الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة البروج
مكية، وهي اثنان وعشرون آية، ومائة وتسع كلمات، وأربعمائة وثمانية وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {والسمآء ذَاتِ
البروج}
. هذا قسم أقسم الله تعالى به، وفي البروج أقوال:
قيل: والسَّماء ذات النجوم. قاله الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاكُ. وقال ابنُ عباسٍ وعكرمةُ ومجاهدٌ: هي قصور في السماء.
وقال مجاهد أيضاً: هي البروج الاثنا عشر، وهو قول أبي عبيدة ويحيى بن سلام.
وقيل: هي منازل القمر.
قوله: {واليوم الموعود} : وهو يوم القيامة، وهذا قسم آخر، قال ابن عباس رضي الله عنه: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه.
قال القفال: يحتمل أن يكون المراد: اليوم الموعود لانشقاق السماء وبنائها، وبطلان بروجها، وقوله تعالى:«الموعود» أي: الموعود به.
وقال مكيٌّ: «الموعود» : نعت لليوم، وثمَّ ضمير محذوف به تتم الصفة، تقديره: الموعود به، ولولا ذلك ما صحَّت الصفة؛ إذ لا ضمير يعود على الموصوف من صفته. انتهى.
وكأنه يعني أن اليوم موعود به غيره من الناس، فلا بُدَّ من ضمير يرجع إليه؛ لأنه موعود به، وهذا لا يحتاج إليه، إذ يجوز أن يكون قد تجوز بأن اليوم قد وعد بكذا، فيصح ذلك، ويكون فيه ضمير عائدٌ عليه.
قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال علي، وابنُ عباسٍ، وابن عمر، وأبو هريرة رضي الله عنهم: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، وهو قول الحسن، ورواه أبو هريرة مرفوعاً - عن النبي صلى الله عليه وسلم َ:«المَوعُودُ: يومُ القيامة، واليَوْمُ المشهودُ: يَوْمَ عَرفةَ، والشَّاهِدُ: يَوْمَ الجُمعةِ» خرَّجه الترمذي في «جامعه» .
قال القشيري: فيوم الجمعة يشهد على عامله بما يعمل فيه.
قال القرطبيُّ: وكذلك سائر الأيام والليالي، لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية ابن قرة، عن معقل بن يسارٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال:«لَيْسَ مِنْ يوْمٍ يَأتِي عَلى العَبْدِ إلا يُنَادي فيه: يا ابْنَ آدمَ أنا خَلقٌ جدِيدٌ، وأنَا فيمَا تَعْمَلُ علَيْكَ شَهِيدٌ، فاعْمَلْ فيَّ خيراً أشْهَد لَكَ فيهِ غداً، فإنِّي لوْ قَدْ مَضيْتُ لَمْ تَرَنِي أبَداً، ويقُول اللَّيْلُ مِثْلَ ذلِكَ» حديث غريب.
وحكى القشيريُّ عن ابن عمر وابن الزُّبيرِ: أن الشاهد يوم الأضحى.
وقال سعيد بن المسيب الشاهد يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة.
[وروي عن علي رضي الله عنه: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر] وعن ابن عباس والحسين بن علي رضي الله عنهم: المشهود: يوم القيامة، لقوله تعالى:{ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103] وعلى هذا فقيل: الشاهد هو الله تعالى، وهو مروي عن ابن عباسٍ، والحسن، وسعيد بن جبير لقوله تعالى:{وكفى بالله شَهِيداً} [النساء: 79] وقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}
[الأنعام: 19] .
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم َ لقوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} [الأحزاب: 45]، وقوله تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً} [النساء: 41] وقوله تعالى: {وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143] .
وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون على أممهم؛ لقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء: 41] .
وقيل: آدم عليه الصلاة والسلام ُ.
وقيل: عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ُ - لقوله تعالى: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117] والمشهود أمته.
وعن ابن عباس ومحمد بن كعب: الشاهد: الإنسان، لقوله تعالى:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] .
وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، لقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس} [البقرة: 143] ، والمشهود بنو آدم.
