم

يساوي اولي قرباه بالمتعبد

صحيح بصير بالأمور مجرب

فليس بمخدوع يغرر بالرَّدي

ومن كتاب "الدرر الملتقطة" للإمام العارف عبد العزيز الديريني: المذاهب الأربعة على الحق، وكل مجتهد مصيب، ومن قلد إماماً منهم؛ فله تقليد الآخر، لاسيما عند الضرورة، وهذا هو الصحيح، ومن العلماء من منع ذلك، انتهى.

فائدة: قال الشريف السمهودي في فتاويه: لا يجوز تقليد أحد غير الأئمة الأربعة؛ لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، بخلاف غيرهم، انتهى.

فائدة: سئل الإمام العلامة، عبد العزيز بن محمد الزمزمي، عن تقليد من لا نعرفه ولا نعرف اسمه من العلماء، هل هو صحيح، أم لا؟ فأجاب بما نصه: تقليد من لا نعرف من العلماء غير صحيح، أخذاً من قول جدي أحمد شهاب الدين بن حجر: يجوز العمل، بخلاف المذاهب الأربعة مما عملت نسبته لمن يجوز تقليده، وجميع شروطه عند المفهوم منه أن العلم بالمقلد شرط في صحة التقليد؛ إذا العلم بالنسبة يتوقف على معرفة المنسوب إليه ليعلم أنه ممن يجوز تقليده، أم لا؟ وقال أيضاً: حاصل المعتمد أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته،

ص: 118

فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة، يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك، ويشترط لصحة التقليد أيضاً أن لا يكون مما لا ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه، لا للإفتاء والقضاء؛ فيمتنع إجماعاً كما يعلم مما يأتي، لأنه محض تشبه وتغرير، ومن ثم قال السبكي: إذا قصد لمصلحة دينية؛ جاز مع تنبيه للمستفتي قائل ذلك، وعلى ما اختل فيه شرط مما ذكر يحمل قول السبكي: ما خالف النص؛ كمخالف الإجماع، ويشترط أيضاً اعتقاد أرجحية مقلده، أو مساواته لغيره. انتهى.

الحمد لله الذي جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، ووضع عنا الآصار والأغلال، وطهرنا من رجس المخالفة والأدناس، وجعل العلماء المجتهدين بين الأنام أعلاماً، مهد بهم قواعد الشرع، وأوضح بآرائهم معضلات الأحكام إكراماً؛ لينال الفلاح من اتبع واحداً منهم إلى يوم الواقعة؛ إذ اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، تضيء القلوب بنور أفكارهم، وتسعد النفوس باتباع آثارهم؛ فله الشكر على فضله المزيد، وله الحمد على نعمه التي لا تحصى، وأعلاها كلمة التوحيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال، وتوحد بالإيجاد والإكمال، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ذخيرتنا إذا انقطعت الأوصال، وتواصلت العلائق وعرضت الأعمال، ولم يبق إلا المجازات والاقتصاص والمن بفضل الملك المتعال، والصلاة والسلام على هذا النبي الكريم الرؤوف الرحيم القائل:"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة".

وقال أيضاً: الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وعلى إله الكرام وصحبه المرتقين أشرف مقام إلى قيام الأنام.

وبعد: فيقول العبد الواثق بكرم ربه، الوافي أبو الإخلاص، حسن

ص: 119

الشرنبلاني الحنفي، قد ورد سؤال في رجل حنفي المذهب، يسيل منه دم أو نحوه، أراد تقليد الإمام مالك في عدم نقض الوضوء بذلك الخارج، وتقليده أيضاً في عدم النقض بالمس (1) الذي لا لذة معه، كما قال الإمام أبو حنيفة مطلقاً، فهل يجوز له التقليد؟ وما الحكم في ذلك؟ ابسطوا لنا الجواب، ولكم الثواب من الكريم الوهاب.

فأجبت: يجوز التقليد من غير تقييد بالعذر مجانباً للتلفيق، مصاحباً للتوفيق بالتحقيق، وسأذكر عن أئمتنا جواز ذلك بجملة من الفروع، كقول أهل الأصول، إن شاء الله تعالى، وجمعته بهذه الأوراق امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر بجمع العلم والتقييد، وسميته "العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جواز التقليد"، راجياً من الله القبول؛ فهو خير مسئول وأكرم مأمول.

فقلت: نعم يصح تقليد الإمام مالك: في عدم نقض الوضوء بما يسيل، من دم، وقيح، سواءً كان من المخرج أو غيره، وسواء كان التقليد لمعذور أو سالم من العذر، وسواء كان التقليد بعد الإتيان بما يخالفه من مذهب أبي حنيفة، أو قبل العمل به.

ولكن على المقلد الإتيان بما هو مسنون أو مستحب عند الإمام أبي حنيفة، وهو شرط عند الإمام مالك، كأن يتوضأ ناوياً، مرتباً، موالياً غسله، مدلكاً جسده، فإن قلت: كيف هذا مع قول العلامة كمال الدين ابن الهمام في "تحريره"?

مسألة: لا يرجع فيما قلد فيه، أي عمل به اتفاقا. انتهى.

قلت: لا يمنع ذلك ما قلته من صحة التقليد، لحمل المنع على خصوص العين لا خصوص الجنس، وهذه المسألة ذكرها الآمدي، وابن الحاجب أبو عمر عثمان في الأصول، وتبعه في جميع ذلك غيره، ونصه

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: باللمس.

ص: 120

كما في "شرح أصول بن الحاجب": العامي هو غير المجتهد، إذا عمل بقول المجتهد في حكم مسألة؛ فليس له الرجوع إلى غيره اتفاقاً، لأنه التزم ذلك القول بالعمل به. وأما قبل العمل؛ فله الرجوع إلى غيره اتفاقاً، لأنه التزم ذلك القول بالعمل به. وأما قبل العمل؛ فله الرجوع إلى غيره من المجتهدين. انتهى. ونظر فيه بما في كلام غير ابن الحاجب، والآمدي وموافقيهما بما يشعر بإثبات الخلاف بعد العمل؛ فله التقليد بعد العمل بقول من قلده، كما في "حاشية العلامة ابن أبي شريف" وغيرها، وسنذكر عن أمير حاج "شارح التحرير"، وتبعه في "شرحه" السيد بادشاه ما نصه:

قال الزركشي: ليس كما قالا، يعني الآمدي وابن الحاجب، ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضا. انتهى.

أي قلنا: إتباع القائل بجواز التقليد بعد العمل بقول غير من قلده وعمل به، وأيضاً القائل بالمنع ليس كلامه على إطلاقه؛ لأن القول بالمنع من صحة التقليد بعد العمل محمول على ما إذا بقي من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء مركب من مذهبين، لقول العلامة المحقق ابن حجر في "شرح المنهاج": يتعين حمله، أي حمل ما قاله ابن الحاجب، والآمدي، على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني ترك حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين، كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس، والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة، كما لو أفتى ببينونة زوجته في نحو تعليق، فنكح أختها، ثم أفتى بأنه لا بينونة، فأراد أن يرجع للأولى ويعرض عن الثانية من غير إباتنها، وكان أخذ بشفعة الجوار تقليداً للإمام أبي حنيفة، ثم استحقت عليه فأراد تقليد الإمام الشافعي في تركها؛ فيمتنع، لأن كلاً من الإمامين

ص: 121

لا يقول به حينئذ، فاعلم ذلك فانه مهم، ولا تغتر بظاهر ما مر. انتهى. يعني كلام ابن الحاجب، وموافقته. انتهى.

وقد تبع ذلك العلامة ابن القاسم في "حاشيته" لكنها انتقد التصوير، فقال: قوله: كأن أفتي الخ.

في "شرح الرملي": كأن أفتي شخص ببينونة زوجته بطلاقها مكرها، ثم نكح بعد انقضاء عدتها أختها، مقلداً أبا حنيفة بطلاق المكره، ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث؛ فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلداً للشافعي، وأن يطأ الثانية مقلداً لأبي حنيفة، لأن كلاً من الإمامين لا يقول به حينئذ، كما أوضح ذلك الرملي في "فتاويه" رداً على من زعم خلافه مغتراً بما مر. انتهى. يعني كلام ابن الحاجب ومرافقيه. انتهى.

قوله: ثم أفتى الخ. في هذا المثال نظر سيظهر.

قوله: ثم استحقت عليه.

أي كان باع ما أخذ بشفعة الجوار ثم استحقت.

قوله: لأن كلاً من الإمامين الخ.

فيه نظر في الأولى؛ إذ قضيته قول الثاني: أن الزوجة الأولى باقية في عصمته، وإن الثانية لم تدخل في عصمته، فالرجوع للأولى والإعراض عن الثانية بغير إبانة موافق لقوله؛ فليتأمل. انتهى عبارة العلامة ابن قاسم في "حاشيته".

وكذلك نبه على كلام ابن الحاجب وموافقيه العلامة ختام المحققين، شمس الدين محمد الرملي في "شرحه"، كما قال العلامة ابن حجر، ولا ينافي ذلك، أي جواز التقليد بعد العمل قول ابن الحاجب، كالآمدي: من عمل في مسألة بقول إمام، لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقا، لتعين حمله على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين، كتقليد الشافعي في مسح

ص: 122

بعض الرأس، والإمام مالك في طهارة الكلب، في صلاة واحدة.

وقد ذكر السبكي في "فتاويه" نحو ذلك مع زيادة إيضاح، وتبعه جمع عليه، حيث قالوا: إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الحادثة بعينها، الا مثالها، خلافا للشارح المحلي. انتهى.

وسنذكر عن ابن الهمام ما يفيد هذا. انتهى.

قال الرملي: كما لو أفتي شخص في إبانة زوجته في نحو تعليق، فنكح أختها، ثم أفتي بعدم البينونة، ثم أراد رجوعه للأولى وإعراضه عن الثانية من غير إباتتها، فهو ممتنع، لأن كلاً من الإمامين لا يقول به حينئذ، كما أوضح ذلك الوالد رحمه الله تعالى في "فتاويه" راداً على من زعم خلافه مغتراً بما مر. انتهى

يعني ما مر من كلام ابن الحاجب بعينه.

وسأذكر إن شاء الله تعالى عن "شرح التحرير" كالتلميذ ابن الهمام ما يوافق قول العلامة ابن حجر، والمحقق الرملي، وإنما قدمت كلامهما؛ لما فيه من زيادة الإيضاح والبيان، المراد بالمنع في خصوص العين، أو بقاء أثر من الفعل السابق، مؤد إلى ما لا يقول به كل من الإمامين، وهو المعبر عنه بالتلفيق، ولما فيه من رد ما يتوهم من ظاهر عبارة ابن الحاجب، ومن رد ما صرح به في "جمع الجوامع" للشيخ خالد الأزهري، مستنداً لذلك الإيهام حيث قال: وإذا عمل العامي بقول في حادثة؛ فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في مثل تلك الواقعة إجماعاً، كما نقله ابن الحاجب وغيره. انتهى عبارة الشيخ خالد، وأنت ترى ليس في كلام متن "جمع الجوامع"، ولا كلام ابن الحاجب التصريح بالمنع عن مثل ما قلد فيه، بل احتمال له، ولنا أن نمنع ذلك الاحتمال، ونقول: ليس في كلام ابن الحاجب و "جمع الجوامع" إلا المنع عن الرجوع عن غير ما قلد فيه وعمل به ولأن عبارة ابن الحاجب: التقليد هو العمل

ص: 123

بقول الغير من غير حجة، ثم قال: ولا يرجع عنه بعد تقليده اتفاقاً، وفي حكم آخر: المختار جوازه لنا، للقطع بوقوعه، ولم ينكر. انتهى لأن قوله: وفي حكم آخر، يراد به حادثة أخرى أعم من أن تماثل ما فعله أو تخالفه، وان أريد به ما يخالفه فقط. فلنا المنع، وكذا الكلام على عبارة "جمع الجوامع"، وسنذكر ما يحقق هذا إن شاء الله تعالى؛ فهذا قد علمت به جواز التقليد بعد العمل في جنس ما عمل به بخلافه، ثم رأيت موافقة هذا في مؤلف للسيد الشريف علي السمهودي سماه "العقد الفريد في أحكام التقليد": المختار أن كل مسألة اتصل عمله بها فلا مانع من إتباع غير مذهبه الأول، وبه يعلم ما في إطلاق حكاية الاتفاق على المنع، ولعل المراد: اتفاق الأصوليين.

ثم إن كان المراد منع الرجوع حيث عمل في واقعة عين تلك الواقعة المقتضية لما يحدث بعدها من جنسها؛ فهو ظاهر، كحنفي سلم شفعة بالجوار عملا بعقيدته، ثم عن له تقليد الشافعي حين ينزع العقار ممن سلم له، فليس له ذلك، كما أنه لا يخاطب بعد تقليده للشافعي بإعادة ما مضى من عباداته التي يقول الشافعي ببطلانها؛ لمضيها على الصحة في اعتقاده فيما مضى، فلو اشترى هذا الحنفي بعد ذلك عقاراً من آخر، وقلد الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار؛ فلا يمنعه ما سبق منه أن يقلده في ذلك، فله أن يمتنع من تسليم العقار الثاني، فان قال الآمدي، وابن الحاجب، ومن تبعهما بالمنع في مثل هذا، وعمموا في جميع صور ما وقع العمل به أولا، فهو مسلم، ودعوى الاتفاق عليه ممنوع.

ففي الخادمي: إن الإمام الطرطوسي حكي أنه أقيمت صلاة الجمعة، وهم القاضي أبو الطيب الطبري بالتكبير، فإذا طائر يزرق عليه، فقال: أنا حنبلي، ودخل في الصلاة وانتهى. ومعلوم أن من كان شافعياً يتجنب

ص: 124

الصلاة بزرق طائر، فلم يمنعه عمله السابق بمذهبه في ذلك من تقليد المخالف عند الحاجة إليه.

وفي الخادمي أيضاً: إن القاضي أبا عاصم العامري الحنفي كان يفتي على باب مسجد القفال والمؤذن يؤذن المغرب، فنزل ودخل المسجد، فلما رأى المؤذن القفال أمر المؤذن أن يثني الإقامة، وقدم القاضي، فتقدم وجهر بالبسملة مع القراءة، وأتى بشعار الشافعية في صلاته. انتهى. ومعلوم أن القاضي أبا عاصم، إنما يصلي قبل بشعار مذهبه، فلم يمنعه سبق عمله بمذهبه في ذلك أيضاً، ثم قال السيد السمهودي: ثم رأيت في "فتاوى التقي السبكي": أنه سئل عن ذلك في ضمن مسائل

إلى أن قال السبكي: ودعوى الاتفاق فيها نظر، وفي كلام غيرهما ما يشعر بالخلاف بعد العمل أيضاً، وكيف يمتنع إذا اعتقد صحته؟ ! ولكن وجه ما قالا إنه بالتزامه مذهب إمام مكلف به، ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له الغير، بخلاف المجتهد، حيث ينتقل من إمارة إلى إمارة، هذا وجه ما قاله الآمدي، وابن الحاجب، ولا بأس به. لكنني أري تنزيله على خصوص العين؛ فلا يبطل ما فعله، ولا فعل جنسه خلافه. انتهى عبارة السيد ملخصاً.

واعلم أنه يجوز العمل بجملة مسائل، كل منها على مذهب إمام مستقل لما علمته، ولقول العلامة بن الهمام: وهل يقلد غيره، أي غير من قلده أولاً في شيء غيره، أي غير ذلك الشيء، كان يعمل أولاً بمسألة في مذهب أبي حنيفة، وثانياً في أخرى بقول مجتهد آخر؛ المختار كما ذكره الآمدي، وابن الحاجب: نعم للقطع بالاستقراء التام، بأنهم، أي المستفتين في كل عصر من زمن الصحابة وهلم جرا كانوا يستفتون مرة واحداً، ومرة غيره، غير ملتزمين مفتياً واحداً، وشاع وتكرر ولم ينكره انتهى، كذا في "شرح ابن أمير حاج".

ص: 125

قلت: في هذا بيان أن المراد بالمنع منع التقليد في جنس ما عمل به؛ فيتناقض ما مضى، إلا أن يحمل ما في هذا على غير المختار، ولا يمنع منه دعوى الإجماع لما تقدم من عدم تسليمه، وحمل المنع على بقاء أثر يؤدي إلى الجمع بين ما لا يقول به كل من الأمامين المقلدين؛ فلينتبه له، إذ السؤال وعدم التزام مذهب شامل؛ للعمل ثانياً، بخلاف ما عمل أولاً، وقد أفاد العلامة ابن الهمام جواز تتبع رخص المذهب كما سنذكره، وهذا كما قاله العلامة المحقق، شمس الدين الرملي، نقل القرافي الإجماع على تغيير المقلد بين قولي إمامه على جهة البدل لا الجمع، إذا لم يظهر له ترجيح أحدهما، ولعله أراد إجماع أئمة مذهبه، وإلا فمقتضي مذهبنا معاشر الشافعية -كما قاله السبكي -منع ذلك في القضاء والإفتاء، دون العمل لنفسه. انتهى.

قلت: ومذهب الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه؛ لكون المرجوح كان منسوخاً، ثم قال: وبه يجمع بين قول الماوردي: يجوز عندنا? وانتصر له الغزالي -كما يجوز لمن أداه اجتهاده إلى جهتين أن يصلي إلى أيهما شاء إجماعا، وقول الإمام أبي محمد إمام الحرمين: يمتنع إن كانا في حكمين متضادين، كإيجاب وتحريم، بخلاف نحو خصال الكفارة، وأجرى السبكي ذلك، وتبعوه في العمل، بخلاف المذاهب الأربعة، أي مما علمت نسبته لمن يجوز، وجميع شروطه عنده، وحمل على ذلك قول ابن الصلاح: لا يجوز تقليد غير الأئمة، أي في قضاء أو إفتاء، ومحل ذلك وغيره من سائر صور التقليد، ما لم يتتبع الرخص، بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه، وإلا أثم به، بل قيل: يفسق، وهو وجيه، قيل: ومحل ضعفه أن يتتبعها من المذاهب المدونة، وإلا فسق قطعاً.

ص: 126

وقال العلامة ابن قاسم في "حاشيته": دون العمل لنفسه، أي مما يحفظ قوله مما علمته الخ.

قد يشكل مع فرض علم النسبة وجميع الشروط الفرق بين المذاهب الأربعة وغيرها في تقييد غيرها بغير القضاء والفتيا، كما هو قضية هذا الكلام.

قوله: بل قيل يفسق الخ.

الأوجه خلافه. انتهى. عبارة ابن قاسم، وسنذكر إن شاء الله وجه ذلك وتقييده -برخص تخالف الكتاب أو السنة المشهورة عن القرافي، ثم عدنا إلى ما وعدنا به أولاً من كلام العلامة ابن أمير حاج، شارح تحرير أستاذه المحقق كمال الدين ابن الهمام، وقد اختصره الشارح الثاني، وهو السيد بادشاه، فقال:

مسألة: لا يرجع المقلد فيما قلد فيه من الأحكام أحداً من المجتهدين أي عمل -تفسير لقلد -والضمير المجرور راجع الى الموصول اتفاقاً، نقل الآمدي، وابن الحاجب الإجماع على عدم رجوع المقلد فيما قلد فيه، وقال الزركشي: ليس كما قالا: ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضاً، وهل يقلد غيره، أي غير من قلده أولاً في حكم غيره، أي غير الحكم الذي عمل به أو لا؟

المختار في الجواب: نعم، يقلد غيره، وفي غير تقدير الكلام: المختار جواز التقليد في كل عصر من الصحابة الى الآن، كانوا يقلدون لغيره في غيره للقطع بالاستقراء، بأنهم، أي المستفتين مرة واحداً من المجتهدين، ومرة غيره، أي غير المجتهد الأول، حال كونهم غير ملتزمين مفتياً واحداً، وشاع ذلك من غير نكير، وهذا إذا لم يلتزم مذهبة معينة، كأبي حنيفة، والشافعي، فهل يلزم الاستمرار عليه فلا يقلد غيره في مسألة من المسائل، أم لا؟

ص: 127

فقيل: يلزم كما يلزم الاستمرار في حكم حادثة معينة قلد فيه، ولأنه اعتقد أن مذهبه حق؛ فيجب عليه العمل بموجب اعتقاده. وقيل: لا يلزم، وهو الأصح؛ لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجب الله ورسوله، ولم يوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب أي رجل من الأئمة فيقلده في كل ما يأتي ويذر دون غيره والتزامه ليس بنذر حتى يجب الوفاء به. قلت: ولو نذره لا يلزمه، كما لا يلزمه البحث عن الأعلم، وأسد المذاهب على المعتمد، قاله السيد السمهودي.

