المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ قوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم - جـ ٥

[محمد الأمين الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الحج

- ‌ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)}

- ‌ وقوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً}

- ‌ قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)}

- ‌ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا}

- ‌ قوله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)}

- ‌ قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)}

- ‌ قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)}

- ‌ قوله تعالى: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)}

- ‌ قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ (15)}

- ‌ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}

- ‌ قوله تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)}.(1)

- ‌ قوله تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)}

- ‌ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)}

- ‌ قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)}

- ‌ قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}

- ‌ قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}

- ‌ قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}

- ‌ قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)}

- ‌ قوله تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}

- ‌ قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}

- ‌ قوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}

- ‌ قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)}

- ‌ قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)}

- ‌ قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ}

- ‌ قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}

- ‌ قوله تعالى: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)}

- ‌ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}

- ‌ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)}

- ‌ قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)}

- ‌ قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44)}

- ‌ قوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45)}

- ‌ قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}

- ‌ قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)}

- ‌ قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)}

- ‌ قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)}

- ‌ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49)}

- ‌ قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)}

- ‌ قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)}

- ‌ قوله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}

- ‌ قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)}

- ‌ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)}

- ‌ قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)}

- ‌ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)}

- ‌ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}

- ‌ قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ}

- ‌ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)}

- ‌ قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ}

- ‌ قوله تعالى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68)}

- ‌ قوله تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}

- ‌ قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}

- ‌ قوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ}

- ‌ قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}

- ‌ قوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}

- ‌ قوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا}

- ‌ قوله تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}

- ‌سورة المؤمنون

- ‌ قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)}

- ‌ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)}

- ‌ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)}

- ‌ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)}

- ‌ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)}

- ‌ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)}

- ‌ قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)}

- ‌ قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)}

- ‌ قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)}

- ‌ قوله تعالى: {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)}

- ‌ قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)}

- ‌ قوله تعالى: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا}

- ‌ قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)}

- ‌ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)}

- ‌ قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)}

- ‌ قوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)}

- ‌ قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)}

- ‌ قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)}

- ‌ قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ}

- ‌ قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)}

- ‌ قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ}

- ‌ قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)}

- ‌ قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)}

- ‌ قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)}

- ‌ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)}

- ‌ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)}

- ‌ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}

- ‌ قوله تعالى: {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)}

- ‌ قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)}

- ‌ قوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)}

- ‌ قوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)}

- ‌ قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)}

- ‌ قوله تعالى: {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94)}

- ‌ قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)}

- ‌ قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا}

- ‌ قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)}

- ‌ قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103)}

- ‌ قوله تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)}

- ‌ قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)}

- ‌ قوله تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)}

- ‌ قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)}

- ‌ قوله تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)}

- ‌ قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)}

- ‌ قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)}

- ‌ قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)}

الفصل: ‌ قوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}

وقد زعم أن الصفة لا بدَّ لها من شيء تتعلق به؛ لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة قول متروك.

فكان معنى الكلام عنده ما قلنا من أن من تأخر لا إثم عليه لمن اتقى، وقام قوله:{وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} مقام القول. انتهى محل الغرض من كلام ابن جرير.

وعلى تفسير هذه الآية الكريمة بأن معنى {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} في الموضعين أن الحاج يغفر جميع ذنوبه، فلا يبقى عليه إثم، فغفران جميع ذنوبه هذا الذي دل عليه هذا التفسير من أكبر المنافع المذكورة في قوله:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} وعليه فقد بينت آية البقرة هذه بعض ما دلت عليه آية الحج، وقد أوضحت السنَّة هذا البيان بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا كحديث "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وحديث "الحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنة".

ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن حديث "إن الله يباهي بأهل عرفة أهل السماء" الحديث كما تقدم.

ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة، في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإِسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحج لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير. والعلم عند الله تعالى.

•‌

‌ قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}

.

قوله: {وَيَذْكُرُوا} منصوب بحذف النون؛ لأنه معطوف

ص: 536

على المنصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل، أعني قوله:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} .

وإيضاح المعنى: وأذن في الناس بالحج يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح. وظاهر القرآن يدل على أن هذا التقرب بالنحر في هذه الأيام المعلومات إنما هو الهدايا، لا الضحايا؛ لأن الضحايا لا يحتاج فيها إلى الأذان بالحج، حتى يأتي المضحون مشاة وركبانًا، وإنما ذلك في الهدايا على ما يظهر، ومن هنا ذهب مالك، وأصحابه إلى أن الحاج بمنى لا تلزمه الأضحية ولا تسن له، وكل ما يذبح في ذلك المكان والزمان فهو يجعله هديًا، لا أضحية.

وقوله: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ} أي: على نحر وذبح ما رزقهم {مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ليتقربوا إليه بدمائها؛ لأن ذلك تقوى منهم، فهو يصل إلى ربهم كما في قوله تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} وقد بين في بعض المواضع أنه لا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه منها، كقوله:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية. وقوله: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل الحرم المكي منسكًا تراق فيه الدماء تقربًا إلى الله، ويذكر عليها عند تذكيتها اسم الله، ولم يبين في هذه الآية هل وقع مثل هذا لكل أمة من الأمم، وذلك في قوله تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} .

وإذا علمت أن من حكم الأذان في الناس بالحج، ليأتوا مشاة،

ص: 537

وركبانًا تقربهم إلى ربهم بدماء الأنعام، ذاكرين عليها اسم الله عند تذكيتها، وأن الآية أقرب إلى إرادة الهدي من إرادة الأضحية، فدونك تفصيل أحكام الهدايا التي دعوا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم منها.

اعلم أولًا: أن الهدي قسمان: هدي واجب، وهدي غير واجب بل تطوع به صاحبه تقربًا للَّه تعالى. والأيام المعلومات التي ذكر الله عز وجل أنه يذبح فيها، ويذكر عليه اسم الله فيها، للعلماء فيها أقوال كثيرة.

والتحقيق إن شاء الله تعالى: أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة باطل لا يعول عليه، وأن المعول عليه منها اثنان؛ لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي أيام النحر، بدليل قوله:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وذكرهم الله عليها يعني التسمية عند تذكيتها. فاتضح أنها أيام النحر، والقولان المعول عليهما دون سائر الأقوال الأخرى أحدهما: أنها يوم النحر: ويومان بعده، وعليه فلا يذبح الهدي، ولا الأضحية في اليوم الأخير من أيام منى، الذي هو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.

قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول نص عليه أحمد، وقال: وهو عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواه الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك والثوري، ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: أيام النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده. وبه قال الحسن، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه.

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: اختلفوا كم أيام النحر. فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده. وبه قال

ص: 538

أبو حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل. وروى ذلك عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، من غير اختلاف عنهما.

وقال الشافعي: أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة بعده. وبه قال الأوزاعي، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وروي عنهم أيضًا مثل قول مالك وأحمد. اهـ محل الغرض منه.

وقال أيضًا: قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر: يوم أضحى. وأجمعوا على ألا أضحي بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في هذه إلَّا قولان:

أحدهما: قول مالك والكوفيين.

والآخر: قول الشافعي، والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنَّة، ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما. اهـ.

وقال النووي في شرح المهذب: في وقت ذبح الهدي طريقان: أصحهما وبه قطع العراقيون وغيرهم: أنه يختص بيوم النحر وأيام التشريق.

والثاني: فيه وجهان أصحهما: هذا، والثاني: لا يختص بزمان كدماء الجبران. فعلى الصحيح لو أخر الذبح حتى مضت هذه الأيام، فإن كان الهدي واجبًا لزمه ذبحه، ويكون قضاء، وإن كان تطوعًا فقد فات الهدي.

قال الشافعي والأصحاب: فإن ذبحه كان شاة لحم لا نسكًا. اهـ محل الغرض منه.

ص: 539

وذكر النووي عن الرافعي أنه في بعض المواضع من كتابه في باب صفة الحج جزم بأنه لا يختص بيوم النحر، وأيام التشريق، وأنه ذكر المسألة على الصواب في باب الهدي.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: القول بعدم الاختصاص بيوم النحر ويومين، أو ثلاثة بعده ظاهر البطلان، لأن عدم الاختصاص يجعل زمن النحر مطلقًا، وليس مقيدًا بزمان، وهذا يرده صريح قوله:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} فجعل ظرفه أيامًا معلومات يرد الإِطلاق في الزمن ردًا لا ينبغي أن يختلف فيه كما ترى.

وقال النووي أيضًا في شرح المهذب: اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات هي: أيام التشريق، وهي ثلاثة بعد يوم النحر. اهـ.

ولا وجه للخلاف في ذلك، مع أنه يدل عليه قوله تعالى متصلًا به:{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} الآية. والمراد بذلك: أيام الرمي التي هي أيام التشريق كما ترى. ثم قال النووي: وأما الأيام المعلومات فمذهبنا: أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. انتهى محل الغرض منه.

وعزا ابن كثير هذا القول لابن عباس قال: وعلقه عنه البخاري بصيغة الجزم. ونقله ابن كثير أيضًا عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، وعطاء الخرساني، وإبراهيم النخعي. قال: وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل، ثم شرع يذكر الأحاديث الدالة على فضل الأيام العشرة الأول من ذي الحجة.

ص: 540

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تفسير الأيام المعلومات في آية الحج هذه بأنها العشر الأول من ذي الحجة إلى آخر يوم النحو لا شك في عدم صحته وإن قال به من أجلاء العلماء، وبعض أجلاء الصحابة من ذكرنا.

والدليل الواضح على بطلانه أن الله بين أنها أيام النحر بقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وهو ذكره بالتسمية عليها عند ذبحها تقربًا إليه كما لا يخفى. والقول: بأنها العشرة المذكورة يقتضي أن تكون العشرة كلها أيام نحر، وأنه لا نحر بعدها. وكلا الأمرين باطل كما ترى، لأن النحر في التسعة التي قبل يوم النحر لا يجوز، والنحر في اليومين بعده جائز. وكذلك الثالث عند من ذكرنا، فبطلان هذا القول واضح كما ترى. ثم قال النووي متصلًا بكلامه الأول، وقال مالك: هي ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده، فالحادي عشر، والثاني عشر عنده من المعلومات، والمعدودات.

وقال أبو حنيفة المعلومات: ثلاثة أيام: يوم عرفة، والنحر والحادي عشر. وقال علي رضي الله عنه: المعلومات أربعة: يوم عرفة والنحر ويومان بعده.

وفائدة الخلاف: أن عندنا يجوز ذبح الهدايا والضحايا في أيام التشريق كلها، وعند مالك لا يجوز في اليوم الثالث. هذا كلام صاحب البيان. انتهى من النووي. وقد سكت على كلام صاحب البيان: وهو باطل بطلانًا واضحًا، لأن القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة الأول لا يدل على جواز الذبح فيما بعد يوم النحر لأنه آخرها، وقد يدل على جواز الذبح قبل النحر في جميع التسعة الأول،

ص: 541

لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح كما بينا مرارًا، فإن كانت هي العشرة، كانت العشرة هي ظرف الذبح، فلا يجوز فيما قبلها ولا بعدها، ولكنه يجوز في جميعها. وبطلان هذا واضح كما ترى. ثم قال النووي متصلًا بكلامه السابق.

وقال العبدري: فائدة وصفه بأنه معلوم جواز النحر فيه، وفائدة وصفه بأنه معدود انقطاع الرمي فيه. وقال: وبمذهبنا قال أحمد، وداود.

وقال الإِمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: قال أكثر المفسرين: الأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة. قال: وإنما قيل لها: معلومات للحرص على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها.

قال: وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق. وقال محمد بن كعب: المعلومات والمعدودات واحد.

قلت: وكذا نقل القاضي أبو الطيب والعبدري، وخلائق إجماع العلماء على أن المعدودات: هي أيام التشريق. وأما ما نقله صاحب البيان عن ابن عباس فخلاف المشهور عنه.

فالصحيح المعروف عن ابن عباس: أن المعلومات: أيام العشر كلها كمذهبنا، وهو مما احتج به أصحابنا، كما سأذكره قريبًا إن شاء الله.

واحتج لأبي حنيفة، ومالك بأن الله تعالى قال:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وأراد بذكر اسم الله في الأيام المعلومات: تسمية الله تعالى

ص: 542

على الذبح، فينبغي أن يكون ذكر اسم الله تعالى في جميع المعلومات، وعلى قول الشافعي لا يكون ذلك إلا في يوم واحد منها، وهو يوم النحر.

واحتج أصحابنا بما رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات: أيام العشر، والمعدودات: أيام التشريق. رواه البيهقي بإسناد صحيح.

واستدلوا أيضًا بما استدل به المزني في مختصره: وهو أن اختلاف الأسماء يدل على اختلاف المسميات، فلما خولف بين المعدودات والمعلومات في الاسم دل على اختلافهما، وعلى ما يقول المخالفون يتداخلان في بعض الأيام. والجواب عن الآية من وجهين:

أحدهما: جواب المزني: أنه لا يلزم من سياق الآية وجود الذبح في الأيام المعلومات، بل يكفي وجوده في آخرها، وهو يوم النحر.

قال المزني والأصحاب: ونظيره قوله تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} وليس هو نورًا في جميعها، بل في بعضها.

الثاني: أن المراد بالذكر في الآية الذكر على الهدايا، ونحن نستحب لمن رأى هديًا أو شيئًا من بهيمة الأنعام في العشر أن يكبر، واللَّه أعلم. انتهى كلام النووي.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن مذهب الشافعية في الأيام المعلومات خلاف الصواب وإن قال به من قال من أجلاء العلماء، وأن الأجوبة التي أجابوا بها عن

ص: 543

الاعتراضات الواردة عليه لا ينهض شيء منها؛ لما قدمنا من أن الله بين في كتابه أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح والنحر، فتفسيرها بأنها العشرة الأول يلزمه جواز الذبح في جميعها، وعدم جوازه بعد غروب شمس اليوم العاشر. وهذا كله باطل كما ترى.

وزعم المزني رحمه الله: أن الآية كقوله: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} ظاهر السقوط؛ لأنه كون القمر كوكبًا واحدًا، والسموات سبعًا طباقًا قرينة دالة على أنه في واحدة منها دون الست الأخرى.

وأما قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} فظاهره المتبادر منه أن جميع الأيام المعلومات ظرف لذكر الله على الذبائح، وليس هنا قرينة تخصصه ببعضها دون بعض، فلا يجوز التخصيص ببعضها إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودًا هنا. وتفسيرهم ذكر اسم الله عليها بأن معناه: أن من رأى هديًا أو شيئًا من بهيمة الأنعام في العشر استحب له أن يكبر، وأن ذلك التكبير هو ذكر الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنه مخالف لتفسير عامة المفسرين للآية الكريمة.

والتحقيق في تفسيرها ما هو مشهور عند عامة أهل التفسير، وهو ذكر اسم الله عليها عند التذكية، كما دل عليه قوله بعده مقترنًا به {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الآية. وقوله:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية. وقوله: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية، وتداخل الأيام لا يمنع من مغايرتها؛ لأن الأعمين من وجه متغايران إجماعًا مع تداخله في بعض الصور.

ومما يبطل القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة المذكورة أن

ص: 544

كونها العشرة المذكورة يستلزم عدم جواز الذبح بعد غروب شمس اليوم العاشر، وهو خلاف الواقع؛ لجواز الذبح في الحادي عشر والثاني عشر، بل والثالث عشر عند الشافعية.

والتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: أن الأيام المعدودات: هي أيام التشريق التي هي أيام رمي الجمرات. وحكى عليه غير واحد الإِجماع، ويدل عليه قوله تعالى متصلًا به:{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} الآية، وأن الأيام المعلومات: هي: أيام النحر، فيدخل فيها يوم النحر واليومان بعده، والخلاف في الثالث عشر، هل هو منها كما مر تفصيله؟ وقد رجح بعض أهل العلم أن الثالث عشر منها. ورجح بعضهم: أنه ليس منها.

وقد قال ابن قدامة في المغني في ترجيح القول بأنه ليس منها ما نصه: ولنا "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل من النسك فوق ثلاث" وغير جائز أن يكون الذبح مشروعًا في وقت يحرم فيه الأكل، ثم نسخ تحريم الأكل، وبقي وقت الذبح بحاله، ولأن اليوم الرابع: لا يجب فيه الرمي، فلم يجز فيه الذبح كالذي بعده.

ومما رجح به بعضهم أن اليوم الرابع منها: أنه يؤدي فيه بعض المناسك: وهو الرمي إذا لم يتعجل، فهو كسابقيه من أيام التشريق. والعلم عند الله تعالى.

ومما يوضح أن الأيام المعلومات هي: أيام النحر، سواء قلنا: إنها ثلاثة، أو أربعة: أن الله نص على أنها هي التي يذكر فيها اسم الله، أي: عند التذكية، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، كما قدمنا إيضاحه.

ص: 545

وإذا عرفت كلام أهل العلم في الأيام المعلومات التي هي زمن الذبح. فاعلم: أن العلماء اختلفوا في لياليها، هل يجوز فيها الذبح؟ فذهب مالك، وأصحابه: إلى أنه لا يجوز ذبح النسك ليلًا، فإن ذبحه ليلًا لم يجز، وتصير شاة لحم لا نسك، وهو رواية عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي. وذهب الشافعي، وأصحابه إلى جواز الذبح ليلًا. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، والجمهور وهو الأصح عن أحمد.

وحجة من قال: لا يجوز الذبح ليلًا أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله: {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} قالوا: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك.

وحجة من أجازه: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي، وتخصيصه بالأيام أحوط؛ لمطابقة لفظ القرآن. والعلم عند الله تعالى.

وإذا علمت وقت نحر الهدي وأن الهدي نوعان: واجب، وغير واجب، وهو هدي التطوع، فهذه تفاصيل أحكام كل منهما.

أما الهدي الواجب فهو بالتقسيم الأول نوعان:

أحدهما: هدي واجب بالنذر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الكلام على قوله تعالى:{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} .

وهدي واجب بغير النذر، وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: الهدي المنصوص عليه.

والثاني: الهدي المسكوت عنه، ولكن العلماء قاسوه على الهدي المنصوص عليه.

ص: 546

أما المنصوص عليه فهو أربعة أقسام:

الأول: هدي التمتع، ويدخل فيه القران؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم جاء عنهم التصريح بأن اسم التمتع في الآية صادق بالقران، كما قدمناه واضحًا عن ابن عمر، وعمران بن حصين، وغيرهما. والصحابة هم أعلم الناس بلغة الرب وبدلالة القرآن.

وهدي التمتع المذكور منصوص في قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .

الثاني: دم الإِحصار المنصوص عليه في قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .

الثالث: دم جزاء الصيد المنصوص عليه بقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} الآية.

الرابع: دم فدية الأذى المذكور في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} .

وهذه الدماء الأربعة اثنان منها على التخيير، وهما: دم الفدية في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} كما قدمنا إيضاحه. والثاني: جزاء الصيد، فهو على التخيير أيضًا كما قدمنا إيضاحه مستوفي في الكلام على قوله:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} الآية.

وقد أوضحنا الكلام على التخيير فيهما غاية الإِيضاح بما أغنى عن إعادته هنا.

وواحد من الدماء الأربعة المذكورة على الترتيب إجماعًا، وهو

ص: 547

دم التمتع الشامل للقران؛ لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ثم قال مبينًا الترتيب: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} الآية.

والرابع: من الدماء المذكورة اختلف فيه فمن قال: له بدل عند العجز عنه قال: هو على الترتيب، ومن قال: لا بدل له فالأمر على قوله واضح؛ لأنه ليس هناك تعدد، يقتضي الترتيب أو عدمه. وهذا القسم هو دم الإِحصار. وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على قوله:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الآية.

والحاصل: أن ثلاثة من الدماء الأربعة المذكورة - قد قدمنا الكلام على كل واحد منها - بغاية الإِيضاح والاستيفاء، فدم الفدية قدمناه في مباحث آية الحج التي هي:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} في جملة مسائل الحج التي ذكرنا في الكلام عليها.