قوله تعالى: {قُتِلَ} . هذا جواب القسم على المختار، وإنما حذفت اللام، والأصل:«لقتل» ؛ كقوله: [الطويل]
5153 -
حَلفْتُ لَهَا باللهِ حَلفَة فَاجرٍ
…
لنَامُوا فمَا إنْ مِنْ حَديثٍ ولا صَالِي
وإنما حسُن حذفها للطول كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] .
وقيل: تقديره، لقد قتل، فحذف «اللام وقد» ، وعلى هذا فقوله «قُتِلَ» خبر، لا دعاء.
وقيل: هي دعاءٌ، فلا يكون جواباً.
وفي الجواب حينئذ أوجه:
أحدها: أنه قوله تعالى: {إِنَّ الذين فَتَنُواْ} [البروج: 10] .
الثاني: قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] قاله المبرد.
الثالث: أنه مقدر، فقال الزمخشري ولم يذكر غيره: هو محذوف يدل عليه قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود} كأنَّه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود ثم قال:«قُتِلَ» دعاءٌ عليهم كقوله تعالى: {قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] .
وقيل: التقدير: لتبعثن.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، قتل أصحاب الأخدود والسَّماء ذات البروج، قاله أبو حاتم.
قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد، على معنى: قام زيد والله.
وقرأ الحسن وابن مقسم: «قُتِّل» بتشديد التاء مبالغة أو تكثيراً.
قوله: {أَصْحَابُ الأخدود} ، أي: لعن أصحاب الأخدود.
قال ابن عباس: كل شيء في القرآن «قُتِلَ» فهو: لُعِنَ، والأخدود الشقُّ العظيم المستطيل الغائص في الأرض.
قال الزمخشريُّ: والأخدود: الخدُّ في الأرض وهو: الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق، ومنه:«فَسَاخَتْ قوائمه في أخاقيق جرذان» انتهى.
فالخَدُّ: في الأصل مصدر، وقد يقع على المفعول، وهو الشق نفسه، وأمَّا الأخدود فاسم له فقط.
وقال الراغب: الخد والأخدود: شق في الأرض مستطيل غائص، وأصل ذلك من خَدَّي الإنسان، وهما ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال، فالخَدُّ: يستعار للأرض ونحوها كاستعارة الوجه، وتخدد اللحم بزواله عن وجه الجسم، ثم يعبر بالمخدود عن المهزول والخداد: وسم في الخد.
وقال غيره: سمي الخدُّ خدَّا؛ لأن الدموع تخُد فيه أخاديدَ، أي: مجاري، وجمع الأخدود: أخاديد، والمخدَّة؛ لأن الخد يوضع عليها، ويقال: تخدَّد وجه [الرجل] إذا صارت فيه أخاديد من جراحٍ.
فصل في نزول السورة
هذه السورة نزلت في تثبيت المؤمنين، وتصبيرهم على أذى المشركين، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم، فيعلموا أنَّ كفارهم عند الله - تعالى - بمنزلة الأمم السابقة.
وكان من حديث أصحاب الأخدود: أنه كان لبعض الملوك ساحرٌ، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهبٌ، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب، ثم رأى في طريقه ذات يوم حيَّة قد حبست الناس، فقال: اللَّهم إن كان هذا الراهب أحبَّ إليك من الساحر فقوّني على قتل هذه الحيَّة، وأخذ حجراً فرماها به فقتلها، فأعرض الغلام عن تعلم السحر، واشتغل بطريقة الراهب، ثم صار إلى حيث يبرئُ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأذى، فاتفق أن عميَ جليس الملك، وأتاه بهدايا كثيرة، وقال له: إن أنت شفيتني، فهي لك أجمع، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله - تعالى - دعوته شفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأبرأه فلما رآه الملك، قال: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربَّي، فغضب الملك وقال: هل لك ربٌّ غيري؟ قال: ربِّي وربُّك الله، فعذبه حتى دلَّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: يا بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحداً، إنَّما يشفي الله تعالى، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقَّه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبلِ كذا وكذا، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه من ذُروتهِ، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فزَحَفَ بهم الجبلُ، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، وقال: احملوه في سفينة وتوغّلوا به في البحر،
فإن رجع عن دينه وإلَاّ فأغرقوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه ، وقال: احملوه في سفينة وتوغّلوا به في البحر ، فإن رجع عن دينه وإلَاّ فأغرقوه ، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت ، فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ، ونجا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله ، وقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وتصلبني على جذعِ نخلةٍ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبدِ القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم به واضرب، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحدٍ، وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانته، فوضعه في القوسِ، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ورماه به فوقع السهم على صدغه، فمات، فقال الناس: آمنَّا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السكك أوقدتْ فيها النيران، وقال: من لم يرجع منهم طرحته فيها، حتى جاءت امرأة ومعها صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الصبي: يا أمَّاه، اصبري، فإنَّك على الحق، فصبرت على ذلك.
