المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المختصر ما نسجته من صوف بينهما كذلك. المتيطي لأصبغ عن ابن - المختصر الفقهي لابن عرفة - جـ ٤

[ابن عرفة]

فهرس الكتاب

- ‌ باب فيما يثبت الوطء به [

- ‌ الأنكحة الفاسدة [

- ‌ باب في رعي الخلاف [

- ‌[باب في المتعة]

- ‌[باب الوليمة]

- ‌[كتاب الطلاق]

- ‌[باب طلاق الخلع]

- ‌[باب المطلق بالخلع]

- ‌[باب باطل الخلع]

- ‌[باب صيغة الخلع]

- ‌[باب في طلاق السنة]

- ‌[باب في شرط الطلاق]

- ‌[باب الأهل]

- ‌[باب لفظ الطلاق الصريح]

- ‌[باب الكناية الظاهرة]

- ‌[باب الكناية الخفية]

- ‌[باب شرط الاستثناء في الطلاق]

- ‌[باب فيما ينجز فيه الطلاق المعلق]

- ‌[باب المختلف في تنجيزه من الطلاق المعلق]

- ‌ باب التوكيل في الطلاق [

- ‌ باب الرسالة [

- ‌ باب التمليك [

- ‌[باب جواب المرأة في…التمليك]

- ‌[باب في صيغة التخيير]

- ‌[باب في الرجعة]

- ‌[كتاب الإيلاء]

- ‌[باب شرط المولي]

- ‌[كتاب الظهار]

- ‌[باب شرط المظاهر]

- ‌ باب صريح الظهار [

- ‌ باب الكناية الظاهرة في الظهار [

- ‌ باب الكناية الخفية في الظهار [

- ‌[باب العودة]

- ‌ باب كفارة الظهار [

- ‌[كتاب اللعان]

- ‌ باب شرط اللعان [

- ‌[باب شرط وجوب اللعان على الزوجة]

- ‌ باب في التوأمين [

- ‌[باب دليل براءة الرحم]

- ‌ باب فيما تجب فيه العدة [

- ‌[باب فيما تسقط به العدة]

- ‌[باب فيما تثبت به عدة الوفاة]

- ‌[كتاب الاستبراء]

- ‌[باب في استبراء الحرة في غير اللعان]

- ‌[باب المواضعة]

- ‌[باب في الإحداد]

- ‌[باب المفقود]

- ‌[كتاب الرضاع]

- ‌[باب ما يثبت به التحريم من الرضيع من موضعه]

- ‌[باب في النسبة الملغاة في الرضاع]

- ‌[باب النسبة الموجبة التحريم في الرضاع]

- ‌[باب في الغيلة]

الفصل: المختصر ما نسجته من صوف بينهما كذلك. المتيطي لأصبغ عن ابن

المختصر ما نسجته من صوف بينهما كذلك.

المتيطي لأصبغ عن ابن القاسم: إن تداعيا في غزل فهو لها بعد حلفها.

وفيها: إن كان الزوج من الحاكة وأشبه غزله وغزلها فمشترك، وإلا فهو لمن أشبه غزله منهما، ونقله مع النوادر عن أصبغ في الطست والإبريق ونحوهما من الآنية إن كان شأن النساء أن لا يخرجنه لأزواجهن؛ قيل فيه قول الزوج مع يمينه إن كانت بكرًا، واختلفا قرب البناء، وإن كانت ثيبًا أو كان البناء، بالبكر بعيدًا، وأمكن أن تتخذ ذلك؛ قبل قولها، وقد تخرج المرأة لزوجها دون شيء ويقبل قولها بعد ذلك فيما للنساء؛ لأنها تكتسبه- مشكل إلا أن يكون عرف إخراج المرأة في جهازها خلاف عرف كسبها بعده- وإلا ناقض أول كلامه آخره.

[باب الوليمة]

الوليمة: الباجي عن صاحب العين: الوليمة طعام النكاح.

عياض عن الخطابي: هي طعام الإملاك، وقال غيره: هي طعام العرس والإملاك فقط.

المازري وابن رشد وغير واحد: المذهب مستحبة.

ابن سهل: الصواب القضاء بها على الزوج لقوله صلى الله عليه وسلم: "أولم ولو بشاة" مع العمل به عند الخاصة والعامة، وتقدم في فصل هدية العرس نقل ابن رشد عن بعض الشيوخ حمل اختلاف قول مالك في وجوب هدية العرس أنها الوليمة وتقدم رده ذلك.