ودم جزاء الصيد قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في المائدة في الكلام على قوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} الآية.

ودم الإِحصار قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في البقرة في الكلام على قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .

وأما هدي التمتع، فلم يتقدم لنا فيه إيضاح، وسنبينه الآن.

أما التمتع بالعمرة فمعلوم أن كل من اعتمر في أشهر الحج، ثم حل من عمرته، ثم حج من عامه، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أنه متمتع.

وقد بينا أن الصحابة بينوا أنه يشمل القرآن من حيث أن كلًّا

ص: 548

منهما عمرة في أشهر الحج مع الحج وإن كان بين حقيقتيهما اختلاف كما هو واضح.

اعلم أولًا: أن العلماء اشترطوا لوجوب هدي التمتع شروطًا.

منها: ما هو مجمع عليه.

ومنها: ما هو مختلف فيه.

الأول: أن يعتمر في أشهر الحج، فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولا يخفى سقوط قول طاوس: إنه متمتع، كما لا يخفى سقوط قول الحسن: إن من اعتمر بعد النحر فهو متمتع.

وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين. قاله في المغني.

فإن أحرم بها في غير أشهر الحج، ولكنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، ففي ذلك للعلماء قولان:

أحدهما: يجب عليه الدم نظرًا إلى أفعال العمرة الواقعة في أشهر الحج.

والثاني: لا يجب عليه دم نظرًا إلى وقوع الإِحرام قبل أشهر الحج، وهو نسك لا تتم العمرة بدونه.

ولكليهما وجه من النظر، ولا نص فيهما. وممن قال بأنه لا دم عليه، وأنه غير متمتع: الإِمام أحمد.

قال في المغني: ونقل معنى ذلك عن جابر، وأبي عياض، وهو قول إسحاق، وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس: عمرته في

ص: 549

الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. وقال عطاء: عمرته في الشهر الذي يحل فيه، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن طاف للعمرة أربعة أشواط قبل أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج، فهو متمتع؛ لأن العمرة صحت في أشهر الحج، بدليل أنه لو وطئ أفسدها، فأشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج. قاله في المغني. واللَّه تعالى أعلم.

الشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنَّة التي اعتمر في أشهر الحج منها: أما إذا كان حجه في سنة أخرى فلا دم عليه.

قال صاحب المهذب: وذلك لما روى سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا. قال: ولأن الدم إنما يجب لترك الإِحرام بالحج من الميقات، وهذا لم يترك الإِحرام بالحج من الميقات، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته، وإن رجع إلى بلده، وعاد فقد أحرم من الميقات.

وقال النووي في الأثر المذكور: المروي عن ابن المسيب حسن. رواه البيهقي بإسناد حسن. ولا يخفي سقوط قول الحسن: إنه متمتع وإن لم يحج من عامه.

الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده، أو ما يماثله في المسافة. وقال بعضهم: يكفي في هذا الشرط أن يرجع إلى ميقاته فيحرم بالحج منه، وبعضهم يكتفي بمسافة القصر بعد العمرة، ثم يحرم للحج من مسافة القصر.

ص: 550

والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة، والإِحرام بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع إلا أنهم مختلفون في قدر المسافة، فمنهم من يقول: لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى المحل الذي جاء منه، ثم ينشئ سفرًا للحج، ويحرم من الميقات. وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع إلى بلده أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده، وبعضهم يكفي عنده سفر مسافة القصر، وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع لإِحرام الحج إلى ميقاته وقد قدمنا أقوالهم مفصلة.

ودليلهم في ذلك ما فهموه من قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قالوا: لا فرق بين حاضري المسجد الحرام، وبين غيرهم إلا أن غيرهم ترفهوا بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج بعد السفر للعمرة، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب، فسقط الدم بزواله. وعضدوا ذلك بآثار رووها عن عمر وابنه رضي الله عنهما. وقد قدمنا قولي العلماء في الشيء الذي ترجع إليه الإِشارة في قوله:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وناقشنا أدلتهما، وبينا أنه على القول الذي يراه البخاري رحمه الله، ومن وافقه أن الإِشارة راجعة إلى نفس التمتع وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلًا، فلا دليل في الآية على أقوال الأئمة التي ذكرنا، وعلى القول الآخر أن الإِشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو لزوم ما استيسر من الهدى، والصوم عند العجز عنه، لا نفس التمتع فاستدلال الأئمة بها على الأقوال المذكورة له وجه من النظر كما ترى.

والحاصل: أن استدلالهم بها إنما يصح على أحد التفسيرين في مرجع الإشارة في الآية. وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفى.

ص: 551

والأحوط عندي: إراقة دم التمتع ولو سافر؛ لعدم صراحة دلالة الآية في إسقاطه، وللاحتمال الآخر الذي تمسك به البخاري والحنفية كما تقدم إيضاحه. وممن قال بذلك الحسن. واختاره ابن المنذر لعموم الآية. قاله في المغني. والعلم عند الله تعالى.

الشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام. فأما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

وأظهر أقوال أهل العلم عندي في المراد بحاضري المسجد الحرام أنهم أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن المسجد الحرام قد يطلق كثيرًا ويراد به الحرم كله، ومن على مسافة دون مسافة القصر، فهو كالحاضر، ولذا تسمى صلاته إن سافر من الحرم إلى تلك المسافة صلاة حاضر، فلا يقصرها، لا صلاة مسافر حتى يشرع له قصرها، فظهر دخوله في اسم حاضري المسجد الحرام بناء على أن المراد به جميع الحرم، وهو الأظهر خلافًا لمن خصه بمكة، ومن خصه بالحرم، ومن عممه في كل ما دون الميقات. وقد علمت أن هذا الشرط إنما يتمشى على أحد القولين في الآية.

الشرط الخامس: ما قال به بعض أهل العلم من أنه يشترط نية التمتع بالحج إلى العمرة عند الإِحرام بالعمرة. قال: لأنه جمع بين عبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجمع، كالجمع بين الصلاتين، وعلى الاشتراط المذكور فمحل نية التمتع هو وقت الإِحرام بالعمرة. وقال بعضهم: له نية التمتع ما لم يفرغ من أعمال العمرة كالخلاف في وقت نية الجمع بين الصلاتين، فقال بعضهم:

ص: 552

ينوي عند ابتداء الأولى منهما، وقال بعضهم: له نية ما لم يفرغ من الصلاة الأولى. هكذا قاله بعض أهل العلم. وعليه فلو اعتمر في أشهر الحج، وهو لا ينوي الحج في تلك السنة، ثم بعد الفراغ من العمرة بدا له أن يحج في تلك السنة، فلا دم تمتع عليه. واشتراط النية المذكور عزاه صاحب الإِنصاف للقاضي، وأكثر الحنابلة، وحكي عدم الاشتراط بقيل، ثم قال: واختاره المصنف، والشارح، وقدمه في المحرر، والفائق. والظاهر سقوط هذا الشرط، وأنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة فعليه الهدي، لظاهر عموم الآية الكريمة، فتخصيصه بالنية تخصيص للقرآن بلا دليل يجب الرجوع إليه. ويؤيده أنهم يقولون: إن سبب وجوب الدم أنه ترفه بإسقاط سفر الحج، وتلك العلة موجودة في هذه الصورة. والعلم عند الله تعالى.

الشرط السادس: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كون الحج والعمرة المذكورين عن شخص واحد، كأن يعتمر بنفسه، ويحج بنفسه، وكل ذلك عن نفسه، لا عن غيره، أو يحج شخص، ويعتمر عن شخص واحد. أما إذا حج عن شخص، واعتمر عن شخص آخر، أو اعتمر عن شخص، وحج عن نفسه، أو اعتمر عن نفسه، وحج عن شخص آخر، فهل يلزم دم التمتع نظرًا إلى أن مؤدي النسكين شخص واحد، أو لا يلزم نظرًا إلى أن الحج وقع عن شخص، والعمرة وقعت عن شخص آخر، فهو كما لو فعله شخصان فحج أحدهما، واعتمر الآخر، وإذن فلا تمتع على أحدهما؟ وكلاهما له وجه من النظر، ومذهب الشافعي الذي عليه جمهور الشافعية: هو عدم اشتراط هذا الشرط نظرًا إلى اتحاد فاعل النسك، ومقابله

ص: 553

المرجوح عدم وجوب الدم نظرًا إلى أن الحج عن شخص، والعمرة عن آخر. ومذهب مالك في هذا قريب من مذهب الشافعي في وجود الخلاف. وترجيح عدم الاشتراط.

قال الشيخ المواق في شرح قول خليل في مختصره في عده شروط وجوب دم التمتع، وفي شرط كونهما عن واحد تردد ما نصه: ذكر ابن شاس من الشروط التي يكون بها متمتعًا أن يقع النسكان عن شخص واحد. ابن عرفة لا أعرف هذا، بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع.

وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل المذكور ما نصه: أشار بالتردد لتردد المتأخرين في النقل، فالذي نقله صاحب النوادر، وابن يونس، واللخمي عدم اشتراط ذلك.

وقال ابن الحاجب: الأشهر اشتراط كونهما عن واحد، وحكى ابن شاس في ذلك قولين. قال في التوضيح: لم يعزهما ولم يعين المشهور منهما، ولم يحك صاحب النوادر وابن يونس إلَّا ما وقع في الموازية أنه تمتع. انتهى. وقال في مناسكه بعد أن ذكر كلام ابن الحاجب خليل: ولم أر في ابن يونس وغيره إلَّا القول بوجوب الدم.

وقال ابن عرفة: وشرط ابن شاس كونهما عن واحد، ونقل ابن الحاجب: لا أعرفه، بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع. فما ذكره المصنف من التردد صحيح. لكن المعروف: عدم اشتراط ذلك وعادته أن يشير بالتردد لما ليس فيه ترجيح.

ص: 554

وقال ابن جماعة الشافعي في منسكه الكبير: لا يشترط أن يقع النسكان عن واحد عند جمهور الشافعية، وهو قول الحنفية، ورواية ابن المواز، عن مالك. وعلى ذلك جرى جماعة من أئمة المالكية منهم الباجي، والطرطوشي، ومن الشافعية من شرط ذلك.

وقال ابن الحاجب: إنه الأشهر من مذهب مالك، وتبع ابن الحاجب في اشتراط ذلك صاحب الجواهر.

وقوله: إنه الأشهر غير مسلم، فإن القرافي في الذخيرة ذكر ما سوى هذا الشرط، وقال: إن صاحب الجواهر زاد هذا الشرط، ولم يعزه لغيره. انتهى كلام الحطاب، والظاهر من النقول التي نقلها أن عدم اشتراط كون النسكين عن واحد: هو المعروف في مذهب مالك، وهو كذلك، ومذهب أحمد قريب من مذهب مالك، والشافعي، ففيه خلاف أيضًا، هل يشترط كون النسكين عن واحد أو لا يشترط؟ وعدم اشتراطه عليه الأكثر من الحنابلة، وعزاه في الإِنصاف لبعض الأصحاب قال: منهم المصنف، والمجد. قاله الزركشي. واقتصر عليه في الفروع وعزا مقابله لصاحب التلخيص. وقد قدمنا في كلام ابن جماعة الشافعي أن عدم اشتراط كون النسكين عن شخص واحد هو مذهب الحنفية أيضًا، فظهر أن المشهور في المذاهب الأربعة عدم اشتراط هذا الشرط، وقول من اشترطه له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.

الشرط السابع: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم قبل حله منها صار قارنًا، كما وقع لعائشة رضي الله عنها في حجة الوداع على التحقيق كما تقدم إيضاحه.

ص: 555

الشرط الثامن: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كونه لا يعد متمتعًا حتى يحرم بالعمرة من الميقات، فإن أحرم بها من دون الميقات صار غير متمتع؛ لأنه كأنه من حاضري المسجد الحرام، ولا يخفى سقوط هذا الشرط.

قال صاحب الإِنصاف لما ذكر هذا الشرط: ذكره أبو الفرج والحلواني. وجزم به ابن عقيل في التذكرة، وقدمه في الفروع. وقال القاضي وابن عقيل وجزم به في المستوعب والتلخيص والرعاية وغيرهم: إن بقي بينه وبين مكة مسافة قصر، فأحرم منه لم يلزمه دم المتعة؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، بل دم مجاوزة الميقات. واختار المصنف والشارح وغيرهما أنه إذا أحرم بالعمرة من دون الميقات يلزمه دمان: دم المتعة، ودم الإِحرام من دون الميقات؛ لأنه لم يقم ولم ينوها به، وليس بساكن. وردوا ما قاله القاضي. انتهى منه. وهذا الأخير هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم.

وقال صاحب الإِنصاف بعد كلامه هذا متصلًا به: قال المصنف والشارح: ولو أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم، فهو متمتع نص عليه. وفي نصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق الأولى. اهـ منه. ولا ينبغي أن يختلف في واحدة منهما لدخولهما صريحًا في عموم آية التمتع، كما ترى. والعلم عند الله تعالى.

واعلم أن من يعتد به من أهل العلم أجمعوا على أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع من الهدي، والصوم عند العجز عن الهدي. وقد قدمنا الروايات الصحيحة الثابتة عن بعض أجلاء الصحابة بأن القرآن داخل في اسم التمتع. وعلى هذا فهو داخل في عموم الآية.

ص: 556

وكلا النسكين فيه تمتع لغة؛ لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع، أو النفع ومنه قوله:

وقفت على قبر غريب بقفرة

متاع قليل من حبيب مفارق

جعل استئناسه بقبره متاعًا لانتفاعه بذلك الاستئناس، وكل من القارن والمتمتع انتفع بإسقاط أحد السفرين، وانتفع القارن عند الجمهور باندراج أعمال العمرة في الحج.

وقال جماعة من أهل العلم: إن القرآن لم يدخل في عموم الآية بحسب مدلول لفظها، وهو الأظهر؛ لأن الغاية في قوله:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} تدل على ذلك. والذين قالوا هذا قالوا: هو ملحق به في حكمه؛ لأنه في معناه. وعلى أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع عامة العلماء منهم الأئمة الأربعة إلَّا من شذ شذوذًا لا عبرة به.

وليس كل خلاف جاء معتبرًا

إلَّا خلاف له وجه من النظر

قال في الإِنصاف: وسأله - يعني الإِمام أحمد - بن مشيش: القارن يجب عليه الدم وجوبًا؟ فقال: كيف يجب عليه وجوبًا، وإنما شبهوه بالمتمتع. قال في الفروع: فتتوجه منه رواية: لا يلزم دم. اهـ منه.

ولا يخفى أن مذهب أحمد مخالف لما زعموه رواية، وأن القارن كالمتمتع في الحكم.

وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافًا إلَّا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه. وروي ذلك عن طاوس. وحكى ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال: لا، فجرّ برجله، وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. اهـ منه.

ص: 557

وذكر النووي: أن العبدري حكى هذا القول عن الحسن بن علي بن سريج. والتحقيق خلافه، وأنه يلزمه ما يلزم المتمتع.

ومن النصوص الدالة على ذلك: حديث عائشة المتفق عليه، وفيه "فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه" متفق عليه.

قال المجد في المنتقى: وفيه دليل على الأكل من دم القرآن؛ لأن عائشة كانت قارنة. اهـ منه. وهو يدل على أن القارن عليه دم. واللَّه أعلم.

ومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ "ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر" ومعلوم أنها كانت قارنة على التحقيق، فتلك البقرة دم قران. وذلك دليل على لزومه. وما ذكره ابن قدامة في المغني من أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دمًا" لم أعرف له أصلًا، والظاهر أنه لا يصح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم.

وأكثر أهل العلم على أن القارن إن كان أهله حاضري المسجد الحرام أنه لا دم عليه؛ لأنه متمتع، أو في حكم المتمتع. واللَّه يقول:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

وقال ابن قدامة في المغني: وهو قول جمهور العلماء. وقال ابن الماجشون: عليه دم؛ لأن الله تعالى أسقط الدم عن المتمتع، وهذا ليس متمتعًا. وليس هذا بصحيح، فإننا ذكرنا أنه متمتع، وإن لم يكن متمتعًا فهو مفرع عليه. ووجوب الدم على القارن إنما كان بمعنى النص على التمتع، فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله. انتهى منه.

ص: 558

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حاصل هذا الكلام: أن القارن كالمتمتع في أن كلًّا منهما إن كان من حاضري المسجد الحرام، لا دم عليه. وذكر صاحب المغني: أن ابن الماجشون خالف في ذلك، وقال: عليه دم، وله وجه قوي من النظر على قول الجمهور: أنه يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه، وعمرته. فقد انتفع بإسقاط عمل أحد النسكين، ولزوم الدم في مقابل ذلك له وجه من النظر كما ترى.

وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: ولا يجب على حاضري المسجد الحرام دم القران، كما لا يجب على المتمتع، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور. وحكى الحناطي والرافعي وجهًا: أنه يلزمه. انتهى محل الغرض منه. وهذا الوجه عند الشافعية هو قول ابن الماجشون من المالكية، كما ذكره صاحب المغني. ومذهب مالك، وأصحابه، كمذهب الشافعي وأحمد في أن القارن إن كان من حاضري المسجد الحرام لا دم عليه، وحاضروا المسجد عند مالك وأصحابه أهل مكة، وذي طوى.

قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: و"شرط دمهما عدم إقامته بمكة أو ذي طوى". . . إلخ ما نصه: وذو طوى هو ما بين الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمعلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر وتسمى عند أهل مكة بين الحجونين. اهـ محل الغرض منه.

وقد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: أن أهل مكة ونحوهم ممن دون الميقات لا تشرع لهم العمرة أصلًا، فلا تمتع لهم ولا قران، بناء على رجوع الإِشارة في قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ

ص: 559

حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لنفس التمتع كما تقدم إيضاحه، مع أنهم يقولون: إنهم إن تمتعوا أو قرنوا أساءوا وانعقد إحرامهم، ولزمهم دم الجبر. وهذا الدم عندهم دم جناية لا يأكل صاحبه منه، بخلاف دم التمتع والقران من غير حاضري المسجد الحرام، فهو عندهم دم نسك، يجوز لصاحبه الأكل منه. ونقل بعض الحنفية عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير: أن أهل مكة لا متعة لهم. وقد قدمنا أنه رأي البخاري.

واعلم: أنا قدمنا أن من شروط وجوب دم التمتع: ألا يرجع بعد العمرة إلى بلده أو مسافة مثله، أو يسافر مسافة القصر على ما بينا هناك من أقوال الأئمة في ذلك، وأردنا أن نذكر هنا حكم القارن إذا أتى بأفعال العمرة، ثم رجع إلى بلده، ثم حج من عامه، أو سافر مسافة قصر، ثم أحرم بالحج من الميقات، هل يسقط عنه الدم بذلك كالمتمتع أو لا؟ ومذهب أبي حنيفة: أن الدم لا يسقط عنه برجوعه إلى بلده بعد إتيانه بأفعال العمرة إن رجع، وحج لأنه لم يزل قارنًا.

وقال صاحب الإِنصاف في الكلام على القارن: لا يلزم الدم حاضري المسجد الحرام، كما قال المصنف. وقاله في الفروع وغيره، وقال: والقياس أنه لا يلزم من سافر سفر قصر أو إلى الميقات إن قلنا به، كظاهر مذهب الشافعي، وكلامهم يقتضي لزومه؛ لأن اسم القرآن باق بعد السفر، بخلاف التمتع. اهـ منه.

وحاصل كلامه: أن ظاهر كلام الحنابلة: أن السفر بعد وصول مكة لا يسقط دم القران، وأن مقتضى القياس أنه يسقطه إلحاقًا له بالتمتع.

وقال النووي في شرح المهذب: لو دخل القارن مكة قبل يوم

ص: 560

عرفة، ثم عاد إلى الميقات، فالمذهب: أنه لا دم عليه في الإِملاء، وقطع به كثيرون أو الأكثرون، وصححه الحناطي وآخرون. وقال إمام الحرمين: إن قلنا: المتمتع إذا أحرم بالحج ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. والفرق أن اسم القرآن لا يزول بالعود، بخلاف التمتع، ولو أحرم بالعمرة من الميقات، ودخل مكة، ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج، فهو قارن.