وفي رواية: أنَّ الدابة التي حبست الناس كانت أسداً، وأن الغلام دفن، قيل: إنه خرج في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعاً فأحرقتهم.
وقال الضحاكُ: هم قوم من النصارى باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بأربعين سنة، أخذهم يوسفُ بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيِّفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً، وأحرقهم فيه. حكاه الماورديُّ. وروي غير ذلك.
قال مقاتلٌ: أصحاب الأخدود ثلاثة: واحدٌ بنجران، والآخر: بالشَّام، والآخر: بفارس، أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصّر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس، فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآناً، وأنزل قرآناً في الذي كان بنجران.
قال الكلبي: هم نصارى نجران، أخذوا بها قوماً مؤمنين، فخذوا لهم سبعة
أخاديد، كل أخدود أربعون ذراعاً، وعرضه اثنا عشر ذراعاً، ثم طرحوا فيه النفط، والحطب، ثم عرضوهم عليها فمن أبى قذفوه فيها.
فصل في المراد بأصحاب الأخدود
قال ابن الخطيب: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود: القاتلين، ويمكن أن يكون المراد بهم: المقتولين، والمشهور أنَّ المقتولين هم: المؤمنون.
وروي أن المقتولين هم الجبابرة، روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفَّار فأحرقتهم، ونجَّى الله - تعالى - المؤمنين منها سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنسٍ، والواحدي، وتأولوا قوله تعالى:{فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البروج: 10] أي: في الآخرة، {وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق} [البروج: 10] في الدنيا، فإن فسَّرنا أصحاب الأخدود بالقاتلين، فيكون قوله:{قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود} دعاءٌ عليهم أي: لعن أصحاب الأخدود كقوله تعالى: {قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، {قُتِلَ الخراصون} [الذاريات: 10] .
أو يكون المعنى: قتلوا بالنار كما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلتهم.
وإن فسَّرنا أصحاب الأخدود بالمقتولين كان المعنى أن المؤمنين قتلوا بالإحراق بالنار، فيكون ذلك خبراً لا دعاء.
فصل في المقصود من هذه الآية
المقصود من هذ الآية: تثبيت قلوب المؤمنين بإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد، وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم َ قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار، ليتأسَّوا بهذا الغلام في صده على الأذى والصلب وبذله نفسه في إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، وكذلك صبر الراهب على التمسُّك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى.
قوله: {النار} . العامة: على جرها، وفيها أوجه:
أحدها: أنه بدل من «الأخدود» بدل اشتمال؛ لأن «الأخدود» مشتمل عليها، وحينئذ فلا بد من الضمير.
فقال البصريون: مقدرٌ، تقديره: النار.
وقال الكوفيون: «أل» قائمةٌ مقام الضمير، تقديره: ناره، ثم حذف الضمير، وعوِّض عنه «أل» [وتقدم البحث معه في ذلك] .
الثاني: أنَّه بدل من كل، ولا بد حينئذ من حذف مضاف، تقديره: أخدود النار.
الثالث: أن التقدير: ذي النَّار؛ لأنَّ الأخدود هو الشق في الأرض، حكاه أبو البقاء.
وهذا يفهم أنَّ النَّار خفض بالإضافة لتلك الصفة المحذوفة، فما حذف المضاف قام المضاف إليه مقامه في الإعراب، واتفق أن المحذوف كان مجروراً، وقوله: إن الأخدود هو الشق، تعليل بصحة كونه صاحب نار.
الرابع: أن النار خفض على الجوار، نقله مكيٌّ عن الكوفيين.