وسمع عيسى رواية ابن القاسم كان ربيعة بن عبد الرحمن يقول: إنما استحب

ص: 59

الطعام في الوليمة لإظهار النكاح ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون.

قلت: يقوم منه جواز النكاح المسمى اليوم بنكاح الجفنة إلا أن العمل استقر بمنعه حيث يمكن الكتب والإشهاد فيه.

ووقتها: روى محمد أرى أن يولم بعد البناء.

الباجي: وروى أشهب في العتبية لا بأس إن لم يولم بعد البناء.

ابن حبيب: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الإطعام على النكاح عند عقده"، ولفظة (عند) تحتمل قبله وبعده، وتقديم إشهاره قبل البناء أفضل كالإشهاد، ويحتمل أن يكون مالك قال ذلك لمن فاته قبل البناء أو اختاره لدلالته على الرضى بما رأى من حال الزوجة، ولما ذكر عياض رواية محمد قال: والرواية الأخرى جوازها بعد البناء، وحكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء، واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء.

قلت: قوله: (والرواية الأخرى) إشارة لما ذكره الباجي من رواية أشهب في العتبية، ولم أجدها فيها.

الباجي: المختار منها يوم واحد.

عياض: لا خلاف أنه لا حد لها، وهي بقدر حال الرجل وما يجد، واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا.

قال بعضهم: إذا دعا كل يوم من لم يدع قبله، وتكره فيها المباهاة والسمعة.

قلت: هذا مقتضى نقل الباجي عن ابن حبيب، وفيه: إن دعا في الثالث من لم يكن دعاه أو من دعاه مرة فهو سائغ، وظاهر نقل عياش منع مطلق التكرار، ولفظ ابن حبيب: من يوم بنائه إلى مثله، فعبر عنه عياض بسبع، ونقله القرافي بلفظ ثمانية أيام، وفي إجابة دعوة من دعي لها معينًا ولا منكر طرق.

ابن رشد في سماع ابن القاسم: سئل مالك عن إتيان الوليمة قال: أرى أن يأتيها؛ يريد: لا سعة له في التخلف.

ص: 60

عياض: لم يختلف العلماء في وجوب إجابتها.

الباجي: روى ابن القاسم في المدنية إنما يجب في طعام العرس، وليس طعام الإملاك مثله.

عياض: هذا على رواية محمد أنها بعد البناء، وهو المسمى عنده وليمة وعرسًا.

الباجي: هذا مشهور مذهب مالك وأصحابه، وروى ابن حبيب ليس ذلك حتمًا ولا فرضًا، وأحب إلي أن يأتي فجعله ندبًا.

قلت: ونقله ابن شاس عن ابن القصار.

اللخمي: إن كان المدعو قريبًا أو جارًا أو صديقًا، ومن يحدث بتأخره عداوة وتقاطع وجب إجابته، وغيره إن لم يأت من الناس ما يقع به شهرة النكاح ندبت وإلا أبيحت.

قال: وروى محمد لا بأس أن يقول الرجل للرجل ادع لي من لقيت، ولا بأس على المدعو كذا أن لا يجيب؛ يريد: لأن تخلف من لا يعرف لا يقع به شنآن.

قلت: ومثله في سماع القرينين، وسمع القرينان: أرى لمن دعي لما أخر للسابع أن يجيب وليس مثل الوليمة؛ لأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع.

ابن رشد: إن جعل الوليمة والسابع معًا وجبت إجابته؛ لأنه دعي لحق، ومن دعي للسابع بخلافه؛ لأنه لم يدع لحق؛ بل لمعروف، وكذا من ترك الوليمة وفعل السابع، وإن أخر الوليمة للسابع، فقال مالك: يجيب وليس كالوليمة؛ لأنه ربما قد يجمعهما احتمل عنده أنه لم يؤخر الوليمة إلى يوم السابع؛ بل تركها وعمله، ولو كان عادة الناس بالبد أنهم لا يولمون إلا يوم السابع لوجبت الإجابة.

قلت: هذا كالمخالف لمتقدم قول عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، وسمع ابن القاسم له في التخلف للزحام سعة.