قال الدارمي في آخر باب الفوات: إن قلنا: إذا أحرم بهما جميعًا، ثم رجع سقط الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. انتهى منه.

وظاهر كلام خليل في مختصره المالكي أن السفر لا يسقط دم القران.

والحاصل: أنا بينا اختلاف أهل العلم في السفر بعد أفعال العمرة أو بعد دخول مكة، هل يسقط دم القرآن أو لا؟ وبينا قول صاحب الإِنصاف: أن سقوطه بالسفر، هو مقتضى قياسه على التمتع.

وأقرب الأقوال عندي للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر. وقد بينا أن الأحوط عندنا أن دم التمتع لا يسقطه السفر، لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية في سقوطه بالسفر. وقد ذكرنا أن لزوم الدم للقارن الذي هو من حاضري المسجد الحرام له وجه من النظر؛ لأنه اكتفى عن النسكين بعمل أحدهما على قول الجمهور، كما تقدم.

وأظهر قولي أهل العلم عندنا أن المكي إذا أراد الإِحرام بالقران، أحرم به من مكة؛ لأنه يخرج في حجه إلى عرفة، فيجمع

ص: 561

بين الحل والحرم، خلافًا لمن قال: يلزم المكي القارن إنشاء إحرامه من أدنى الحل، وكذلك الآفاقي إذا كان في مكة، وأراد أن يحرم قارنًا، فالأظهر أنه يحرم بالقران من مكة خلافًا لمن قال: يحرم به من أدنى الحل لما بينا. والعلم عند الله تعالى.

وإذا عرفت الشروط التي بها يجب دم التمتع والقران، فاعلم أنا أردنا هنا أن نبين ما يجزئ فيه ووقت ذبحه.

أما ما يجزئ فيه، فالتحقيق أنه ما تيسر من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه بدنة، وأوسطه بقرة. والتحقيق: أن سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة، أو بقرة وذبحوها أجزأت عنهم، للنصوص الصحيحة الدالة على ذلك، كحديث جابر الثابت في الصحيح قال:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" وفي لفظ لمسلم "قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة" فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلَّا من البدن: قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" وفي لفظ لمسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة" فقال رجل لجابر:

ص: 562

أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلَّا من البدن" وحضر جابر الحديبية قال: "نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة" وفي لفظ له عنه، وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها". اهـ. محل الغرض من صحيح مسلم.

وهذه الروايات الصحيحة تدل: على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك بالسبع في بدنة، أو بقرة، ويدل على أن ذلك داخل فيما استيسر من الهدي. أما الشاة والبدنة كاملة فإجزاء كل منهما لا إشكال فيه.

وقال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا أبو جمرة قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما، عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. الحديث. فقوله: أو شرك في دم: يعني به ما بينته الروايات المذكورة الصحيحة عن جابر: أن البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" ثم قال: وبهذا قال الشافعي والجمهور، سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد اللحم. وعن أبي حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم

ص: 563

متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة: أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع، دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا. اهـ منه.

والتحقيق أن سبع البدنة وسبع البقرة كل واحد منهما يقوم مقام الشاة، ويدخل في عموم:{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} والروايات الصحيحة التي ذكرنا حجة على كل من خالف ذلك كمالك، ومن وافقه.

وما احتج به إسماعيل القاضي لمالك من أن الاشتراك في الهدي، لا يصح من أن حديث جابر، إنما كان بالحديبية، حيث كانوا محصرين، وأن حديث ابن عباس خالف فيه أبو جمرة عنه ثقات أصحابه، رووا عنه أن ما استيسر من الهدي: شاة، ثم ساق ذلك عنهم بأسانيد صحيحة = مردود.

أما دعوى أن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، فهي مردودة بما ثبت في الروايات الصحيحة في مسلم التي سقناها بألفاظها: أنهم اشتركوا الاشتراك المذكور معه صلى الله عليه وسلم أيضًا في حجه، ولا شك أن المراد بحجه حجة الوداع؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. وفي بعض الروايات الصحيحة عند مسلم التي سقناها بألفاظها آنفًا التصريح بوقوع الاشتراك في الحجة المذكورة، كما هو واضح من ألفاظ مسلم التي ذكرناها.

وأما دعوى مخالفة أبي جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس، فهي مردودة أيضًا بما ذكره ابن حجر في الفتح حيث قال: وليس بين رواية أبي جمرة، ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي

ص: 564

بالإِبل والبقر. وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، إلى أن قال: وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه، وهو أبو جمرة الضبعي. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنَّة. وذكر ابن حجر رجوع ابن عمر عن ذلك عن أحمد بسنده من طريق الشعبي، عن ابن عمر.

وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة. وذكر ابن حجر في الفتح عن سعيد بن المسيب في إحدى الروايتين عنه: أنها تجزئ عن عشرة. قال: وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. واحتج لذلك في صحيحه، وقواه واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج:"أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير" الحديث. وهو في الصحيحين.

وأجمعوا على أن الشاة: لا يصح الاشتراك فيها.

وقوله: أو شاة هو قول جمهور العلماء. ورواه الطبراني، وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلَّا من الإِبل والبقر. ووافقهما القاسم، وطائفة. قال إسماعيل القاضي في الأحكام له: أظن أنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن. قال: ويرد هذا قوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة، فوقع عليهما اسم هدي.

قلت: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمر قال: قال ابن عباس: الهدي

ص: 565

شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: فإن الله يقول: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . اهـ من فتح الباري.

وقد قدمنا في سورة البقرة: أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: "أهدى صلى الله عليه وسلم مرة غنمًا" وهو نص صحيح عنها صريح في تسمية الغنم هديًا كما ترى.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنه هو الصواب في هدي التمتع الذي نص الله في كتابه على أنه ما استيسر من الهدي: أنه شاة، أو بدنة، أو بقرة. ويكفي في ذلك سبع البدنة، وسبع البقرة عن المتمتع الواحد، وتكفي البدنة عن سبعة متمتعين؛ لثبوت الروايات الصحيحة بذلك. ولم يقم من كتاب الله، ولا سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم نص صريح في محل النزاع يقاومها. ورواية جابر: أن البدنة تكفي في الهدي عن سبعة أخص في محل النزاع من حديث رافع بن خديج "أنه صلى الله عليه وسلم جعل البعير في القسمة يعدل عشرًا من الغنم" لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم. والعلم عند الله تعالى.

ومما يوضح ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح في شرح حديث رافع المذكور. وقد أورده البخاري في كتاب الذبائح عن رافع بن خديج بلفظ قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير، فند منها بعير" الحديث.

ونص كلام ابن حجر في هذا الحديث: وهذا محمول على أن

ص: 566

هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإِبل كانت قليلة، أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه. ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه؛ لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين. وأما هذه القسمة، فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإِبل، دون الغنم.

وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة" والبدنة تطلق على الناقة، والبقرة.

وأما حديث ابن عباس "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة تسعة، وفي البدنة عشرة" فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا.

والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك. ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإِبل والغنم التي كانوا غنموها. ويحتمل إن كانت الواقعة تعددت أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي في حديث رافع طبخت الشياه صحاحًا مثلًا، فلما أريق مرقها ضمت إلى الغنم لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه. ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه عن العادة. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر.

وكون اللحم رد ليطبخه من وقع في سهمه مرة أخرى غير ظاهر عندي. واللَّه أعلم.

ص: 567

وحديث رافع المذكور: أخرجه أيضًا مسلم في كتاب الصيد والذبائح، ولفظ المراد منه عن رافع قال:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنمًا وإبلًا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت، ثم عدل عشرًا من الغنم بجزور".

والحاصل: أن أخص شيء في محل النزاع وأصرحه فيه، وأوضحه فيه حديث جابر الذي ذكرنا روايته عند مسلم. أما حديث رافع فهو في قسمة الغنيمة، لا في الهدي. وأما حديث ابن عباس فظاهره أنه في الضحايا. وعلى كل حال فحديث جابر أصح منه. فالذي يظهر أن المتمتع يكفيه سبع بدنة، وأن النص الصريح الوارد بذلك ينبغي تقديمه على أنه يكفيه عشر بدنة. وقد رأيت أدلة القولين. والعلم عند الله تعالى.

فإذا علمت أقوال أهل العلم في تعيين القدر المجزئ في هدي التمتع، والقران، وأن أظهر الأقوال أن أقله شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، وأن إجزاء البدنة الكاملة لا نزاع فيه.

فاعلم: أن أهل العلم اختلفوا في وقت وجوبه، ووقت نحره، وهذه تفاصيل أقوالهم وأدلتها، وما يرجحه الدليل منها.

أما مذهب مالك فالتحقيق فيه: أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبًا تامًا إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، لأن ذبحه في ذلك الوقت هو الذي فعله صلى الله عليه وسلم ، وقال:"لتأخذوا عني مناسككم" ولذا لو مات المتمتع يوم النحر، قبل رمي جمرة العقبة لا يلزم إخراج هدي التمتع من تركته، لأنه لم يتم وجوبه. وهذا هو الصحيح المشهور في مذهب مالك.

ص: 568

وقد كنت قلت في نظمي في فروع مالك، وفي الفرائض على مقتضى مذهبه في الكلام على ما يخرج من تركة الميت قبل ميراث الورثة بعد أن ذكرت قضاء ديونه:

وأتبعن دينه بهدي

تمتع إن مات بعد الرمي

واعلم: أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله كما هو ظاهر قول خليل في مختصره المالكي. قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى:"ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله" قد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي. والتحقيق أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة. وبه جزم ابن رشد وابن العربي، وصاحب الطراز، وابن عرفة. قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم إن مات - يعني: المتمتع قبل رمي جمرة العقبة - فلا دم عليه.

ابن رشد: لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره، وهو بعد رمي جمرة العقبة، فإن مات قبله لم يجب عليه.

ابن عرفة: قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه لم يجب، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد، عن ابن القاسم. وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر، ولم يرم فقد لزمه الدم. ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه. ولا أعلم في سقوطه خلافًا.

ولعبد الحق، عن ابن الكاتب، عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم. اهـ من الحطاب.

فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور أنه لا يجب على من مات

ص: 569

إلَّا إذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة. وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي، وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة. أما لو مات قبل الوقوف بعرفة، فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية. وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلَّا جواز إشعاره وتقليده، وعليه فلو أشعره، أو قلده قبل إحرام الحج، كان هدي تطوع، فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده، وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه، أي: بعد انعقاد الوجوب في الجملة. وعن ابن القاسم. أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج، ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع، وعليه فالمراد بقول خليل:"وأجزأ قبله"، أي: أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده، وإشعاره على إحرام الحج. هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج، أو بعده قبل وقت النحر، فقد غلط غلطًا فاحشًا.

قال الشيخ المواق في شرحه قول خليل: "وأجزأ قبله" ما نصه: ابن عرفة: يجزئ تقليده، وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضًا قبله على قول ابن القاسم. اهـ منه.

وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: "ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله" ما نصه:

فإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا؟.

قلت: يظهر في جواز تقليده، وإشعاره بعد الإِحرام بالحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد، لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه، فلا يجزئ إلَّا إذا قلد بعد كمال الأركان.

ص: 570

وقال الشيخ الحطاب أيضًا: والحاصل: أن دم التمتع والقران، يجوز تقليدهما قبل وجوبهما على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف.

فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة. نعم على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإِحرام بالحج تظهر ثمرة الوجوب في ذلك، ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج وجوبًا غير متحتم، لأنه معرض للسقوط بالموت، والفوات، فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب، فلا يسقط بالموت. كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعود وجوبًا غير متحتم، بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة، وطلاقها، فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة، أو طلقها إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل: على أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك. واللَّه أعلم. ونصوص أهل المذهب شاهدة لذلك.

قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر خلافًا للشافعي، لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلَّا يوم النحر. وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقاله في التلقين: الواجب لكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر. وله مثله في مختصر عيون المجالس. ثم قال الحطاب رحمه الله: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة، وجوزه الشافعي من حين يحرم بالحج.

ص: 571

واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة قبل الإِحرام بالحج.

ودليلنا أن الهدي متعلق بالتحلل، وهو المفهوم من قوله تعالى. {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} . اهـ منه. وكلام علماء المالكية بنحو هذا كثير معروف.

والحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع، والقران عند مالك، وعامة أصحابه قبل يوم النحر، وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول عليه، وأن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلَّا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج، لا شيء آخر، فما نقل عن عياض وغيره من المالكية، مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر كله غلط. إما من تصحيف الإِشعار، والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطًا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية، كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا التحقيق، ولا تغتر بغيره.

ومذهب الإِمام أحمد في وقت وجوبه فيه خلاف، فقيل: وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج.

قال في المغني: وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن الله تعالى قال:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف، كقوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} إلى أن قال: وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة. قال: وهو قول مالك، واختيار القاضي. ووجه في المغني هذا القول بأنه قبل الوقوف لا يعلم أيتم حجه أو لا؛ لأنه قد يعرض له الفوات، فلا يكون متمتعًا، فلا يجب عليه دم، وذكر عن عطاء وجوبه برمي جمرة العقبة.

ص: 572

وعن أبي الخطاب يجب إذا طلع فجر يوم النحر، ثم قال في المغني: فأما وقت إخراجه فيوم النحر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتع، ثم قال: وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال، ومعه هدي، قال: ينحر بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره لا يضيع أو يموت أو يسرق. وكذلك قال عطاء. وإن قدم في العشر حتى ينحره بمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر، فلم ينحروا حتى نحروا بمنى، ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته، وأقام على إحرامه، وكان قارنًا. اهـ محل الغرض منه. وسترى ما يرد هذا إن شاء الله تعالى.

وقال صاحب الإِنصاف: يلزم دم التمتع، والقران بطلوع فجر يوم النحر على الصحيح من المذهب، وجزم به القاضي في الخلاف، ورد ما نقل عنه خلافه إليه وجزم به في البلغة، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة، والتلخيص، والفروع، والرعايتين، والحاويين، وعنه يلزم الدم إذا أحرم بالحج، وأطلقهما في المذهب، ومسبوك الذهب. وعنه يلزم الدم بالوقوف. وذكره المصنف والشارح اختيار القاضي.

قال الزركشي: ولعله في المجرد وأطلقها، والتي قبلها في الكافي، ولم يذكر غيرها، وكذا قال المغني والشرح. وقال ابن الزاغوني في الواضح: يجب دم القران بالإِحرام. قال في الفروع: كذا قال، وعنه يلزم بإحرام العمرة لنية التمتع، إذ قال في الفروع: ويتوجه أن يبني عليهما ما إذا مات بعد سبب الوجوب، يخرج عنه من تركته.

ص: 573

وقال بعض الأصحاب: فائدة الروايات إذا تعذر الدم، وأراد الانتقال إلى الصوم، فمتى يثبت العذر فيه الروايات، ثم قال في الإِنصاف: هذا الحكم المتقدم في لزوم الدم. وأما وقت ذبحه فجزم في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والهادي، والتلخيص، والبلغة، والرعايتين، والحاويين وغيرهم. أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه.

قال في الفروع: وقال القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحر، ثم ذكر صاحب الإِنصاف عن بعضهم ما يدل على جواز ذبحه قبل ذلك، وذكر رده، ورده الذي ذكر هو الصحيح.

ومن جملة ما رده به فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، لأنهم لم يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعًا، ثم قال: وقد جزم في المحرر، والنظم، والحاوي، والفائق وغيرهم: أن وقت دم المتعة والقران: وقت دم الأضحية على ما يأتي في بابه، ثم قال: واختار أبو الخطاب في الانتصار: يجوز له نحره بإحرام العمرة، وأنه أولى من الصوم، لأنه بدل، وحمل رواية ابن منصور بذبحه يوم النحر على وجوبه يوم النحر، ثم قال:

ونقل أبو طالب إن قدم قبل العشر ومعه هدي ينحره لا يضيع، أو يموت، أو يسرق. قال في الفروع وهذا ضعيف.

قال في الكافي: وإن قدم قبل العشر نحره، وإن قدم به في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى، استدل بهذه الرواية، واقتصر عليه. انتهى محل الغرض من الإِنصاف.

وقد رأيت في كلامه أن الروايات بتحديد وقت الوجوب يبنى

ص: 574

عليها لزوم الهدي في تركته إن مات بعد الوجوب، وتحقق وقت العذر المبيح للانتقال إلى الصوم إن لم يجد الهدي، لا أن المراد بوقت الوجوب استلزام جواز الذبح؛ لأنهم يفردون وقت الذبح بكلام مستقل عن وقت الوجوب.

وأن الصحيح المشهور من مذهبه: أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. واختيار أبي الخطاب: جواز ذبحه بإحرام المتعة.

ورواية أبي طالب: جواز ذبحه إن قدم به قبل العشر كلاهما ضعيف لا يعول عليه، ولا يعضده دليل. والتعليل بخوف الموت والضياع، والسرقة منتقض بما إذا قدم به في العشر، لأن العشر يحتمل أن يموت فيها، أو يضع، أو يسرق كما ترى. والتحديد بنفس العشر لا دليل عليه من نص ولا قياس، فبطلانه واضح؛ لعدم اعتضاده بشيء غير احتمال الموت والضياع والسرقة، وذلك موجود في الهدي الذي قدم به في العشر، مع أن الأصل في كليهما السلامة. والعلم عند الله تعالى.

ومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن وقت وجوب دم التمتع هو وقت الإِحرام بالحج.

قال النووي في شرح المهذب: وبه قال أبه حنيفة، وداود، وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفات.

وقال مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة.

وأما وقت جواز ذبحه عند الشافعية ففيه قولان:

أحدهما: لا يجوز قبل الإِحرام بالحج، قالوا: لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن، فلا تجوز قبل وجوبها، كالصلاة والصوم.

ص: 575

والقول الثاني: يجوز بعد الفراغ من العمرة؛ لأنه حق مالي يجب بسببين، فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة بعد ملك النصاب، وقبل الحول. أما جواز ذبحه بعد الإِحرام بالحج، فلا خلاف فيه عند الشافعية، كما أن ذبحه قبل الإِحرام بالعمرة لا يجوز عندهم، بلا خلاف.

وقد قدمنا نقل النووي عن أبي حنيفة: أن وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة، وأصحابه؛ يوم النحر، فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية، وإن قدمه لم يجزئه. وينبغي تحقيق الفرق بين وقت الوجوب، ووقت النحر؛ لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته، فيما لو مات المحرم، هل يخرج الهدي من تركته بعد موته؛ ويتعين به وقت ثبوت العذر المجيز للانتقال إلى الصوم، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب جواز الذبح.

ومن فوائد ذلك: أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإِحرام عند من يقول بذلك لا يتعين لزوم الدم؛ لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع، فلا دم تمتع عليه، وإنما عليه دم الفوات. كما يأتي إن شاء الله تعالى.

وإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع، والقران فدونك أدلتهم، ومناقشتها، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها.

اعلم: أن من قال بجوازه قبل يوم النحر: كالشافعية، وأبي الخطاب من الحنابلة، ورواية ضعيفة عن أحمد إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد احتجوا، واحتج لهم بأشياء.

أما رواية أبي طالب عن أحمد بجواز تقديم ذبحه إن قدم به

ص: 576

صاحبه قبل العشر، فقد ذكرنا تضعيف صاحب الفروع لها؛ وبينا أنها لا مستند لها لأن مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنَّة ثابتة.

وأما قول أبي الخطاب: إنه يجوز بإحرام العمرة، فلا مستند له من كتاب، ولا سنَّة ولا قياس. والظاهر: أنه يرى أن هدي التمتع له سببان، وهما العمرة والحج في تلك السنَّة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإِتيان بالمسبب، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى، ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولا يخفى سقوط هذا، كما ترى. وأما الشافعية: فقد ذكروا لمذهبهم أدلة.

منها: أن هدي التمتع حق مالي، يجب بسببين: هما الحج، والعمرة، فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول.