وقال ابن حزم: إنه لا يحل لحاكم، ولا لمفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله، وقول ابن حزم: يؤخذ به، وهو كما حكي من دعواه الإجماع على أن متتبع الرخص فاسق، وهو مردود بما أفتى به الشيخ المتفق على علمه وصلاحه، العلامة عز الدين بن عبد السلام في "فتاويه": لا يتعين على العامي إذا قلد إماماً في مسألة أن يقلد غيره (1) في سائر مسائل الخلاف؛ لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يتساءلون فيما يسنح لهم العلماء المحققين من غير نكير، وسواء اتبع في ذلك الرخص أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحداً وهو الصحيح؛ لم يعينه، ومن جعل كل مجتهد مصيباً؛ فلا إنكار على من قلد في الصواب، وقال: وأما ما حكاه ابن حزم من حكاية الإجماع على منع تتبع الرخص من المذاهب، فلعله محمول على من تتبعها من غير تقليد لمن قال بها، أو على الرخص المركبة (2) في الفعل الواحد، كذا في "العقد الفريد" للسيد علي السمهودي الشافعي، بل قيل: لا يصح للعامي مذهب بها لأن المذاهب لا تكون إلا لمن له نوع نظر وبصيرة بالمذاهب، أو لمن قرأ كتابا في فروع مذهب، وعرف فتاوى إمامه، وأقواله، وأما

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (يقلده).

(2)

وفي نسخة مكتبة الرياض: (المترتبة).

ص: 128

من لم يتأهل لذلك، بل قال: أنا حنفي، أنا شافعي؛ لم يصر من أهل ذلك المذهب بمجرد هذا؛ كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي؛ لم يصر فقيهاً أو نحوياً. وقال الإمام صلاح الدين العلائي: الذي صرح به الفقهاء في مشهور كتبهم؛ جواز الانتقال في أحاديث المسائل والعمل فيها بخلاف مذهبه، إذا لم يكن على وجه التتبع للرخص. انتهى.

قلت: والمراد بخلاف مذهبه؛ المسائل التي عمل بها، لا التي اعتقدها بدون عمل؛ لقول الكمال: ثم حقيقة الانتقال، أي عن المذاهب؛ إنما يتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها أو عمل بها، وإلا فقوله: قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل مثلاً، والتزمت العمل على الإجمال وهو لا يعرف صورها، ليس حقيقة التقليد، بل هذا حقيقة تعليق التقليد، أو وعد به، كأنه التزم أن يعمل بقول أبي حنيفة فيما أفتى به من المسائل التي تتعين في الوقائع، فأرادوا، يعني المشايخ القائلين من الحنفية بأن المنتقل من مذهب إلى مذهب، آثم يستوجب التعزير، إن أرادوا هذا الالتزام؛ فلا دليل على وجوب إتباع المجتهد المعين بإلزام نفسه ذلك قولا أو نية شرعاً.

قلت: وكذلك لا يلزم على الصحة كما تقدم. انتهى، بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما إذا احتاج إليه لقوله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"(1) والسؤال إنما يتحقق عند طلب حكم الحادثة المعينة حينئذ وإذا ثبت عنده قول المجتهد؛ وجب عمله به. انتهى. كما نقله السيد السمهودي، ثم قال، أي السيد السمهودي: وإذا أفتاه مفتيان فاختلفا؛ تخير على الأظهر. انتهى. (وقيل: الملتزم؛ كمن لم يلتزم، بمعنى أنه إن عمل بحكم تقليد المجتهد؛ لا يرجع عنه،

(1) 16/ 43 - 21/ 8.

ص: 129

أي عن ذلك الحكم، وفي غيره، أي وفي غير ذلك الحكم؛ إن تقليد غيره من المجتهدين، وهذا القول في الحقيقة تفصيل لقوله.

وقيل: لا. قال المصنف، يعني ابن الهمام: وهو يعني هذا القول الغالب على الظن؛ كناية عن كمال قوله: بحيث جعل الظن متعلقاً بنفسه؛ فلا يتعلق بما لا يخالفه، ثم بين وجه علته بقوله: بعدم ما يجيبه، أي لزوم اتباع من التزم تقليده شرعاً، أي إيجاباً شرعياً، إذ لا يجب على المقلد إلا اتباع أهل العلم؛ لقوله:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (1). وليس التزامه من الموجبات شرعاً).

ويتخرج أي يستنبط منه أيضاً جواز اتباع غير مقلده الأول، وعدم التضييق عليه؛ جواز اتباع رخص المذاهب، أي أخذه من المذاهب ما هو الأهون عليه فيما يقع من المسائل، ولا يمنع منه مانع شرعي؛ إذ للإنسان أن يسلك المسلك الذي هو أخف عليه، إذا كان له، أي للإنسان إليه، أي إلى ذلك المسلك سبيلاً، ثم بين السبيل بقوله: بأن لم يكن عمل بآخر، أي بقول آخر مخالفاً لذلك الأخف فيه، أي في ذلك المحل المختلف فيه. انتهى عبارة السيد بادشاه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عليهم؛ إذ لا يناسبه التقييد بعدم العمل بما قلد، لأنه ليس فيه حينئذ تخفيف؛ لأن التخفيف في العمل بما ينافي العمل السابق من جنسه مقلداً لإمام آخر، خصوصاً مع العذر، وليس فيه تعلق بما مضى، كما بيناه. انتهى.

ثم قال الشارح: كان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عليهم؛ ففي "صحيح البخاري"، عن عائشة رضي الله عنها، بلفظ "عنهم". وفي رواية بلفظ "ما يخفف عنهم"، أي أمته، وذكروا أحاديث صحيحة دالة على هذا المعنى.

(1) 16/ 43 - 21/ 8.

ص: 130

قلت: وذلك كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (1).

وروى الشيخان وغيرهما: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". ولأحمد حديث بسند صحيح: "دينكم أيسره". وروى الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" مرفوعاً: "اختلاف أمتي رحمة"، ونقله ابن الأثير في مقدمة "جامعه" من قول مالك، وفي "المدخل" للبيهقي، عن القاسم (2) بن محمد أنه قال:"اختلاف أمة محمد رحمة". ويترجح على هذا القول ما قاله بعضهم من "اختلاف أصحابي لكم رحمة"، لأن في "المدخل" للبيهقي، عن عمر بن عبد العزيز قال: ما يسرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا؛ لم يكن رخصة، وأخرج البيهقي أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:"إن أصحابي بمنزلة النجوم فبما أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة". قلت: واختلاف الصحابة هو منشأ اختلاف الأمة.

ولما أراد هارون الرشيد حمل الناس على موطأ مالك، كما حمل الناس عثمان على القرآن، قال له مالك: ليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا، وعند أهل كل مصر علم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"اختلاف أمتي رحمة". وهذا كالصريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام.

وقال السيد علي السمهودي، وقال الكمال في "فتح القدير" من باب الاعتكاف: إن الله يحب الأناة والرفق في كل شيء، حتى طلبه في المشي إلى الصلاة وإن كان ذلك يفوت بعضها مع الإمام، وكره الإسراع

(1) 2/ 186.

(2)

وفي نسخة مكتبة الرياض: (أبي محمد).

ص: 131

وإن كان متحصلاً كلها بالجماعة تحصيلاً لفضيلة الخشوع؛ إذ هو يذهب بالسرعة. انتهى.

قلت: وهو معنى حديث "الجامع الصغير" للسيوطي، عن عمر مرفوعاً:"أفضل أمتي الذين يعملون بالرخص". انتهى. ثم قال السيد بادشاه شارع "التحرير": وما نقل عن ابن عبد البر: من أنه لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً؛ فلا نسلم صحته عنه، ولو سلم؛ فلا نسلم صحة دعوى الإجماع، كيف وفي المتتبع للرخص روايتان عن أحمد؟ وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولا مقلد، وقيده -أي جواز تقليد غير مقلده- متأخر، وهو العلامة القرافي: بأن لا يترتب عليه، أي على تقليد الغير ما يمنعه بإيقاع الفعل على وجه يحكم ببطلانه المجتهدان معاً؛ لمخالفته الأول فيما قلد فيه غيره، والثاني في شيء مما يتوقف عليه صحة ذلك العمل عنده؛ فالموصول عبارة عن إيقاع الفعل على الوجه المذكور، والضمير المفعول للموصول، ثم أشار إلى تصوير هذا التلفيق بقوله: فمن قلد الشافعي في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء، والغسل، وقلد مالكاً في عدم نقض اللمس بلا شهوة وصلى، إن كان الوضوء بذلك؛ صحت صلاته عند مالك، وإلا، أي وإن لم يكن كذلك؛ بطلت عندهما، أي عند مالك، والشافعي، ولا يخفى أنه كان مقتضى السياق أن يذكر بطلت عندهما، من غير ذكر الشرط والجزاء؛ لأنه قد علم من التقليدين أن المقلد المذكور، ترك الدلك، ولمس بلا شهوة ولم يعد الوضوء، لكنه أراد أن يشير إلى أن مقلد الشافعي في عدم فرضية الدلك، لو وقع منه الدلك، مع عدم اعتقاد فرضيته؛ تصح صلاته عند مالك، فإن قلت: على هذا كان ينبغي أن يذكر شرطاً آخر في تقليد مالك.

قلت: اكتفى بذلك؛ لأنه يعلم بالمقايسة، واعترض عليه بأن بطلان

ص: 132

الصورة المذكورة عندهما غير مسلم؛ فإن مالكاً مثلا لم يقل من قلد الشافعي في عدم الصداق أن نكاحه باطل، ولم يقل الشافعي: إن من قلد مالكاً في عدم الشهود أن نكاحه باطل، ورد عليه أن عدم قولهما بالبطلان؛ في حق من قلد أحدهما، وراعى مذهبه في جميع ما يتوقف عليه صحة العمل، وما نحن فيه: من قلدهما وخالف كلاً منهما في شيء، وعدم البطلان في ذلك؛ لا يستلزم عدم القول به، هذا وقد يجاب عنه: بأن الفارق بينهما ليس إلا أن كل واحد من المجتهدين لا يجد في صورة التلفيق جميع ما يجد شرطاً في صحتها، بل يجد بعضها دون بعض، وهذا الفارق لا يسلم أن يكون موجباً للحكم بالبطلان، وكيف يسلم والمخالفة في بعض الشروط أهون من المخالفة في الجميع؟ ! فيلزم الحكم بالصحة في الأهون بالطريق الأولى، ومن يدعي وجود فارق آخر، أو وجود دليل آخر على بطلان صورة التلفيق على خلاف الصورة الأولى؛ فعليه البرهان، فإنا لا نسلم كون المخالفة في البعض أهون من المخالفة في الكل؛ لأن في المخالفة في الكل تبع مجتهدا واحدا في جميع ما يتوقف عليه صحة العمل، وههنا لم يتبع واحداً.

قلت: هذا إنما يتم لك إذا كان معك دليل، من نص أو إجماع، أو قياس قوي يدل على أن العمل إذا كان له شروط يجب على المقلد أن يتبع مجتهداً واحداً في جميع ما يتوقف عليه ذلك؛ فأت به إن كنت من الصادقين، والله أعلم. انتهى كلام السيد، رحمه الله.

وأقول: لا يخفى أن السيد رحمه الله تعالى يدعي صحة التقليد، وغيره ينفيه، والنافي لا يحتاج لدليل؛ لأنه يهدم دليل المدعي حتى يقيم البرهان، ولا بد من وجوده؛ فالمطلوب إثبات الجواز للتلفيق، ولم نجده في كلام السيد، ووجدنا في كلام ابن الهمام أنه يتخرج من جواز اتباع المقلد غير من قلده أولاً، ومن عدم التضييق عليه؛ هو أن اتباعه

ص: 133

رخص المذاهب من غير مانع شرعي. انتهى.

فنقول: إن تلك الرخص جهات المسائل، لا أجزاؤها، كالمزارعة، والمساقاة.

قال الإمام الأعظم بعدم جوازها، وقال صاحباه بالجواز، وفرع الإمام الأعظم صورة الصحة بشروطها على قول صاحبيه، وبين الصور التي لا تصح لفقد شرطها، وذلك لعلم احتياج الناس إلى الأخذ بقولهما، فلو جاز التلفيق؛ لشرط لصحته شروطاً، ولما حكم ببطلان الصور التي فقد فيها الشرط، ولذا نص أئمتنا على أن من شرط صحة الاقتداء بالمخالف أن لا تشاهد منه ما يمنع صحة الاقتداء به عندنا كما لو سال منه دم بعد الوضوء، أو كان عليه مني كثير ولم يتوضأ بعد ذلك ولم يغسل المني، فلو جاز التلفيق؛ لما اشترطوا ذلك، فالرخص التي تنبع من المذاهب، كصحة البيع بالتعاطي، والنكاح بلا ولي، والنكاح بشهادة امرأتين، ورجل فاسق، وصحة الصلاة مع من لمس المرأة والذكر، مع وجود ما يتبين عليه ذلك، وكتقليد الشافعي في الكنايات رواجع، وفي صحة التوضئ بما فيه نجس وقد بلغ قلتين ولم يظهر منه أثر، وصحة الصلاة بعد خروج دم وقيء، وفي ثوب فيه كثير مني، وكتقليد الإمام مالك في الماء. وإن قل لا ينجس إلا بالتغير، وفي طهارة الأرواث، والكلاب، وباقي المسائل المجتهد فيها.

فإذا كان نكاح الحنفي صحيحاً على ما يراه الشافعي؛ لا يقول بجواز مراجعته لمن أبانها بكناية لفقد النكاح من أصله على أصله، ولهذا قال: قال أئمة الحنفية: إن هذا الزوج لو طلقها ثلاثا؛ له أن يستحكم الشافعي في إبطاله ذلك النكاح، وإلغاء الطلاق الحاصل فيه، وإنما احتيج إلى الحكم؛ لأن المقلد في شيء لا يملك إبطاله بعينه، لأن إمضاء الاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر، بخلاف حكم الحاكم؛ فإن المقتضي عليه بخلاف

ص: 134

ما كان يراه؛ له الأخذ بالحكم وترك رأيه، كما سنذكره.

فالجزئيات مشروطة بشروطها عند القائل بها، تنتفي بانتفائها، وتوجد بوجودها، فلا نجد حالة التلفيق، وكذا قال العلامة المحقق الشيخ قاسم في ديباجة تصحيح القدوري ما نصه: لا يصح التقليد في شيء مركب باجتهادين مختلفين بالإجماع، كما إذا توضأ ومسح بعض الرأس، ثم صلى بنجاسة الكلب، قال في "توقيف الحكام على غوامض الأحكام": بطلت بالإجماع، وقال فيه أيضاً: والحكم الملفق باطل بإجماع المسلمين، فلو أثبت بخط مالكي، فحكم به الشافعي؛ لم ينفذ، وذكر مثالاً آخر قال: وكثير من جملة القضاة يفعلون الملفق. انتهى ما قاله العلامة قاسم، تلميذ خاتمة المحققين رحمهما الله.

وحيث علمت الإجماع بأنه لا يجوز التلفيق، لا في التقليد في العمل ولا الحكم؛ فلا تلتفت إلى ما فهم صاحب "أنفع الوسائل" الطرطوسي في نسبة التلفيق لحاكم صدر منه صحة وقف مشتمل على حصة صدر من عجوز، فحكم بصحته، وهو قاضي القضاة، حسام الدين الرازي، في سنة إحدى وثمانين وستمائة، ونفذه حنبلي حيث قال الطرطوسي: إن الحكم المذكور في التحقيق حكم مركب من مذهبين، أي مذهب أبي حنيفة، لأنه لا يرى الحجر بالسفه، ومذهب أبي يوسف؛ فإن الوقف صحيح عنده، والحكم بنفاذ تصرف المحجور غير صحيح. وعند أبي حنيفة عكسه. ثم قال:

قلت: هذا مشكل لكني رأيت في مسألة المفتي مثل هذه الواقعة المركبة من مذهبين، وقد نص فيها على الجواز، وصورة ما ذكره، قال: لو قضى القاضي بشهادة الفساق على غائب، أو بشهادة رجل، أو رجل وامرأتين في النكاح على غائب؛ فإنه ينفذ وإن كان ممن يجوز القضاء على الغائب، يقول: ليس للفاسق شهادة، ولا للنساء في باب النكاح

ص: 135

شهادة، هذه عبارة "المنية"؛ فقد جعل الحكم وإن كان مركباً من مذهبين جائزاً، فقد نقول في هذه المسألة؛ لأنه حكم بصحة الوقف وإن كان محجوراً عليه لسفه، ومن قال: إن تصرف المحجور نافذ؛ لا يقول بصحة الوقف، ومن يقول: إن الوقف صحيح، يقول: إن تصرف المحجور عليه بعد الحجر غير نافذ، فصارت هذه المسألة كمسألة "المنية"، فاندفع الإشكال. انتهت عبارة الطرطوسي.

ووجه رد ما فهمه: أن الحاكم ينص على أن لفق حكمه، وليس في "المنية" ذلك، ولم يتمحض التلفيق طريقاً للحكم ليحمل عليه؛ فإن معنى قول "المنية": وإن كان ممن يجوز القضاء على الغائب الحر.

أي من غير خلاف فيه عنده، وعندنا فيه اختلاف، ونقول: يجوز بمعنى يحل؛ فإنه لا يلزم من النفاذ الحل، فإن الحكم على الغائب نافذ عند شمس الأئمة وغيره، كما ذكره العمادي.

وشهادة الفاسق، يصح الحكم وإن لم يحل، والقاضي الرازي لا يقدم حكم الأول، فيه نوع اجتهاد، إذ لا يخلو ذلك العصر عن مثله. انتهى.

(فنقول: إنه عمل بها إما بمذهب الغير إن لم يتبع شمس الأئمة، وهو نافذ من المعتمد، وإن كانت الفتوى الآن على عدمه؛ لحمله الآن على غير الصلاح، ولا يحتاج إلى هذه، فإن الإمام لا ينفي صحة الوقف وجوازه، بل لزومه، إلا بإحدى ثلاث معلومة في محلها، فقد حكم الرازي بمذهبه، فلا تلفيق، بل يجوز نسبة التلفيق للحاكم المذكور؛ لأنه أخرق للإجماع؛ وحاشا أن يأخذ مثل هذا القاضي ذلك ولفقه منه رومة، والله أعلم.

وإن أورد وقف المشاع فيها؛ فقول أبي يوسف قد يكون رواية عن الإمام بجوازه. وإن انتفى كونه رواية عنه، فقد حكم بمذهب أبي يوسف في المشاع، ولم يمنعه الحجر؛ لعدم توفر شروطه المانعة، فلا تلفيق وبالله التوفيق، ولنرجع الكلام مع السيد بادشاه؛ فنقول: إنه مع التلفيق

ص: 136

لا نجد شيئاً حالة التلفيق لنحكم عليه بالصحة أو الفساد. وادعاء أهونية التقليد في البعض من الكل؛ يستلزم وجود موصوف ليقال بوصفه في الأهونية، ولا وجود لشيء حالة التلفيق؛ فانتهى ادعاء الأهونية؛ فلا تحتاج لإقامة دليل من نص، ولا إجماع ولا قياس، فلزم حصول شروط من قلده، كما قال به العلامة القرافي رحمه الله، والله أعلم. انتهى). ثم قال السيد: ورجح الإمام العلائي القول بانتقال، يعني من غير ما فعله؛ فينقضه في صورتين:

إحداهما: إذا كان مذهب غير إمامه أحوط، كما إذا حلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء، ثم فعله ناسياً أو جاهلاً، وكان مذهب إمامه عدم الحنث، فأقام مع زوجته عاملاً به، ثم تحرج منه، يقول: من يرى فيه وقوع الحنث. فإنه يستحب له الأخذ بالأحوط، والتزام الحنث.