وسمع القرينان: أرى أن يجيب إلا لعلة مرض أو غيره.

ابن شاس: إنما يؤمر بالدعوة إذا لم يكن منكر ولا فرش حرير، ولا في الجمع من يتأذى بمجالسته وحضوره من السفلة والأرذال ولا زحام ولا غلق باب دونه.

ص: 61

روى ابن القاسم سعة التخلف لذلك، وكذا إن كان على جدران الدار صور أو ساتر، ولا بأس بصور الأشجار.

قلت: قوله (إن كان على جدار الدار صور لا أعرفه عن المذهب هنا لغيره، فإن أراد الصور المجسدة؛ فصواب وإلا فلا، وذكر ذلك أبو عمر عن غير المذهب في أثناء حجة الانصراف عن منكر فيما يطلب حضوره فقال: حجته حديث سفينة وما كان مثله أن فاطمة وعليًا دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعاه لضيف نزل بهما فأتاه فرأى فراشًا في ناحية البيت فانصرف، وقال:"ليس لي أن أدخل بيتًا فيه تصاوير" أو قال: بيتًا مزوقًا".

ورجع ابن مسعود إذا دعي إلى بيت فيه صورة وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير"، ورجع أبو أيوب الأنصاري إذ دعاه ابن عمر فرأى مثل ذلك.

والذي في المذهب قول صلاتها الأول: ويكره التماثيل التي في الأسرة والقباب والمنابر، وليس كالثياب والبسط التي تمتهن، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ما كان يمتهن فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفًا.

فقال ابن رشد في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة: فتحصل فيها لأهل العلم بعد تحريم ما له ظل قائم أربعة أقوال: إباحة ما عدا ذلك ولو كان التصوير في جدار أو ثوب منصوب، وتحريم جميع ذلك، وتحريم ما في جدار أو ثوب منصوب، وإباحة ما بالثوب المبسوط، وتحريم ما بالجدار خاصة، وإباحة ما بالثوب المبسوط والمنصوب.

وسمع القرينان: لا خير في شراء عظام قدر الشبر يجعل لها وجوه ليبيعها لاتخاذها

ص: 62

الجواري بنات يلعبن بها.

ابن رشد: قوله لا خير يدل على الكراهة؛ لأن ما لا يحل لا يعبر عنه بلا خير؛ لأن ما لا خير فيه تركه خير من فعله، وهذا حد المكروه، ومعناه إذا لم تكن مجسدة مصورة على صورة الإنسان، وكانت أصنامًا عمل فيها شبه الوجوه بالتزويق فأشبه الرقم في الثوب، وإليه نحا أصبغ في سماعه في كتاب الجامع فقال: لا بأس بما لم يكن تماثيل مصورة مخلوقة مخروطة كرقم الثوب بالصور؛ لأنها تبلى وتمتهن.

ابن رشد: إنما استخفت الرقوم في الثياب؛ لأنها لا ظل لها والمحظور ما كان على هيئة ما يحيى وله روح، والمستخف ما كان بخلافه، واستخف منه لعب الجواري.

قلت: فظاهر المذهب أن في صور الثياب قولين: الكراهة، وهو ظاهر المدونة، والإباحة وهو ظاهر قول أصبغ، وأيًا ما كان ذلك فلا شيء ينهض ذلك لرفع وجوب الإجابة.

وقول ابن شاس: أو ساتر إن أراد بغير ثياب الحرير فلا أعرفه عن المذهب لغيره، وإن أراد بالحرير، فإن كان بحيث يستند إليه كالمسمى في عرفنا "بأكلاف" فصواب، وأما ما لا يستند إليه، وما هو إلا لمجرد الزينة فالأظهر خفته، ولا يصح كونه مانعًا من وجوب الإفاتة، وما ذكره من غلق لا أعرفه، ولا لفظه والصواب إغلاق.

وسمع عيسى رواية ابن القاسم: أيدخل الرجل يدعى لصنيع فيجد فيه اللعب. قال: إن خف كالدف والكبر الذي يلعب به النساء فلا بأس.

ابن رشد: يريد صنيع العرس أو صنيع العرس والإملاك على ما في سماع أصبغ؛ لأن هذا المرخص في بعض اللهو فيه لما يستحب من إعلان النكاح، واتفق أهل العلم على إجازة الدف، وهو الغربال في العرس، وفي الكبر والمزهر ثلاثة: الجواز قاله ابن حبيب، والمنع قاله أصبغ في سماعه، وهو الآتي على سماع سحنون.