ومنها: قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قالوا: قوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي: عليه ما استيسر من الهدي، وبمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فوجب حينئذٍ؛ لأنه معلق على التمتع، وقد وجد. قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج، وهو الإِحرام.

ومنها: أن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع، وذبح الهدي معلق على التمتع، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق.

ص: 577

ومنها: أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله:{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} الآية، وتقديم البدل يدل على تقديم المبدل منه.

ومنها: أنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر، كدم فدية الطيب واللباس.

ومنها: ظواهر بعض الأحاديث التي قد يفهم منها الذبح قبل يوم النحر، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في باب الاشتراك في الهدي.

وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. انتهى بلفظه من صحيح مسلم.

وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج. وفي المسألة خلاف، وتفصيل. . . إلى آخر كلام النووي.

ومن ذلك أيضًا ما رواه الحاكم في المستدرك: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجًا،

ص: 578

حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلَّا ليال قلائل أمرنا بالإِحلال الحديث.

وفيه: قال عطاء: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنمًا فأصاب سعدَ بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اصرخ: أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا" إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وفيه ألفاظ من ألفاظ حديث جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر أيضًا، وفيه أيضًا زيادة ألفاظ كثيرة. اهـ.

وأقره الحافظ الذهبي على تصحيح الحديث المذكور، وقوله في هذا الحديث:"فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة" إلخ. قد يتوهم منه أن ذبخ سعد لتيسه كان قبل الوقوف بعرفة.

هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه، ولأنه لا يحتاج في سقوطه إلى دليل.

وأما الجمهور القائلون بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم النحر فاستدلوا بأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة في أن أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر، وكان صلى الله عليه وسلم قارنًا كما قدمنا ما يدل على الجزم بذلك، سواء قلنا: إنه بدأ إحرامه قارنًا، أو أدخل العمرة على الحج، وأن ذلك خاص به كما تقدم. وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة إلَّا

ص: 579

عائشة، فإنها كانت قارنة على التحقيق، كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ولم ينحر عن نفسه صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد عن أحد من أزواجه إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين، وهم أكثر أصحابه، والقارنين الذين ساقوا الهدي، لم ينحر أحد منهم البتة قبل يوم النحر، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من الخلفاء أنه نحر هدي تمتعه، أو قرانه قبل يوم النحر البتة.

فإن قيل: فعله صلى الله عليه وسلم لا يتعين به الوجوب، لإِمكان أن يكون سنَّة لا فرضًا؛ لأن الفعل لا يقع في الخارج إلّا شخصيًّا، فلا عموم له، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة، ولم ينسخ الأخير منها الأول، وإذًا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر، مع جواز الذبح قبله.

فالجواب من وجهين، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانًا لنص فهو محمول على الوجوب إن كان الفعل المبين واجبًا، كما أطبق عليه الأصوليون. وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينًا به المراد من اليد في قوله:{فَاقْطَعُوَا أَيْدِيَهُمَا} يقتضي الوجوب، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج، ومن ذلك الذبائح، وأوقاتها؛ لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنَّة. ولذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لتأخذوا عني مناسككم" وإذًا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل، كبيانه أن عرفة كلها موقف، وأن

ص: 580

مزدلفة كلها موقف، وأن منى كلها منحر، ونحو ذلك، فلا يختص الحكم بنفس محل موقفه أو نحره.

قال صاحب جمع الجوامع عاطفًا على ما تعرف به جهة فعله صلى الله عليه وسلم من وجوب أو ندب ما نصه: "ووقوعه بيانًا". . . إلخ. يعني: أن وقوع الفعل بيانًا لنص مجمل إن كان مدلول النص واجبًا، فالفعل المبين به ذلك النص واجب بلا خلاف، وإن كان مندوبًا فمندوب. سواء كان الفعل المبين للنص دل على كونه بيانًا قرينة، أو قول.

قال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: الثاني: أن يكون فعله بيانًا لمجمل إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإن بيانه لقوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وإما بقول مثل قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله، وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله:"خذوا عني مناسككم" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. اهـ محل الغرض منه، وهو واضح فيما ذكرنا. ولا أعلم فيه خلافًا فجميع أفعال الحج، والصلاة التي بين بها صلى الله عليه وسلم آيات الصلاة، والحج يجب حمل كل شيء منها على الوجوب إلَّا ما أخرجه دليل خاص يجب الرجوع إليه.

وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة فعله صلى الله عليه وسلم ، ما وضح فيه أمر الجبلة، كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، أو تخصيصه، كالضحى، والوتر، والتهجد، والمشاورة، والتخيير، والوصال والزيادة على أربع فواضح، وما سواهما إن وضح أنه بيان بقول، أو قرينة مثل: صلوا، وخذوا، وكالقطع من الكوع، والغسل إلى المرافق اعتبر اتفاقًا. انتهى محل الغرض منه. ومعنى قوله: اعتبر

ص: 581

اتفاقًا أنه إن كان المبين باسم المفعول واجبًا، فالفعل المبين باسم الفاعل واجب، لأن المبين بحسب المبين.

وقال شارحه العضد: فإن عرف أنه بيان لنص على جهته من الوجوب، والندب، والإِباحة اعتبر على جهة المبين من كونه خاصًّا وعامًّ اتفاقًا، ومعرفة كونه بيانًا إما بقول، وإما بقرينة، فالقول نحو:"خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" والقرينة مثل أن يقع الفعل بعد إجمال، كقطع يد السارق من الكوع، دون المرفق والعضد، بعد ما نزل قوله:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} والغسل إلى المرافق بإدخال المرافق، أو إخراجها بعد ما نزلت:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} . اهـ محل الغرض منه. وهو واضح فيما ذكرنا من أن الفعل المبين لنص دال على واجب يكون واجبًا؛ لأن البيان به بيان لواجب، كما هو واضح. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله:

من غير تخصيص وبالنص يرى

وبالبيان وامتثال ظهرا

ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان.

وقال في شرحه نشر البنود في معنى قوله: "وبالبيان"، فيكون حكمه حكم المبين. اهـ منه. وهو واضح، والمبين بصيغة اسم المفعول في آيات الحج، وهدي التممع واجب؛ لأن الحج واجب إجماعًا، وهدي التمتع وجب إجماعًا، فالفعل المبين لهما يكون واجبًا على ما قررناه. وعليه عامة أهل الأصول إلَّا ما أخرجه دليل خاص. وبه تعلم أن ذبحه صلى الله عليه وسلم هديه يوم النحر، وهو قارن، وذبحه عن أزواجه يوم النحر، وهن متمتعات، وعن عائشة، وهي قارنة: فعل مبين لنص واجب، فهو واجب، ولا تجوز مخالفته في نوع

ص: 582

الفعل، ولا في زمانه، ولا في مكانه إلَّا فيما أخرجه دليل خاص، كغير المكان الذي ذبح فيه من منى؛ لأنه بين أن منى كلها منحر، ولم يبين أن الزمن كله وقت نحر.

ومما يؤيد ذلك ما اختاره بعض أهل الأصول من أن فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن بيانًا لمجمل، ولم يعلم هل فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب أنه يحمل على الوجوب، لأنه أحوط، وأبعد من لحوق الإِثم، إذ على احتمال الندب، والإِباحة لا يقتضي ترك الفعل إثمًا، وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإِثم. وإلى هذا أشار في مراقي السعود في مبحث أفعاله صلى الله عليه وسلم بقوله:

وكل ما الصفة فيه تجهل

فللوجوب في الأصح يجعل

وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى: نشر البنود: يعني أن ما كان من أفعاله صلى الله عليه وسلم مجهول الصفة، أي: مجهول الحكم، فإنه يحمل على الوجوب إلى أن قال: وكونه للوجوب هو الأصح، وهو الذي ذهب إليه الإِمام مالك، والأبهري، وابن القصار، وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة. اهـ محل الغرض منه.

وقال صاحب الضياء اللامع: وبهذا قال مالك في رواية أبي الفرج، وابن خويز منداد، وقال به الأبهري، وابن القصار، وأكثر أصحابنا، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وبعض المعتزلة. واستدل أهل هذا القول بأدلة.

منها: قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} قالوا: معناه: من كان يؤمن باللَّه واليوم

ص: 583

الآخر، فله فيه أسوة حسنة، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة، فهو لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وملزوم الحرام حرام، ولازم الواجب واجب. وقالوا أيضًا: وهو مبالغة في التهديد على عدم الأسوة، فتكون الأسوة واجبة، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله.

ومنها: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} قالوا: وما فعله فقد آتاناه، لأنه هو المشرع لنا بأقواله وأفعاله وتقريره.

ومنها: قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الآية. ومن اتباعه التأسي به في فعله، قالوا: وصيغة الأمر في قوله: {فَاتَّبِعُونِي} للوجوب.

ومنها: أن الصحابة لما اختلفوا في وجوب الغسل من الوطء بدون إنزال سألوا عائشة، فأخبرتهم أنها هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا ذلك، فاغتسلا، فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل من الوطء، بدون إنزال على الوجوب.

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في الصلاة، خلعوا نعالهم، فلما سألهم: لم خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك، فخلعنا نعالنا، فحملوا مطلق فعله على الوجوب، فخلعوا لما خلع، وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك. قالوا: فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب لبين لهم أنه لا يلزم من خلعه أن يخلعوا، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم، وأخبرهم أن جبريل أخبره أن في باطنهما قذرًا. والقصة في ذلك ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عند أحمد، وأبي داود، والحاكم وغيرهم.

ص: 584

وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ورواه الحاكم في المستدرك. وقال: هو صحيح على شرط مسلم.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لحديث أبي سعيد المذكور في المنتقى بعد أن قال المجد في المنتقى: رواه أحمد وأبو داود. اهـ: الحديث أخرجه أيضًا الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان. واختلف في وصله وإرساله. ورجح أبو حاتم في العلل الموصول. ورواه الحاكم من حديث أنس، وابن مسعود إلى آخر كلامه. ومعلوم أن المخالفين القائلين بأن الفعل الذي لم يكن بيانًا لمجمل، ولم يعلم حكمه من وجوب لا يحمل على الوجوب، بل على الندب، أو الإِباحة إلى آخر أقوالهم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا مناقشة معروفة في الأصول.

قالوا قوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} أي: ما أمركم به بدليل قوله: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} فهي في الأمر والنهي، لا في مطلق الفعل.

ولا يخفى أن تخصيص: وما آتاكم بالأمر تخصيص لا دليل عليه، وذكر النهي بعده لا يعينه.

وقالوا: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} إنما يكون الاتباع واجبًا فيما علم أنه واجب، أما إذا كان فعله مندوبًا فالاتباع فيه مندوب، ولا يتعين أن الفعل واجب على الأمة بالاتباع إلَّا إذا علم أنه صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل الوجوب. أما لو كان فعله على سبيل الندب، وفعلته الأمة على سبيل الوجوب، فلم يتحقق الاتباع بذلك.

قالوا: وكذلك يقال في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ

ص: 585

أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الآية، فلا تتحقق الأسوة إذا كان هو صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل الندب، وفعلته أمته على سبيل الوجوب، بل لا بدَّ في الأسوة من علم جهة الفعل الذي فيه التأسي.

قالوا: وخلعهم نعالهم لا دليل فيه؛ لأنه فعل داخل في نفس الصلاة. وإنما أخذوه من قوله صلى الله عليه وسلم : "صلوا كما رأيتموني أصلي" لأن خلع النعال كأنه في ذلك الوقت من هيئة أفعال الصلاة.

قالوا: وإنما أخذوا وجوب الغسل من الفعل الذي أخبرتهم به عائشة؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الغسل مني التقاء الختانين، أو لأنه فعل مبين لقوله:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} والفعل المبين لإِجمال النص لا خلاف فيه كما تقدَّم إيضاحه.

قالوا: والاحتياط في مثل هذا لا يلزم؛ لأن الاحتياط لا يلزم إلَّا فيما ثبت وجوبه، أو كان وجوبه هو الأصل، كليلة الثلاثين من رمضان إن حصل غيم يمنع رؤية الهلال عادةً. أما غير ذلك فلا يلزم فيه الاحتياط، كما لو حصل الغيم المانع من رؤية هلال رمضان ليلة ثلاثين من شعبان فلا يجوز صوم يوم الشك، ولا يحتاط فيه؛ لأنه لم يثبت له وجوب، ولم يكن وجوبه هو الأصل إلى آخر أدلتهم ومناقشاتها، فلم نطل بجميعها الكلام.

ولا شك أن الأدلة التي ذكرها الفريق الأول كقوله: {فَاتَّبِعُونِي} وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية، وقوله:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الآية، وإن لم تكن مقنعة بنفسها في الموضوع، فلا تقل عن أن تكون عاضدة لما قدمنا من وجوب الفعل الواقع به البيان، وما سنذكره من غير ذلك، وهو الوجه الثاني من وجهي الجواب اللذين ذكرنا وهو أن ذلك الفعل الذي هو ذبح هدي

ص: 586

التمتع، والقران يوم النحر = هو الذي مشى عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ودلت عليه الأحاديث. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلَّا ما أصلح أولها.

ومن أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها التي لا مطعن فيها بوجه أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بفسخ حجهم في عمرة، وأن يحلوا منها الحل كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسف على أنه لم يفعل مثل فعلهم وقال:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" وفي تلك النصوص الصحيحة: التصريح بأمرهم بفسخ الحج في العمرة، ومعناه: أنه هو صلى الله عليه وسلم يجوز له أن يفسخ الحج في العمرة، كما أمر أصحابه بذلك. وقد صرح في الأحاديث الصحيحة. بأن الذي منعه من ذلك أنه ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لجعل الحج عمرة، وأحل منها، ونحر الهدي بعد الإِحلال منها، ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت. والحلق الذي لا يصح الإِحلال دونه معلق على بلوغ الهدي محله، كما قال:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم بفعله الثابت عنه أن محله منى يوم النحر. وقد قدمنا في سورة البقرة أن القرآن دلَّ في موضعين على أن النحر قبل الحلق.

أحدهما: قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} .

والثاني: قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وقد قدمنا أن التسمية عند نحرها تقربًا للَّه، ثم قال بعد النحر الذي هو معنى الآية:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} ومن قضاء تفثهم: الحلق، أو التقصير. وقد ثبت في

ص: 587

الصحيح "أنه صلى الله عليه وسلم حلق قبل أن ينحر

(1)

وأمر بذلك" كما قدمناه في سورة البقرة مستوفى، ولكنه صلى الله عليه وسلم بيَّن أن من قدم الحلق، على النحر. لا شيء عليه. ولا خلاف أن كل الواقع من ذلك في حجته أنه كان يوم النحر كما هو معروف. وقد دلَّت آية الحج على أن كل هدي له تعلق بالحج - ويدخل فيه التمتع دخولًا أوليًا - أن وقت ذبحه مخصص بأيام معلومات، دون غيرها من الأيام، وذلك في قوله تعالى:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} لأن معنى الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج، يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: ولأجل أن يتقربوا بدماء الأنعام في خصوص تلك الأيام المعلومات، وهو واضح كما ترى. وقد قدمنا أن هذه الأنعام التي يتقرب بها في هذه الأيام المعلومات، ويسمى عليها الله عند تذكيتها، أنها أظهر في الهدايا من الضحايا؛ لأن الضحايا لا تحتاج أن يؤذن فيها للمضحين، ليأتوا رجالًا وركبانًا، ويذبحوا ضحاياهم كما ترى. والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، ونحر هديه يوم النحر، وأنه ما منعه من فسح الحج في العمرة إلَّا سوق الهدي، وأن الهدي لو كان يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لأحل بعمرة، وذبح هدي المتمتع عند الإِحلال منها، أو عند الإِحرام بالحج كما يقول من ذكرنا: أنه جائز. وقد قدمنا كثيرًا منها موضحًا بأسانيده، وسنعيد طرفًا منه هنا إن شاء الله تعالى.

(1)

كذا في الأصل، ولعله سبق قلم، وصوابه:"نحر قبل أن يحلق".

ص: 588

فمن ذلك حديث حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم المتفق عليه.

قال البخاري في صحيحه: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت:"يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تتحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحره". اهـ من صحيح البخاري. وقوله: حتى أنحر يعني يوم النحر. فلو جاز نحر هدي التمتع قبل ذلك لأحل بعمرة، ونحر.

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن حفصة رضي الله عنهم، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:"يا رسول الله ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" وفي لفظ له عنها قالت: قال: "إني قلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج" وفي لفظ له عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: قلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر هديي". اهـ.

ففي هذه الروايات الصحيحة ما يدل على أن الهدي الذي معه مانع من الحل، ولو كان النحر قبل يوم النحر جائزًا لتحلل بعمرة ثم نحر. وفيه أن أزواجه صلى الله عليه وسلم متمتعات، وقد نحر عنهن البقر يوم النحر.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -

ص: 589

لخمس بقين من ذي القعدة، لا نرى إلَّا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه" قال يحيى: فذكرته للقاسم بن محمد فقال: أتتك بالحديث على وجهه. انتهى من صحيح البخاري.

وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال:"ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن عائشة بقرة يوم النحر" وفي لفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه" وفي حديث أبي بكر عن عائشة بقرة في حجته. انتهى من صحيح مسلم. وقد تركنا ذكر اختلاف الروايات، هل ذبح عن جميعهن بقرة واحدة، أو عن كل واحدة بقرة، كما جاء التصريح به في حديث مسلم هذا بالنسبة إلى عائشة. وعلى كل حال فهذه الروايات الصحيحة، وأمثالها الكثيرة التي قدمنا كثيرًا منها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم نحر عن من تمتع من أزواجه ومن قرن في خصوص يوم النحر، وأنه هو صلى الله عليه وسلم كذلك فعل عن نفسه، وكان قارنًا مع أنه كان يتمنى أن يعتمر، ويحل منها، ثم يحرم بالحج، كما أمر أصحابه بفعل ذلك؛ وصرح في الروايات الصحيحة بأن المانع له من ذلك سوق الهدي، فلو كان الهدي يجوز نحره قبل يوم النحر لتحلل ونحر كما أوضحناه. وفعله هذا كالتفسير لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فبين بفعله أن بلوغه محله يوم النحر بمنى بعد رمي جمرة العقبة، فمن أجاز ذبح هدي التمتع قبل ذلك، فقد

ص: 590

خالف فعله صلى الله عليه وسلم المبين لإِجمال القرآن، وخالف ما كان عليه أصحابه من بعده، وجرى عليه عمل عامة المسلمين. ولا يثبت بنص صحيح عن صحابي واحد أنه نحر هدي تمتع، أو قران قبل يوم النحر، فلا يجوز العدول عن هذا الذي فعله صلى الله عليه وسلم مبينًا به إجمال الآيات القرآنية، وأكده بقوله:"لتأخذوا عني مناسككم" كما ترى.

فإذا عرفت مما ذكرنا أن الحق الذي دل عليه الكتاب والسنَّة، وفعل الخلفاء الراشدين، وغيرهم من كافة علماء المسلمين هو أنه لا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، فدونك الأجوبة التي أجيب بها عن أدلة المخالفين القائلين بجواز ذبحه عند إحرام الحج، أو عند الإِحلال من العمرة.

أما استدلالهم بأن هدي التمتع له سببان، فجاز بأحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول، فهو مردود بكونه فاسد الاعتبار، وفساد الاعتبار من القوادح المجمع على القدح بها، وهو بالنسبة إلى القياس أن يكون القياس مخالفًا لنص من كتاب، أو سنة، أو إجماع. وهذا القياس مخالف للسنَّة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم التي هي النحر يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه. وعرف في مراقي السعود فساد الاعتبار بقوله في مبحث القوادح:

والخلف للنص أو إجماع دعا

فساد الاعتبار كل من وعى

واستدلالهم بأن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع بوجود شروطه، وذبح الهدي معلق على وجود التمتع في الآية. وإذا حصل المعلق عليه، حصل المعلق = مردود من وجهين:

الأول: أن وجود التمتع لم يحقق بإحرام الحج، لاحتمال أن

ص: 591

يفوته الحج بسبب عائق عن الوقوف بعرفة وقته؛ لأنه لو فاته الحج، لم يوجد منه التمتع، فدل ذلك على أن الإِحرام بالحج لا يتحقق به وجود حقيقة التمتع التي علق على وجودها ما استيسر من الهدي.