والثانية: إذا رأى لقول المخالف لمذهب إمامه دليلاً قوياً راجحاً، إذ المكلف مأمور باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا موافق لما روي عن الإمام أحمد، والقدوري، وعليه مشى طائفة من العلماء، منهم ابن الصلاح، وابن حمدان، والأوزاعي. انتهت عبارة السيد بادشاه مختصراً وعبارة ابن أمير حاج.

وقال ابن أمير حاج ما نصه: وقال الروياني: يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط: أنه لا يجمع بينهما على صورة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. انتهى.

قلت: وهذا مؤيد بل نصر لما ذكرناه من دفع جواز التلفيق؛ لأن الشيء ينتفي بانتفاء ركنه، أو فقد شرطه. انتهى.

ثم قال الروياني: وأن يعتقد فيمن قلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلد رمياً في عماية، ولا يتتبع رخص المذاهب، وتعقب القرافي هذا:

ص: 137

بأنه أراد بالرخص ما ينقض فيه قضاء القاضي وهو أربعة: ما خالف الإجماع، والقواعد، والنص، والقياس الجلي؛ فهو حسن متعين،

(فإن ما لا نقره مع تأكده بحكم الحاكم؛ فأولى أن لا نقره قبل ذلك، وإن أراد بالرخص ما فيه سهولة كيفما كانت؛ يلزم أن يكون من قلد الإمام مالكاً في المياه والأرواث، وترك الألفاظ في العقود، مخالفاً لتقوى الله، وليس كذلك، وتعقب الأول بأن الجمع المذكور ليس بضائر؛ فإن مالكاً مثلاً لم يقل: من قلد الشافعي في عدم الصداق إن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة الشافعية هذه باطلة. ولم يقل الشافعي: إن من قلد الإمام مالكاً في عدم الشهود إن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة المالكية عنده باطلة.

قلت: لكن في هذا التوجيه نظر غير خاف، ومن المعلوم أنها لا تكون أنكحة عند القائل بها إلا مع شروطها، وإلا فليست أنكحة؛ فانتفى جواز التلفيق. انتهى.

ووافق ابن دقيق العيد الروياني على اشتراط أن لا يجتمع في صورة يقع الإجماع على بطلانها، وأبطل الشرط بأن لا يكون ما تلتزمه مما ينقض فيه الحكم لو وقع).

واقتصر الشيخ عز الدين بن عبد السلام على اشتراط هذا، وقال: المأخذان متقاربان، والشرط الثاني: انشراح الصدر للتقليد المذكور، وعدم اعتقاده؛ لكونه متلاعباً بالدين، متساهلاً فيه، ودليل اشتراط هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"والإثم ما حاك في الصدر". ثم قال: يعني أن ما حاك في صدر الإنسان؛ فهو إثم وإن أفتاه غيره أنه ليس بإثم، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي له يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما إذا كان مع المفتى به دليل شرعي؛ فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم

ص: 138

ينشرح له صدره، وهذا كالرخص الشرعية، مثل الفطر في السفر والمرض، وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يأمر أصحابه بما لا ينشرح به صدر بعضهم، كأمره بنحر هديهم، والتحلل بعمرة الحديبية، ومقاضاته لقريش أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم. وبالجملة فما ورد به نص؛ ليس للمؤمن إلا طاعته وتلقيه بانشراح الصدر، وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه في شيء، وحاك في صدره الشبهة الموجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة، يحر (1) عن رأيه، وإن وجد من لا يوثق بعلمه ولا دينه، بل معروف باتباع الهوى؛ فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون، وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا (بقي، هل مجرد وقوع جواب المفتي وحقيقته في نفس المستفتي يلزمه العمل به، فذهب ابن السمعاني إلى أن الأولى والأوجه أنه يلزمه، وتعقبه ابن الصلاح بأنه لم يجده لغيره.

قلت: وما ذكره ابن السمعاني يوافق ما في "شرح ابن الزاهدي على مختصر القدروي". وعن أحمد العياضي: العبرة بما يعتقده المستفتي، فكل ما اعتقده من مذهب؛ حل له الأخذ به ديانة، ولم يحل له خلافه. انتهى.

وما في "رعاية الحنابلة": ولا يكفيه ما لم تسكن نفسه إليه، وفي "أصول ابن مفلح": الأشهر يلزمه بالتزام، وقيل: وبظنه حقاً، وقيل: ويعمل به، وقيل: يلزمه إن ظنه حقاً. وإن لم يجد مفتياً آخر؛ لزمه، كما لو حكم به. انتهى. ولا يتوقف ذلك على التزامه، ولا سكون نفسه إلى صحته، كما صرح به ابن الصلاح، وذكر أنه الذي تقتضيه القواعد. (وشيخنا المصنف -يعني ابن الهمام- على أنه لا يشترط

(1) أي رجع.

ص: 139

ذلك، إلا فيما إذا وجد غيره لا فيما إذا لم يجد. ثم في كتاب من الكتب المذهبية، أي الحنفية، المعتبر أن المستفتي إن أمضى قول المفتي لزمه، وإلا، فلا، حتى قالوا: إذا لم يكن الرجل فقيهاً فاستفتى فقيهاً، فأفتى بحلال، ولم يعزم على ذلك، يعني يعمل به، حتى أفتاه فقيه آخر بخلافه، فأخذ بقوله، أو أمضاه؛ لم يجز له أن يترك ما أمضاه، ويرجع إلى ما أفتاه به الأول، لأنه لا يجوز له نقض ما أمضاه مجتهداً كان أو مقلداً، لأن المقلد متعبد بالتقليد، كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد، ثم كما لم يجز للمجتهد نقض ما أمضى. انتهت عبارة الأمير ابن أمير حاج بنوع اختيار.

قلت: ومن ذلك ما قاله محمد رحمه الله في إملائه: لو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق البت، وهو ممن يراها ثلاثاً، ثم قضى عليه قاض أنه رجعة؛ وسعه المقام معها.

وكذا كل قضاء مما يختلف فيه الفقهاء، من تحريم، أو تحليل، أو اعتقاد، أو أخذ مال، أو غيره؛ ينبغي للمتفقه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي، ويدع رأيه، ويلزم نفسه ما ألزمه القاضي، ويأخذ ما أعطاه.

قال محمد: وكذلك رجل لا علم له، ابتلي ببلية، فسأل عنها الفقهاء فأفتوه عنها بحلال أو بحرام، وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك، وهو مما يختلف فيه الفقهاء؛ فينبغي له أن يأخذ القضاء ويدع عنه ما أفتاه الفقهاء.

وإن قضى له قاض بحلال أو بحرام، ثم رجع إلى قاض آخر، فقضى له في ذلك في شيء بعينه يخالف قضاء الأول، وهو مما يختلف فيه الفقهاء؛ أخذ بقضاء الأول، وأبطل قضاء الثاني، إلا أن يكون الأول لا يسوغ فيه الاجتهاد، فلا يعتد به.

قال محمد: ولو أن فقيهاً عالماً قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو

ص: 140

يرى أنها ثلاث، وأمضى رأيه فيها، فيما بينه وبينها، وعزم على أنها حرمت عليه، ثم رأى رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك، وهو الصواب في ذلك، وأنها تطليقة واحدة، يملك الرجعة؛ أمضى رأيه الذي كان عزم عليه من امرأته، ولا يردها زوجة برأي حدث منه، ولا يشبه هذا قضاء القاضي بخلاف رأيه الأول؛ لأن قضاء القاضي يهدم الرأي، والرأي لا يهدم القضاء، والرأي لا يهدم الرأي. وإن كان يرى البتة رجعية، فهزم على أنها امرأته، وأخذه بملك الرجعة، فعزم على امرأته على حالها، وهذا على ما قدمناه: أنه إذا عزم حتى تنكح زوجاً غيره؛ لم تحرم، وكانت امرأته على حالها، وعلى ما قدمناه؛ أنه إذا عزم على إمضاء الاجتهاد ولم ينفسخ؛ فاجتهاد آخر. انتهى. كذا في شرح الكرخي على القدوري، رحمه الله.

ففيه مذهب عليه، فمنع من قلد الإمام الأعظم في نقض وضوء به بخروج الدم مثلاً، في صلاة وطهارتها، من تقليده الإمام مالكاً، في عدم النقض به في صلاة أخرى وطهارتها، بما يتوهم مما علمت من العبادات التي فعلت بها، وبما قاله في "جامع الفصولين" ولم يجز للحنفي أن يأخذ بقول مالك والشافعي فيما خالف مذهبه. انتهى؛ لأن المنع من تقليد الإمام مالك، وغيره من الأئمة الثلاثة فيمن التزم مذهباً معيناً؛ أنه يلزمه، فلا يقلد غيره في مسألة من المسائل، والأصح أنه لا يلزمه، كما قدمناه عن، شارحي "التحرير" وهو ما إذا بقي من آثار العمل السابق ما يمنع اللاحق، كما قدمناه. وليس العمل بما يخالف ما علمه إبطالاً لعلمه السابق؛ لأن المقلد متعبد بالتقليد، كالاجتهاد. واللاحق لا يبطل السابق، كما في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: في المسألة المشركة، المسماة باليمنية والحمارية، تشريك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم، وقد كان قضى بسقوط الأشقاء بحادثة، ثم شرك بينهم في هذه،

ص: 141

فقال: ذلك على ما قضيناه، وهذا على ما نقضي.

وقد قلنا: إن قول العلامة ابن الهمام في "التحرير" الذي قدمته لا يرجع فيما قلد فيه اتفاقاً؛ معناه الرجوع في خصوص العين، لا خصوص الجنس بنقض ما فعله مقلداً في فعله إماماً آخر، كصلاة ظهر بمسح ربع الرأس؛ ليس له إبطالها باعتقاد بعد تمام لزوم مسح كل الرأس، كما قد علمته، لا الرجوع بمعنى منع الشخص من تقليده غير إمامه في شيء يفعله مخالف لما صدر منه، كصلاة يوم على مذهب أبي حنيفة، وصلاة يوم على مذهب غيره: وإن كان المراد بالرجوع لعمل في نظره ما مضى، بخلاف معتقد من قلده كما يتراءى من ظاهر من "التحرير وشرحيه" ففي كلامهما خلافه، ومع ذلك فقد علمت تقيده بأن يبقى أثر يمنع من الفعل، لا مطلقاً، وعلى كل من الأمرين يثبت المدعى؛ وهو جواز تقليده الإمام مالك وغيره فيما يفعله مخالفاً لما فعله على مذهب أبي حنيفة، ولهذا قال الكمال المحقق في شرحه على الهداية، المسمى "بفتح القدير" من باب التحكيم في "الفتاوى الصغرى"؛ حكم الحاكم في الطلاق المضاف ينفذ، لكن لا يفتي به، وفيما روي عن أصحابنا وهو أوسع من هذا، وهو أنه إذا استفتى أولاً فقيهاً فأفتاه ببطلان اليمين، وسع إمساك المرأة. فإن تزوج أخرى وكان حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، فاستفتى فقيهاً فأفتاه بصحة اليمين؛ فإنه يفارق الأخرى ويمسك الأولى بفتواها. انتهت عبارة الكمال رحمه الله.

ومثاله في "الفتاوى البزازية": قلت: فهذا المراد بقوله في "التحرير" لا يرجع فيما قلد فيه، أي بخصوص عينه، أما مثاله فيقلد ما يوافق المفتي مخالفاً للسابق في حادثتين، وإلا ناقض كلام في الأصول، إذ هو رجوع ما عمل به إذا أريد به الجنس، وإذا أريد العين؛ لا مناقضة، وقد نص عليه في "الفتاوى الصغرى" حنث.

ص: 142

قال: فلو أفتاه مفت بالحل، ثم أفتاه آخر بالحرمة بعد ما عمل بالقول الأول؛ فإنه يعمل بالفتوى.

الثاني: في حق امرأة وأخرى لأولى، ويعمل بكلام المفتي في الحادثتين. انتهى. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد عدد ما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، عدد معلوماتك أبداً، وما ينهى سرمداً. انتهى).

وقد نص في "الفتاوى الصغرى"، حيث قال: فلو أفتاه مفت بالحل، ثم أفتاه آخر بالحرمة بعدما عمل بفتوى الأول؛ فإنه يعمل بفتوى الثاني في حق امرأة أخرى، لا في حق الأولى، ويعمل بكلام المفتي في الحادثتين. انتهى ملخصاً، والله أعلم.

سئل الشيخ التقي أبو العباس: عمن يقلد لبعض العلماء في مسائل الاجتهاد، ومن عمل منها بقول بعض العلماء، هل ينكر عليه ويهجر، أم لا. وكذلك من يعمل بأحد القولين؟

فأجاب: مسائل الاجتهاد، من فعل منها بقول بعض العلماء؛ لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين؛ لم ينكر عليه ولم يهجر، وإذا كان في المسألة قولان. فإن كان يظهر للإنسان رجحان أحد القولين، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، وإذا أفتاه من يجوز له استفتاؤه؛ جاز له أن يعمل بفتواه، ولو كان ذلك القول لا يوافق الإمام الذي ينسب إليه، وليس عليه أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع إيمانه. انتهى.

قال الشيخ ابن عطوة، فيما وجدته بخطه: والذي أعرفك عرفك الله كل خير؛ أني من سنتين ما أفتيت، وقد عزمت على ترك الإفتاء، وقد ذكرت خمسة عشر دليلاً في ركن الإفتاء، بعضهما يخيره، وبعضها يوجبه علي، وعلى كل حال؛ فيحرم على كل أحد أن يفتي أو يفعل ما لا يعلم

ص: 143

جوازه بفعل صحيح صريح. انتهى.

ومن جواب للعلامة، زين العابدين الصديقي البكري الشافعي: العامي لا مذهب له، ويجب عليه التعلم من العلماء، وبذل المال في ذلك، والسعي إليه، وإذا انتسب شخص لمذهب معين؛ وجب عليه اعتقاد صحته، أي ما انتسب إليه، وأنه الحق لا شبهة فيه.

ولا يجوز تقليد غير الأربعة في الحكم والفتوى، ولا يجوز تلفيق التقليد في مسألة بعينها، ولا تتبع الرخص، بأن يأخذ من كل مذهب مما رخص فيه من كل أمر فيه سهولة.

وأجاب أيضاً: يجوز تقليد الشافعي في الحيلة في الربا. انتهى.

سئل السيد عمر: ما قولكم في رجل حنبلي مثلاً، أراد تقليد الإمام الشافعي في لحم الجزور، فهل إذا أصاب بدنه أو ثوبه من أبوال ما يؤكل لحمه ما هو طاهر في مذهبه، يسوغ له الصلاة من غير وضوء، أم يجب عليه اجتناب كل نجس عند من أراد تقليده في مسألة؟ وهل يجب أن تكون تلك الصلاة جارية على مذهب الشافعي في الشروط والأركان، أم لا؟ وما حقيقة التلفيق؟ وما يقول سيدي في العامي المنتسب لمذهب أحمد إذا حلف بالطلاق فبان بخلاف ما ظنه، أو فعل المحلوف عليه ناسياً أو معسراً عند الأجل ونحو ذلك؟ فهل للشافعي إذا سأله عن مثل ذلك إجابته بعدم الوقوع على قاعدة مذهب المسؤول من غير كراهة في ذلك؟ وهل يجوز له ترك الجواب فيما قد علمه في ذلك أم لا؟

الجواب: المسألة الأولى يعلم جوابها مما سنورده من كلام الأئمة في ضابط التلفيق الممتنع؛ ففي "شرح خطبة المنهاج" لابن حجر، ونصه: ولا ينافي ذلك قول ابن الحاجب، كالآمدي، من عمل في مسألة بقول؛ لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقاً؛ لتعين حمله على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها

ص: 144

كل من الإمامين، كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. انتهى.

وفي "فتاوى" الوجيه ابن زياد ما نصه: سئل عما إذا قلد شافعي مذهب غير الشافعي، فهل يشترط له أن لا يقع فيما يخالف ذلك المذهب من الأفعال، كما إذا قلد شافعي أبا حنيفة في الاكتفاء باستقبال الجهة من القبلة في الصلاة، فهل يشترط أن يمسح ربع الرأس، وأن لا يسيل منه دم، أم لا؟

أجاب رحمه الله: إن الذي فهمنا من أمثلتهم أن التركيب القادح في التقليد إنما يمنع إذا كان في قضية واحدة، فمن أمثلتهم: إذا توضأ ومس تقليداً لأبي حنيفة، وافتصد تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، وكذلك لو توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، بخلاف ما إذا كان الترتيب من قضيتين؛ فالذي يظهر أن ذلك غير قادح في التقليد، كمسألة السؤال، فإنه إذا توضأ ومسح بعض رأسه، ثم صلى إلى الجهة تقليداً لأبي حنيفة، فالذي يظهر صحة صلاته، لأن الإمامين لم يتفقا على بطلان طهارته، فإن الخلاف فيها بحاله، لا يقال: اتفقا على بطلان صلاته، لأنا نقول: هذا الاتفاق نشأ من التركيب من قضيتين، والذي فهمنا من كلامهم أنه غير قادح في التقليد.

ومثله: إذا قلد الإمام أحمد أن العورة السوأتان (1) وترك المضمضة، والاستنشاق، والتسمية، الذي يقول أحمد بوجوبها ص 131، فالذي يظهر صحة صلاته إذا قلده في قدر العورة، لأنهما لم يتفقا على بطلان طهارته في

(1) هذا القول، المشهور أنه لمالك، والسياق يقتضي أن يكون لغير الإمام أحمد. ولعل في العبارة نقصا.

ص: 145

قضية واحدة، ولا يقدح في ذلك اتفاقهما على بطلان صلاته؛ فإنه تركب من قضيتين، وهو غير قادح في التقليد، كما يفهمه تمثيلهم، وقد رأيت في "فتاوى البلقيني" ما يقتضي أن التلفيق من قضيتين غير فادح في التقليد. انتهى.

إذا تقرر ذلك، فإن فرعنا على الأول؛ كان قضية إطلاقه منع التقليد في مسألة السؤال؛ فإنه أطلق منع ما يؤدي إلى التركيب، ولم يقيده بكونه يرجع إلى قضية أو قضيتين، يعني إلى حكم أو حكمين، ولا يرد عليه قول السائل: إن التقليد إنما شرع للترخص والتخفيف؛ لأن فيه الحمل عند توفر شروطه، وإلا فلا اعتداد به، والتخفيف موجود فيه في الجملة عند توفر شروطه إذا نسبناه إلى من يمنعه بالكلية، وإن فرعنا على الثاني؛ اقتضى جواز التقليد في مسألة السؤال، لأن التركيب فيها يرجع إلى حكمين، عدم النقض بأكل لحم الجزور الراجع إلى طهارة الحدث، وطهارة بول ما يؤكل لحمه، الراجع إلى طهارة الخبث، وهو شرط مغاير للذي قبله في الحقيقة والحكم وإن شاركه في اللفظ، ولكل من المقالين وجهة، وكفى بكل من القائلين قدوة، والأول أوفق بمشارب الخاصة، والثاني أوفق بمشارب العامة، وأما إذا سئل الشافعي عن مسألة مثلا ذات اختلاف بين المجتهدين، وكان السائل فيها يعتقد تبعا لإمامه خلاف مذهب المسؤول؛ فينبغي للمسؤول أن يبين له حقيقة الأمر، ثم هو بالخيار، إن أراد التقليد وكان من قضية مذهبه جواز تقليد غير إمامه قلد، وإلا فلا.