ابن القاسم: إن بيع الكبر فسخ بيعه وأدب أهله والمزهر أحرى بذلك، وجواز الكبر دون المزهر، وهو قول ابن القاسم هنا، وفي سماعه عيسى من كتاب الوصايا، وعليه سماع عيسى يقطع السارق في قيمة الكبر صحيحًا، ولابن كنانة في المدنية إجازة البوق في العرس فقيل: معناه في البوقات والزمارات التي لا تلهي كل اللهو.

ص: 63

واختلف فيما أجيز من ذلك فالمشهور أنه مما يستوي فعله وتركه في نفي الحرج في الفعل، ونفي الثواب في الترك، وقيل: من الجائز الذي تركه خير من فعله يرى يكره فعله لما في تركه من الثواب لا أن في فعله حرجًا وعقابًا، وهو قول مالك في المدونة أنه كره الدفاف والمعازف في العرس وغيره.

قلت: هو في الجعل والإجارة نص في كراهتها.

ابن رشد: قال أصبغ في سماعه إنما يجوز للنساء، ولا يجوز فعله للرجال ولا حضوره، والمشهور جوازهما للرجال، وهو قول ابن القاسم في هذا السماع؛ وسماع أصبغ وقول مالك إلا أنه كره لذي الهيئة أن يحضر اللعب، رواه ابن وهب في سماع أصبغ، وما لا يجوز عمله من اللهو في العرس لا يجوز لمن دعي إليه أن يأتيه.

قلت: هذا معروف المذهب في منع حضورها للعب منكر، والأكثر في اللعب المباح الحضور إلا لأهل الفضل والهيئات، وفي مذهبنا فيه قولان.

اللخمي: كره أصبغ الغناء إلا بما قالته الأنصار.

قلت: بل ظاهر قوله التحريم. قال في سماعه لا يجوز للنساء غير الكبر والدف ولا غناء معهما ولا ضرب ولا برابط ولا مزمار ذلك حرام محرم إلا ضرب الدف والكبر هملًا، أو يذكر الله وتسبيحًا وتحميدًا على ما هدى أو برجزٍ خفيف لا بمنكر ولا طويل مثل الذي جاء في جواري الأنصار.

أتيناكم أتيناكم

فحيونا نحييكم

ولولا الحبة السمراء لم نحلل بواديكم

وشبه ذلك، ولا يعجبني معه الصفق بالأيدي، وهو أخف.

قلت: ولما عرف الخطيب الإمام أبو بكر بن ثابت في تاريخ بغداد، بإبراهيم بن سعد بن سعد بن إبراهيم المدني قال: قدم العراق فأكرمه الرشيد؛ فسأل عن الغناء فأفتى بإباحته، فأتاه بعض المحدثين ليسمع منه أحاديث الزهري فسمعه يتغنى، فقال: كنت حريصًا على السماع منك؛ فأما الآن فلا سمعت منك حرفًا أبدًا، فقال: إذًا لا أفقد إلا شخصك، علي وعلي إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثًا حتى أغني قبله، فبلغ ذلك

ص: 64

الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرقة الحلي، فدعا بعود فقال الرشيد: أعود المجمر. قال: لا ولكن عود الطرب، فتبسم ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث الذي ألجأني إلى أن حلفت. قال: نعم، ودعا له الرشيد بعود فغناه، يا أم طلحة إن البين قد أفدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا. فقال الرشيد: من كان يكره من فقهائكم السماع. قال: من ربطه الله، فقال: هل بلغك عن مالك بن أنس في ذلك شيء. قال: لا والله إن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع؛ وهم يومئذ جلة ومالك أقلهم في فقهه وقدره، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون، ومع مالك دف وهو يغنيهم:

سليمى أزمعت بينا فأين تظنها أينا

وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا

تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا

فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم.

قلت: إمامة أبي بكر الخطيب وعدالته ثابتة، ونقل ابن الصلاح وعياض وغير واحد معلوم؛ وإبراهيم بن سعد هذا. قال المزني: خرج له أهل الكتب الستة الصحيحان وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة، وجامع الترمذي، وهذه الحكاية مثل نقل عياض القول الشاذ بجوازه.