الثاني: أن الهدي الواجب بالتمتع له محل معين، لا بدَّ من بلوغه في زمن معين، كما دل عليه قوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم بفعله الثابت ثبوتًا لا مطعن فيه، وقوله:"إني لبدت رأسي وقلدت هديي" الحديث المتقدم أن محله هو منى يوم النحر كما تقدَّم إيضاحه.

واستدلالهم بأن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله:{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} فجاز تقديم الهدي على يوم النحر، قياسًا على بدله = مردود من وجهين:

الأول: أنه قياس مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي فعلها مبينًا بها القرآن. وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فهو قياس فاسد الاعتبار، كما قدمنا إيضاحه قريبًا.

الوجه الثاني: أنه قياس مع وجود فوارق تمنع من إلحاق الفرع بالأصل.

منها: أن الهدي يترقب على ذبحه قضاء التفث، كما يدل عليه قوله في ذبح الهدايا:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ثم رتب على ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} وهذا الحكم الموجود في الأصل منتفٍ عن الفرع؛ لأن الصوم لا يترتب عليه قضاء تفث.

ص: 592

ومنها: أن الهدي يختص بمكان، وهذا الوصف منتفٍ عن الفرع، وهو الصوم، فإنه لا يختص بمكان.

ومنها: أن الصوم إنما يؤدى جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} وهذا منتفٍ عن الأصل الذي هو الهدي، فلا يفعل منه شيء بعد الرجوع إلى الأهل كما ترى.

واستدلالهم بأنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسًا على فدية الطيب واللباس = مردود من وجهين أيضًا.

اعلم أولًا: أنا قدمنا أقوال أهل العلم، ومناقشة أدلتهم مناقشةً دقيقة في هدي التمتع هل هو دم جبران، أو دم نسك كالأضحية. فعلى أنه دم نسك فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى أنه دم جبران، فقياسه على فدية الطيب واللباس يمنعه أمران:

الأول: أنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته السنَّة الثابتة، عنه صلى الله عليه وسلم .

الثاني: أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب، ولا سنَّة على وجوب الهدي في الطيب واللباس حتى يقاس عليه هدي التمتع. والعلماء إنما أوجبوا الفدية في الطيب، واللباس قياسًا على الحلق المنصوص في آية الفدية، والقياس على حكم مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول. فذهبت جماعة منهم إلى أن حكم الأصل المقيس عليه لا بدَّ أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق الخصمين. وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس، كأن تقول هنا: من لبس أو تطيب في إحرامه لزمته فدية الأذى، قياسًا على الحلق المنصوص عليه في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ

ص: 593

رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} الآية، بجامع ارتكاب المحظور، ثم تقول: ثبت بهذا القياس أن في الطيب واللباس فدية، فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمها بالقياس أصلًا ثانيًا، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم جبران. وكأن تقول: يحرم الربا في الذرة قياسًا على البر بجامع الاقتيات، والادخار، أو الكيل مثلًا، ثم تقول: ثبت تحريم الربا في الذرة بالقياس على البر، فتجعل الذرة أصلًا ثانيًا، فتقيس عليها الأرز، ونحو ذلك. فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس، فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى القول بصحة القياس عليه، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله:

وحكم الأصل قد يكون ملحقا

لما من اعتبار الأدنى حققا

فهو قياس مختلف في صحته أصلًا، وهو فاسد الاعتبار أيضًا، لمخالفة لسنته صلى الله عليه وسلم .

واستدلالهم بقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قائلين: إنه بمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فيجب الهدي بإحرام الحج؛ لأن اسم التمتع يحصل به، والهدي معلق عليه قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} مردود أيضًا.

أما كون التمتع يوجد بإحرام الحج، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده، فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبًا، فأغنى عن إعادته هنا.

وقولهم: إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية

ص: 594

الذي هو "إلي"، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج، وأوله الإِحرام، فيجب الذبح بالإِحرام، كقوله:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو الغاية لإِتمامه = مردود من وجهين.

الأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية.

ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فنكاحها زوجًا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح لا يتعلق به الحكم، بل لا بدَّ من بلوغ آخر الغاية، وهو الجماع، ولذا قال صلى الله عليه وسلم :"لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فعلم أن التعلق بأول الغاية لا يلزم على كل حال.

الوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله بينت أن هذا الحكم لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإِحلال الأول، لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا قران إلَّا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} واللَّه يقول:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} الآية، ففعلة مبين قوله:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنَّة، واللَّه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم :{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} الآية، وهو صلى الله عليه وسلم يبين المناسك بأفعاله، موضحًا بذلك المراد من القرآن، ويقول:"لتأخذوا عني مناسككم".

ص: 595

الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، وذلك باطل، فالحلق لا يجوز حتى يبلغ الهدي محله؛ كما هو صريح القرآن، والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغه محله قبل يوم النحر، وهو واضح كما ترى، ولذا لم يأذن صلى الله عليه وسلم في حجته لمن ساق هديًا أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديًا، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} .

واستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم = مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالقلب؛ لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم، لا لهم، وذلك هو عين القلب، وإيضاحه أن لفظ الحديث "وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم" والإِشارة في قوله:"وذلك" راجعة إلى الأمر بالهدية، والاشتراك فيها، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم؛ وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر.

والغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج؛ لأن لفظ الحديث مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإِحلال من الحج. وهو يستدل به على وقوعه قبل الإِحرام بالحج.

والظاهر أن هذا سهو منه، أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم من العمرة، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك؛ لأن أصل الإِحرام بالحج، ففسخوه في عمرة، فلما أحلوا منها صاروا

ص: 596

كأنهم محلون من الحج الذي فسخوه فيها، وهذا محتمل، ولكنه بعيد جدًّا من ظاهر اللفظ؛ لأن الحج الذي أحرموا به لما فسخوه في عمرة زال اسمه بالكلية، وصار الإِحلال من عمرة، لا من حج كما ترى، فحمل لفظ الإِحلال من الحج على الإِحلال من العمرة حمل للفظ الحديث على ما لا يدل عليه بحسب الوضع العربي من غير دليل يجب الرجوع إليه.

ولو سلمنا جدليًّا أن المراد في حديث جابر المذكور بالإِحلال من الحج هو الإِحلال من العمرة التي فسخوا فيها الحج كما هو رأي النووي، فلا دليل في الحديث أيضًا؛ لأن غاية ما دلَّ عليه الحديث على التفسير المذكور أنه أمرهم عند الإِحلال من العمرة بالهدي، وذلك لا يستلزم أنهم ذبحوه في ذلك الوقت، بل الأحاديث الصحيحة الكثيرة دالة على أنهم لم يذبحوا شيئًا من هداياهم قبل يوم النحر، كما تقدم إيضاحه.

واستدلالهم بحديث ابن عباس المتقدم عند الحاكم "أنه صلى الله عليه وسلم قسم يومئذٍ في أصحابه غنمًا فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة" إلى آخر الحديث المتقدم، لا دليل فيه؛ لأنه محمول على أنه لم يذبحه إلَّا يوم النحر، كما فعل جميع الصحابة. وجاء في مسند الإِمام أحمد التصريح بذلك فصارت رواية أحمد المصرحة بأن ذلك وقع يوم النحر مفسرة لرواية الحاكم.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد ما نصه: باب تفرقة الهدي. عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنمًا يوم النحر في أصحابه وقال: اذبحوا لعمرتكم فإنها تجزئ عنكم، فأصاب

ص: 597

سعد بن أبي وقاص تيس" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. اهـ منه.

وهذه الرواية الصحيحة مبينة أن ذبحهم عن عمرتهم إنما كان يوم النحر، وأن ذلك هو المراد في الرواية التي رواها الحاكم؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، كما هو معلوم في علم الحديث والأصول. ولقد صدق الهيثمي في أن رجاله رجال الصحيح؛ لأن أحمد رواه عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبي محمد مولى سليمان بن مجالد، وهو ترمذي الأصل سكن بغداد، ثم تحول إلى المصيصة، أخرج له الجميع. وقال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، وقال فيه في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر ثناءً عليه كثيرًا من نقاد رجال الحديث: كان ثقةً صدوقًا إن شاء الله، وكان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد. والظاهر أن الإِمام أحمد إنما أخذ عنه قبل اختلاطه؛ لأنه كان في بغداد قبل المصيصة، ثم رجع من المصيصة إلى بغداد في حاجة له، فمات بها، واختلاطه في رجوعه الأخير كما يعلمه من نظر ترجمته في كتب الرجال. وحجاج المذكور رواه عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد أخرج له الجميع، وهو ثقة فقيه فاضل معروف، وكان يدلس ويرسل، ولكنه في هذا الحديث صرح بالإِخبار عن عكرمة، عن ابن عباس. وراوي الحديث عن أحمد ابنه، عبد الله، وجلالته معروفة، فظهر صحة الإِسناد المذكور، كما قاله في مجمع الزوائد. والعلم عند الله تعالى.

وقد رأيت مما ذكرنا أدلة من قال بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، ومن قال بجوازه عند الفراغ من العمرة، وأدلة من قال: لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ومناقشتها.

ص: 598

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - واللَّه أعلم - أنه لا يجوز ذبح هدي التمتع، والقران قبل يوم النحر؛ لأدلة متعددة، أوضحناها غاية الإِيضاح قريبًا.

منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، فلم يذبح عن أزواجه المتمتعات، ولا عن عائشة القارنة إلَّا يوم النحر، وكذلك فعل هو وجميع أصحابه المتمتعين بأمره، واستمر على ذلك عمل الأمة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وقد أمرنا أن نأخذ عنه مناسكنا، ومن مناسكنا وقت ذبح الهدايا، ولا شك أن القرآن العظيم دل على أن كل هدي له تعلق بالحج أن ذبحه في أيام معلومات، لا في أيام مجهولات، كما أوضحناه مرارًا، لأنه تعالى قال:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ، لأن مضمون الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج يأتوك حجاجًا مشاةً وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: وليقتربوا إلى الله بدماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ذاكرين اسم الله عليها عند التذكية.

فقد صرح بأن ذلك التقرب بدماء الأنعام الذي هو من جملة ما دعوا إلى الحج من أجله أنه في أيام معلومات، لا في زمن مطلق مجهول كما ترى.

وقد بينا الأيام المعلومات في أول هذا البحث، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أول وقتها، فذكر اسم الله على ما رزقه من بهيمة الأنعام وقت تذكيتها يوم النحر، ويوضح أن ذكر اسم الله عليها إنما هو عند تذكيتها

ص: 599

تقربًا للَّه تعالى بدمائها قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} أي: ذكوها قائمة صواف على ثلاثة أرجل، كما هو معلوم.

ولا شك أن الله جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا يجوز التحلل بحلق الرأس قبل بلوغه إياه، وذلك في قوله:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيها أنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق هديًا من أصحابه بفسخ حجه في عمرة، والإِحلال من العمرة، وتأسف هو صلى الله عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك وقال:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".

ولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل، وحلق الرأس، حتى يبلغ الهدي محله.

ومن الضروري البديهي أن هدي التمتع لو كان يجوز ذبحه عند الإِحلال من العمرة، أو الإِحرام بالحج أنه صلى الله عليه وسلم يتحلل بعمرة، ويذبح هديه عندما تحلل منها، فيكون متمتعًا ذابحًا عند الفراغ من العمرة، أو عند الإِحرام بالحج، فلما صرح بامتناع هذا، وعلله بأنه قلَّد هديه، علم أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح.

وقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج - ويدخل فيها الذبح ووقته - كلها بيان لإِجمال آيات القرآن، كقوله:{حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} كما أنه بيان لقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الآية. ولذا قال صلى الله عليه وسلم مبينًا أن أفعاله في الحج بيان للقرآن: "لتأخذوا عني مناسككم". وقد قدمنا اتفاق الأصوليين على أنه فعله صلى الله عليه وسلم الذي هو

ص: 600

بيان لإِجمال نص يقتضي الوجوب أنه واجب، إلى آخر ما قدمناه من الأدلة.

وقد علمت مما ذكرنا أن القائلين بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، أو بعد الفراغ من العمرة، كالشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة، ليس معهم حجة واضحة من كتاب الله، ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا فعل أحد من الصحابة، وأن تمسكهم بآية:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} وبعض الأحاديث ليس في شيء منه حجة ناهضة يجب الرجوع إليها. هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة. والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

اعلم أن ما يفعله كثير من الحجاج الذين يزعمون التقرب بالهدي يوم النحر من ذبح الغنم في أماكن متفرقة من منى لا يقدر الفقراء على الوصول إليها، والتمكن منها، وتركها مذبوحة ليس بقربها فقير ينتفع بها، وتضيع تلك الغنم بكثرة، وتنتفخ وينتشر نتن ريحها في أقطار منى، حتى يعم أرجاءها النتن كأنه نتن الجيف = أن كل ذلك لا يجوز، وهو إلى المعصية أقرب منه إلى الطاعة. ولا يجوز لمن بسط الله يده إقرارهم على ذلك؛ لأنه فساد وأذية لسائر الحجاج بالأرواح المنتنة، وإضاعة للمال، وإفساد له باسم التقرب إلى الله. ودواء ذلك الداء المنتشر في منى كل سنة أن يعلم كل مهدٍ وكل مضحٍ أنه يلزمه إيصال لحم ما يتقرب به إلى الفقراء، فعليه إذا ذبحها أن يؤجر من يسلخها طرية حين ذبحها أو يسلخها هو، ويحملها بنفسه أو بأجرة، حتى يوصلها إلى المستحقين؛ لأن الله يقول:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)} ويقول: {فَكُلُوا مِنْهَا

ص: 601

وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره الله بإطعامهم إلَّا بإيصال ذلك إليهم، ولو اجتهد في إيصاله إليهم لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه، وعلى من بسط الله يده أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإِيصال إلى الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك، كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإِيجار يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية، وحمل لحومها إلى الفقراء في أماكنهم، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى، وفجاج مكة، ونحو ذلك من الطرق المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها.

واعلم: أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلي بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل. والعلم عند الله تعالى.

ومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديًا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} .

وأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج، أي: في حالة التلبس بإحرام الحج؛ لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج، وذلك بالإِحرام. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحج أشهره، واستدل بقوله تعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ولا دليل في الآية عندي؛ لأن الكلام على حذف مضاف، أي: من زمن الحج أشهر معلومات؛ وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي كما أشار له في الخلاصة بقوله:

وما يلي المضاف يأتي خلفا

عنه في الإِعراب إذا ما حذفا

ص: 602

وعليه فينبغي أن يحرم بحجه قبل يوم التروية ليتم الثلاثة قبل يوم النحر؛ لأن صومه لا يجوز. وكره بعض أهل العلم للحاج صوم يوم عرفة، واستحب أن يفرغ من صوم الثلاثة قبله، وجزم به صاحب المهذب. والتحقيق: أن السبعة إنما يصومها بعد الرجوع إلى أهله، ووصوله إلى بلده، وأنه ليس المراد أنه يصومها في طريقه في رجوعه. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: أن المراد الرجوع إلى أهله، وهو ظاهر القرآن؛ فلا يجوز العدول عنه. والظاهر أن الأيام الثلاثة والأيام السبعة لا يجب التتابع في واحد منهما، لعدم الدليل على ذلك.

قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا، وإن فاته صومها قبل يوم النحر، فهل يجوز له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

أحدهما: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق للمتمتع.

والثاني: يجوز له صومها.

وفيها قول ثالث: أنها يجوز صومها مطلقًا. ولا يخفى بُعد هذا القول وسقوطه.

أما حجة من قال: إنها لا يجوز صومها للمتمتع، ولا غيره فهو ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أيام التشريق أيام أكل وشرب" وفي لفظ عند مسلم عنه زيادة "وذكر الله".

وقال مسلم في صحيحه أيضًا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،

ص: 603

حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه حدثه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلَّا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب" وفي لفظ عند مسلم: "فناديا". اهـ منه. قالوا: فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابيان: هما كعب بن مالك، ونبيشة بن عبد الله الهذلي، فيه التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بأن أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذلك يدل على أنها لا يجوز صومها. وظاهر الحديث الإِطلاق في المتمتع وغيره. وفي الحديث المذكور: الرد على من أجاز صومها مطلقًا. ومما يؤيد ذلك حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن، وأمر بفطرهن. قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أبو داود، وابن المنذر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم.

وأما حجة من قال بجواز صوم أيام التشريق الثلاثة للمتمتع الذي فاته صومها قبل يوم النحر، فهي ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب صيام أيام التشريق. قال أبو عبد الله: قال لي محمد بن المثنى: حدثنا يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي كانت عائشة رضي الله عنها تصوم أيام منى، وكان أبوه يصومها.

حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة سمعت عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهم قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلَّا لمن لم يجد الهدي. انتهى منه. قالوا: فهذا الحديث له

ص: 604

حكم الرفع، وفيه التصريح بالترخيص في صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا.

والروايات الصحيحة التي رواها الحفاظ من أصحاب شعبة: لم يرخص بضم الياء وفتح الخاء مبنيًا للمفعول.

قال في الفتح: ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني - واللفظ له - والطحاوي: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق. وقال: إن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة. وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال.

وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، هل له حكم الرفع؟ على أقوال:

ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع، وإلَّا فلا.

واختلف في الترجيح فيما إذا لم يضفه. ويلتحق به رخص لنا في كذا، وعزم علينا ألا نفعل كذا، كل في الحكم سواء، فمن يقول: إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى. لكن قال الطحاوي: إن قول ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} لأن قوله: في الحج يعم ما قبل النحر، وما بعده، فتدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية. وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، وهو عام في حق المتمتع وغيره. وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإِذن،

ص: 605

وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز. وإلى هذا جنح البخاري. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر في الفتح وتراه فيه يجعل: أمرنا، ونهينا، ورخص لنا، وعزم علينا، كلها سواء في الخلاف المذكور، هل لها حكم الرفع أو الوقف؟ وممن قال بصوم أيام التشريق للمتمتع: ابن عمر، وعائشة، وعروة، وعبيد بن عمير، والزهري، ومالك، والأوزاعي وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين، وممن روى عنه عدم صوم المتمتع لها: الشافعي في القول الثاني، وأحمد في الرواية الثالثة، وروي نحوه عن علي والحسن، وعطاء وهو قول ابن المنذر. قاله في المغني.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: مسألة صوم أيام التشريق للمتمتع يظهر لي فيها أنها بالنسبة إلى النصوص الصريحة يترجح فيها عدم جواز صومها، وبالنظر إلى صناعة علم الحديث يترجح فيها جواز صومها. وإيضاح هذا أن عدم صومها دل عليه حديث نبيشة الهذلي، وكعب بن مالك في صحيح مسلم، كما قدمنا، وكلا الحديثين صريح في أن كونها أيام أكل وشرب. من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو نص صحيح صريح في عدم صومها، فظاهره الإِطلاق في المتمتع الذي لم يجد هديًا وفي غيره.

ولم يثبت نص صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا من القرآن يدل على جواز صومها للمتمتع الذي لم يجد هديًا.

وما ذكره ابن حجر عن الطحاوي من أن ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم أخذا جواز صومها من ظاهر عموم قوله تعالى:

ص: 606

{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} ليس بظاهر. والظاهر سقوطه - واللَّه أعلم - لإِجماع جميع المسلمين أن الحاج إذا طاف طواف الإِفاضة بعد رمي جمرة العقبة، والحلق أنه يحل له كل شيء حرم عليه بالحج من النساء، والصيد، والطيب، وكل شيء، فقد زال عنه الإِحرام بالحج بالكلية، وصار حلالًا حلًا تامًا كل التمام، وذلك ينافي كونه يطلق عليه أنه في الحج، فإن صام أيام التشريق فقد صامها في غير الحج؛ لأنه تحلل من حجه، وقضى مناسكه.