وقول السائل: هل الأولى له إرشاد السائل أو تركه الخ. فالظاهر أنه ينظر في حال الحالف، فإن كان من أهل الورع ويرجى منه الوقوف مع قضية مذهبه؛ فالأولى تركه مع اعتقادنا حصول البر ببعض المسالك على قضية مذهبنا، لا نرتاب في أن الورع لنا تركه خروجا من الخلاف،

ص: 146

وللوسائل حكم المقاصد، وإن لم يكن الحالف كذلك، أو يخشى انتهاك حرمة الشرع من غير استناد إلى تقليد أحد من الأئمة؛ فينبغي إرشاده إلى التقليد، لأن التقليد نجاة له؛ إذ الأئمة رضي الله عنهم على هدى من ربهم، والله سبحانه وتعالى أعلم، كتبه عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي، غفر الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه.

ومن "الآداب" لابن مفلح: قال الشيخ أبو العباس، بعد ذكره كلام ابن حمدان: هذا يراد به شيئان:

أحدهما: أن من التزم مذهباً معيناً، ثم فعل بخلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، من غير عذر شرعي يبيح ذلك؛ فإنه يكون متبعاً لهواه، وعاملاً بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلا للمحرم بغير عذر شرعي، وهذا الذي أراد نجم الدين.

الثاني: العامي، هل عليه أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وكذا لأصحاب الشافعي، والجمهور يوجبونه ما دام ملتزماً له. انتهى.

ومن "تنقيح الأصول": قال الزناقي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:

أن لا يجمع بينهما على صفة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود؛ فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رمياً في عماية. وأن لا يتتبع رخص المذاهب، والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة، وطرق إلى الخيرات.

تنبيه: قال غيره: يجوز تقليد المذاهب في كل ما لا ينقض فيه قضاء القاضي، وهو أربعة: الإجماع، والقواعد، والنص، والقياس الجلي، فإن أراد بالرخص هذه الأربعة؛ فهو حسن متعين، فإن ما لا نقره

ص: 147

مع تأكده بحكم الحاكم؛ فأولى أن لا نقره قبل ذلك، وإن أراد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف كيف كان؛ يلزمه أن يكون من قلد الإمام مالك في الأرواث، وترك الألفاظ في العقود؛ مخالفاً لتقوى الله، وليس كذلك. انتهى.

قال ابن حجر في "التحفة" عند ذكر التقليد: الأولى لمن بلي بالوسواس؛ الأخذ بالأخف والرخص، لئلا يزداد فيخرج عن الشرع، ولضده الأخذ بالأثقل؛ لئلا يخرج عن الإباحة.

ويشترك أيضاً أن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل من الإمامين، وأن لا يعمل بقول في مسألة، ثم بضده في عينها كما مر، وقال قبل ذلك، وحاصله: أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة. ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته؛ فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة؛ يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك.

ويشترط لصحة التقليد أيضاً أن لا يكون فيما ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه، لا للإفتاء والقضاء؛ فيمتنع إجماعا، كما يعلم مما يأتي؛ لأنه محض شبه وتغرير، ومن ثم قال السبكي: إذا قصد لمصلحة دينية؛ جاز؛ أي مع تنبيه المستفتي قائلا بذلك، وعلى ما اختل فيه شرط مما ذكر يحمل قول السبكي: ما خالف الأربعة كمخالف الإجماع. انتهى.

ومن جواب لمعين الدين بن صفي الدين الشافعي: وأما مسألة تقليد المقلد إماماً آخر؛ فقد صرح أصحاب الشافعي أن لمقلد مذهباً أن يقلد في مسألة إماماً آخر، لكن لا يجوز له أن يلتقط من كل مذهب ما هو الأيسر والأسهل؛ فيخترع لنفسه مذهباً، وأيضاً لا يجوز له أن يعمل في عمل واحد بمسألتين من مذهبه ومذهب غيره، بحيث أن يفتي المفتي من

ص: 148

المذهبين ببطلان عمله، مثل أن يكون شافعي المذهب على وفق مذهبه جرى على بدنه دم؛ فهو على وضوء بمقتضى مذهبه، ثم قلد أبا حنيفة في عدم نقض الوضوء من لمس بدن المرأة الأجنبية؛ فيصلي حينئذ صلاة يفتي مفتي الشافعية ببطلانها، وكذا مفتي الحنفية؛ ففي مثل ذلك لا يجوز تقليد الغير، والصحابة رضي الله عنهم، عوامهم يقلدون خواصهم في أي مسألة كانت، وكذلك التابعون وتابعوهم، ثم إن البارزين من الشافعية أفتى بأن من عمل عملا يوافق مذهبا من المذاهب، وإن كان العامل لا يعرف أنه مذهب إمام؛ فيصح عمله، وهذه توسعة عظيمة، وأما مسألة العمل بمذهب غير مذهبه، إذا علم من مذهب الغير، ولم يعلم حكم تلك المسألة من مذهبه، فقد علمت من قبل أن لكل مقلد مذهباً أن يعمل في بعض الأعمال بمذهب غير مقلده. وأما الفتوى في مسألة يعلم من مذهب غير مقلده لمقلد ذلك المذهب؛ فجائز قطعاً، فإنهم صرحوا بأنه يجوز أن يكون شخص واحد أفتى بأربع مذاهب، وأما عدم تعيين المذاهب والسؤال عن أهل الفتوى؛ فظاهر طرق الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، والصدر الأول أنه جائز، لكن تصريح بعض المتأخرين: أن بعد تدوين المذاهب وجب تقليد واحد معين منهم.

وقال الغزالي في "المستصفى": إن العامي لا مذهب له، ووجب عليه أن يقلد عالماً يعتقد أعلميته، ولا يجوز له التجاوز عن فتواه، ونقل تلك المسألة عن كثير من العلماء، ومال كلام إمام الحرمين في "المنخول": يجبر على ذلك. انتهى.

سئل الشيخ عبد الرحمن الخياري في حال الجواز بالقول المرجوح، هل تشترط معرفة القائل به، أم لا؟ ومن أين لأمثالنا معرفة القائل به؟ وإن قلتم بذلك، فهل يكتفى بمعرفة اسمه، أم لا بد من معرفة حقيقة حاله؟

ص: 149

وقوله في "المنهاج" وغيره: على الأصح، أو الأظهر، أو المشهور ومثلنا لا يعرف القائل ذلك، وهل يكفي تقليد صاحب المرجوح في العمل دون الحكم مع الجهل بمعرفته، أم لا؟

فأجاب، يجوز العمل بالقول المرجوح لنفسه وإن لم يعرف قائله، إذا كان من المذاهب الأربعة، بخلاف ما إذا كان من غيرها؛ فلا بد أن يعرف قائله ليتأتى له التقليد، كما هو صريح كلامهم.

ومن جواب له أيضاً، بعد كلام سبق: نعم يظهر لي أن الأولى للمفتي التأمل في طبقات العامة، فإن كان السائل من الأقوياء الذين يتحرون الأخذ بالعزائم وما فيه الاحتياط؛ اختصهم برواية ما يشتمل على التشديد. وإن كانوا من الضعفاء الذين هم تحت أسر النفوس، بحيث لو اقتصر في شأنهم على رواية ما يشتمل على التشديد؛ أهملوه ووقعوا في وهدة المخالفة لحكم التشريع على سبيل التساهل، روى لهم ما فيه التخفيف شفقة عليهم من الوقوع في ورطة الهلاك، لا تساهلاً في دين الله، أو لباعث، وسداً لطمع في حكام أو رغبة أو رهبة، والله يعلم المفسد من المصلح، فهذا الذي تقرر، وهو الذي نعتقده وندين الله به.

وأما التزام ترجيح إمام واحد على التعيين، من أول كتاب الطهارة الخ، وتضعيف مقابله؛ فالحامل عليه محض التقليد، كما هو الغالب الآن.

واعلم أنه يصح التقليد بعد الفعل، كما إذا صلى ظاناً صحتها على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره؛ فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة على ما قال في "البزازية"، وعن الإمام الثاني وهو أبو يوسف: أنه صلى يوماً الجمعة بالناس مغتسلاً من الحمام، فلما تفرق الناس أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة، إذا بلغ الماء قلتين؛ لم يحمل خبثاً. انتهى. ونقله العلامة ابن أمير حاج عن "القنية" على جهة الاستشكال، في أن

ص: 150

المجتهد بعد اجتهاده في حكم؛ ممنوع من تقليد غيره من المجتهدين فيه. انتهى. ولا يرد علينا ذلك؛ لأن الرد على المجتهد لا المقلد في ذلك؛ وأما صحة الإقدام على التقليد لما هو مخالف لمذهبه من المسائل؛ فلما قدمناه عن الأصوليين على الصحيح، ولما قاله في "يتيمة الدهر".

سئل الإمام الجخندي ص 137 عن رجل شافعي ترك صلاة سنة أو سنتين، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة، فقال: على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها؛ جاز. انتهى. وهذا نص في صحة التقليد بعد العمل، بخلاف ما عمل من جنسه؛ فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه لا يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً غير إمامه، مستجمعاً شروطه، وأن يعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق الواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي، ولا ينقض تتمة حقيقة التقليد العمل بقول من ليس قوله أحد الحجج الأربع الشرعية بلا حجة منها؛ فليس له الرجوع إلا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع منه التقليد، لأن كلاً منهما حجة شرعية من الحجج الأربع، وعلى هذا اقتصر الكمال في "تحريره"، وقال ابن أمير حاج: وعلى هذا عمل العامي بقول المفتي، وعمل القاضي بقول العدول؛ لأن كلاً منهما، وإن لم يكن إحدى الحجج الأربع، فليس العمل به إلا حجة شرعية، لإيجاب النص، أخذ العامي بقول المفتي، وأخذ القاضي بقول العدول، انتهى.

قلت: وفيه تأمل؛ لأن النص وإن أوجب على العامي الأخذ بقول المفتي مجرداً عن الدليل؛ فعدم علمه بالدليل تقليداً في الحكم، وإلا لزم العامي إمضاء فتوى المفتي، وليس بلازم إلا بالإمضاء بالفعل كما علمت، وقال في "الحاوي القدسي": التقليد جعل الشيء كالقلادة في العنق، حقاً كان أو باطلاً، وهو أنواع: واجب، وجائز، وحرام.

ص: 151

فالواجب: تقليد المعصوم عن الخطأ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث بالحق.

والجائز: تقليد العوام العلماء في الفروع بالإجماع، وفي أصول الدين مختلف فيه.

والتقليد الحرام: فهو كتقليد الآباء والأكابر في الأباطيل. انتهى.

وقال عز الدين بن عبد السلام: إن الأولى التزام الأشد والأحوط في دينه، أي في كل مذهب، وكذا في "الإفصاح" لابن هبيرة، واتفق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف. فإذا كان بين التحريم والجواز؛ فالاجتناب أفضل، وإن كان في الإيجاب والاستحباب؛ فالفعل أفضل. وإن كان في المشروعية وعدمها؛ فالفعل أفضل، كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنها مكروهة عند مالك، وواجبة عند الشافعي، وسنة عند أبي حنيفة وأحمد. وعند مالك السنة ترك ذكرها؛ ففي مثل هذا الأولى اتباع الأكثر. وقد حقق الكمال أن الاحتياط ترك القراءة خلف الإمام في جميع الصلوات، لأن أقوى الدليلين منع المأموم من القراءة خلف الإمام مطلقاً. انتهى.

قال الإمام فخر الدين في كتابه "ملخص البحر": لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق في ذلك المذهب، وأما المقلد، فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي، واقتصر عليه في "الروضة" وغيرها.

وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه. فإن فعل؛ نقض، لفقد الاجتهاد، وكذا - في "أدب القضاء" للغزي - كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من حفظ مذهب إمام ونصوصه، لكن عاجز عن تقويم (1) أدلته، غير عارف بغوامضه. انتهى.

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض (عن تقديم).

ص: 152

ومن خط الشيخ ابن عطوة: وفي "واضح" ابن عقيل: يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيره إن كان أهلاً للرخصة، كطالب التخلص من الربا؛ فيدله إلى (1) من يرى التحيل للخلاص منه، والخلع لعدم وقوع الطلاق. انتهى.

وله أيضاً:

الجواب عن الأولى: أصح الوجهين أن العامي لا يلزمه التمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه.

الثانية: من التزم مذهباً، هل يلزمه بالتزامه؟

المشهور لا يلزمه بالتزامه عند الأكثر.

الثالثة: هل يجوز للعامي التقليد في بعض المسائل من غير مذهبه؟ المشهور أنه إن أفتاه واحد وعمل به؛ لزمه قطعاً؛ ذكره شيخنا علاء الدين المرداوي. وإن لم يعمل به؛ لم يلزمه بالتزامه.

وقال ابن الحاجب: إذا قلد مجتهداً في حكم؛ فليس له تقليد غيره فيه اتفاقاً. ويجوز ذلك في آخر على المختار، والانتقال لغرض دنيوي مذموم غير ممدوح، ولو كان ما انتقل إليه أرجح، ذكره أبو العباس، وابن مفلح

إلى أن قال:

السادسة عشرة: هل المفتي غير المجتهد مخبر فيعول على قبول خبره فينسبه إلى معين، أم لا؟

المسألة فيها خلاف، والذي اختاره الموفق وجماعة؛ أنه والحالة هذه مخبر لا مفت؛ فيعول على قبول خبره، لا إنشائه ويحتاج أن يخبر عن معين، وأن يكون ثبتاً. انتهى. ومن خطه نقلت، أي من خط ابن عطوة بعد معرفته.

ومن جواب لأبي العباس: مسائل الاجتهاد، من فعل منها بقول بعض

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض (أي).

ص: 153

العلماء، لم ينكر عليه، وكذا من عمل بأحد القولين لم ينكر عليه. انتهى.

ومن كتاب "الأنوار": المذاهب الأربعة على الحق، وكل مجتهد مصيب، ومن قلد إماماً منهم؛ فله تقليد غيره، لا سيما عند الضرورة وهذا هو الصحيح، ومن العلماء من منع ذلك فقال: لا يقلد إلا إماماً واحداً، والصواب في المسألة أن لها ثلاث صور (1):

الأولى: أهل الورع، وقد رأينا بعض مشايخنا يلتزمها، وهو أن يأخذ بالأحوط، ويلتزم الأشد، فيغسل المني؛ لأنه نجس في مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو قول قديم للشافعي، ويمسح جميع رأسه؛ لأنه فرض عند مالك، ويدلك جميع بدنه؛ لأنه شرط عند مالك، ويفعل الأكمل في كل شيء، وترك كل ما اختلف في تحريمه.

الثانية وهي الوسطى: أن يلتزم مذهباً واحداً، ولا يخرج عنه.

الثالثة: أن يأخذ بالرخص والأسهل من كل مذهب، ولا بأس بذلك عند الضرورة، وما رأيت أحداً من المقلدين يستغني عنه، أي تقليد إمام آخر في وقت الضرورة، فالخطيب الشافعي يقلد مالكاً ويصلي الجمعة بالعشرة أو الثلاثة ونحوها لأجل الضرورة، وهو قول قديم للشافعي، واختلاف العلماء رحمة، ولا معنى للرحمة إلا هذا. انتهى.

ومن جواب للشيخ إبراهيم بن حسن الحنفي: أما مسألة التلفيق؛ فلم أر لعلمائنا الحنفية فيها كلاماً شافياً، غير أن الكمال ابن الهمام، من متأخري أصحابنا ومحققيهم؛ ذكر في كتابه "التحرير في الأصول"؛ وفي "شرح الهداية" في الفقه، تخريجاً منه على ما ذكروه في مسألة التقليد؛ جواز اتباع رخص المذاهب إذا لم يمنع منه مانع شرعي، ففهم جماعة من كلامه الخلاف في ذلك، وإن أدى إلى التلفيق، حتى ناقشه ابن حجر في

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (ثلاث مراتب).

ص: 154

ذلك، ومنع ما ذهب إليه من جواز تتبع الرخص؛ لأن المذهب عند الشافعية أن تتبع الرخص حرام، وأحسن ما رأينا في ذلك واسطة كلام شيخنا الإمام، عمر بن عبد الرحيم الوارد علينا من أحمد بن موسى الباهلي: وأما القول بالمرجوح؛ فالمنصوص عليه عند الحنفية أنه لا يجوز الإفتاء به ولا الحكم، وإن حكم به القاضي مع العلم؛ فهو آثم، وفي نفاذ حكمه تفصيل، ويؤخذ من قوة كلامهم وتقييدهم ذلك بالحكم والإفتاء، جواز العمل به في خاصة النفس، لكنه محمول على غير المهجور، وأما المهجور فلا. انتهى.

ويجوز لمن قلد مجتهداً، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد أن يقلد إماماً آخر في بعض المسائل، كأن يقلد الشافعي في عدم النقض للوضوء، وأبا حنيفة مثلاً في تأخير النية في الصوم إلى الزوال.

وقال الشيخ اللقاني في "شرحه": الأصح أنه يمتنع لمن لزم مذهبا معينا، ولو قلنا بجواز انتقاله عنه؛ تتبع الرخص في المذاهب، بأن يأخذ من كل منها بما هو الأهون فيما يقع له من المسائل، خلافاً لقول ابن أبي هريرة أنه لا يفسق بذلك، بل الحق قول أبي إسحاق المروزي أنه يفسق بذلك. انتهى.

ومن كلام ابن القيم: هل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة، أم لا؟

فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة أهلها من هذه النسبة، ولا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له، لأن المذاهب إنما تكون لمن له نوع نظر واستدلال، وبصر بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في

ص: 155

فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي أو غير ذلك؛ لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي، أو كاتب؛ لم يصر كذلك بمجرد قوله ذلك، ويوضحه أن القائل: إنه شافعي ونحوه؛ يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه، وهذا إنما يصح إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام، وعلمه، وطريقه؛ فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من معنى؟ !

فالعامي لا يتصور أن يصح له مذهباً، ولو تصور ذلك؛ لم يلزمه، ولا يلزم أحداً أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ بأقواله كلها ويدع أقوال غيره، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب صلى الله عليه وسلم، وقول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص بأحد المذاهب الأربعة، فيا للعجب ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة، إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت لفظة واحدة من كلامه عليه، والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة لا يختلف الواجب ولا يتبدل، فإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة، والعجز، والزمان، والمكان والحال؛ فذلك أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله، ومن صحح للعامي مذهباً، قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو

ص: 156

الحق؛ فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قال: هؤلاء لو صح؛ للزم منه تحريم استفتاء غير أهل المذهب الذي انتسب إليه؛ لتحريمه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزومها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة، ويقدم عليها قول من انتسب إليه، وعلى هذا؛ فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بالأربعة بإجماع الأمة، كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صح الحديث؛ وجب عليه العمل به، حجازياً كان الحديث، أو عراقياً، أو شامياً، أو مصرياً، أو يمانياً، ولكن ليس له تتبع الرخص من المذاهب، وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بلا اتباع الحق بحسب الإمكان، والله أعلم. انتهى.

ومن جواب لعبد الله الأزهري الحنفي: التقليد للعامي جائز اتفاقاً بين الأئمة قال في "منهاج الأصول": المسألة الثانية في المستفتي: الجمهور على أنه يجوز الاستفتاء للعامي؛ لانعقاد الإجماع على ذلك، لعدم تكليفهم في شيء من الأعصار بالاجتهاد، وتفويت معايشهم، واستضرارهم بأسبابهم.