الباجي: لا نص لأصحابنا في وجوب أكل المجيب، وفي المذهب ما يقتضي

ص: 65

القولين، روى محمد عليه أن يجيب، وإن لم يأكل أو كان صائمًا.

وقال أصبغ: ليس ذلك بالوكيد وهو خفيف، فقول مالك على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على وجوبه.

قلت: رواية محمد يجيب وإن لم يأكل نصٌ فقهيٌ في عدم وجوب الأكل، وعليه حمله اللخمي، فكيف يقول: لا نص.

قال اللخمي: قول مالك لا يطعم خلاف الحديث. قال صلى الله عليه وسلم: "فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل"، ولو جعل على صفة المدعو كان حسنًا فالرجل الجليل لا بأس أن لا يطعم؛ لأن المراد التشرف بمجيئه، وإن لم يكن كذلك، وهو ممن يرغب في أكله؛ وتحدث وحشة بتركه فاتباع الحديث أولى.

الباجي: روي عن مالك كراهة إجابة أهل الفضل إلى طعام يدعون إليه.

الشيخ: يريد في غير العرس.

الباجي: يريد فيما صنع لغير سبب جرت العادة باتخاذ الطعام له، فالطعام ثلاثة: طعام العرس، وطعام له سبب معتاد كالنفاس، والختان لا تجب إجابته ولا تكره، ومقتضى تفسير الشيخ كراهتها، ودليل نفي كراهتها رواية أشهب، قيل له: النصراني يتخذ طعامًا لختان ابنه أفيجيبه قال: إن شاء فأباحه في النصراني فأحرى المسلم، وطعام لا سبب له يستحب لأهل الفضل الترفع عن إجابته، ويكره لهم التسرع لإليه؛ لأنه على وجه التفصل على المدعو إليه، وفي طرر ابن عات: لا بأس أن يحضر وليمة اليهودي ويأكل منها.

قال بعض أصحابنا بعد أن يحلفه بالتوارة أنه لم يتزوج أخته ولا عمته ولا خالته.

قلت: الأصوب أن الواجب عدم الإجابة؛ لأن في إجابته إعزازًا له والمطلوب إذلاله، وقوله بعد أن يحلفه فيه نظر إن كان ذلك في ملتهم مباحًا.

اللخمي: أرى إن كان المدعو قريبًا أو جارًا أو صديقًا فالعرس وغيره سواء،

ص: 66

وطعام العرس عند العرب وليمة، وطعام الختان إعذار، وطعام القادم من سفره نقيعة، وطعام النفاس الخرس، وكل طعام صنع لدعوة مأدبة.

قلت: قال الزمخشري وغيره: طعام كمال البناء وكيرة، وما ذكره في المأدبة عزاه أبو عمر لثعلب. قال: وأنشد بعضهم:

كل الطعام تشتهي ربيعه الخرس والإعذار والنقيعة

أنشده الزمخشري في أساس البلاغة:

كل الطعام تشتهي عميره الخرس والإعذار والوكيرة

وفي الموطأ في باب الوليمة: "دعا خياط رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه. قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إليه خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباءٌ"، وفي رواية:"وقديدًا".

أبو عمر: أدخله مالك في باب الوليمة، وليس فيه ما يدل عليها.

الباجي: أدخله مالك إبطالًا لمن يحتج عليه به في قول مالك يكره لذي الفضل، والهيئة إجابة الدعاء لطعام صنع لغير سبب باحتمال كونه وليمة.

الباجي: ويحتمل أنه لما علم من تبركهم بأكلهم ودخوله إليهم صلى الله عليه وسلم، ولو امتنع من ذلك شق عليهم.

قلت: ويحتمل أنه أتى به لإباحة الإجابة في طعام غير الوليمة خلاف قوله بعدمه واختلاف قوله كثير.

أبو عمر: اختلف في نهبة اللوز والسكر وسائر ما ينثر في الأعراس والختان

ص: 67

وأضراس الصبيان فكره مالك أكل شيء مما يختلس لصبيان على تلك الحال، وأجازه أبو حنيفة إن أذن أهله فيه.

قال أبو عمر: لم يختلف أن سنة هدي التطوع إذا عطب أن يخلى بين الناس وبينه، فيأخذ منه كل من قدر عليه.