ومن أصرح الأدلة في ذلك أن الله صرح بأنه لا رفث في الحج، وأيام التشريق يجوز فيها الرفث بالجماع، فما دونه، فدل على أن ذلك الرافث فيها ليس في الحج، وأما الرمي في أيام التشريق فهو من السنن الواقعة بعد تمام الحج تابعة له، وكذلك النحر فيها إن لم ينحر يوم النحر.

أما كونه في أيام التشريق يصدق عليه أنه في الحج بعد إحلاله منه، وفراغه منه، حتى يتناوله عموم الآية، فليس بظاهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.

وأما بالنظر إلى صناعة علم الحديث فالذي يترجح هو جواز صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا، لأن المشهور الذي عليه جمهور المحدثين أن قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو رخص لنا في كذا، أو أحل لنا كذا له كله حكم الرفع، فهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا.

قال ابن الصلاح في علوم الحديث الثاني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المرفوع، والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم:

ص: 607

أبو بكر الإِسماعيلي. والأول هو الصحيح، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى محل الغرض منه.

وقد قال بعد هذا: ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بعده.

وقال النووي في تقريبه: الثاني قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنَّة كذا، أو أمر بلال أن يشفع الأذان، وما أشبهه، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور. وقيل: ليس بمرفوع، ولا فرق بين قوله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بعده. انتهى منه. وعلى هذا درج العراقي في ألفيته في قوله:

قول الصحابي من السنَّة أو

نحو أمرنا حكمه الرفع ولو

بعد النبي قاله بأعصر

على الصحيح وهو قول الأكثر

وفي علوم الحديث مناقشات في هذه المسألة معروفة. والصحيح عندهم الذي عليه الأكثر: أن ذلك له حكم الرفع. وبه تعلم أن حديث ابن عمر، وعائشة عند البخاري:"لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن" الحديث له حكم الرفع.

وإذا قلنا: إنه حديث صحيح مرفوع عن صحابيين، فلا إشكال في أنه يخصص به عموم حديث نبيشة، وكعب بن مالك، ولو كان ظاهر الآية يدل على صومها، كما ذكره ابن حجر عن الطحاوي، فلا مانع من تخصيص عمومها بالحديث المرفوع.

وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن التحقيق جواز تخصيص عموم المتواتر، بأخبار الآحاد كما هو معلوم؛ لأن

ص: 608

التخصيص بيان، والبيان يجوز بكل ما يزيل اللبس. ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر بأخبار الآحاد، كتخصيص عموم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وهو متواتر بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وهو خبر آحاد. وقد أكثرنا من أمثلته في هذا الكتاب المبارك. وكذلك أجاز الجمهور تخصيص المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم:"في أربعين شاة شاة" وهو منطوق بمفهوم المخالفة في حديث "في الغنم السائمة زكاة" عند من يقول بذلك.

والحاصل: أن المبين باسم الفاعل يجوز أن يكون دون المبين باسم المفعول في السند، وفي الدلالة. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:

وبين القاصر من حيث السند

أو الدلالة على ما يعتمد

وقد أوضحنا هذا، وذكرنا كلام أهل العلم فيه في ترجمة هذا الكتاب المبارك.

وقد يترجح عند الناظر عدم صومها للمتمتع من وجهين:

الأول: أن عدم صومها مرفوع رفعًا صريحًا، وصومها موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا على المشهور، والمرفوع صريحًا أولى بالتقديم من المرفوع حكمًا.

والثاني: أن الجواز والنهي إذا تعارضا قدم النهي؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب منهي عنه. وقد يحتج المخالف بأن دليل الجواز خاص بالمتمتع، ودليل النهي عام، والخاص يقضي على العام. والعلم عند الله تعالى.

فإن أخر صوم الأيام الثلاثة عن يوم عرفة فقد فات وقتها على

ص: 609

القول بأن أيام التشريق لا يصومها المتمتع، وعلى القول بأنه يصومها إنما يخرج وقتها بانتهاء أيام التشريق، وهل عليه قضاؤها بعد ذلك؟ لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب الله ولا من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم .

والعلماء مختلفون في ذلك، فقال بعضهم: يقضيها فيصوم عشرة، ومن قال بهذا القول من أهل العلم اختلفوا، هل يفرقها، فيفصل بين الثلاثة والعشرة، بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء لو لم تفت في وقتها بناء على أن تقديم الثلاثة على السبعة لا يتعلق بالوقت، فلم يسقط كترتيب أفعال الصلاة، أو ليس عليه تفريقها، بل يجوز أن يصوم العشرة كلها متوالية بناء على أن التفريق وجب بحكم الوقت المعين، وقد فات، فسقط كالتفريق بين الصلوات التي فاتت أوقاتها، فإنها تقضى متوالية، لا متفرقة على أوقاتها حسب الأداء لو لم تفت؟ والتفريق بين الثلاثة والسبعة في الصوم هو مذهب الشافعي، وعدمه مذهب أحمد، وعلى قول من قالوا بلزوم قضاء الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها.

فبعضهم يقول: لا دم على المتمتع؛ لأنه قضى ما فات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: عليه دم مع القضاء، لأجل التأخير. وجزم الخرقي، وهو مروي عن أحمد. وقال القاضي: إن أخره لعذر فليس عليه إلا القضاء ولا دم. وعن أحمد لا دم مع القضاء بحال.

وقيل: لا تقضى الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها، ويلزم الدم لسقوط قضائها بفوات وقتها، ولا يجوز صوم السبعة بعد ذلك؛ لأنها تابعة للثلاثة التي سقطت، ويتعين الدم. وهذا مذهب أبي حنيفة، وآخر وقت الثلاثة عنده يوم عرفة.

واعلم: أن أبا حنيفة وأحمد يقولان: إن صوم الثلاثة للعاجز

ص: 610

عن الهدي يجوز قبل التلبس بإحرام الحج، فمذهب أبي حنيفة: أن أول وقت صومها في أشهر الحج بين الإِحرامين، والأفضل عنده: أن يؤخرها إلى آخر وقتها، فيصوم السابع، ويوم التروية، ويوم عرفة. وبعض الحنفية يروى هذا عن علي رضي الله عنه. وعند أحمد. يجوز صومها عند الإِحرام بالعمرة، وعنه: إذا حل من العمرة. وهذه الأقوال مبنية على أن قوله: في الحج يراد به: أشهره. وقد بينا عدم ظهوره، وعند مالك والشافعي: لا يجوز صومها إلا بعد التلبس بإحرام الحج، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وهما يقولان: ينبغي تقديمها قبل يوم النحر. والشافعي: يستحب إنهاءها قبل يوم عرفة، فإن لم يصم إلى يوم النحر، أفطر يوم النحر، وصام عند مالك أيام التشريق، فإن لم يصمها حتى رجع إلى بلده وله به مال لزمه أن يبعث بالهدي إلى الحرم، ولا يجزئه الصوم عنده. وليس له أن يؤخر الصيام، ليهدي من بلده. وفي صوم أيام التشريق للمتمتع عند الشافعية: قولان. وعن أحمد: روايتان فيهما. وقد علمت أن أبا حنيفة لا يجيز صومها، وأن مالكًا يجيزه ويكفي عنده في صوم السبعة الرجوع من منى.

وقد قدمنا أن التحقيق أن صومها بعد الرجوع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر الثابت في الصحيح. فما يروى عن مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم مما يخالف ذلك من الروايات لا ينبغي التعويل عليه، لمخالفته الحديث الصحيح. ولفظه:"فمن لم يجد هديًا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، ولفظ البخاري "فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" فلفظة:"إذا رجع إلى أهله"

ص: 611

في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو تفسير منه لقوله تعالى:{وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر: تفسير الرجوع في الآية برجوعه إلى أهله، فلا وجه للعدول عنه.

وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عباس بلفظ "وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" وكل ذلك يدل على أن صوم السبعة بعد رجوعه إلى أهله، لا في رجوعه إلى مكة، ولا في طريقه، كما هو ظاهر النصوص التي ذكرنا، بل صريحها، والعدول عن النص بلا دليل يجب الرجوع إليه لا يجوز. والعلم عند الله تعالى.

والأظهر عندي: أنه إن صام السبعة قبل يوم النحر لا يجزئه ذلك، فما قال اللخمي من المالكية من أنه يرى إجزاءها لا وجه له. واللَّه أعلم.

بل لو قال قائل بمقتضى النصوص، وقال: لا تجزئ قبل رجوعه إلى أهله لكان له وجه من النظر واضح، لأن من قدمها قبل الرجوع إلى أهله، فقد خالف لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، وهو لفظ منه صلى الله عليه وسلم في معرض تفسير آية {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} والعدول عن لفظ الصريح المبين لمعنى القرآن لو قيل بأنه لا يجزئ فاعله، لكان له وجه. والعلم عند الله تعالى.

واعلم: أن العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيًّا في بلده، هذا هو الظاهر، وإن عجز وابتدأ صوم الثلاثة، ثم وجد الهدي بعد أن صام يومًا منها أو يومين، فالأظهر عندي فيه: أنه لا يلزمه الرجوع إلى الهدي، لأنه دخل في الصوم بوجه جائز، وأنه ينبغي له أن ينتقل إلى الهدي. واستحباب الانتقال إلى الهدي هو

ص: 612

مذهب مالك، ومن وافقه. وممن وافقه الحسن، وقتادة، والشافعي وأحمد. وعن ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، والمزني: إن وجد الهدي قبل أن يكمل صوم الثلاثة، فعليه الهدي. وقيل: متى قدر على الهدي قبل النحر انتقل إليه، صام، أو لم يصم. والأظهر ما قدمنا. واللَّه أعلم.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي: أنه إن فاته صوم الثلاثة في وقتها إلى ما بعد أيام التشريق أنه يجري على القاعدة الأصولية التي هي: هل يستلزم الأمر المؤقت القضاء إذا فات وقته، أو لا يستلزمه؟ وقد قدمنا الكلام على تلك المسألة مستوفى في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} الآية.

فعلى القول بأن الأمر يستلزم القضاء فلا إشكال في قضاء الثلاثة بعد وقتها، وعلى القول: بأنه لا يستلزم القضاء يحتمل أن يقال بوجوب القضاء؛ لعموم حديث: "فدين الله أحق أن يقضى" ويحتمل أن يقال بعدمه بناء على أن صوم الثلاثة في الحج ليكون ذلك مسوغًا لقضاء التفث؛ لأن الدم مسوغ لقضاء التفث ممن عنده هدي، فلا يبعد أن يكون بعض الصوم قدم لينوب عن الدم في تسويغ قضاء التفث. وعلى هذا الاحتمال لا يظهر القضاء، ولا يبعد لزوم الدم للإِخلال بالصوم في وقته. والعلم عند الله تعالى.

أما لزوم صوم السبعة بعد الرجوع إلى أهله، فالذي يظهر لي لزومه لمن لم يجد الهدي مطلقًا، وأنه لا يسقط بحال؛ لأن وجوبه ثابت بالقرآن، فلا يمكن إسقاطه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه. فجعل الدم بدلًا منه إن فات صوم الثلاثة في وقتها

ص: 613

ليس عليه دليل يوجب ترك العمل بصريح القرآن في قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} .

تنبيه

إذا أخر الحاج طواف الإِفاضة عن أيام التشريق إلى آخر ذي الحجة مثلًا، فهل يجزئه حينئذ صوم الأيام الثلاثة؛ لأنه لم يزل في الحج، لبقاء ركن منه، ولأنه لا يجوز له الرفث إلى النساء؛ لأنه لم يزل في الحج، أو لا يجوز له صومها نظرًا إلى أن وقت الطواف" الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"لتأخذوا عني مناسككم" قد فات؟ وهذا التأخير مخالف للسنة، فلا عبرة به. وهذا أظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم. وبنحوه جزم النووي في شرح المهذب قائلًا: إن تأخير الطواف بعيد، فلا يحمل عليه قوله تعالى:{فِي الْحَجِّ} وذكر عن بعض الشافعية وجهًا آخر غير هذا. وإن مات المتمتع العاجز عن الصوم قبل أن يصوم فقال بعض أهل العلم: يتصدق عما أمكنه صومه، عن كل يوم بمد من حنطة. وهو مروي عن الشافعي. وقيل: يهدي عنه. وقيل: لا هدي عنه، ولا إطعام. واللَّه تعالى أعلم.

واختلف أهل العلم إن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي، هل ينتقل إلى الهدي؛ لأن الصوم إنما لزم للعجز عن الهدي، وقد زال بوجوده. وهذا إن وقع قبل يوم النحر لا ينبغي أن يختلف فيه. أما إن وجد الهدي بعد فوات وقت الأيام الثلاثة، فهو محل القولين، وهما روايتان عن أحمد. وقد قدمنا كلام أهل العلم في ذلك، ولا نص فيه.

والأظهر: أن صوم السبعة الذي لم يعين له وقت لا ينبغي

ص: 614

العدول عنه إلى غيره، كما تقدم خلافًا لمن قال بغير ذلك. والعلم عند الله تعالى.

هذا هو حاصل ما يتعلق بالدماء الواجبة بغير النذر مع كونها منصوصًا عليها في القرآن.

أما الدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على المذكورة في القرآن، فمنها: دم الفوات. فقد روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه أمر أبا أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجان عامًا قابلًا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. انتهى محل الغرض منه.

فقد قاس عمر بن الخطاب رضي الله عنه دم الفوات على دم التمتع حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وقول عمر ثلاثة في الحج لا يظهر في الفوات؛ لأن الفوات لا يتحقق إلا بانتهاء ليلة النحر، اللهم إلا إن كان عاقه عائق - وهو بعيد - بحيث لو سار ثلاثة أيام لم يدرك عرفة ليلة النحر، فحينئذٍ قد يصومها وكأنه في الحج؛ لأنه لم يحصل له الفوات فعلًا، وإن كان الفوات محققًا وقوعه في المستقبل. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع حتى صار بدله من الصوم كبدله. ذكره ابن قدامة في المغني قائلًا: إن هدي التمتع إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين. انتهى محل الغرض منه. ولا يظهر عندي كل الظهور.

ص: 615

ثم قال في المغني: فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإِحصار فإنه أشبه به، إذ هو حلال من إحرامه قبل إتمامه.

قلنا: الهدي فيهما سواء. وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه، وإنما ثبت قياسًا، فقياس هذا على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه. على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن دم الإِحصار، وهو عشرة أيام أيضًا، إلا أن صيام الإِحصار يجب أن يكون قبل حله، وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده. وهو أيضًا مفارق لصوم المتعة، لأن الثلاثة في المتعة يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة، وهذا يكون بعد فوات عرفة. والخرقي إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل الصوم عن جزاء الصيد، عن كل مد يومًا. والمروي عن عمر وابنه مثل ما ذكرنا. ويقاس عليه أيضًا كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.

وأما من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعًا، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة.

وقال أصحابنا: يقوم البدنة بدراهم، ثم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًا، ويصوم عن كل مد يومًا، فتكون ملحقة

ص: 616

بالبدنة الواجبة في جزاء الصيد. ويقاس على فدية الأذى ما وجب بفعل محظور يترفه به كتقليم الأظافر، واللبس، والطيب، وكل استمتاع من النساء: كالوطء في العمرة، أو في الحج بعد رمي جمرة العقبة، فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرنا، فيقاس عليه، ويلحق به، فقد قال ابن عباس لامرأة وقع عليها زوجها قبل أن تقصر: عليك فدية من صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك. انتهى بطوله من المغني.

وهذه الأمور المذكورة لا نص فيها من كتاب ولا سنة.

وقد قدمنا في سورة البقرة أقوال أهل العلم في المحصر إن عجز عن الهدي هل يلزمه بدله، أو لا يلزمه شيء بدلًا عنه؟ وأقوال من قالوا: يلزمه البدل في البدل؛ هل هو الصوم؛ أو الإِطعام؟ بما أغني عن إعادته هنا.

وقد علمت من كلام صاحب المغني أن المشهور في مذهب أحمد هو قياس دم الفوات على دم التمتع، كما فعل عمر رضي الله عنه، وأن الخرقى من الحنابلة قاسه على دم جزاء الصيد، فجعل الصوم عن دم الفوات، كالصوم عن جزاء الصيد، وأن مذهب أحمد أيضًا، قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع، فيصوم عند العجز عنه عشرة أيام، وذلك كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. وكذلك قياس صوم من عجز عن البدنة في حال إفساد حجة بالجماع، فهو عند أحمد عشرة أيام قياسًا على التمتع. وقد قدمنا نقل صاحب المغني لذلك عن بعض الصحابة، وعدم مخالفة غيرهم لهم.

ص: 617

وعن بعض الحنابلة: تقويم بدنة المجامع العاجز بالدراهم، فيشتري بها طعامًا إلى آخر ما تقدم. وأن مذهب أحمد: قياس كل دم وجب بفعل محظور، كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية الأذى.

وقد قدمنا أن قياس تلك الأشياء على فدية الأذى مجمع عليه من الأئمة الأربعة إلا أن أبا حنيفة يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره فيما فعل من ذلك لا لعذر، كما تقدم إيضاحه.

وأما مذهب الشافعي في دم الفوات، ففيه طريقان أصحهما: قياسه على دم التمتع في الترتيب، والتقدير، وسائر الأحكام.

والطريق الثاني: على قولين أحدهما: أنه كدم التمتع أيضًا. والثاني: أنه كدم الجماع في الأحكام إلا أن هذا شاة، والجماع بدنة لاشتراك الصورتين في وجوب القضاء. وقد قدمنا حكم المجامع العاجز عن البدنة في مذهب الشافعي ماذا يلزمه. ومذهب الشافعي في الدم الواجب بسبب ترك بعض المأمورات كالإِحرام من الميقات، والرمي، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي منى، وطواف الوداع هو أن في ذلك أربعة أوجه أصحها: أنه كدم التمتع أيضًا في الترتيب، والتقدير، فإن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.

الوجه الثاني: أنه إن عجز عن الهدي قوّم شاة الهدي دراهم، واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. والوجهان الآخران عند الشافعية تركناهما لضعفهما وشذوذهما، كما قاله علماء الشافعية. ومذهب الشافعي في الدم اللازم بسبب

ص: 618

الاستمتاع: كالطيب واللباس، ومقدمات الجماع أن فيه عندهم أربعة أوجه، وقد قدمناها.

وقدمنا أن أصحها أنه كفدية الأذى المنصوصة في آية الفدية. ودم الجماع فيه عند الشافعية طرق واختلاف منتشر، والمذهب المشهور عندهم: أنه بدنة، فإن عجز عنها فبقرة، فإن عجز سبع شياه، فإن عجز قوّم البدنة بدراهم، والدراهم بطعام، ثم تصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. وقيل: إن عجز عن الغنم قوم البدنة وصام، فإن عجز أطعم، فيقدم الصيام على الإِطعام ككفارة الظهار ونحوها. وقيل: لا مدخل للإِطعام والصيام، بل إذا عجز عن الغنم ثبت الفداء في ذمته. وقيل: إنه يتخير بين البدنة، والبقرة، والغنم، فإن عجز عنها، فالإِطعام ثم الصوم. وقيل: يتخير بين البدنة، والبقرة والشياه، والإِطعام والصيام. وكل هذه الأقوال لا دليل على شيء منها من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي.

وقول الظاهرية: إن كل ما لم يثبت من هذه المذكورات من صيام، ودم لا يجب؛ لأن كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو = له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.

وقد قدمنا أن مذهب مالك هو قياس الطيب واللبس ونحو ذلك على فدية الأذى كغيره من الأئمة.

وأما دم الفوات، والفساد، وترك الرمي، وتعدي الميقات، وترك المبيت بمزدلفة، فكل ذلك يقيس بدله على بدل التمتع، فإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام، وإنما يصوم الثلاثة في الحج عندهم المتمتع، والقارن، ومتعدي الميقات، ومفسد الحج، ومن فاته الحج.

ص: 619

وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بمزدلفة، فيصوم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فيصوم في غير حج. اهـ. من المواق.

وقد قدمنا في مسائل الحج التي ذكرناها في الكلام على آية الحج بعض المسائل التي يتعدد فيها الدم، وبعض المسائل التي لا يتعدد فيها في مواضع متفرقة، مع عدم النص في ذلك من كتاب أو سنة.