وهذا يقتضي أن النار كانت مستحقة لغير الجر، فعدل عنه إلى الجر للجوار، والذي يقتضي الحال أنه عدل عن الرفع، ويدل على ذلك أنه قد قرئ في الشاذ:«النَّارُ» رفعاً، والرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: هي النار وقيل: بل هي مرفوعة على الفاعلية تقديره قتلهم: أي: أحرقتهم، والمراد حينئذ بأصحاب الأخدود: المؤمنون.
وقرأ العامة: «الوَقُودِ» بفتح الواو، والحسنُ، وأبو رجاء، وأبو حيوة، وعيسى: بضمها، وتقدمت القراءتان في أول «البقرة» .
قوله تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} . العامل في «إذ» إما: «قُتِلَ أصحاب» ، أي: قتلوا في هذا الوقت.
وقيل: اذكر، مقدراً، فيكون مفعولاً به، ومعنى قعودهم عليها أي: على ما يقرب منها كحافتها؛ ومنه قول الأعشى: [الطويل]
5154 -
تُشَبُّ لِمقْرُورَيْنِ يَصْطلِيانِهَا
…
وبَاتَ على النَّارِ النَّدَى والمُحلقُ
وقال القرطبيُّ: ومعنى «عليها» أي: «عندها» و «على» بمعنى: «عند» ، والضمير في «هم» يجوز أن يكون للمؤمنين، وأن يكون للكافرين.
قوله: {وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ} . أي: حضور، يعني: الكفَّار كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبي ألقوهُ في النار.
وقيل: «على» بمعنى: «مع» أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود.
قال ابن الخطيب: و «على» بمعنى: «عند» كقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ} [الشعراء: 14] أي: عندي.
[وقوله: «شهودٌ» إما حضور قاسية قلوبهم لا يرقون على المؤمنين، أو هم مجدون في ذلك لا يخطر لهم أنه حق.
أو يكون المراد وصف المؤمنين بالتصلُّب في دينهم، والثبات عليه، وإن لم يؤثر فيهم حضور هؤلاء، ولا استحيوا من مخالطتهم.
وإما أن يكون المراد بشهودهم شهادة الدعوة؛ أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بما فعلوا بالمؤمنين.
وإما أنهم متثبّتون في فعلهم متبصرون فيه كما يفعل الشهود، ثم لا يرحمونهم مع ذلك] .
قوله: {وَمَا نَقَمُواْ} ، العامة، على فتح القاف.
وزيدُ بن عليٍّ، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: بكسرها، والفصيح: الفتح. وقد تقدم ذلك في سورة «المائدة» و «براءة» .
والمعنى: ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرَّقوهم {إِلَاّ أَن يُؤْمِنُواْ} إلَاّ أن صدقوا بالله؛ كقوله: [الطويل]
5155 -
ولا عَيْبَ فِيهَا غَيْرَ شُكلةِ عَيْنهَا
…
كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكلٌ عُيونُهَا
وكقول ابن الرقيَّات: [المنسرح]
5156 -
ما نَقَمُوا من بَنِي أميَّة إلْ
…
لا أنَّهُم يَحْلمُونَ إنْ غَضِبُوا
يعني أنهم جعلوا أحسن الأشياء قبيحاً وتقدم الكلام على محل «أن» أيضاً في سورة «المائدة» .
وقوله تعالى: {أَن يُؤْمِنُواْ} أتى بالفعل المستقبل تنبيهاً على أنَّ التعذيب إنما كان لأجل إيمانهم في المستقبل، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى من الإيمان، فكأنه قيل: أن يدوموا على إيمانهم، و «العَزِيز» هو الغالب المنيع، «الحميد» : المحمود في كل حال.
{الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} : لا شريك له فيهما.
{والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: عالم بأعمال خلقه لا يخفى عليه خافية، وهذا وعد عظيم للمطيعين، ووعيد للمجرمين.
قوله: {إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} : لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع من أحكام الثواب والعقاب، فقال تعالى:{إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات} أي: حرقوهم بالنار، والعرب يقولون: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته، ودينار مفتون، ويسمى الصائغ: فتّان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي: فضة محرقة، ويقال للحرة: فتين وهي الأرض التي تركبها حجارة سوداء، كأنما أحرقت حجارتها بالنار لسوادها.
وقال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بالذين فتنوا: كل من فعل ذلك؛ لأن اللفظ والحكم عام.
وقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} أي: من قبيح صنيعهم، وهذا يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدلّ على القطع بأن الله يقبل التوبة، فدلَّ على أن توبة القاتل عمداً مقبولة.
قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} . هو خبر «إنَّ الذينَ» دخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط، ولا يضر نسخه ب «إن» خرفاً للأخفش.
وارتفاع «عذاب» يجوز على الفاعلية بالجار قبله لوقوعه خبراً، وهو الأحسن، وأن يرتفع بالابتداء، والمعنى: لهم عذاب جهنَّم لكفرهم.
وقيل: ولهم عذاب الحريق أي: ولهم في الآخرة عذابُ الحريق، والحريق: اسم من أسماء جهنم كالسعير، والنَّار دركات وأنواع، ولها أسماء، وكانوا يعذبون بالزَّمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق.
والأول: عذاب ببردها.
والثاني: عذاب بحرِّها.
قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} . أي: هؤلاء الذين آمنوا بالله، أي: صدقوا به وبرسوله {وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ} أي: بساتين.
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} لما ذكر تعالى وعيد المجرمين، ذكر وعد المؤمنين، {ذَلِكَ الفوز الكبير} أي: العظيم الذي لا فوز يشبهه، وقال:«ذلِكَ الفوزُ» ولم يقل: تلك؛ لأن ذلك إشارة إلى إخبار الله تعالى بحضور الجنات، وتلك إشارة إلى الجنَّة الواحدة، وإخبار الله - تعالى - يدل على كونه راضياً. والفوز الكبير: هو رضا الله تعالى، لا دخول الجنة.
قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} ؛ أي: أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله تعالى:{وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .
وقال المبرد: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} جواب القسم وقد تقدم ذلك.
والبطش: هو الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة، فقد تضاعف.
قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} ، يعني: الخلق عند أكثر العلماء يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمةُ، قال: عجب الكفَّار من إحيائه تعالى الأموات.
وقال ابن عباس رضي الله عنه يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري.
قوله: {وَهُوَ الغفور الودود} : «الغَفُور» : أي: الستور لعباده المؤمنين، والودود: مبالغة في الوداد.
قال ابن عباسٍ: هو المتودّد لعباده المؤمنين بالمغفرة.
وعن المبرد، هو الذي لا ولد له، وأنشد:[المتقارب]
5157 -
وأركَبُ في الرَّوعِ عُريانَةً
…
ذَلُولَ الجَناحِ لَقَاحاً ودُودَا
أي: لا ولد لها تحنّ إليه.
وقيل: هو «فعول» بمعنى: «مفعول» ، كالرَّكُوب والحلُوب أي: يوده عباده الصالحون.
قوله: {ذُو العرش المجيد} قرأ الكوفيون إلَاّ عاصماً: «المجيد» بالجر.
فقيل: نعت للعرش.
وقيل: ل «ربك» في قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} ، قاله مكيٌّ. وقيل: لا يجوز أن يكون نعتاً للعرش؛ لأنه من صفات الله تعالى.
وقرأ الباقون: بالرفع، على أنه خبر بعد خبر.
وقيل: هو نعت ل «ذو» ، واستدلَّ بعضهم على تعدد الخبر بهذه الآية، ومن منع قال: لأنها في معنى واحد، أي: جامع بين هذه الأوصاف الشريفة، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر.
والمجيد: هو النهاية في الكرم والفضل، والله تبارك وتعالى هو المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر المؤمنين.
ومعنى «ذو العرش» أي: ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ملكه وإن لم يكن على سرير، ويقال: بلي عرشه، أي: ذهب سلطانه.
قوله: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي: لا يمتنع عليه شيء يريده.
قال الزمخشريُّ: «فعالٌ» خبر مبتدأ محذوف، وإنما قيل:«فعال» ؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود.
وعن أبي السفر قال: دخل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم َ على أبي بكر رضي الله عنه يعودونه، فقالوا: ألا نأتيك بطبيبٍ؟ قال رضي الله عنه: قد رآنِي، قالوا: فَمَا قَال لَك؟ قال: قال: إنِّي فعَّالٌ لما أريدُ.
فصل في أن الآية دلت على خلق الأفعال
دلَّت هذه الآية على خلق الأفعال؛ لأنه تعالى يريد الإيمان، فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان، وإذا كان فاعلاً للإيمان وجب أن يكون فاعلاً للكفر ضرورة؛ لأنه لا قائل بالفرق.
