الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: منهجه في إيراد أقوال أهل التفسير ومناقشته لها
إن آيات كتاب الله جل وعلا منها ما هو جلي واضح، وهذا لا يُختلف في تفسيره غالباً، ومنها ما هو خفي لا يتضح المراد منه بحيث يحتمل وجوهاً من التأويل، وهذا النوع من الآيات هو الذي يختلف العلماء في بيان المراد منه على أقوال عدة.
والإمام الطحاوي يستوعب في الغالب جميع الأقوال في الآيات المختلف في بيان المراد بها.
كما أنه يناقش هذه الأقوال وأدلتها، وينبه على القول الراجح منها، مع الاستدلال عليه، ورد ما عداه.
ومن الأمثلة على ذلك:
حيث قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز و جل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة:33] الآية، قال: نزلت هذه الآية في المشركين. فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست هذه الآية للرجل المسلم من قتل وأفسد في الأرض وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب ..
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قدم أعراب من عرينة إلى نبي الله j فاسلموا، فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم، وعظمت بطونهم، فبعث بهم نبي الله j إلى لقاح له، فأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل فبعث نبي الله j في طلبهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم.
قال أمير المؤمنين عبد الملك لأنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أو بذنب؟ قال: بكفر.
ففي الحديث الأول من هذين الحديثين أن الحكم المذكور فيه في المشركين إن فعلوا هذه الأفعال، لا فيمن سواهم ممن هو متمسك بالإسلام.
وفي الحديث الثاني منهما ما قد دل على أن العقوبة في ذلك كانت عند أنس بن مالك، إذ كانت تلك الأفعال مع الزيادة لا مع الإسلام.
ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف طلبنا الوجه فيه، ووجدنا الله قد قال في كتابه {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} [المائدة:33] الآية فكان ما ذكر الله في هذه الآية قد ذكر فيه أن العقوبات المذكورات فيها جزاء لمن أصاب تلك الأشياء التي تلك العقوبات عقوبات لها، وقد تكون تلك الأشياء ممن ينتحل الإسلام وممن سواهم، وكانت المحاربة هي العداوة لله عز وجل بالأفعال التي لا يرضاها.
قال أبو جعفر: فوجب بذلك استعمال ما في هذه الآية على من يكون منه هذه المحاربة والسعي المذكور فيها إلى يوم القيامة من أهل الملة الباقين على الإسلام، ومن أهل الملة الخارجين عن الإسلام إلى ضده، ومن أهل الذمة الباقين على ذمتهم، ومن أهل الذمة الخارجين عن ذمتهم بنقض العهد الذي كان عليهم فيها.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث يوجب ما قلنا، كما عن إبراهيم بن طهمان .. عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل قتل امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: زانٍ بعد إحصانه، أو رجل قتل فقُتل به، أو رجل خرج محارباً لله ولرسوله فيُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض) فقال قائل: فقد احتججت بحديث إبراهيم بن طهمان هذا، وفيه تخير الإمام في هذه الأشياء أيها رأى أنه يقيمه على أهل المحاربة، وأنت لا تقول هذا، وقد قال بالتخير قبلك في هذه العقوبة غير واحدٍ من أهل العلم؟
فذكر عن الحسن في قوله: (أو. . . أو. . .) قال: (الإمام مخير: إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع).
وعن إبراهيم، والحسن، والضحاك، وعطاء، ومجاهد، أنهم كانوا يقولون: الإمام مخير في ذلك، أي ذلك ما شاء فعل.
قال: فهذه الآثار كلها عن هؤلاء التابعين في تخير الإمام، وقد كان مالك بن أنس يذهب إلى هذا، فإلى قول من خالفت ذلك؟
قيل له: إلى قول عبد الله بن عباس: (إذا خرج الرجل محارباً، فأخاف السبيل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلافٍ، وإن هو أخذ المال وقتل، قطعت يده ورجله من خلاف وصُلب، وإن هو قتل ولم يأخذ المال قُتِل، وإن هو أخاف السبيل ولم يأخذ المال نُفي).
وإلى هذا القول كان محمد بن الحسن وأبو يوسف يذهبان.
وأما أبو حنيفة فكان يقول: إذا أخذ المال وقتل، كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع يده ورجله من خلافٍ، ثم قتله، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله من خلافٍ.
وأما ما حكيته عن مالك، فقد غلطت عليه فيه، لان مالكاً كان يستعمل التخير كما ذكرت ما لم يقتل أو يطول مكثه في المحاربة.
فإذا كان ذلك، كان حكمه أن يقتله، فقد عاد قوله بذلك إلى طائفة من قول الآخرين ممن يجعل الآية على المراتب لا على التخير.
فقال هذا القائل: فلم لم تجعل للإمام أن يقتل بالمحاربة إذا لم يصب أهلها القتل بظاهر الآية؟
قلت: لما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدفع ذلك.
كما .. عن أبي أمامه بن سهل، قال: كنت مع عثمان رضي الله عنه في الدار وهو محصور، فدخل يوماً لحاجة، ثم خرج، فقال: لم يقتلونني؟! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس)، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت لي بديني بدلاً مذ هداني الله عز وجل، فلم يقتلوني؟!).
فكان فيما روينا نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حل دم من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بواحدة من الثلاث المذكورات في هذا الحديث، فثبت بذلك أنه لا يحل دم من خرج من المسلمين بخروجه حتى يكون في ذلك القتل، وفيما ذكرنا موافقة ما رويناه عن ابن عباس، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -5/ 45 - 61)