والأظهر عندي: أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ودفع من عرفة قبل غروب الشمس عند من يقول: حجه صحيح، وعليه دم، وترك المبيت بمزدلفة، وترك المبيت بمنى أيام منى، أنه تتعدد عليه الدماء، بتعدد أسبابها مع اختلافها. أما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد، كأن ترك رمي يوم، ثم ترك رمي يوم آخر، أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى ثم كرر ذلك، فللتعدد وجه، وللاتحاد وجه. وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك في محله. والعلم عند الله تعالى.

واعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحل من عمرته، وهو يريد التمتع، ثم كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي تمتع واحد، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. والعلم عند الله تعالى.

وقد قدمنا أن أقل الهدي - واجبًا كان للمتمتع والقران ونحوهما، أو غير واجب - شاة تجزئ ضحية، أو شرك في دم، كسبع بدنة، أو بقرة على التحقيق، كما تقدم إيضاحه، ولا عبرة بخلاف من خالف في الاشتراك فيه؛ لثبوته بالنص الصحيح.

ص: 620

واعلم: أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وإن افتتح الطواف ففي جواز إدخاله عليها حينئذٍ خلاف بين أهل العلم.

قال النووي: فجوزه مالك، ومنعه عطاء، والشافعي، وأبو ثور.

واختلفوا أيضًا في إدخال العمرة على الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران. وقد قدمنا أن الشافعية والمالكية يقولون: إن ذلك هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأكثرهم يقول: هو لا يجوز لغيره، بل جوازه خاص به صلى الله عليه وسلم كما قدمنا.

وقال النووي في شرح المهذب: واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز، ويصير قارنًا، وعليه دم القران، وهو قول قديم للشافعي، ومنعه الشافعي في مصر. ونقل منعه عن أكثر من لقيه. اهـ. محل الغرض منه.

والظاهر: أن المحرم المتمتع إذا أحل من عمرته يستحب له ألا يحرم بالحج إلا يوم التروية؛ لأن ذلك هو الذي فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأمره في حجة الوداع. ومحل هذا إن كان واجدًا هدي التمتع، فإن كان عاجزًا عنه، ويريد أن يصوم استحب له تقديم الإِحرام، ليصوم الأيام الثلاثة في إحرام الحج. وقد قدمنا أقوال من قال من أهل العلم: إنه ينبغي أن يكون آخرها يوم عرفة، وقول من كره صوم يوم عرفة، واستحب انتهاءها قبل يوم عرفة. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 621

تنبيه

إذا فرغ المتمتع من عمرته، وكان لم يسق هديًا، فإن له التحلل التام، فله مس الطيب والاستمتاع بالنساء، وكل شيء حرم عليه بإحرامه، فإن كان ساق الهدي ففيه للعلماء قولان.

أحدهما: أن له التحلل أيضًا، لأن الله يقول في التمتع {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} ولا يمنعه سوق الهدي من ذلك، لأنه متمتع.

والقول الثاني: أنه لا يجوز له الإِحلال حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر. واستدل من قال بهذا بحديث حفصة رضي الله عنها، الذي قدمناه أنها قالت له صلى الله عليه وسلم : ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال:"إني لبدت رأسي وقلّدت هدي فلا أحل حتى أنحر" وكلا القولين قال به جماعة من الأئمة رضي الله عنهم.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أن له أن يحل من إحرامه، ولكنه يؤخر ذبح هدي تمتعه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه. والاحتجاج بحديث حفصة المذكور لا ينهض كل النهوض لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، فحديثها ليس في محل النزاع؛ لأن النزاع فيمن أحرم بعمرة يريد التحلل منها، والإِحرام بالحج بعد ذلك، هل يمنعه سوق الهدي من التحلل؟ وحديث حفصة في القران، والقران ليس محل نزاع. وقولها: ولم تحلل أنت من عمرتك. تعني: عمرته المقرونة مع الحج، لا عمرة مفردة بإحرام، دون الحج كما هو معلوم. وكما تقدم إيضاحه.

ومما يوضحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فدل على أنه لو كانت مفردة لكان

ص: 622

له الإِحلال منها مطلقًا، ولا حجة في قوله:"لما سقت الهدي" لأنه ساقه لقران، لا لعمرة مفردة عن الحج.

وقال النووي: فإن قيل: قد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنه قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في حجة الوداع فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحجة فليتم حجه".

فالجواب: أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه الرواية، وبعدها قالت:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" فهذه الرواية مفسرة للأولى. ويتعين هذا التأويل، لأن القصة واحدة فصحت الروايات. انتهى منه.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يؤيد ما ذكرنا عن النووي أن رواية حديث عائشة المذكورة التي قال: إنها يجب تأويلها بتفسيرها بالروايات الصحيحة الأخرى فيها ما لفظه: "ومن أهل بحجة فليتم حجه"؛ لكثرة الروايات الصحيحة المتفق عليها عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل من أحرم بحج مفردًا، ولم يسق هديًا أن يفسخ حجه في عمرة، ويحل منها الحل كله. فعلم أن قولها: ومن أهل بحجة فليتم حجته: يجب تأويله، وتفسيره بالروايات الأخرى الصحيحة، كما قال النووي.

وقول من قال: إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإِحلال منها حتى ينحر يوم النحر له وجه قوي من النظر، لدخوله في ظاهر

ص: 623

عموم قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حل من عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محله. والعلم عند الله تعالى. ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الدماء الواجبة بغير النذر.

أما الهدي الذي ليس بواجب. وهو هدي التطوع، وهو مستحب، فيستحب لمن قصد مكة حاجًا أو معتمرًا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرقه "لأن رسول صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة وهو قارن" ويكفيه لدم القران بدنة واحدة، بل شاة واحدة، وبقية المائة تطوع منه صلى الله عليه وسلم . ويستحب أن يكون ما يهديه سمينًا حسنًا، لقوله تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "تعظيمها الاستسمان والاستحسان والاستعظام" ويؤيده قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية. ومعلوم أن أقل الهدي شاة تجزئ ضحية، أو سبع بدنة، أو بقرة كما تقدم إيضاحه. ولا يكون من الحيوان إلا من بهيمة الأنعام. وقد تقدم إيضاح الأنعام، وأنها الأزواج الثماينة المذكورة في آيات من كتاب الله: وهي الجمل والناقة، والبقرة، والثور، والنعجة، والكبش، والعنز، والتيس.

واعلم: أن التحقيق أن الهدي والإِطعام يختص بهما فقراء الحرم المكي، وأن الصوم لا يختص به مكان دون مكان، مع اختلاف في الطعام كما تقدم إيضاحه في سورة المائدة.

وأظهر قولي أهل العلم أنه يلزمه ذبح الهدي في الحرم، وتفريقه في الحرم أيضًا، خلافًا لمن زعم جواز الذبح في الحل إن كان تفريق اللحم في الحرم. والتحقيق أن البدن يسن تقليدها،

ص: 624

وإشعارها فيقلدها نعلين. ومعنى إشعارها: هو جرحها في صفحة سنامها، ويسلت الدم عنها. والجمهور على أن الإِشعار في صفحة السنام اليمنى، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس خلافًا لمالك القائل: إنه في الصفحة اليسرى.

واعلم: أن التحقيق أن الإِشعار المذكور سنة لثبوته صلى الله عليه وسلم خلافًا لأبي حنيفة القائل بالنهي عنه، معللًا بأنه مثلة وهي منهى عنها. وروي مثله عن النخعي، لأن الأحاديث الصحيحة الواردة بالإِشعار تخصص عموم النهي عن المثلة، ولأنه لا يسلم أنه مثلة، فهو جرح لمصلحة كالفصد والختان والحجامة والكي والوسم.

واعلم: أن الهدي من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم. وخالف مالك وأصحابه الجمهور. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة "أنه صلى الله عليه وسلم أهدي غنمًا فقلدها".

وقال بعض أهل العلم: لا يقلد بالنعال لضعفها، وإنما تقلد بنحو عرى القرب، ولا تشعر الغنم إجماعًا. والظاهر أن مالكًا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به؛ لأنه صحيح متفق عليه، وإشعار البقر إن كان له سنام لا نص فيه. وقاسه جماعة من أهل العلم على إشعار الإِبل. والمقصود من الإِشعار والتقليد وتلطيخ الهدي بالدم، هو أن يعلم كل من رآه أنه هدي؛ لأنه قد يختلط بغيره، فإذا أشعر وقلد تميز عن غيره، وربما شرد فيعرف أنه هدي فيرد، وهذه العلة موجودة في البقر، فمقتضى القياس: إشعاره إن كان له سنام.

وقال بعض أهل العلم: الحكمة في تقليده النعلين أن المنتعل عندهم كالراكب، لكون النعل تقي صاحبها الأذى من الحر والبرد

ص: 625

والشوك، والقذر ونحو ذلك، فكان المهدي خرج للَّه عن مركوبه الحيواني، وغير الحيواني. وظاهر صنيع البخاري أنهم قلدوا البقر في حجة الوداع حيث قال: باب فتل القلائد للبدن والبقر. ثم ساق حديث حفصة المتقدم. وفيه قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي. الحديث. وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه" الحديث. فترى البخاري قال في الترجمة هذه: باب فتل القلائد للبدن والبقر.

وقال ابن حجر: وترجمه البخاري صحيحه؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإِبل والبقر معًا فلا كلام، وإن كان المراد الإِبل خاصة، فالبقر في معناها. اهـ. محل الغرض منه، وهو كما قال.

والأظهر: أن الصواب إن شاء الله أن البقر والإِبل والغنم كلها تقلد إن كانت هديًا، وأن الغنم لا تشعر قولًا واحدًا، وأن السنَّة الصحيحة ثابتة بإشعار الإِبل، ومقتضى القياس أن البقر كذلك إن كان له سنام. واللَّه أعلم.

واعلم: أن التحقيق أن من أهدي إلى الحرم هديًا وهو مقيم في بلده ليس بحاج ولا معتمر، لا يحرم عليه شيء بإرسال الهدي، كما هو ثابت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ثبوتًا لا مطعن فيه، فلا ينبغي أن يعول على ما خالفه. والعلم عند الله تعالى. ولذا ثبت في صحيح البخاري: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه قالت عمرة: فقالت عائشة رضي الله عنها: ليس كما قال ابن عباس. فتلت قلائد

ص: 626

هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله حتى نحر الهدي.

وحديث عائشة المذكور عند البخاري أخرجه مسلم بألفاظ كثيرة معناها واحد، إلا أن فيه: أن الذي سأل عائشة ابن زياد. والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها يسألها هو زياد بن أبي سفيان المعروف بزياد بن أبيه، كما نبه عليه غير واحد، فما في مسلم من كونه ابن زياد وهم من بعض الرواة. وقد قدمنا مرارًا أن السنَّة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتًا لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم ولو بلغ ما بلغ من العلم والدين. وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي، وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه، وأن ما خالفه ذلك لا يلتفت إليه، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر، وابنه، وعلي، وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، ومجاهد؛ لأن السنَّة الصحيحة مقدمة على أقوال كل العلماء، وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب من أنه لا يجتنب إلَّا الجماع ليلة جمع، وهي ليلة النحر لا يلتفت إليه، للحديث الصحيح المتفق عليه المذكور آنفًا. والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج ضعيف، كما ذكره الحافظ في الفتح، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه.

وذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على حديث عائشة لما بينت به سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ، ورجع الناس عن فتوى ابن عباس. والعلم عند الله تعالى.

ص: 627

واعلم: أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم أن من أراد النسك لا يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافًا لما حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق من أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وخلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: إن من ساق الهدي، وأم البيت، ثم قلد وجب عليه الإِحرام؛ لأن إيجاب الإِحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه.

وقد دلت النصوص: على أنه لا يجب إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

الظاهر: أن التحقيق أنه لا يشترط في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فلو اشتراه من منى ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحل أجزأه.

قال النووي في شرح المهذب: وهو مذهبنا. وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والجمهور. قال ابن عمر، وسعيد بن جبير: لا هدي إلَّا ما أحضر عرفات.

وقال ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، ولكن يستحب ذلك. وروي هذا عن ابن عباس. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلَّا ما عرف به. ونحوه، عن سعيد بن جبير. اهـ. محل الغرض منه.

ومعلوم أن مذهب مالك أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى إلَّا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة. ولا بد

ص: 628

عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم لزمه إخراجه إلى الحل، والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه. وإنما قلنا: إن الظاهر لنا في هذه المسألة عدم اشتراط جمع الهدي بين الحل والحرم لثلاثة أمور:

الأول: أنه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه.

الثاني: أن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم.

الثالث: أنه قول أكثر أهل العلم.

وقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلًا، بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي. اهـ.

وهذا هو الظاهر. واحتج من قال بأنه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهد هديًا إلا جامعًا بين الحل والحرم؛ لأنه يساق من الحل إلى الحرم، وأن ذلك هو ظاهر قوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن ابن عمر اشترى هديه من الطريق. ونحو ذلك من الأدلة. ولا شك أن سوق الهدي من الحل إلى الحرم أفضل، ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أما كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك؛ لأن الذي دل عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام في مكان معين، في زمن

ص: 629

معين. والغرض المقصود شرعًا حاصل ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم. وجمع هديه صلى الله عليه وسلم بين الحل والحرم محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع؛ لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده، ولأن الإِبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك. واللَّه جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي؛ لأنه لم يتضمن مصلحة كما ترى. والعلم عند الله تعالى.

ولا خلاف بين أهل العلم في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في الطريق أن له أن يركبها؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: اركبها. قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك في الثانية، أو في الثالثة" هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري فقال: "اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة فقال: ويلك في الثانية أو في الثالثة" وروى مسلم نحوه عن أنس، وجابر رضي الله عنهما.

واعلم: أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز للضرورة دون غيرها، وهو مذهب الشافعي. قال النووي: وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال عروة بن الزبير، ومالك، وأحمد، وإسحاق: له ركوب من غير حاجة بحيث لا يضره. وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يركبه إلَّا إن لم يجد منه بدًا. وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر، ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال دليلًا عندي في

ص: 630

ركوب الهدي واجبًا أو غير واجب هو أنه إن دعته ضرورة لذلك جاز، وإلَّا فلا؛ لأن أخص النصوص الواردة في ذلك بمحل النزاع، وأصرحها فيه ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر ابن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا". وفي رواية عنه في صحيح مسلم: "اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا". اهـ. فهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا ألجأت إليه الضرورة، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي. فهذا القيد الذي في هذا الحديث تقيد به جميع الروايات الخالية عن القيد، لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير أهل العلم. ولا سيما إن اتحد الحكم، والسبب كما هنا.

أما حجة من قال بوجوب ركوب الهدي، فهي ظاهرة السقوط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب هديه كما هو معلوم.

وأما حجة من أجاز الركوب مطلقًا، فهو قوله صلى الله عليه وسلم :"ويلك اركبها" وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} على أحد التفسيرين. ولا تنهض به الحجة فيما يظهر؛ لأنه محمول على كونه تدعوه الضرورة إلى ذلك، بدليل حديث جابر عند مسلم الذي ذكرناه آنفًا، فهو أخص نص في محل النزاع، فلا ينبغي العدول عنه. والعلم عند الله تعالى.

والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به؛ لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها. وقال بعض أهل العلم: إن ركبها

ص: 631

الركوب المباح للضرورة ونقصها ذلك فعليه قيمة النقص يتصدق بها. وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.

وإنما قلنا: إن الظاهر أنه لا فرق في الحكم المذكور بين الهدي الواجب وغيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال لصاحب البدنة: "اركبها" وهي مقلدة نعلًا، وقد صرح له تصريحًا مكررًا بأنها بدنة، ولم يستفصله النبي صلى الله عليه وسلم ، هل تلك البدنة من الهدي الواجب أو غيره؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم إيضاحه مرارًا. وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله:

ونزلن ترك الاستفصال

منزلة العموم في الأقوال

مسألة في حكم الهدي إذا عطب في الطريق أو بعد بلوغ محله

اعلم أولًا أن الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه أن من بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق قبل بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها، ليعلم من مر بها أنها هدي، ويخلى بينها وبين الناس، ولا يأكل منها هو، ولا أحد من أهل رفقته المرافقين له في سفره.

وإنما قلنا: إن هذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما ما لفظه "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بست عشرة بدنة، مع رجل وامرأة فيها قال: فمضى ثم رجع فقال: يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: انحرها، ثم اصبغ نعليها في

ص: 632

دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك". انتهى من صحيح مسلم.

وفي رواية في صحيح مسلم عن ابن عباس "أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب شيء منها فخشيت عليه موتًا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب بها صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". انتهى منه.

وقوله: كيف أصنع بما أبدع منها: هو بضم الهمزة، وإسكان الباء، وكسر الدال بصيغة المبني للمفعول، أي: كل وأعيى حتى وقف من الإِعياء. فهذا النص الصحيح لا يلتفت معه إلى قول من قال: إن رفقته لهم الأكل مع جملة المساكين؛ لأنه مخالف للنص الصحيح، ولا قول لأحد مع السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ، كما أوضحنا مرارًا.

والظاهر أن علة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة؛ لئلا يتوصل هو أو بعض رفقته إلى نحره بدعوى أنه عطب، أو بالتسبب له في ذلك؛ للطمع في أكل لحمه؛ لأنه صار للفقراء، وهم يعدون أنفسهم من الفقراء ولو لم يبلغ محله. والظاهر: أنه لا يجوز الأكل منه للأغنياء، بل للفقراء. واللَّه أعلم.

فإن قيل: روى أصحاب السنن عن ناجية الأسلمي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي فقال: إن عطب فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خلِّ بينه وبين الناس". اهـ. وظاهر قوله "وبين الناس" يشمل بعمومه سائق الهدي ورفقته.

ص: 633

فالجواب: أن حديث مسلم أصح وأخص، والخاص يقضي على العام؛ لأن حديث مسلم أخرج السائق ورفقته من عموم حديث أصحاب السنن. ومعلوم أن الخاص يقضي على العام.

واعلم أن للعلماء تفاصيل في حكم ما عطب من الهدي قبل نحره بمحل النحر، سنذكر أرجحها عندنا إن شاء الله من غير استقصاء للأقوال والحجج؛ لأن مسائل الحج أطلنا عليها الكلام طولًا يقتضي الاختصار في بعضها خوف الإِطالة المملة.

اعلم أولًا: أن الهدي إما واجب، وإما تطوع، والواجب إما بالنذر، أو بغيره، والواجب بالنذر، إما معين، أو غير معين، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته كأن يقول: علي لله نذر أن أهدي هديًا أن لجميع ذلك حالتين.

الأولى: أن يكون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه من غير أن يعينه بالقول، كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي.

والحالة الثانية: هي أن يسوقه ينوي به الهدي المذكور مع تعيينه بالقول. فإن نواه، ولم يعينه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه، ولا يزول ملكه عنه إلَّا بذبحه، ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع؛ لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب؛ لأنه عطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دين، فحمله إلى مستحقه بقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه فعليه

ص: 634

قضاء الدين بغير التالف؛ لأنه تلف في ذمته. وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا ويفعل بالذي تعيب ما شاء؛ لأنه لم يزل في ملكه، وضمانه. والذي يظهر أن له التصرف فيه ولو لم يعطب، ولم يتعيب؛ لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته، حتى يوصله إلى مستحقه. والظاهر: أن له نماءه.

وأما الحالة الثانية: وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب علي - والظاهر أن الإِشعار والتقليد كذلك - فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة، فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته، فيجب عليه هدي آخر؛ لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول، أو التقليد والإِشعار. والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء؛ لأن الهدي لازم في ذمته، وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله، لا حق فيه لفقراء الحرم، لأن حقهم باق في آلذمة، فله بيعه وأكله، وكل ما شاء. وعلى هذا جمهور أهل العلم. وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق فلا شيء عليه عند أحمد.