قال في "الفروع": فإذا استفتى عامي؛ لزمه مذهبه، أي في مذهب أحمد، ومعناه: أنه يعمل بما قاله دائماً، ولا يعمل بمذهبه بعد الاستفتاء فيه في هذه الحادثة خاصة؛ لأن العدل الموثوق به إذا حكى عن مجتهد عدل حكما لعامي؛ حصل للعامي ظن صدق الحاكي، وظن صدق المجتهد الميت في تلك الفتوى؛ فيحصل للعامي من هذين الظنين ظن أنه حكم الله تعالى، وهو كما حكاه هذا العدل عن ذلك المجتهد الميت، والعمل بالظن واجب؛ فوجب على العامي العمل به. انتهى.

ص: 157

وكلامه في التقليد المتفق عليه في أمر ضروري؛ لم يكن في مذهبه قول، ولا يمكنه العمل به؛ لضرورة حاصلة وكلفة عظيمة، وأما التقليد في تتبع الرخص، فممتنع؛ إلا عند أبي إسحاق المروزي؛ فلا يجوز التقليد للشهوة وتتبع الرخص، وأما لضرورة؛ فجائز إجماعاً، قاله ابن الهمام في "التحرير".

فلو التزم مذهباً معيناً كأبي حنيفة مثلاً؛ فقيل: يلزم، وقيل: لا، والتقليد: أخذ المذهب من غير معرفة دليله. انتهى كلام "جمع الجوامع".

وقال في "التنقيح": قال الرياشي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط.

أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.

والثاني: أن يعتقد فيمن يقلده الفضل.

والثالث: أن لا يتبع رخص المذاهب.

قال: والمذاهب كلها مسالك الجنة، وظل السعادة. انتهى.

مسألة: هل يجوز لمن ينتحل مذهب إمام معين أن يقلد في بعض المسائل غير إمامه؟

فأجاب الشيخ محمد بن عثمان الأحسائي الشافعي:

الجواب: إن المعتمد عليه أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة، ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته. فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة؛ محمول على ما فقد فيه شرط من ذلك، لكن يشترط لصحة التقليد أن لا يكون ما قلد فيه ما ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه، أما بالنسبة لإفتاء أو قضاء؛ فيمتنع تقليد غير الأئمة الأربعة فيه إجماعاً، لأنه محض شبه وتغرير، نعم قال السبكي: إذا قصد به

ص: 158

المفتي مصلحة دينية؛ جاز مع تنبيه للمستفتي قائل ذلك، ويشترط أيضاً أن لا يتتبع الرخص، بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل منه؛ لانحلال ربقة التكليف من عنقه حينئذ، ومن ثم؛ كان الأوجه أنه يفسق، وأما ما نقل عن ابن الهمام من الحنفية من جواز التتبع؛ فمردود لأنه يخالف الإجماع الذي نقله ابن حزم، كما ذكره العلامة ابن حجر، ويشترط أيضاً أن لا يعمل بقول في مسألة ثم بضده في عينها، وفي هذا الشرط كلام طويل، وتحقيق لأئمتنا ليس هذا محل ذكره، وأن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل من الإمامين، كأن توضأ ومس تقليداً لأبي حنيفة، وافتصد تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، وكذلك إذا توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك، تقليداً للشافعي، ثم صلى فصلاته باطلة أيضاً، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته أيضاً، وما أفاده كلام ابن الهمام من جواز التلفيق أيضاً؛ مردود مخالف للإجماع، فلا تغتر به.

وهل يشترط في التقليد اعتقاد المقلد أرجحية مقلده، أو مساواته لغيره، أو لا؟

فيه خلاف، فقال كثيرون: يشترط ذلك، وقال الشيخان: لا يشترط؛ فيجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل، وهذا المشهور، وكنت منذ سنتين نظمت هذه الأبيات فقلت:

الحمد لله وصلى الهادي

على النبي أفضل العباد

محمد وآله وسائر

أصحابه الغر ذوي البصائر

وبعد فاعلم أنه يعتبر

في صحة التقليد ما سيذكر

وهو اعتقاد كون من مقلداً

أرجح منه أو له ص 145 مساويا (1)

وكون ما قلد فيه مما

لا ينقض القضاء فيه حتما

(1) في الأصل: (أرجح أو مساوياً) وهو مكسور.

ص: 159

وعدم التلفيق والتتبع

لرخص المذاهب الممتنع

وخامس الشروط أن لا يعملا

بالقول في مسألة قد عملا

بضده في عينها وما ذكر

في سابق منها خلاف المشتهر

وما عليه عول الشيخان

من أنه يجوز للإنسان

تقليده المفضول مع وجدان

أفضل منه وهو ذو رجحان

والحمد لله على إنعامه

بنظم ذي الشروط في ختامه

السؤال العاشر: إذا جاز لمن ينتحل مذهب إمام معين أن يقلد في بعض المسائل غير إمامه، هل يجوز له أن يفتي بذلك، أم لا؟

الجواب: الذي يقتضيه كلام أئمتنا جواز ذلك، حيث قالوا: ولو حكم قاض مقلد بمذهب غير مقلده؛ لم ينقض، بناء على أن للمفتي تقليد من شاء من المجتهدين، وهو الأصح؛ فله أن يقلد في كل مسائله، وله الانتقال من مذهب إلى مذهب آخر، سواء قلنا: يلزمه طلب الاجتهاد في طلب الأعلم أو خيرناه، لكن لا يتبع الرخص لما في تتبعها من انحلال ربقة التكليف. انتهي. فهو كما ترى صريح في جواز الإفتاء بذلك؛ لتساوي الإفتاء والقضاء فيه. انتهى.

ومن أثناء جواب للسيد عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي: وإن كان السؤال عن جواز العمل للإنسان في خاصة نفسه؛ فالجواب جوازه بكل منهما. وإن قلنا: المعتمد في الإفتاء الأول؛ فقد صرح التقى السبكي وغيره من أجلاء المتأخرين بجواز تقليد الوجه المرجوح بالنسبة إلى العمل، دون القضاء والإفتاء، والمراد بمنع الإفتاء به؛ إطلاق نسبته إلى مذهب الشافعي، بحيث يوهم السائل أنه معتمد المذهب؛ فهذا تغرير ممتنع، وهكذا حكم الإفتاء بمذهب المخالف من أئمة الدين، حيث أتقن الناقل نقله لجواز إخبار الغير به، وإرشاده إلى تقليده، لاسيما إذا دعت إليه الحاجة أو الضرورة؛ فإن إخبار الأئمة

ص: 160

المذكورين لنا بذلك، وبجواز تقليده إفتاء منهم لنا بالمعنى المذكور، وفي فتاوى الفقيه ابن زياد، وسط في المسألة ما نصه: وقد أرشد العلماء رضي الله عنهم إلى التقليد عند الحاجة، فمن ذلك ما نقل عن الإمام ابن عجيل أنه قال: ثلاث مسائل في الزكاة تفتي فيها بخلاف المذهب، وقد سئل السيد السمهودي عن ذلك. فأجاب بما حاصله: إن المذهب فيها معروف. وإن من اختار الإفتاء بخلافه وهو مجتهد في ذلك؛ ساغ تقليده في ذلك العمل، وقد أرشدني شيخنا العارف بالله أبو المناقب، شهاب الدين الأبشيطي يأمر من استفتاه وإن كان شافعيا بتقليد غير الشافعي، حذرا من المشقة، كتكرار الفدية بتكرار اللبس، وليس هذا من تتبع الرخص في شيء.

وفي فتاوى السبكي ما يشير إلى ذلك، ومنه ما حكي عن الإمام ابن عجيل، وقد حكى الفقيه ابن زياد عن الإمام الأعظم الإصطخري، والهروي، وابن يحيى، وابن أبي هريرة، والفخر الرازي؛ جواز دفع الزكاة إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم عند انقطاع الخمس عنهم، ثم قال: وقد سألني جماعة من الأشراف العلويين؛ فأجبتهم بجواز الأخذ بعد تقليد القائل بذلك، فهذا الصنيع من هؤلاء الأئمة مصرح بجواز العمل بالوجه المرجوح في المذهب في الإفتاء به، ونسبته من مذهب من لم يتأهل للاجتهاد في الترجيح؛ فممتنع، والله أعلم.

ومن "جمع الجوامع" لابن عبد الهادي، بعد كلام سبق للسبكي: فلا يحل للقاضي أن يحكم بشيء حتى يعتقد أنه قوي.

قلت: هذا في المجتهد. أما المقلد فمتى قلد وجها ضعيفا؛ كان في نفس الأمر قوياً (1).

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (فمتى قلد وجهاً جاز، ضعيفاً كان في نفس الأمر أو قوياً).

ص: 161

قلت: ذلك في التقليد في العمل في حق نفسه، أما الفتوى والحكم؛ فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز، وتمامه فيه، وأظنه من أثناء الجواب فيه للسبكي، والله أعلم.

ومن "فتح المجيد بأحكام التقليد" لعلي بن أبي بكر بن الجمال الأنصاري: اعلم أن حقيقة التقليد هو اعتقاد قول الغير من غير معرفة دليله التفصيلي والعمل به، وأنه يجب التقليد، أي التزام مذهب معين على كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، وعلى هذا حمل ما في "التحفة" في النكاح استيجاها، قول من قال: إن العامي له مذهب معين، وهو الأصح عند القفال، وحمل المنقول عن عامة الأصحاب؛ الذي مال إليه الإمام النووي أنه لا مذهب له، على أنه لا يلزمه التزام مذهب معين، قال: وهو الأصح، أي أنه لا يلزم ذلك، وعدم لزومه تقليد مذهب معين، إنما كان قبل تدوين المذاهب واستقرارها، كما في "التحفة" أيضا في باب الزكاة، وقد اتفقوا على أنه لا يجوز للعامي تعاطي فعل إلا إن قلد القائل بحله، أما المجتهد المذكور، فان كان اجتهد في الحكم وظنه؛ حرم عليه التقليد اتفاقا، وإن لم يجتهد؛ حرم عليه على الراجح لتمكنه من الاجتهاد الذي هو أصل التقليد. قال شيخنا إبراهيم اللقاني: وقول القرافي في الأحكام: المشهور من مذهب مالك امتناع التقليد؛ لا يعول عليه. انتهى.

ولا يقلد إلا من عرفت أهليته ولو بالاستفاضة، وإذا تعدد من يصلح للتقليد، فهل يجب تقليد الأفضل، أو يتخير ولو بمجرد التشهي؟

الأصح عند الجمهور؛ الثاني، ويجوز تقليد الميت على الصحيح

إلى أن قال: إذا علمت ذلك؛ فلا يجوز القضاء ولا الإفتاء إلا بالراجح، وأما العمل في النفس خاصة في المسألة المذكورة، أعني ذات القولين أو الأقوال؛ فيجوز تقليد المرجوح الذي رجحه بعض أهل الترجيح، سواء

ص: 162

الرافعي وغيره، كما قال مولانا نور الدين: إنه الظاهر، واقتضاه عموم كلام سيدنا عمر (1)، ويؤيده: لما سئل السبكي عن بيع الغائب أفتى بالصحة، بناء على القول الضعيف، فإن قلت: ما ذكره في إفتائه بالقول الضعيف والمنقول أنه ممنوع كما قدمته، بخلاف العمل لخاصة النفس. وإن كان مقتضى عبارة "الروضة" أن العمل كالإفتاء لا يجوز إلا بالراجح. قلت: الممنوع إنما هو إطلاق الإفتاء به، بحيث يوهم المستفتي أنه يعتمد المذهب، أما الإفتاء به على وجه التعريف بحاله، وأنه يجوز للعامي العمل به في خاصة النفس؛ فجائز أيضاً، فإن إخبار القائلين لنا بذلك إفتاء لنا، إِذا كان في المسألة وجهان أو أوجه، فإن كان للقائلين؛ جاز تقليد كل منهما، لعمل النفس خاصة، حتى للمتأهل للنظر والبحث على الأرجح، فعلم مما قدمته أن الضعيف الذي رجحه بعض أهل الترجيح من المسألة ذات القولين أو الوجهين مثلا؛ يجوز تقليده للعارف ولغيره، ثم قال: وما قاله السبكي: إنه يجب تقليد من اعتقده أفضل، ولا يجوز الانتقال عنه إلا لمصلحة دينية؛ إنما يأتي على ضعيف. وأما الصحيح؛ فهو التخيير مطلقا، وجواز الانتقال إلى أي مذهب من المذاهب المعتبرة، ولو بمجرد التشهي ما لم يتتبع الرخص.

ويشترط لصحة التقليد شروط:

أن لا يكون ذلك المقلد فيه مما ينقض فيه قضاء القاضي، وهو أربعة: ما خالف النص، أو الإجماع، أو القواعد، أو القياس الجلي. وما نقله ابن جزم من الإجماع على منع تتبع الرخص؛ نقل عن ابن عبد البر مثله.

قال ابن أمير حاج في "شرح التحرير": لا نسلم صحة دعوى

(1) هو عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي الذي تقدم ذكره. انظر صفحة 156.

ص: 163

الإجماع؛ إذ في تفسيق المتبع للرخص في مذهب أحمد روايتان، وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول أو مقلد، ثم ذكر عن "الروضة" الوجهين، وقال السمهودي: حكاية الإجماع من ابن حزم على أن من يتبع الرخص فاسق؛ مردودة بما أفتى به ابن عبد السلام: الثاني: أنه لا يتعين على العامي إذا قلد إماما في مسألة أن يقلد غيره في سائر المسائل.

الثالث: أن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين، كمن توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك تقليداً للشافعي، ثم صلى فإن صلاته باطلة باتفاقهما على بطلان طهارته المترتبة هي عليها.

وعبارة بعض الفتاوى لابن حجر، بعد أن سئل عن تقليد غير الأربعة، هل يجوز، أو لا؟

الذي تحرر أن تقليد غير الأربعة لا يجوز في الإفتاء، ولا في القضاء، وأما في عمل الإنسان؛ فيجوز تقليده لغير الأربعة، ممن يجوز تقليدهم، لا كالشيعة وبعض الظاهرية.

تتمة: الحاصل أن مذهبنا منع التلفيق، هذا إذا كان التلفيق في قضية واحدة، أي حكم واحد، أما إن كان في قضيتين، أي حكمين، كشافعي توضأ على مقتضى مذهبه بأن مسح بعض رأسه وأراد أن يقلد أبا حنيفة في استقبال الجهة، فهل يمتنع عندنا اتفاقاً، أو لا؟

أفتى الفقيه ابن زيادة عبد الرحمن بالثاني، وهو الجواز، قال: وقد رأيت في فتاوى البلقيني ما يقتضي أن التركيب من قضيتين غير قادح في التقليد؛ ففي فتاويه في الخلع، مسألة: الخلع العاري عن لفظ الطلاق ونيته، هل هو الطلاق بنقص العدد من الطلاق، أو هو فسخ، ويصح من الأجنبي ولا تعود الصفة إذا تزوجها ثانيا؟

ص: 164

أجاب: ليس بطلاق، ولا ينقص عدد الطلاق، بل هو فسخ لأمور بسطتها في "الفوائد المحضة"، وهذا هو المنصور في الخلاف، ولا أرى صحته مع الأجنبي؛ لأن هذا فسخ لا يقع إلا بتراضي الزوجين على وجه مخصوص؛ فلا يتعدى إلى الأجنبي، ولا تعود الصفة إذا تزوجها ثانياً. وما يقال: إنه مركب من مذهبين؛ مردود بأمور ليس هذا موضع ذكرها، وفيها أيضاً: رجل طلق زوجته طلقتين، ثم خالعها بعد ذلك بلفظ الخلع عارياً عن لفظ الطلاق ونيته؟

أجاب: لا يكون طلاقاً ولا ينقص العدد، وهذا الذي نص عليه جماعة من وجوه وإن كان خلاف الجديد، وأفتيت به للخلاص من الحلف بالطلاق، أنه لا يفعل كذا، واضطر إلى فعله، فإذا خالع زوجته على الوجه المذكور؛ تخلص من الخلاف. وهذا وإن كان على مذهب الإمام أحمد، إلا أن الصفة تعود إذا تزوجها، والذي أفتيت به أن الصفة لا تعود لتخلصه مما حلف.

وقول من قال: أحمد لم يقل هذا؛ مردود، وكون الخلع فسخا ظاهر من القرآن، ومقدمة السنة، وعليه جمع كثير من الفقهاء. ثم قال: وعبارة السيد عمر بعد أن سئل عن حنبلي متوضئ أكل لحم جزور مقلداً الشافعي في عدم النقض به، وأصاب بعض بدنه أو ملبوسه شيء من أبوال ما يؤكل لحمه، مما هو طاهر في مذهبه دون مذهب الشافعي، فهل يسوغ له الصلاة والحالة ما ذكر، أو يجب عليه اجتناب كل نجس عند من أراد تقليده؟ وهل يجب أن تكون الصلاة جائزة على مذهب الشافعي في الأركان والشروط، أم لا؟

فأجاب ما نصه، بعد تعرضه بكلام ابن حجر في خطبة "المنهاج"، وكلام ابن زيادة ما نصه: إن فرعنا على الأول؛ كان قضية إطلاق منع التقليد في مسألة السؤال، فإنه لم يقيده. وإن فرعنا على القائل؛

ص: 165

اقتضى جواز التقليد في مسألة السؤال، لأن التركيب فيهما يرجع إلى حكمين: عدم النقض بأكل لحم الجزور الراجع إلى طهارة الحدث، وطهارة بول ما يؤكل لحمه الراجع إلى طهارة الخبث، وهو شرط مغاير للذي قبله في الحقيقة والحكم. وإن شارك في اللفظ فلكل من المقالين وجه، وكفى بكل من القائلين قدوة، والأول أوفق بمشارب الخاصة، والثاني بمشارب العامة.

الرابع: أن لا يعمل بقول إمام في مسألة، ثم يعمل بضده في عينها، وفي هذا الشرط اختلاف عندنا، فالذي جرى عليه السبكي في "جمع الجوامع" تبعاً للآمدي، وابن الحاجب، بل حكيا الاتفاق عليه، وثقله عنهما غير واحد؛ هو ما تقدم، لكن نقل الإسنوي إثبات الخلاف. ثم قال: ومقتضى كلام أئمتنا خلافه، وهو عدم اشتراط أن لا يسبق منه العمل في تلك الواقعة بقول إمامة الأول؛ فافهم جواز الانتقال.

وفي الخادم: إن الإمام الطرطوسي حكى أنه أقيمت الصلاة، أي الجمعة، وهم القاضي الطبري بالتكبير، إذا طائر يزرق عليه فقال: أنا حنبلي، ثم أحرم ودخل في الصلاة، ثم حقيقة الانتقال إنما يتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها وعمل به، وإلا فقوله: قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل، والتزمت العمل به، وهو لا يعرف صورها؛ ليس حقيقة التقليد، ثم قال: والغالب أن مثل هذه؛ إلزامات منهم يكف الناس عن تتبع الرخص، وإلا فأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه، وأنا لا أدري ما يمنع هذا من العقل والنقل؛ فيكون الإنسان يتبع ما هو أخف عليه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف على أمته، وتمامه فيه، رحم الله مؤلفه رحمة واسعة، وكاتبه، وجامعه، وسامعه.

إذا تقرر ذلك؛ فالذي تقرر لنا عند شيخنا بل الله تراه، وجعل جنة

ص: 166

الفردوس مأواه، وهو الذي نقله الشيخ عبد الرحمن، عن شيخه محمد ابن بلبان أن عندنا مثل الشافعية في ذلك من الجواز والمنع من التلفيق في قضية واحدة.

ومن "المغني" لعبد الله بن محمد بن قدامة: القضاء من فروض الكفايات، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً عليهم كالجهاد والإمام.

