الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الزور. وقد أتى مقرونًا بقوله: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} وذلك يدل على عظمة قول الزور؛ لأن الإِشراك باللَّه قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد للَّه، وكتكذيبه صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإِشراك باللَّه. نعوذ باللَّه من كل سوء.
ومعنى حنفاء: قد قدمناه مرارًا مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته هنا.
•
.
بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك باللَّه غيره، أي: ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه، ولا نجاة معه بحال؛ لأنه شبهه بالذي خر، أي: سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها، وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق، أي: محل بعيد؛ لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص، ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة؛ لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلَّا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك باللَّه وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله:{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} الآية، وكقوله:{قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
بِهِ} الآية في الموضعين من سورة النساء. والخطف: الأخذ بسرعة. والسحيق: البعيد. ومنه قوله تعالى: {فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} أي: بعدًا لهم.
وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك باللَّه إنما هو في حق من مات على ذلك الإِشراك، ولم يتب منه قبل حضور الموت. أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له؛ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله.
والآيات الدالة على ذلك متعددة، كقوله:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وقوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} الآية، وقوله في الذين قالوا:{إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. . . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)} وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وأما إن كانت توبته من شركه عند حضور الموت، فإنها لا تنفعه. وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله، كقوله تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر، والتوبة منه عند حضور الموت، وكقوله تعالى:{فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} وكقوله في فرعون: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)} .