قال في المغني: وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: عليه الإِعادة؛ لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه. ولنا أنه أدى الواجب عليه، فبرئ منه كما لو فرقه. ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلَّا التفرقة، وليست واجبة، بدليل أنه لو خلي بينه، وبين الفقراء أجزأه.

ص: 635

ولذلك لما نحر النبي صلى الله عليه وسلم البدنات قال: من شاء اقتطع. انتهى محل الغرض من المغني.

وأظهر القولين عندي: أنه لا تبرأ ذمته بذبحه: حتى يوصله إلى المستحقين؛ لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًا؛ لأن الله تعالى يقول: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ويقول: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ} والآيتان تدلان على لزوم التفرقة، والتخلية بينه، وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية؛ لأن الإِذن لهم في ذلك، وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل. والعلم عند الله تعالى.

وقول من قال: إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه، وهو لم يجب عليه إلَّا واحد. وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقربًا به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك، ولو لم يجزئه.

وأما الواجب المعين بالنذر، كأن يقول: نذرت للَّه إهداء هذا الهدي المعين، فالظاهر أنه يتعين بالنذر، ولا يكون في ذمته، فإن عطب أو سرق لم يلزمه بدله؛ لأن حق الفقراء إنما تعلق بعينه، لا بذمة المهدي. والظاهر أنه ليس له الأكل منه، سواء عطب في الطريق أو بلغ محله.

وحاصل ما ذكرنا: راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا فالظاهر أن له الأكل منه، والتصرف فيه؛ لأنه يلزمه بدله سليمًا. وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي كالنذر المعين

ص: 636

للمساكين ليس له تصرف فيه، ولا الأكل منه إذا عطب، ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر.

واعلم أن مالكًا وأصحابه يقولون: إن كل هدي جاز الأكل منه للمهدي، له أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه، فلا يجوز إطعامه إلَّا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم. وكره عندهم إطعام الذميين منه. وستأتي تفاصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز إن شاء الله تعالى في الكلام على آية {فَكُلُوا مِنْهَا} الآية.

وأما هدي التطوع: فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه، وخلي بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، كما تقدم إيضاحه، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه. وهو ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله؛ لأنه معين لم يتعلق بذمته.

وأما مذهب الشافعي، وأصحابه: فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، وأكله، وبيعه، وسائر التصرفات فيه، ولو قلده؛ لأنه لم يوجد منه إلَّا نية ذبحه، والنية لا تزيل ملكه عنه، حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما شاء من بيع وأكل وإطعام؛ لأنه لم يزل في ملكه، ولا شيء عليه في شيء من ذلك.

وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه، ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه هو أن الإِذن له في

ص: 637

الأكل جاء النص به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإِذن بأكله. ووجه خصوص الفقراء به؛ لأنه حينئذ يصير صدقة؛ لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله. هكذا قالوا. والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

الأظهر عندي أنه إذا عين هديًا بالقول، أو التقليد، والإِشعار ثم ضل، ثم نحر هديًا آخر مكانه، ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالًا أن عليه أن ينحره أيضًا؛ لأنه صار هديًا للفقراء. فلا ينبغي أن يرده لملكه، مع وجوده، وكذلك إن عين بدلًا عنه، ثم وجد الضال، فإنه ينحرهما معًا.

قال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وفعلته عائشة رضي الله عنهم. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي، فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما؛ لأنه قد ذبح ما في الذمة، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو عطب المعين. وهذا قول أصحاب الرأي.

ووجه الأول: ما روي عن عائشة رضي الله عنها: أنها أهدت هديين، فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي. رواه الدارقطني. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر. انتهى محل الغرض من المغني. وليس في المسألة شيء مرفوع. والأحوط: ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر. والعلم عند الله تعالى.

ص: 638

واعلم: أن الهدي إن كان معينًا بالنذر من الأصل، بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدي بعينه، أو معينًا تطوعًا، إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن أنه سيموت، فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان عليه ضمانه، لأنه كالوديعة عنده.

أما لو مات بغير تفريطه، أو ضل أو سرق، فليس عليه بدل عنه كما أوضحناه، لأنه لم يتعلق الحق بذمته، بل بعين الهدي.

والأظهر عندي إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديًا مثله، وينحره بالحرم بدلًا عن الذي فرط فيه. وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم، فله وجه من النظر. واللَّه أعلم. ولا نص في ذلك.

ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الهدي، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز من الهدايا.

تنبيه

قد قدمنا في سورة البقرة: أن القرآن دل في موضعين على أن نحر الهدي قبل الحلق، والتقصير يوم النحر، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .

والحاصل: أن الحاج مفردًا كان أو قارنًا أو متمتعًا إن رمي جمرة العقبة ونحر ما معه من الهدي: فعليه الحلق أو التقصير، وقد قدمنا أن التحقيق: أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، لقوله صلى الله عليه وسلم :"رحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين. قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ فقال: والمقصرين"

ص: 639

في الرابعة، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه. فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مرارًا على أن الحلق نسك؛ لأنه لو لم يكن قربة للَّه تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالرحمة. ودل تأخير الدعاء للمقصرين إلى الثالثة أو الرابعة أن التقصير مفضول، وأن الحلق أفضل منه، والتقصير مع كونه مفضولًا يجزئ بدلالة الكتاب، والسنة والإِجماع؛ لأن الله تعالى يقول:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} وقد روى الشيخان، وغيرهما التقصير عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.

فمن ذلك حديث جابر: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفردًا. فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال:"حلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم" وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين، قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة، وحديث:"رحم الله المحلقين" ثم قال بعد ذلك: "والمقصرين" إلى غير ذلك من الأحاديث.

وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير، فقال الشافعي، وأصحابه: يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعدًا، أو تقصيرها؛ لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير؛ لأن الثلاث جمع.

وقال أبو حنيفة: يكفي حلق ربع الرأس، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة.

وقال مالك، وأحمد وأصحابهما: يجب حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن

ص: 640

يأخذ من جميع جوانب الرأس. وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير، لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع، ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية والشافعية، لأن الله تعالى يقول {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} ولم يقل: بعض رؤوسكم {وَمُقَصِّرِينَ} أي: رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه. وظاهره حلق الجميع، أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. ومن اقتصر على ثلاث شعرات، أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب، ولا سنَّة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه، وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس. وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق، كقوله:{مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} الآية. وقوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} .

وقد قدمنا أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانًا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب. ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول.

تنبيه آخر

اعلم: أن محل كون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة. أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير.

ص: 641

والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها، ويكفيها قدر الأنملة، لأنه يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من جمالها، وحلقه مثلة، وتقصيره جدًّا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن النساء لا حلق عليهن، وإنما عليهن التقصير.

قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير".

حدثنا أبو يعقوب البغدادي - ثقة - ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" انتهى منه.

وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس: هذا رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.

وقال صاحب نصب الراية في حديث ابن عباس المذكور: قال ابن القطان في كتابه: هذا ضعيف، ومنقطع.

أما الأول: فانقطاعه من جهة ابن جريج، وقال: بلغني عن صفية، فلم يعلم من حدَّثه به.

وأما الثاني: فقول أبي داود: حدثنا رجل ثقة، يكنى

ص: 642

أبا يعقوب، وهذا غير كاف. وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه. وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها. انتهى محل الغرض من نصب الراية للزيلعي.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حديث ابن عباس المذكور في أن على النساء التقصير، لا الحلق أقل درجاته الحسن. فقول النووي: إنه حديث رواه أبو داود بإسنادٍ حسن أصوب مما نقله الزيلعي عن ابن القطان في كتابه، وسكت عليه من أن الحديث المذكور ضعيف ومنقطع. فقول ابن القطان: وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها فيه قصور ظاهر جدًّا؛ لأن أم عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عباس، فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط كما ترى.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم عثمان بنت سفيان القرشية الشيبية العبدرية، أم بني شيبة الأكابر، كانت من المبايعات روت عنها صفية بنت شيبة، وروى عبد الله بن مسافع، عن أمه عنها. انتهى منه.

وقال ابن حجر في الإِصابة: أم عثمان بنت سفيان، والدة بني شيبة الأكابر، وكانت من المبايعات. قاله أبو عمر إلى آخر كلامه. وقد أورد فيه حديثًا روته عن النبي صلى الله عليه وسلم في السعي بين الصفا والمروة، وقد قدمناه.

وذكر ابن حجر في الإِصابة عن أبي نعيم حديثًا أخرجه، وفيه:

ص: 643

أن أم عثمان بنت سفيان هي أم بني شيبة الأكابر. وقد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم . اهـ.

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب. أم عثمان بنت سفيان. ويقال: بنت أبي سفيان؛ هي أم ولد شيبة بن عثمان. روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس. وروت عنها صفية بنت شيبة. اهـ.

ومعلوم أن الصحابة كلهم عدول بتزكية الكتاب والسنَّة لهم، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، فتبين أن قول ابن القطان:"إن الحديث ضعيف؛ لأنها لم يعلم حالها" قصور منه رحمه الله كما ترى. وأما قوله: "إن توثيق أبي داود لأبي يعقوب غير كافٍ، وأن أبا يعقوب المذكور، إن قيل: إنه إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه".

فجوابه: أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن إبراهيم، واسم إبراهيم أبو إسرائيل، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء بالرجال. وقال فيه الذهبي في الميزان: حافظ شهير. قال: ووثقه يحيى بن معين، والدارقطني. وقال صالح جزرة: صدوق إلَّا أنه كان يقف في القرآن، ولا يقول: غير مخلوق، بل يقول: كلام الله. وقال فيه أيضًا: قال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا لم يكن مثله أحد في الحفظ والورع واتهم بالوقف.

وقال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلَّا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، والقواريري ثقة صدوق، وليس هو مثل

ص: 644

إسحاق، وذكر غير هذا من ثناء ابن معين عليه، وتفضيله على بعض الثقات المعروفين. ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة. وقال البغوي: كان ثقة مأمونًا إلَّا أنه كان قليل العقل. وثناء أئمة الرجال عليه في الحفظ، والعدالة كثير مشهور، وإنما نقموا عليه أنه كان يقول: القرآن كلام الله، ويسكت عندها، ولا يقول: غير مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفيًا، وتكلموا في حديثه، كما قال فيه صالح جزرة. صدوق في الحديث إلَّا أنه يقول: القرآن كلام الله ويقف.

وقال الساجي: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن إبي إسرائيل واقفي مشؤوم، إلَّا أنه كان صاحب حديث كيسًا.

وقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق ألا قالوا كلام الله وسكتوا. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم أتهم وليس بمتهم. وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي.

والحاصل: أنهم متفقون على ثقته، وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلَّا أنهم كانوا يتهمونه بالوقف، وقد رأيت قول من نفى عنه التهمة، وقول من ناظره أنه قال له: لم أقل على الشك، ولكني سكت كما سكت القوم قبلي. ومعنى كلامه: أنه لا يشك في أن

ص: 645

القرآن غير مخلوق، ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك. ولما حكى الذهبي في الميزان قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده ما نصه: قلت: قل من ترك الأخذ عنه. اهـ، وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبوله، فحديثه لا يقل عن درجة الحسن. وروايته عند أبي داود الذي وثقه تعتضد بالرواية المذكورة قبلها. وقول ابن جريج فيها: بلغني عن صفية بنت شيبة تفسره الرواية الثانية التي بين فيها ابن جريج: أن من بلغه عن صفية المذكورة: هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة معروف.

فإن قيل: ابن جريج روى عنه بالعنعنة، وهو مدلس، والرواية بالعنعنة لا تقبل من المدلس، بل لا بدَّ من تصريحه بما يدل على السماع.

والجواب: أنا قدمنا أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد هو الاحتجاج بالمرسل، ومن يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما نبه عليه غير واحد من الأصوليين.

وقد قدمناه موضحًا مرارًا في هذا الكتاب المبارك مع اعتضاد هذه الرواية بالأخرى، واعتضادها بغيرها.

قال الزيلعي في نصب الراية - بعد ذكره كلام ابن القطان في تضعيف حديث ابن عباس المذكور في تقصير النساء، وعدم حلقهن الذي ناقشنا تضعيفه له كما رأيت ما نصه - : وأخرجه الدارقطني في سننه، والطبراني في معجمه، عن أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفية بنت شيبة به. وأخرجه الدارقطني أيضًا، والبزار في مسنده، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن صفية به. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن

ص: 646

ابن عباس إلَّا من هذا الوجه. انتهى. وأخرجه الدارقطني في سننه، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال في المحرمة: تأخذ من شعرها قدر السبابة. انتهى. وليث هذا الظاهر أنه ابن أبي سليم، وهو ضعيف. انتهى من نصب الراية.

فتبين من جميع ما ذكر أن حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث التقصير، لا الحلق أنه لا يقل عن درجة الحسن، كما جزم النووي بأن إسناده عند أبي داود حسن وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له بواسطة نقل الزيلعي، عند الطبراني، والدارقطني: والبزار.

ويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا.

الأول: الإِجماع على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في الحج.

الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق.

الثالث: أنه ليس من عملنا، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.

الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام.

الخامس: أنه مثلة، والمثلة لا تجوز.

أما الإِجماع، فقد قال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمعوا على ألا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير. ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة.

واختلفوا في قدر ما تقصره، فقال ابن عمر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة، وقال

ص: 647

قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزًا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن كانت شابة فلتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجوز من بعض القرون. انتهى محل الغرض منه، وتراه نقل عن ابن المنذر الإِجماع على أن النساء: لا حلق عليهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لأمرن به في الحج؛ لأن الحلق نسك على التحقيق، كما تقدم إيضاحه.

وأما الأحاديث الواردة في ذلك فسأنقلها بواسطة نقل الزيلعي في نصب الراية؛ لأنه جمعها فيه في محل واحد. قال: فنهى النساء عن الحلق فيه أحاديث.

منها: ما رواه الترمذي في الحج، والنسائي في الزينة، قالا: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، عن أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" انتهى. ثم رواه الترمذي، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي به، عن خلاس عن النبي مرسلًا، وقال: هذا حديث فيه اضطراب. وقد روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا انتهى. وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام، عن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي. وخالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة فروياه عن قتادة، عن النبي مرسلًا.

حديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها"

ص: 648

انتهى. قال البزار: ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي روى عن عبد الحميد أحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدًا تابعه على هذا الحديث. انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل، وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبد الحق: وضعفه أبو حاتم وقال: إنه متروك الحديث. انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.

حديث آخر رواه البزار في مسنده أيضًا: حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي، ثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" انتهى. قال البزار: ووهب بن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم روى عنه إلَّا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوي. انتهى كلام الزيلعي في نصب الراية.

وهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها، عن علي، وعثمان، وعائشة يعضد بعضها بعضًا كما تعضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله.

وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة، فمن بعدهم، فهو أمر معروف، لا يكاد يخالف فيه إلَّا مكابر، فالقائل بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف، وفي الحديث الصحيح:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه في حال النسك، فغيره من الأحوال أولى.

وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرجال، فهو واضح، ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم

ص: 649

الخاصة بهم دون الإِناث عادةً. وقد قدمنا الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من النساء بالرجال في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} .

وأما كون حلق رأس المرأة مثلة، فواضح؛ لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس السليم. وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر المرأة الأسود من أحسن زينتها، لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام. وسنذكر هنا منه أمثلة قليلة تنبيهًا بها على غيرها قال امرؤ القيس في معلقته:

وفرع يزين المتن أسود فاحم

أثيث كقنو النخلة المتعثكل

غدائره مستشزرات إلى العلى

تضل المداري في مثنى ومرسل

فتراه جعل كثرة شعر رأسها وسواده وطوله من محاسنها، وهو كذلك.

وقال الأعشى ميمون بن قيس:

غراء فرعاء مصقول عوارضها

تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل

فقوله: فرعاء. يعني أن فرعها، أي: شعر رأسها تام في الطول والسواد والحسن.

وقال عمر بن أبي ربيعة:

تقول يا أمتا كفى جوانبه

ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر

مثل الأساود قد أعيى مواشطه

تضل فيه مداريها وتنكسر

ص: 650

فلولم تكن كثرة الشعر وسواده من الجمال عندهم لما تعبوا في خدمته هذا التعب الذي ذكره هذا الشاعر. ونظيره قول الآخر:

وفرع يصير الجيد وحف كأنه

على الليث قنوان الكروم الدوالح

قال لأن قوله: يصير الجيد، أي: يميل العنق لكثرته، وقد بالغ من قال:

بيضاء تسحب من قيام فرعها

وتغيب فيه وهو وجف أسحم

فكأنها فيه نهار ساطع

وكأنه ليل عليها مظلم

وأمثال هذا أكثر من أن تنحصر، وقصدنا مطلق التمثيل، وهو يدل على أن حلق المرأة شعر رأسها نقص في جمالها، وتشويه لها، فهو مثلة. وبه تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإِسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق والسمت، وغير ذلك.

فإن قيل: جاء عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على حلق المرأة رأسها، وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق، فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه في النوع الحادي عشر من القسم الخامس، من حديث وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالًا، وبنى بها، وماتت بسرف فدفنها في الظلة التي بني بها فيها، فنزلها قبرها أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن عباس، فألقاه وكانت قد حلقت

ص: 651

رأسها في الحج، فكان رأسها محجمًا". انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية. فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت رأسها، ولو كان حرامًا ما فعلته.

وأما التقصير فما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا. قال: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. اهـ من صحيح مسلم.

فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته أن فيه أن رأسها كان محجمًا، وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض، لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها. وقد قال تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} .

وأما الجواب عن حديث مسلم فعلى القول بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر، فلا إشكال؛ لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولًا يحصل به المقصود.

قال النووي في شرح مسلم: والوفرة أشبع، وأكثر من اللمة. واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر. قاله الأصمعي. انتهى محل الغرض من النووي.

وأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أنها لا تجاوز الأذنين. قال في القاموس: والوفرة: الشعر المجتمع على

ص: 652

الرأس، أو ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة. اهـ منه.

وقال الجوهري في صحاحه: والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة: وهي التي ألمت بالمنكبين. وقال ابن منظور في اللسان: والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، وقيل: ما سال على الأذنين من الشعر. والجمع وفار. قال كثير عزة:

كأن وفار القوم تحت رحالها

إذا حسرت عنها العمائم عنصل

وقيل: الوفرة أعظم من الجمة. قال ابن سيده: وهذا غلط، إنما هي وفرة، ثم جمة، ثم لمة، والوفرة: ما جاوز شحمة الأذنين، واللمة: ما ألم بالمنكبين.

التهذيب: والوفرة: الجمة من الشعر إذا بلغت الأذنين، وقيل: الوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة، إلى أن قال: والوفرة شعر الرأس إذا وصل شحمة الأذن. انتهى من اللسان.

فالجواب: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن. أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلهن حكم خاص بهن، لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه صلى الله عليه وسلم إلى الموت. قال تعالى:{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإِخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب.

ص: 653

وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: قال عياض رحمه الله تعالى: والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون، والذوائب، ولعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعلن هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لتركهن التزين، واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفًا لمؤنة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، لا في حياته، كذا قاله أيضًا غيره، وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته صلى الله عليه وسلم . وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى كلام النووي.

وقوله: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. فيه عندي نظر؛ لما قدمنا من أن أزواج النبي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليهن غيرهن؛ لأن قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن، وقد يباح لهن من الإِخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيرهن

(1)

، حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخطاب، وربما تزوجت؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة. وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل:

أبى القلب إلَّا أم عمرو وحبها

عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند

كثوب اليماني قد تقادم عهده

ورقعته ما شئت في العين واليد

وقال الآخر:

ولو أصبحت ليلى تدب على العصا

لكان هوى ليلى جديدًا أوائله

والعلم عند الله تعالى.

(1)

كان في الأصل: "وهو قد يباح له من الإِخلال. . . لغيره"، ولعل الصواب ما أثبتناه.

ص: 654