قال الإمام أحمد: لا بد للناس من قاض أو تذهب حقوق الناس، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه الأمر بالمعروف، والنصر للمظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين الناس، وتخليصاً لهم بعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب كلها. ولذلك تولاه النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله؛ فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث علياً قاضياً إلى اليمن، وكذا معاذاً، وروي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة، وعن عقبة بن عامر: جاء خصمان يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: احكم بينهما، فقلت: أنت أولى بذلك، قال: كان. قلت: على ما أقضي به قال: اقض؛ فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد. روى سعيد بن منصور في سننه. وقال صلى الله عليه وسلم:"من جعل في القضاء؛ فقد ذبح بغير سكين". قال الترمذي: حديث حسن، قيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء، وإنما وصفه للمشقة؛ فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح بغير سكين

إلى أن قال: وقال أصحاب الشافعي: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق؛ فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، وليس من شروط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهداً

ص: 167

في كل المسائل، بل من عرف أدلة مسألة وما تعلق بها؛ فهو مجتهد فيها وإن جهل غيرها كمن عرف الفرائض وأصولها؛ ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع، ولذلك ما من إمام إلا وقد توقف في مسائل. وقيل: من يجيب في كل مسألة؛ فهو مجنون، وإذا ترك العالم لا أدري؛ أصيبت مقاتله

إلى أن قال: وممن رأى الصلح بين الخصوم، شريح وعبد الله بن عتبة، وأبو حنيفة، والشعبي، والعنبري. وروي عن عمر: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا؛ فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن. انتهى.

ومن "تبصرة الحكام" لابن فرحون المالكي: اعلم أن كثيراً من المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في القضاء، وشددوا في كراهية السعي فيها، ورغبوا في الإعراض عنها والنفور والهرب منها، حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء إن من ولي القضاء؛ فقد سهل عليه دينه، وألقى بيده في التهلكة رغبة عما هو الأفضل، وساء اعتقادهم فيه. وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه، والتوبة منه. والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف، ومعرفة مكانه من الدين، فيه بعثت الرسل، وبالقيام به قامت السموات والأرض، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من النعم التي يباح الحسد عليها بقوله:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها". ومن حديث عائشة: "هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا للمسلمين؛ حكموا كحكمهم لأنفسهم". وفي الحديث الصحيح: "سبعة يظلهم الله في ظله". الحديث، فيبدأ بالإمام العادل. وفي الحديث:"المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" الحديث. وقال

ص: 168

عبد الله بن مسعود: "لأن أقضي يوماً بحق أفضل من عبادة سبعين سنة". ومراده أن قضاء يوم بالحق أفضل من عبادة سبعين سنة، فلذلك كان العدل بين الناس أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر. قال الله:{وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (1). فأي شرف أشرف من محبة الله.

واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد؛ فإنما هي في حق قضاة الجور من العلماء، والجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم؛ ففي هذين الصنفين جاء الوعيد. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين". فقد أورده أكثر الناس في معرض الذم، والتحذير من القضاء، وقد قال بعض العلماء هذا الحديث دليل على فضله، وعلى شرف القضاء وعظم منزلته، وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضل من قضى بالحق، إذ جعله ذبيح الحق امتحاناً لعظم منزلته، لتعظم له المثوبة امتناناً، فكما أن القاضي لما استسلم لحكم الله، وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، حتى قادهم إلى مر الحق وكلمة العدل، وكفهم عن دواعي الهوى. والمعنى: جعل ذبيح الحق لله، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة، وقد ولى عليه السلام، علي بن أبي طالب، ومعاذاً، ومعقل بن يسار القضاء؛ فنعم الذابح ونعم المذبوحون، فالتحذير الوارد من الشارع؛ إنما هو عن الظلم، لا عن القضاء، فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، فيجب على من دخل في خطة القضاء بذل الجهد بالقيام بالحق والعدل؛ فقد قال بعض الأئمة: القضاء محنة، ومن دخل فيه؛ فقد ابتلي بعظيم.

(1) 5/ 44.

ص: 169

وطلب القضاء ينقسم إلى خمسة:

واجب: إذا كان من أهل الاجتهاد، أو من أهل العلم والعدالة، ولا يكون هناك قاض، أو يكون ولكن لا تحل ولايته، أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره، أو يكون القضاء بيد من لا يحل بقاؤه فيه، أو يولي من لا تحل ولايته؛ فيتعين عليه التصدي لذلك.

ومباح: بأن يكون فقيراً وله عيال؛ فيجوز له السعي في تحصيله لسد خلته. وقال المازني: بل يستحب.

ومستحب: إذا لم يتعين عليه، ولكن يرى أنه لا ينهض به وأنفع للمسلمين من آخر يتولاه غيره.

ومكروه: وهو تحصيله لطلب الجاه والاستعلاء.

ومحرم: إذا كان جاهلاً أو فاسقاً، أو قصد الانتقام من أعدائه، أو قبول الرشى؛ فهذا حرام عليه السعي فيه، وأما ولاية الحكمين فهي شعبة من القضاء في قضية خاصة؛ فينفذ حكمهما فيما فوض إليهما، ولا تجوز ولا تصح ولاية الجاهل.

قال ابن شاش: ولا المقلد إلا عند الضرورة. قال القاضي أبو بكر: فيقضي بفتوى مقلده بنص النازلة. فإن قاس على قوله، وقال: يجيء من هذا كذا؛ فهو متعد، والمنع من ولاية المقلد القضاء في هذا الزمان تعطيل للأحكام، وإيقاع في الهرج والفتن والنزاع، وهذا لا سبيل إليه في الشرع، وقد فسد الزمان وأهله، واستحال الحال. وقال مالك: لا أرى خصال القضاء اليوم تجتمع في أحد. فإن اجتمع فيه خصلتان؛ ولي القضاء، وهما: العلم والورع.

قال ابن حبيب: فإن لم يكن؛ فالعقل والورع، فإنه بالعقل يسأل وبالورع يعف. هذا قول مالك في أهل زمنه؛ فما ظنك بزماننا.

قال المارزي: هذا تسهيل من ابن حبيب في ولاية القضاء للمقلد مع

ص: 170

القدرة على قاض نظار؛ لأن الضرورة تدعو إلى ولاية المقلد، وهكذا قال أصبغ: يولى العدل الذي ليس بعالم، ويؤمر أن يسأل ويستشير. وهذا ينبغي حمله على مواقع الضرورة ومسيس الحاجة، ويختار له كاتب يكتب له.

قال المتأطي: لا يستكتب إلا عدل رضي، ويكتب بين يديه، ثم ينظر هو فيه. وقال مالك: لا يفتي القاضي في مسائل القضاء، وأما غير ذلك فلا بأس به. وإذا حكم بين الخصمين رجلا، وارتضياه بأن يحكم بينهما، فإن ذلك جائز في الأموال وما في معناها، ولا يشترط دوام الرضى إلى حين نفوذ الحكم، بل لو أقاما البينة عنده، ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم؛ فليقض بينهما ويجوز حكمه.

وقال أصبغ: لكل منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده. وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما الرجوع، لأن ذلك قبل أن يقاعد أحدهما صاحبه، وبعدما ناشبه الخصومة حكمه لازم لهما، ثم إذا حكم المحكم؛ فليس لأحد أن ينقض حكمه وإن خالف مذهبه، إلا أن يكون جوراً بيناً لم يختلف فيه أهل العلم. قال اللخمي: يشترط أن يكون عدلاً. انتهى.

قال في "الإنصاف": المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل.

فالقسم الأول وهو المجتهد المطلق: وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكر المصنف في آخر كتاب القضاء

إلى أن قال: قال في "آداب المفتي": ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق، مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دونا، وكذا ما يتعلق بالاجتهاد، من الآيات، والآثار، وأصول الفقه، والعربية وغير ذلك، لكن الهمم

ص: 171

قاصرة، والرغبات فاترة، وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه، ولم يعقلوه ليفعلوه. انتهى.

قلت: قد ألحق طائفة من الأصحاب المتأخرين الشيخ أبا العباس ابن تيمية بأصحاب هذا القسم، وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه تدل على ذلك.

القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو غيره، وأحواله أربعة:

الأول: أن يكون مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعى إلى مذهبه وقرأ كثيراً منه على أهله، فوجده صواباً وأولى من غيره.

قال ابن حمدان: وقد ادعى هذا منا، ابن أبي موسى، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما من الشافعية خلق كثير، ومن أصحاب الإمام أحمد في المتأخرين، كالمصنف، والمجد، وغيرهما.

وفتوى المجتهد المذكور؛ كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.

الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عالماً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، والقواعد التي لإمامه. وقيل: ليس من شرط هذا معرفة علم الحديث، واللغة، والعربية؛ لكونه يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها الأحكام، كنصوص الشارع، وقد يرى حكماً، ذكره إمامه بدليل فيكتفي بذلك من غير بحث عن معارض وغيره، وهو بعيد، وهذا شأن أهل الأوجه والطرق في المذاهب، وهو حال أكثر علماء الطوائف الآن، فمن علم يقيناً هذا؛ فقد قلد إمامه دونه؛

ص: 172

لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه، لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه.

والظاهر معرفته بما يتعلق بذلك، من حديث، ولغة، ونحو

إلى أن قال: فالمجتهد في مذهب أحمد إذا أحاط بقواعد مذهب أحمد، وتدرب في مقاييسه وتصرفاته؛ فإنه ينزل من الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه، وهذا أقدر على ذا من ذاك؛ فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة، وضوابط مهذبة ما لم يجده المستقل في أصول الشارع ونصوصه. وقد سئل أحمد عمن يفتي بالحديث إذا حفظ أربعمائة ألف حديث؟

فقال: أرجو، فقيل لأبي إسحاق بن شاقلا: فأنت تحفظ ذلك؟ فقال: لكني أفتي بقول من يحفظ ألفي ألف (1) حديث، يعني الإمام، ثم إن المستفتي فيما يفتيه به من تخريجه هذا مقلد لإمامه، لا له

إلى أن قال:

الحالة الثالثة: أن لا تبلغ رتبته رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه نفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره وتصوره، يصور ويحرر، ويزيف ويمهد، ويقرر ويرجح، لكنه قاصر عن درجة أولئك، إما لكونه لم يبلغ في الحفظ للمذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه، على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظ من الفقه، ويعرفه من أدلته عن أطراف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإما لكونه مقصراً في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد، والحاصل لأصحاب الوجوه والطرق، وهذه صفة لكثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (ألف ألف حديث).

ص: 173

يشتغل اليوم بها غالباً، ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب.

وأما فتاويهم؛ فقد استنبطوا فيها استنباط أولئك ونحوه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور، نحو قياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن، ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه، وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول، واستنباط وجه أو احتمال، وفتاويهم مقبولة.

الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه؛ فهذا يعتمد نقله وفتواه، فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه، أو تعريفات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه؛ فإن وجد في المنقول ما هذا معناه، بحيث يدرك من غير فصل فكر وتأمل أنه لا فارق بينهما، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك؛ جاز له إلحاقه به، والفتوى به. وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ومنقول ممهد المذهب، وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه. ومثل هذا يقع نادراً في مثل حق هذا المذكور؛ أو يبعد أن تتبع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى بعض المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا مندرجة تحت شيء من ضوابط المذهب المحرر فيه. ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس؛ لأن تصويره المسائل على وجهها، ونقل أحكامها بعده؛ لا يقوم به إلا فقيه النفس، ويكفي استحضار أكثر المذهب، مع قدرته على مطالعة بقيته قريباً.

القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم: فمن عرف القياس وشروطه؛ فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف الفرائض؛ فله أن يفتي فيها، وإن جهل أحاديث النكاح وغيره، وعليه الأصحاب،

ص: 174

وقيل: يجوز ذلك في الفرائض دون غيرها.

وقيل: بالمنع منهما، وهو بعيد، ذكره في "آداب المفتي".

القسم الرابع: المجتهد في مسائل، أو في مسألة: وليس له الفتوى في غيرها، وأما فيها؛ فالأظهر جوازه، ويحتمل المنع؛ لأنه مظنة القصور والتقصير، قاله في "آداب المفتي"، قلت: المذهب؛ الأول. انتهى.

ومن "آداب المفتي" للشيخ نجم الدين بن حمدان:

فصل: الفتيا فرض عين إذا كان البلد ليس فيه مفت، وفرض كفاية إذا كان فيه مفت فأكثر، سواء حضر أحدهما أو كلاهما، أو سئلا معاً أو لا.

والورع إذاً الترك؛ للخطر والخوف من التقصير والقصور.

وتحرم الفتيا على الجاهل بصواب الجواب؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (1). ولقوله عليه السلام: "من أفتى بفتيا من غير علم غير ثبت؛ فإنما إثمه على الذي أفتاه". رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وفي لفظ:"من أفتى بفتيا بغير علم؛ كان إثم ذلك على الذي أفتاه". رواه أحمد، وأبو داوود، وقوله عليه السلام:"من أفتى الناس بغير علم؛ لعنته ملائكة السماء والأرض". ذكره ابن الجوزي في تعظيم الفتيا، ولقوله عليه السلام:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ". حديث حسن. وقال البراء: رأيت أكثر من ثلاثمائة من أصحاب بدر، ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا. وقال ابن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحابه

(1) 16/ 116.

ص: 175

صلى الله عليه وسلم، فيسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، (وفي رواية: ما منهم أحد يحدث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه). قال ابن مسعود: من أفتى الناس في كل ما يسألونه؛ فهو مجنون، وعن ابن عباس نحوه، وقال أبو الحصين الأسدي: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر ابن الخطاب لجمع لها أهل بدر، ونحوه عن الشعبي والحسن، وقال محمد بن عجلان: إذا أخطأ (1) العالم لا أدري؛ أصيبت مقاتلة، ونحوه عن ابن عباس، وسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: لا أحسن، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسن مسألتك، فقال له شيخ جالس من قريش إلى جنبه: يا ابن أخي ألزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي فيه، وقال سفيان، وسحنون: أجسر الناس على الفتيا؛ أقلهم علماً، وسأل رجل مالكاً عن شيء أياماً، فقال إني لا أنكلم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسالتك هذه. قال الهيثم: شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين (2) وستة وثلاثين: لا أدري (وقيل: ربما كان سئل عن خمسين مسألة؛ فلا يجيب عن واحدة منها) وكانوا يقولون: من أجاب في مسألة؛ فينبغي قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها، وسئل مالك عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: العلم كله ثقيل، قال الله تعالى:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} (3) فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة، وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (أغفل).

(2)

أي فأجاب عن مسألتين.

(3)

73/ 5.

ص: 176

وقال أيضاً لا ينبغي للرجل أن يرى نفسه أهلاً للشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة، ويحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت، وقال: إذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة، فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا. وقيل: كان إذا سئل عن مسألة؛ كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال عطاء: أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن المسألة، فيتكلم وإنه ليرعد، وسئل عليه السلام، أي البلاد شر؟ فقال: لا أدري، فسأل جبريل، فقال: لا أدري، فسأل ربه، فقال: أسواقها. ذكره ابن الجوزي، وسئل الشعبي عن شيء، فقال: لا أدري، فقال: ألا تستحي من قولك: لا أدري وأنت فقيه العراق، فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (1) وقال أبو نعيم: ما رأيت عالماً أكثر قولاً من مالك لا أدري. وقال أبو الذيال: تعلم لا أدري، فإنك إن قلت: لا أدري؛ علموك حتى تدري، وإن قلت: أدري، سألوك حتى لا تدري. وسئل الشافعي عن مسألة فسكت، فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري، الفضل في سكوتي، أو في الجواب؟ وقال الأثرم: سمعت أحمد يستفتي فيكثر: لا أدري، وذلك فيما عرف فيه الأقاويل، وقال: من عرض نفسه للفتيا؛ فقد عرض لعظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة، وقيل له: أيها أفضل، الكلام أو الإمساك؟ فقال: الإمساك أحب إلي، إلا لضرورة. وقال عقبة بن سلمة: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً، وكان كثيراً ما يسأل، فيقول: لا أدري. وكان سعيد لا يفتي فتيا، ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلمني وسلم منى. وقال سحنون: أشقى الناس من باع

(1) 2/ 33.

ص: 177

آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، ففكرت من هو؟ فوجدته المفتي يأتيه رجل قد حنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه، وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا، وسأله رجل عن مسألة، فتردد إليه ثلاثة أيام، فقال: ما أصنع لك يا خليلي؟ مسألتك هذه معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحر في ذلك؛ فقال له: وأنت- أصلحك الله- لكل معضلة، فقال له: هيهات يا ابن أخي لست بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، وكان يزري على من يعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك عن معلميه القدماء وقال: إني لأسأل عن مسألة أعرفها، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى، وقيل له: إنك تسأل عن المسألة، لو سئل عنها بعض أصحابك أجاب، فتتوقف فيها، فقال: فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنة المال.

قال الخليل: أن الرجل يسأل عن المسألة، ويعجل في الجواب فيصيب فأذمه، ويسأل عن المسألة فيتثبت في الجواب فيخطئ فأحمده. قال الخطيب، والعمري: قل من حرص على الفتوى، أو سابق إليها أو ثار إليها، إلا قل توفيقه واضطرب في أمره، وإذا كان كارهاً لذلك غير مختار له ما وجد عند مندوحة، وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره؛ كانت المعونة فيه من الله أكثر، والصلاح في فتياه وجوابه أغلب.

قال بشر الحافي: من أحب أن يسأل؛ فليس بأهل أن يسأل. وكان الحسن ليس عليه شيء أشد من الفتيا، وقال تارة: ما ابتلي أحد بمثل ما ابتليت به، أفتيت اليوم في عشر مسائل. ورأى رجل ربيعة يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: أستفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وقال لبعض: من يفتي ههنا؛ أحق بالسجن من السراق.

قلت: فكيف لو رأى زمننا، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، مع

ص: 178

قلة خبرته، وسوء سيرته، وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة، والرياء، ومماثلة الفضلاء والنبلاء المشهورين، والعلماء الراسخين المتبحرين السابقين، ومع هذا فهم ينهون ولا ينتهون، قد أملي لهم بانعكاف الجهل عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم.

فمن أقدم على ما ليس له أهل من فتيا، أو قضاء أو تدريس؛ آثم، فإن أكثر منه، وأصر واستمر؛ فسق، ولم يحل قبول قوله، ولا فتياه، ولا قضاؤه. وهذا حكم دين الإسلام، ولا اعتبار بمن خالف هذا الصواب؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد قال ابن أبي داود وغيره: شرط الشافعي في المفتي والقاضي شروطاً لا توجد إلا في الأنبياء. وقال بعض أصحابه: شرط الشافعي شروطاً فيهما؛ تمنع أن يكون بعده حاكم، وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: بلغني أنك قد قعدت طبيباً؛ فاحذر أن تقتل مسلماً، وتحرم الفتيا على الجاهل بما يسأل عنه لما سبق من الحديث وإن كان عارفاً لغيره. قال سفيان: أدركت العلماء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا، وقال: أدركت العلماء والفقهاء يترادون المسائل، يكرهون أن يجيبوا فيها، فإذا أعفوا منها، كان أحب إليهم، وقال: أعلم الناس بالفتيا؛ أسكتهم عنها، وأجهلهم بما أنطقهم فيها .. إلى أن قال:

فصل: ومن تفقه، وقرأ كتاباً أو كتباً من المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة بعض المفتين المذكورين؛ فللعامي أن يقلده إذا لم يجد غيره في بلده وقريباً منه. وإن كان يقدر على السفر إلى مفت؛ لزمه، وقيل: إذا خلت البلد عن مفت؛ حرم السكنى فيها، فإن شق السفر، ذكر مسألة للقاضي المذكور، كأن وجدها مسطورة وهو ممن يقبل خبره، وأخبره بعينه؛ كان المستفتي له مقلداً لصاحب المذهب، لا للحاكي له.