فصل في تفسير الآية
قال القفال: «فعَّالٌ لما يُرِيدُ» أي: يفعل ما يريد على ما يراه، لا يعترض عليه ولا يغلبه غالب، فيدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم
منه ناصر، ويمهمل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، فهو يفعل ما يريد.
قوله: {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود} ، أي: قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم [تَسْلِيَةً له بذلك] .
قوله تعالى: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} . يجوز أن يكون بدلاً من الجنود، وحينئذ فكان ينبغي أن يأتي البدل مطابقاً للمبدل منه في الجمعية.
فقيل: هو على حذف مضاف، أي: جنود فرعون.
وقيل: المراد فرعون وقومه، واستغني بذكره عن ذكرهم؛ لأنهم أتباعه.
ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار: أعني؛ لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه.
والمعنى: أنك قد عرفت ما فعل بهم حين كذبوا بأنبيائهم ورسلهم.
قوله: {بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ} ، أي: هؤلاء الذين لا يؤمنون بك في تكذيب لك كدأب من قبلهم، وإنما خُصَّ فرعون وثمود؛ لأن ثموداً في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدِّمين، وأمر فرعون كان مشهوراً عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدلَّ بهما على أمثالهما، والله أعلم.
قوله: {والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} ، أي: يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون، والمحاط به المحصور.
وقيل: والله أعلم بهم فيجازيهم.
قوله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} العامة: على تبعية مجيد ل «قرآن» ، وقرأ ابن السميفع بإضافة «قرآن» ل «مجيد» .
فقيل: هو على حذف مضاف، أي: قرآن رب مجيد.
كقوله: [الوافر]
5158 -
ولَكِنَّ الغِنَى ربّ غَفُور
…
أي: غنى رب غفور.
وقيل: بل هو من إضافة الموصوف إلى صفته، فتتحد القراءتان، ولكن البصريين لا يجيزون هذا لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، ويتأولون ما ورد.
ومعنى «مَجِيدٌ» أي: متناهٍ في الشرف والكرم والبركة.
وقيل: «مَجِيدٌ» أي: غير مخلوق.
قوله: {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} ، قرأ نافع: برفع «محفوظ» : نعتاً ل «قرآن» .
والباقون: بالجر؛ نعتاً للوح.
والعامة: على فتح اللام، وقرأ ابن السميفع وابن يعمر: بضمها.
قال الزمخشري: يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح، «محفوظ» من وصول الشياطين إليه.
وقال أبو الفضل: «اللّوح» : الهواء، وتفسير الزمخشري بالمعنى، وهو الذي أراده ابن خالويه.
قال القرطبي: «فِي لوحٍ محفُوظٍ» أي: مكتوب في لوح، وهو محفوظ عند الله - تعالى - من وصول الشياطين إليه.
وقيل: هو أم الكتاب، ومنه انتسخ القرآن والكتب.
وقال بعض المفسرين: «اللوح» شيء يلوح للملائكة فيقرءونه.
وفي «الصِّحاح» : لاح الشيء يلوح لوحاً ولواحاً: عطش، وكل عظم عريض، واللوح: الذي يكتب فيه، واللُّوح: بالضم، الهواء بين السماء والأرض. وأنشد دريد:[الرجز]
5159 -
عقابُ لُوحِ الجَوِّ أعْلَى مَتْنَا
…
قال ابن الخطيب: قال - هاهنا -: «فِي لَوْحٍ مَحفُوظٍ» ، وقال في آية أخرى:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} [الواقعة: 77، 78] فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون، هو اللوح المحفوظ، ثم كونه محفوظاً يحتمل أن يكون محفوظاً عن اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة
المقربين، ويحتمل أن يكون المراد: ألَاّ يتغيَّر ولا يتبدل. والله أعلم.
روى الثعلبي عن أبيٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «مَنْ قَرَأ سُورةَ {والسمآء ذَاتِ البروج} أعْطَاهُ اللهُ تعَالَى بعددِ كُلِّ يوم جُمعةٍ، وكُلُّ يَوْم عَرفة، يكُونُ في دَارِ الدُّنْيَا عَشْرَ حسَناتٍ» .