ص: 179

وإن لم يجدها؛ فليس له أن يقيسها على ما عنده من المسطور وإن اعتقده، مثل قياس الأمة على العبد في العتق؛ لأنه يعرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل دليلاً فيه، ولا يفتي في الأقارير والأيمان، ونحو ذلك مما يتعلق باللفظ، إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ، بإقرار أو يمين أو غيرهما، أو خبير به عالم بتعاريفهم في ألفاظهم؛ فإن العرف قرينة حالية يتعين الحكم بها، وتحيل مراد اللافظ مع عدم مراعاتها، وكذا فكل قرينة تعين المقصود كما يأتي بيانه.

فائدة: كان مكحول ومالك لا يفتيان حتى يقولا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقيل: يقول بعد الاستعاذة: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (1). {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} (2). "رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي"(3). ثم الحوقلة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وسائر النبيين، ثم يقول: اللهم أهدني ووفقني وسددني، واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان، آمين، وأن يأتي بذلك أول كل فتيا يفتيها في يومه لما يفتيه في سائر يومه، مضيفاً إلى ذلك قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، وما تيسر. فإن من ثار على ذلك؛ كان حقيقاً أن يكون موفقاً في فتياه، وإن تركه جاز وترك الأفضل. انتهى.

قال في "جمع الجوامع" بعد كلام له سبق، في أثناء جواب: والضرورة إن ألجأت إلى تنفيذ حكم المقلد؛ فإنما هو إذاً وقف على حد التقليد، ولم يتجاسر على قضية لو نزلت على عمر بن الخطاب؛ لجمع

(1) 2/ 33.

(2)

21/ 79.

(3)

20/ 25.

ص: 180

لها أهل الشورى. انتهى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك؛ فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسُنَّة وإجماع المسلمين. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا؛ فكان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك: لا يتوضأ، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد، وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك، وفي هذه المسألة صورتان:

إحداهما: أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل صلاته؛ فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم.

الثانية: تيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده، مثل أن يمس ذكره أو النساء لشهوة، أو يحتجم، أو يفصد، أو يتقيأ ثم يصلي بلا وضوء؛ فهذه فيها نزاع مشهور، وصحة صلاة المأموم هو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو قول آخر في مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وأكثر نصوص أحمد على هذا، وهذا هو الصواب. انتهى.

وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين": إذا تفقه الرجل، وقرأ كتاباً من كتب الفقه، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسُنَّة وآثار

ص: 181

السلف، والاستنباط والترجيح، هل يسوغ تقليده في الفتوى للناس؟

فيه أربعة أقوال:

الجواز مطلقاً. والمنع مطلقاً. والجواز عند عدم المجتهد، ولا يجوز مع وجوده. والجواز إن كان مطلعاً على ما يفتي بقولهم، والمنع إن لم يكن مطلعاً.

والصواب فيه التفصيل، وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل؛ لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره، بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه؛ فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتبكاً في حيرته، متردداً في عماية جهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.

ونظير هذه المسألة: إذا لم يجد السلطان من يوليه، إلا قاضياً عارياً عن شروط القضاء؛ لم يعطل البلد عن قاض، وولى الأمثل فالأمثل.

ونظير هذا: لو كان الفسق هو الغالب على أهل البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له؛ لتعطلت الحقوق وضاعت؛ قبل شهادة الأمثل فالأمثل.

ونظير هذا: لو غلب الحرام والشبه حتى لم يجد الحلال المحض؛ فإنه يتناول الأمثل فالأمثل.

ونظير هذا: لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن، أو مال، أو عرض وهن منفردات بحيث لا رجل معهن، كالحمامات والأعراس؛ قبل شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعاً، ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ويعطل إقامة دينه في مثل هذه الصور أبداً، بل نبه الله على قبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة نزلت، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سُنَّة، ولا اجتمعت

ص: 182

الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه؛ فإن الشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان. وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك العقود شاهدان، حران، ذكران، عدلان، بل إذا قلتم: تقبل شهادة النساء حيث لا رجل، وينفذ حكم الفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عادل عالم؛ فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم عن مسلم؟

وكلام أحمد في ذلك يخرج على وجهين: فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد، وجوزه بعضهم، لكن على وجه الحكاية؛ لقول المجتهد، كما قال أبو إسحق بن شاقلا وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد: أن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي، فقال لي رجل: أنت تحفظ هذا؟ فقال: إن لم أحفظه؛ فأنا أفتي بقول من يحفظه.

وكان أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا يقول: ما ضر رجلاً عنده ثلاث مسائل أو أربع من فتاوى الإمام أحمد أن يستند إلى هذه السارية ويقول: قال أحمد بن حنبل. انتهى.

قال ابن عطوة: وسألت شيخنا عن العمل والحكم، هل يجوز بكل من الروايتين والوجهين إذا اختلف الترجيح؟ فأجاب: يجوز ذلك، ولا يجوز بالمرجوح، وينقض حكم من حكم به. انتهى.

والذي تقرر لنا أنه لا ينقض إلا إن خالف نصاً، أو إجماعاً أو قياساً جلياً، قاله شيخنا.

ومن أثناء جواب لابن تيمية، بعد كلام له سبق: لأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له، وأنه لا أثم عليه فيما فعل؛ فإنه مجتهد أو مقلد

ص: 183

مجتهداً؛ فهو يعتقد صحة صلاته، وأنه يأثم إذا لم يعدها، بل لو حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه، بل كان ينفذه. انتهى.

ومن "جمع الجوامع": أجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام: بأنه إذا حكم الحاكم في محل يسوغ فيه الاجتهاد برأي أو تقليد لبعض الأئمة الذين يجوز تقليدهم؛ نفذ حكمه، لا سيما إذا أمضى حكمه حاكم آخر أو حكام، ووافقه أبو النصر مبارك ابن الطباخ، وهو من أكابر فقهاء المصريين. انتهى.

قال في "الإنصاف": قوله: وإن كان مما لا يصلح نقض (1) أحكامه.

هذا المذهب

إلى أن قال: ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها، وأختاره المصنف، وابن عبدوس، والشيخ تقي الدين وغيرهم، وجزم به في "الوجيز" و "المنور"، وقدمه في "الترغيب"، وهو ظاهر كلام "الخرقي"، وأبي بكر، وابن عقيل، وابن البنا، حيث أطلقوا أنه لا ينقض من الحكم إلا ما خالف كتاباً أو سُنَّة، أو إجماعاً.

قلت: وهو الصواب، وعليه عمل الناس من مدد، ولا يسع الناس غيره، وهو قول أبي حنيفة ومالك. وأما إذا خالفت الصواب؛ فإنها تنقض بلا نزاع. قال في "الرعاية": ولو ساغ فيها الاجتهاد. انتهى.

من "المغني": مسألة: قال: ولا ينقض من حكم غيره إذا رجع إليه إلا ما خالف كتاباً أو سُنَّة أو إجماعاً.

فائدة: ولا ينقض ما وافق الصواب؛ لعدم الفائدة في نقضه، فإن الحق وصل إلى مستحقه، وقال أبو الخطاب: تنقض قضاياه كلها ما أخطأ وما أصاب، وهو مذهب الشافعي؛ لأن وجود قضائه كعدمه، ولا أعلم فيه فائدة، فإن الحق لو وصل إلى مستحقه بطريق القهر من غير

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (نقل).

ص: 184

حكم؛ لم يغير ذلك، فكذلك إذا كان بقضاء؛ وجوده كعدمه.

ومن "المغني": الشرط الثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عامياً ويحكم بالتقليد، لأن الغرض منه فصل الخصام، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد؛ جاز، كما يحكم بقول المقومين

إلى أن قال: ثم المفتي لا يجوز أن يكون عامياً مقلداً؛ فالحكم أولى، فإن قيل: فالمفتي؛ يجوز أن يخبر بما سمع، قلنا: نعم! إلا أنه لا يجوز أن يكون مفتياً في تلك الحال، وإنما هو مخبر؛ فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد، فيكون معمولاً بخبره لا بفتياه، ويخالف قول المقومين؛ لأن ذلك لا يمكن الحاكم بمعرفته بنفسه، بخلاف الحكم، إذا ثبت هذا؛ فمن شروط الاجتهاد ستة أشياء

إلى أن قال: وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا، والحكم في معناه، ثم قال: فمن عرف ذلك ورزق فهمه؛ كان مجتهداً، له الفتيا وولاية القضاء (1) إذا وليه. انتهى.

ومن "الإنصاف" قال في خطبته: وليس غرضي في هذا الكتاب الاختصار والإيجاز، وإنما غرضي الإيضاح وفهم المعنى،

إلى أن قال: واعلم أنه إذا كان الخلاف قوياً في المسألة من الجانبين؛ ذكرت كل من يقول بكل قول، أو من قدم، وأطلق، وأشبع الكلام في ذلك مهما استطعت

إلى أن قال: فظن بهذا التصنيف خيراً، فربما عثرت فيه بمسائل وفرائد وغرائب ونكت كثيرة، لم نظفر بمجموعها في غيره؛ فإني نقلت فيه من كتب كثيرة من كتب الأصحاب. انتهى. ثم ذكر ما نقل منه من المتون؛ فإذا هو بضع وسبعون، ومن الشروح بضعاً وثلاثين.

ومنه أيضاً: واعلم أن من أعظم الكتب نفعاً، وأكثرها علماً وتحريراً، وتحقيقاً وتصحيحاً للمذهب، كتاب "الفروع"؛ فإنه قصد

(1) وفي نسخة مكتبة الرياض: (الحكم).

ص: 185

بتصنيفه تصحيح المذهب، وتحريره وجمعه، وذكر أنه يقدم غالباً المذهب. وإن اختلف الترجيح أطلق الخلاف، إلا أنه لم يبيضه كله، ولم يقرأ عليه، وكذلك "الوجيز"، فإنه بناه على الراجح من الروايات المنصوصة وذكر أنه عرضه على شيخه أبي بكر عبد الله الزريراني، فهذبه، إلا أن فيه مسائل كثيرة على غير المذهب، وكذلك "التذكرة" لابن عبدوس؛ فإنه بناها على الصحيح من الدليل، وكذلك ابن عبد القوي في "مجمع البحرين"؛ فإنه قال: ابتدئ فيه بالأصح في المذهب نقلاً، أو الأقوى دليلاً، وكذا "نظمه"، وكذا نظم "المفردات"، فإنه بناها على الصحيح الأشهر، وكذلك "الخلاصة" لابن منجا، قال فيها: أبين الصحيح من الرواية والوجوه، وكذلك "الإفادات بأحكام العبادات" لابن حمدان، قال فيها: أذكر هنا غالباً صحيح المذهب

إلى أن قال: فإن كان الترجيح مختلفاً بين الأصحاب في مسائل متحدة المأخذ؛ فالاعتماد في معرفة المأخذ من ذلك على ما قاله المصنف والمجد، والشارح، وصاحب "الفروع" و "القواعد" و "الوجيز" و "الرعايتين" و "النظم" و "الخلاصة"، والشيخ تقي الدين، وابن عبدوس؛ فإنهم هذبوا كلام المتقدمين، ومهدوا قواعد المذهب بيقين، فإن اختلفوا؛ فالمذهب ما قدمه صاحب "الفروع" في معظم مسائله، فإن أطلقوا الخلاف، أو كان من غير المعظم الذي قدمه؛ فالمذهب ما اتفق عليه الشيخان، المصنف، والمجد، أو وافق أحدهما الآخر في إحدى اختياراته، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الغالب، فإن اختلفا؛ فالمذهب مع من وافق صاحب "القواعد" والشيخ تقي الدين، وإلا؛ فالمصنف، لا سيما في "الكافي"، ثم المجد، قال العلامة ابن رجب في "حلقاته" في ترجمة ابن المنى، وأهل زماننا ومن قبلهم إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين، الموفق، والمجد، وهذا تلميذه. انتهى. فإن لم يكن لهما

ص: 186

أو لأحدهما في ذلك تصحيح؛ فصاحب "القواعد"، ثم "الوجيز" ثم "الرعايتين". وإن اختلفا فـ "الكبرى"، ثم "النظم" ثم "الخلاصة" ثم "تذكرة" ابن عبدوس

إلى أن قال: وقد قيل: إن المذهب فيما إذا اختلف الترجيح؛ ما قاله الشيخان، ثم المصنف، ثم المجد ثم "الوجيز" ثم "الرعايتين" وقال بعضهم: وإن اختلفا في "المحرر" و "المقنع"، فالمذهب ما قاله في "الكافي"، ثم قال: واعلم أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب؛ إنما يكون ذلك لقوة الدليل من الجانبين، وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدي به؛ فيجوز تقليده والعمل بقوله، ويكون ذلك في الغالب مذهباً لإمامه، لأن الخلاف إن كان للإمام؛ فواضح، وإن كان بين الأصحاب؛ فهو مقيس على قواعده، وأصوله، ونصوصه، وقد تقدم أن الوجه مجزوم بجواز الفتيا به، .... إلى أن قال: واعلم أنه قد تقدم لا يفتي إلا مجتهد على الصحيح من المذهب، وتقدم هناك قول بالجواز، فيراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه، والعامي يخير في فتواه فقط؛ فيقول: مذهب فلان كذا، ذكره ابن عقيل وغيره، لكن قال أبو العباس: الناظر المجرد يكون حاكياً لا مفتياً، وقال في "عيون المسائل": إن كان الفقيه مجتهداً يعرف صحة الدليل؛ كتب الجواب عن نفسه، وإن كان مما لا يعرف الدليل؛ قال: مذهب أحمد كذا، مذهب الشافعي كذا؛ فيكون مميزاً لا مفتياً، ولو سأل مفتيين واختلفا عليه؛ تخير على الصحيح من المذهب. انتهى.

(ومن "المغني": ولا يجوز له أن يقلد غيره ويحكم بقول من سواه، وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد، وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد

إلى أن قال: وإذا حدثت حادثة، نظر في كتاب الله، فإن لم يجدها؛ نظر في سُنَّة رسوله، فإن لم يجدها؛ نظر في القياس).

قال ابن عبد الهادي: قال السبكي في أثناء جواب له: وقول الشيخ

ص: 187

سيف الدين الآمدي، وابن الحاجب: إنه يجوز التقليد قبل العمل لا بعده بالاتفاق.

فيه نظر، ففي كلام غيرهما ما يشعر بإثبات خلاف بعد العمل أيضاً، لكن وجه ما قالا أنه بالتزامه مذهب إمامه؛ مكلف به ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له، بخلاف المجتهد، هذا وجه ما قالاه، ولا بأس به. انتهى.

ومن "حاشية ابن قندس" قوله: فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك.

ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه، ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه، وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه

إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليد غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليد غيره، وهذا هو اللائق بقضاة الزمان، ضبطاً للأحكام، ومنعاً من الحكم بالتشهي (فإن كثيراً من القضاة لا يخرجون من مذهب إمامهم بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا وكثرة الطمع)، فإذا ألزم بمذهب إمامه؛ كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكمه بغير مذهب أمامه، وإلا فمتى أبقيناه وحصل مراد قضاة السوء؛ لم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية، فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره؛ فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك، فيرتفع الخلاف (

إلى أن قال: فظاهره أن المقلد يجب عليه العمل بقول من يقلده وهو إمامه، وأن لا يخرج عن قوله

إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده؛ كمخالفة المفتي نص الشارع

إلى أن قال: قال النووي في "روضته" فرع: إذا

ص: 188

استقضى مقلداً للضرورة، فحكم بمذهب غير مقلده؛ قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء: بل عليه اتباع مقلده؛ نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء؛ لا ينقض). انتهى.

الذي تقرر أن مذهبنا أن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه. بخلاف الشافعية، فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه مقلداً، قاله شيخنا.

قال شهاب الدين ابن عطوة في "درر الفوائد وعقيان القلائد"، بعد كلام له سبق: فإن ولاية الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة، لأنهم سدوا من ثغور الإسلام ثغراً سده فرض كفاية، ولو أهملنا هذا القول، ومشينا على طريقة التغافل التي يمشي عليها من مشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتابه شروطاً في القاضي، إن قلنا به؛ لم يصح أن يكون أحد قاضياً حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فهذا إحالة، أو كالتناقض، وكان تعطيلاً للأحكام، وسداً للباب، وأن لا ينفذ حق ولا يكاتب فيه، ولا تقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية؛ فكان هذا غير صحيح.

والصحيح أن الحكام اليوم حكوماتهم نافذة صحيحة، وولاياتهم جائزة شرعاً. انتهى.

ومن جواب للنووي: من لا أهلية له من القضاة والولاة، إذا حكموا بحق، أو أمروا به، أو دفعوا منكراً أو نهوا عنه، أو تصرفوا لمجانين، أو غياب، أو أيتام، أو أقاموا في ولايتهم بما يوافق الحق والصواب؛ فإنا ننفذه تحصيلاً لمصالح أهل الإسلام، فإنا لو أبطلناها؛ لاشتد الضرر، وعظم الخطر. انتهى.

ومن كلام ابن عطوة: لا إنكار فيما يسوغ فيه الخلاف، ومسائل الخلاف لا يسوغ الإنكار فيها، ومسائل الاجتهاد بما لم يكن فيه سُنَّة

ص: 189

ولا إجماع، وللاجتهاد فيه مساغ؛ فلا ينكر على من عمل بذلك مجتهداً أو مقلداً، والصواب أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيه دليل؛ يجب العمل به وجوباً ظاهراً

إلى أن قال: قلت: وحاصل الفائدة أن الخلاف يفيد ثبوت الحكم والتقليد وجوازه، والحكم به يفيد لزومه، ويرفع الخلاف. انتهى.

سئل ابن عبد السلام عن المقلد يأخذ بقول ينسب إلى إمامه، ولا يرويه عن صاحب مذهبه، وإنما حفظه من كتب المذهب.

فأجاب: الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها، فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها، لأن الثقة حصلت بها كما تحصل بالرواية. قال ابن الصلاح: قال الضميري: قل ما وجد التزوير على المفتي، وذلك أن الله حرس أمر الدين؛ فله الحمد والشكر. انتهى.

قال في "الإفصاح" لابن هبيرة: واتفقوا على أنه إذا طلب الحاضر إحضار خصم له آخر من بلد آخر فيه حاكم، أي البلد الذي فيه الخصم الآخر الطالب؛ فإنه لا يجاب سؤاله، فإن كان ذلك البلد لا حاكم فيه؛ فقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحضور إلا أن تكون مسافة يرجع منها في يومه، وقال الشافعي، وأحمد: يحضره الحاكم، سواء بعدت أو قربت. انتهى.

قال في "التنقيح": وله تولية قاضيين فأكثر. قال ابن عطوة: فيفهم من هذا أنه إذا كان الإمام نصب قاضيين في بلد؛ قدم قول الطالب إلى أحدهما إذا كان خصمه حاضراً منه، في ذلك البلد، أما إن كان غائباً في بلد آخر فيه حاكم؛ فلا يلزمه إحضاره، واختصموا إلى حاكم البلد الذي فيه المطلوب، ذكره الوزير اتفاقاً. انتهى.

ما قولكم في أهل بلد على مذهب واحد، وفيه قاض واحد، واختصم

ص: 190

شخصان في قضية، وطلب المدعي الطلوع عن قاضي البلد إلى غيره ليشق على خصمه، هل له ذلك، أم لا؟

الجواب: اللهم أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، لا يلزم المدعى عليه النقلة من بلده مع المدعي إلى بلد آخر ليتقاضيا عند حاكمه، كتبه يحيى القومني، ومن خطه نقلت.

ومن "الدرر المضية المختصرة من الأجوبة المصرية" للشيخ بن تيمية: وإذا طلبا حاكمين؛ أجيب من طلب الذي له الولاية على محل النزاع إذا كان الحاكمان عدلين، فإن كان لهما الولاية معاً؛ أجيب من طلب الحاكم الأقرب، أو يقرع بينهما، أو يجاب المدعي، وهذا القول الثالث أفتى به طائفة في زمننا. انتهى.

ومن "المغني": وأما الجرح والتعديل؛ فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه؛ لتسلسل الأمر، فإن المزكين يحتاج إلى عدالتهما أو جرحهما، فإذا لم يعمل بعلمه؛ أحتاج كل واحد منهما لمزكين، ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكين، فيسلسل الأمر، وما نحن فيه خلافه. انتهى.

ومن "التبصرة" لابن فرحون المالكي: مسألة: وإذا لم يوجد المجنهد، وولي القضاء مقلد؛ فقال ابن الحاجب: يلزمه المصير إلى قول مقلده، وقيل: لا يلزمه، وقال ابن الصلاح: اعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو علمه موافقاً لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح؛ فقد خرق الإجماع، فهو كما قال أبو الوليد الباجي المالكي عن بعضهم: إنه يقول: حق صديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال الباجي: وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز، واعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، وكذلك الحاكم، إلا

ص: 191

أن الحاكم ملزم، والمفتي مخبر.

ومن "الروض وشرحه" للشافعية: مجتهد، أي غير مقلد

إلى أن قال: هذا هو الأصل، لكن مع عدمه، أي الصالح للقضاء، كما في زمننا لخلوه عن المجتهد؛ نفذوا، أي الأصحاب للضرورة قضاء من ولاه سلطان ذو شوكة وإن جهل وفسق؛ لئلا تتعطل الحقوق، ولهذا ينفذ قضاء قاضي البغاة كما مر.

قال البلقيني: ويستفاد بذلك أنه لو زالت شوكة من ولاه بموت ونحوه؛ انعزل لزوال الضرورة. انتهى.

ومن "بدائع الفوائد" لابن القيم، الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء، لا يصح له الحكم إلا بها، معرفة الأدلة، والاستنباط، والبينات، مثل ذلك إذا تنازع اثنان عنده في رد سلعة مشتراه بعيب؛ فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي سلط المشتري على الرد، وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصرَّاة، وعزاه على العلم بالسبب المثبت بحكم الشارع في هذا المبيع المعين، ويقولون: هذا الوصف عيب يسلط على الرد، أم ليس بعيب؟ وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع، بل على الحس والعادة والخبر، أو نحو ذلك، وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين، وهي كل ما يبين له صدق أحدهما من إقرار، أو شهادة أربعة عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسار في أصح القولين، أو شاهدين، أو رجل شاهد ويمين، أو شاهد وامرأتين، أو شهادة رجل واحد، وهو الذي يسميه بعضهم الإخبار، أو شهادة امرأة واحدة، كالقابلة، والمرضعة، وشهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن، كالحمامات، والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه، ولا يجوز القول بغيره، وشهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا، وشهادة الأربع من النسوة، أو المرأتين، أو القرائن الظاهرة عند الجمهور، كمالك، وأحمد،

ص: 192

وأبي حنيفة، كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما. انتهى ملخصاً.

ومن كلام ابن حجر: ويشترط كون الإمام الأعظم عدلاً كالقاضي وأولي، فلو اضطر لولاية فاسق؛ جاز. قال ابن عبد السلام: لو تعذرت العدالة في الأئمة والحكام؛ قدمنا أقلهم فسقاً. قال الأذرعي: وهو متعين إذ لا سبيل إلى جعل الناس فوضى على ما يأتي. انتهى.

ومن "وقاية الرواية في مسائل الهداية" للحنفية، من كتاب القضاة: الأهل للشهادة أهل للقضاء، وشروط أهليتها شروط أهليته، والفاسق لا يصح تقليده، والاجتهاد شرط للأولوية، فلو قلد جاهل؛ صح، ويختار الأقدر والأولى.

وصح قضاء المرأة إلا في الحدود والقود، ويمضي حكم قاض آخر في مختلف فيه، إلا ما خالف الكتاب، والسُنَّة المشهورة، أو الإجماع.

وصح تحكيم الخصمين من صلح قاضياً، ولزمهما حكمة البينة، والنكول، والإقرار، وإخباره بإقرار أحد الخصمين، وبعدالة شاهد حال ولايته، ولا يسأل قاض عن شاهد بلا طعن الخصم، إلا في حد وقود، وقال: لا يسأل في الكل سراً وعلانية، وبه يفتى في زمننا، وكفى واحد للتزكية، والاثنان أحوط. انتهى.

قال القرافي: ونص ابن أبي زيد في "النوادر" على أنا إذا لم نجد في جهة، إلا غير العدول؛ أقمنا أمثلهم، وأقلهم فجوراً للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم؛ لئلا تضيع المصالح. وما أظن أحداً يخالفه في هذا؛ فإن التكليف مشروط بالإمكان. انتهى.

ومن "التحفة" في النكاح: معنى أن العامي لا مذهب له؛ أنه لا يلزم القاضي وغيره الإنكار عليه في مختلف فيه، ولكنه إن رفع إليه ولم يحكم حاكم بصحته؛ أبطله، خلافاً لابن عبد السلام، فإن تزوجها

ص: 193

من وليها الفاسق، ثم طلقها ثلاثاً؛ فالأولى أن لا يتزوجها إلا بعد محلل، فافهم تعبيره بالأولى؛ صحته بلا محلل، وبنى بعضهم هذا الخلاف على أن العامي، هل له مذهب معين، كما هو الأصح عند القفال، أو لا مذهب له، كما هو المنقول عن عامة الأصحاب ومال إليه المصنف؟

فعلى الثاني مطلقاً، والأول إن قلد من يرى الصحة لو نكح نكاحاً مختلفاً فيه، وطلق ثلاثاً، لم ينكحها بلا محلل وإن حكم الشافعي ببطلان النكاح مؤاخذة بما ألتزمه. انتهى.

قال ابن عطوة: وسألت شيخنا عن شيوخ بلدنا بعد أن عرفته حالهم؟ فأجاب: حكمهم كغيرهم من السلاطين في سائر الأوطان. انتهى.

وصرح الشيخ مرعي في قتال أهل البغي: أنه لو تغلب على كل ناحية إمام كزمننا؛ فإن حكمه كالإمام. انتهى.

ما قولكم في جماعة أحيوا بلداً، وأمروا أحدهم على أنفسهم، أو أحياها وحده وأعطى من أراد جزءً من البلد، أو تأمر عليهم قهراً، هل ولايته صحيحة ويستفيد بها ما يستفاد بالولاية شرعاً، أم لا؟

الجواب: الولاية صحيحة، وحكمه حكم غيره من ولاة المسلمين، وكتبه أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد، ومن خطه نقلت.

ومن "شرح المنهاج" للشربيني الشافعي: اعلم أن ألفاظ الحكم المتداولة في السجلات مراتب: أدناها الثبوت المجرد، وهو أنواع: ثبوت اعتراف المتبايعين مثلاً بجريان البيع، وثبوت ما قامت به البينة من ذلك، وهذا ليس بحكم؛ لأنه إنما يراد به صحة الدعوى، وقبول الشهادة؛ فهو بمثابة: سمعت البينة وقبلتها، ولازم في ذلك الحكم إلزاماً، وأعلاها الثبوت مع الحكم، والحكم أنواع ستة: الحكم بصحة البيع، والحكم بموجبه، والحكم بموجب ما ثبت عنده، والحكم بما قامت به البينة عنده، والحكم بموجب ما أشهد به على نفسه، والحكم بثبوت ما

ص: 194

قامت به البينة، وأدنى هذه الأنواع هذا السادس، وهو الحكم بثبوت ما شهدت به البينة، لأنه لا يزيد على أن يكون حكماً بتعديل البينة.

وفائدته: عدم احتياج الحاكم آنفاً إلى النظر فيها، وجواز النقل في البلد، وأعلاها الحكم بالصحة، أو بالموجب، أعني الأولين، هذا على أن يطلق على أن أحدهما ليس أعلى من الآخر، بل يختلف ذلك باختلاف الأشياء؛ ففي شيء الحكم بالصحة أعلى، وفي شيء يكون الحكم بالموجب أعلى، فإن كانت الصحة مختلف فيها، وحكم بها من يراها؛ كان حكمه بها أعلى من الموجب.

مسألة: بيع المدبر مختلف فيه، فإذا حكم بصحته شافعي؛ كان حكمه به أعلى من حكمه بموجب البيع؛ لأن حكمه في الأول حكم بالمختلف فيه قصداً، وفي الثاني يكون حكمه بها ضمناً؛ لأنه إنما حكم قصداً لترتيب أثر الحكم عليه، واستتبع هذا الحكم الحكم بالصحة، لأن أثر الشيء إنما يترتب عليه إذا كان صحيحاً. وأما كون الحكم بالموجب أعلى من الحكم بالصحة.

مثاله: التدبير متفق على صحته، ولا يكون حكمه مانعاً من الحكم بصحة البيع، بخلاف ما لو حكم الحنفي بصحة التدبير؛ فإن حكمه بذلك يكون حكماً باطلاً بيعه، فهو مانع من حكم الشافعي بصحة بيعه، ولو حكم الشافعي بصحة إجارته؛ لا يكون مانعاً للحنفي من الحكم بفسخها بموت أحد المتؤاجرين، وإن حكم الشافعي فيها بالموجب؛ فالظاهر، خلافاً لبعضهم أن يكون مانعاً للحنفي من الحكم بالفسخ بعد الموت؛ لأن حكم الشافعي بالموجب قد تناول الحكم بانسحاب بقاء الإجارة ضمناً. فإن قيل: حكم الشافعي ببقاء الإجارة بعد الموت؛ حكم بالموت بعد وجود فيكون باطلاً كما مر.

أجيب بأن الحكم ببقاء الإجارة حكمه وقع ضمناً، لأن موجب الإجارة

ص: 195

لم ينحصر فيه، وهم يغتفرون في الضمنيات ما لا يغتفرون في القصديات، قال الأشموني: هذا ما ظهر لي. انتهى.

قال ابن عبد السلام: ليس قول القاضي: ثبت عندي كذا. حكماً منه بمقتضى ما ثبت عنده؛ فإن ذلك أعم منه

إلى أن قال: فظهر أن الثبوت غير الحكم قطعاً، وقد يستلزم الحكم وقد لا يستلزمه، وإن القول بالثبوت حكماً في جميع الصور خطأ قطعاً، وإنه يتعين تخصيص هذه العبارة، وتأويل كلام العلماء، وحمله على معنى صحيح

إلى أن قال: اختلف في الحكم والثبوت، هل هما بمعنى واحد، أو الثبوت غير الحكم، والعجب أن الثبوت يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعاً.

ومن ذلك ابتاع رجل من آخر، وأنكر البائع ذلك، فثبت عند القاضي البينة بالشراء؛ فلا يكتب لهم القاضي كتاب حكم حتى يقيم المشتري عنده بينة أن البائع باع منه شيئاً يعرفونه في ملكه، قاله في مختصر "الواضحة".

وإن وقع في الكتاب إصلاح أو لحاق؛ نبه عليه، وعلى محله في الكتاب. وإذا شهد عند القاضي عدول بما يعلم خلافه؛ فلا يحل له أن يسمع منهم، ولا يقضي بشهادتهم. وإن شهد عنده غير عدل والقاضي يعلم أنه شهد بحق؛ فلا يحل له أن يجيز شهادته، ولا يحكم بها.

وفي "الوثائق": لا ينبغي لأحد أن يجرح شاهداً يعلم أنه شهد بحق وفي "الطرر" لابن عات: إذا وقع في الوثيقة محو أو بشر أو ضرب في غير مواضع العدد، مثل عدد الدنانير، أو أجلها، أو تاريخ الوثيقة، وما أشبه ذلك؛ لم يضر. وإن لم يعتذر منه الكاتب. وإن كان في تلك المواضع؛ سئلت البينة، فإن حفظت الشيء بعينه الذي وقع فيه ذلك من غير أن يروا الوثيقة؛ مضت، أو سئلوا عن البشر، فإن حفظوه؛ مضت أيضاً، وإلا سقطت. انتهى.

ص: 196

من "الروض وشرحه": لو قال: ثبت عندي كذا بالبينة العادلة، أو صح؛ لم يكن حكماً، لأنه قد يريد قبول الشهادة، فصار كقوله: سمعت البينة وقبلتها، ولأن الحكم هو الإلزام، والثبوت ليس بإلزام. انتهى.

ومنه: يجوز التحكيم من اثنين لرجل غير قاض، وإن وجد القاضي في البلد، فإنه يجوز التحكيم بشرط تأهل المحكم للقضاء، وإلا فلا يجوز مع وجود القاضي.

ويشترط رضى الخصمين قبل الحكم بحكمه لا بعده؛ لأن رضاهما هو المثبت للولاية، فلا بد من تقدمه

إلى أن قال: وإذا ثبت الحق عنده وحكم به، أو لم يحكم؛ فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة، إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق، كالقاضي بعد العزل، قاله الماوردي.

ولا يشترط رضى خصم قاض استناب عنه ليحكم بينهما، ويمضي القاضي حكمه، أي المحكم، كالقاضي، ولا ينقض حكمه إلا بما ينقض به قضاء غيره. انتهى.

من جواب لابن نصر الله: إذا حكم حنبلي بموجب التبايع؛ فمعناه لزوم البيع بالنسبة إلى البائع والمشتري والشريك وغيرهم، واستقرار ملك المشتري فيه على مقتضى مذهبه؛ فليس لأحد تغيير لزومه، ولا لحاكم آخر الحكم بخلاف ما اقتضاه حكم الأول، ومثل ذلك لو حكم شافعي بموجب بيع؛ كان حكمه مانعاً من دعوى الغبن، فالبيع عنده موجب للزوم الذي يمنع دعوى الغبن؛ فلا يسوغ لحاكم حنبلي سماع دعوى الغبن في ذلك على مقتضى مذهبه. انتهى.

قوله: والحكم بالموجب لا يشمل الفساد.

هذا رد لقول القائل: إنه حكم بموجب العقد، سواء كان صحيحاً أو فاسداً، وهو خلاف الصحيح، بل إذا أثبت الحاكم عقداً ثم حكم

ص: 197

بموجبه؛ صح ذلك، ولمن بعده الحكم بصحته وإن كان لا يراها؛ لأن حكم الموجب لا يشمل فاسداً، وإنما يكون على صحيح، قاله شيخنا. قال القاضي أبو يعلي في "الأحكام السلطانية": لو خلا البلد من قاض، فأجمع البلد على تولية قاض عليهم. فإن كان الإمام مفقوداً؛ صح، ونفذت أحكامه عليهم. وإن كان موجوداً؛ لم يصح. وإذا تجدد بعد ذلك إمام؛ لم يستدم هذا القاضي النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه. انتهى.

قال ابن عطوة: من مات في سفر أو موضع لا قراء فيه، ولا قضاة، ولا عدول، فما فعله جماعة الرفقة، من بيع وغيره؛ فجائز، قاله البرزلي وعندنا كذلك. انتهى.

من "شرح مختصر التحرير" لابن النجار: ولا ينقض حكم حاكم في مسألة اجتهادية عند الأئمة الأربعة ومن وافقهم، وينقض بمخالفة نص الكتاب، أو نص سنة، أو إجماع قطعي، ولا ينقض بمخالفة قياس ولو جلياً على الصحيح من المذهب، ويصح في قول حكم مقلد، وينقض في قول ما خالف فيه مذهب إمامه.

قال ابن مفلح: وإن حكم مقلد بخلاف إمامه، فإن صح حكم المقلد؛ أنبنى نقضه على منع تقليد غيره، ذكره الآمدي؛ وهو واضح. وفي قول ابن حمدان: مخالفة المفتي نص إمامه؛ كمخالفة نص الشارع.

وقال ابن هبيرة: عمله بقول الأكثر أولى. قال الغزالي: إذا منعنا من قلد إماماً أن يقلد غيره، وفعل وحكم بقوله؛ فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه.

قال ابن هبيرة: من لم يجوز إلا تولية قاض مجتهد، إنما عنى به قبل استقرار المذاهب وانحصار الحق فيهم.

وقال الآمدي: جوز بعض أصحابنا الافتاء بالتقليد، وهو ظاهر كلام ابن بشار المتقدم، واختاره أبو الفرج، وصاحب "الرعاية" و "الحاوي"

ص: 198

من أصحابنا، كالحنفية؛ لأنه ناقل كالراوي، وليس إذاً مفتياً مخبراً، ذكره جماعة، منهم أبو الخطاب، وابن عقيل، والموفق، وزاد: فيحتاج مخبر عن معين مجتهد؛ فيعمل بخبره لا بفتياه.

ولا يجوز خلو العصر عن مجتهد عند أصحابنا وطوائف، وقد قيل: المجتهد المطلق عدم من زمن طويل، ذكره ابن حمدان في "آداب المفتي"، وقال النووي: فقد الآن المجتهد المطلق من دهر طويل، نقله السيوطي في "شرح منظومته لجمع الجوامع".

وقال الرافعي: لأن الناس اليوم كالمجمعين أن لا مجتهد، نقله الأردبيلي في "الأنوار".

قال ابن مفلح: وفيه نظر. قال في "شرح التحرير": هو كما قال، فإنه وجد بعد جماعة، منهم ابن تيمية.

قال ابن العراقي، وتقي الدين السبكي، والبلقيني: وما يجيب به المقلد عن حكم؛ فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب، وابن عقيل، والموفق، ويعمل بخبره، أي المخبر إن كان عدلاً، لأنه ناقل كالراوي.

وإن عمل عامي في حادثة بما أفتاه مجتهد؛ لزمه البقاء عليه قطعاً وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعاً، نقله ابن الحاجب، وابن الهندي، وغيرهما، وإلا، أي وإن لم يعمل بما أفتاه المجتهد؛ فلا يلزمه العمل إلا بالتزامه ذلك.

قال ابن مفلح: هذا الأشهر.

وإن اختلف عليه مجتهدان؛ تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، أختاره القاضي، والمجد، وأبو الخطاب، وأنه ظاهر كلام أحمد، فإنه سئل عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل حنث، فقال السائل: إن أفتاني إنسان: لا أحنث، قال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت: فإن أفتوني؛ حل.

ص: 199

قال: نعم. انتهى.

قال في "النكت لابن مفلح على المحرر": فيتوجه لو أثبت حاكم مالكي الخ.

أي بناء على جواز نقل الثبوت حيث جاز نقله؛ يتوجه جوازه، ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به، لأن المثبت مخبر بثبوت ذلك عنده أشبه الشاهد؛ فإنه مخبر بوقوع ما شهد به، وقد يكون لا يجيز الحكم به، ومع ذلك للحاكم المشهود عنده بشهادته؛ فكذلك ما أثبته الحاكم الأول وهو لا يجيزه للحاكم الذي اتصل به ذلك الثبوت إذا كان الحاكم يرى صحته.

قوله: فإن حكم. يعني بصحة الثبوت بالخط.

قوله: فلحاكم حنبلي يرى صحة الحكم أن ينفذه في مسافة قريبة لأنه نقل لحكمه، لا لثبوته.

قوله: ثم أن رأى الثبوت حكماً أي الحنبلي نفذه.

هذا يقتضي أن في المذهب خلافاً في كون الثبوت حكماً.

وبخطه أيضاً: ومثل ذلك لو ثبت عند حاكم حنبلي وقف على النفس ولم يحكم به، ونقل الثبوت إلى حاكم شافعي؛ فله الحكم ببطلان الوقف، وأمثاله كثيرة.

ومنه أيضاً قوله: وقال شيخنا: والأول أشهر أنه أخبر بالثبوت.

قوله: والأول، أي إن قوله: ثبت عندي.

وبخطه على قوله: والأول أشهر، أي إنه يكتب: ثبت عندي.

قوله: فيتوجه لو أثبت حاكم مالكي الخ.

أي بناء على جواز نقل الثبوت حيث جاز نقله؛ فيتوجه جوازه ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن المثبت مخبر بثبوت

ص: 200