قلت: هذا ميل لإجازة النهبة وتقييد بعضهم كراهته بأن ربه أحضره للنهبة، ولا يأخذ بعضهم مما حصل في يد غيره.

قال: وغيره حرام، وذكر القعنبي عن عائشة قالت: حدثني معاذ بن جبل أنه شهد إملاك رجل من الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر الأنصار، وقال:"على الألفة والخير والطير الميمون، دففوا على رأس صاحبكم"، فدفف على رأسه، وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكر، فنثر عليهم، فأمسك القوم ولم ينتهبوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أزين الحلم، ألا تنتهبون؟ " قالوا: يا رسول الله، نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، فقال:"إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، ولم أنهكم عن نهبة الولائم".

قال عبد الحق: في إسناده بشر بن إبراهيم الأنصاري وهو ضعيف الحديث، وفي ذكره ابن عبد السلام دون ذكر قول عبد الحق فيه إيهام بصحته، ولم يتعقبه ابن القطان بحال.

********* ابن شاس: من له زوجة واحدة لا يجب مبيته عندها.

قلت: الأظهر وجوبه أو تبييته معها امرأة ترضى؛ لأن تركها وحدها ضرر؛ وربما يتعين عليه زمن خوف المحارب والسارق.

الشيخ: روى محمد لا قسم لأم ولد ولا أمة مع حرة، ولا قسم بين السراري.

ابن شاس: لا يجب بين المستولدات وبين الإماء، ولا بينهن وبين الإماء، ولا بينهن وبين المنكوحات، إلا أن الأولى العدل وكف الأذى.

ص: 68

وقول ابن عبد السلام: قول المؤلف "الأولى العدل وكف الأذى" الذي يدل عليه لفظ المدونة أن كف الأذى واجب لا أولى. قال فيها: ليس لأم الولد مع حرة قسم، جائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار، ويرد بأن المحكوم عليه بأولى مجموع العدل وكف الأذى لا مجرد كف الأذى فقط وبأن الأذى غير الضرر واجب منه؛ فلا تنافي بين كون ترك الأذى أولى وكون كف الضرر واجبًا، ودليل كونه غيره وأخف منه قوله تعالى:{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران:111].

قال اللخمي: لا مقال للحرة في إقامته عند الأمة، وفيه نظر، إلا أن يثبت فيه إجماع.

وفيها: العبد كالحر والمجبوب، ومن لا يقدر على الجماع يقسم من نفسه بالعدل إذ له أن يتزوج.

ابن شاس: يجب على كل مكلف وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه.

وفيها: يقسم المريض بين نسائه بالعدل إن قدر أن يدور عليهن فيه، وإن لم يقدر أقام عند أيتهن شاء لإفاقته ما لم يكن حيفًا، فإذا صح ابتدأ القسم، والقسم لصغيرة جومعت ومجنونة ورتقاء ومريضة لا تجامع وحائض وكتابية وأمة ككبيرة صحيحة، زاد اللخمي: النفساء والمحرمة ومن آلى منهما أو ظاهرهما على حقهما في الكون عندهما وألا يصيب البواقي إلا أن ينحل من الإيلاء والظهار، وعليه أن ينحل منهما إلا إن قامت بحقها التي لم يؤل منها ولم يظاهر، ومحمل آية الإيلاء على من كان خلوا من غيرها، فإن كان له قسوة فلها مطالبته بالعدل في الإصابة إلا أن يعتزل جميعهن، "وقد غاضب صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فاعتزل جميعهن شهرا" أخرجه مسلم والبخاري.

وفي كون الأمة كالحرة، أو لها يومان وللأمة يوم روايتان، موجهًا الثانية بأن رق الأمة يمنعها سوم نفسها مساواة الحرة غايتها كونها ضرتها، فلما انتفت المساواة جعلت على النصف قياسًا على حكمها في الحد، وإن كانت حرة نصرانية وأمة مسلمة سوى

ص: 69

بينهما لترجيح النصرانية بالحرية والأمة بالإسلام.

قلت: ظاهر الروايات بالتفاوت الإطلاق، فاختيار اللخمي ثالث، وعزا أبو عمر الثانية لابن الماجشون وأبيه، وروى أبو زيد عن عبد الملك أن مالكًا رجع إليها، وهو قول سعيد ابن بشير: إن كان الزوج عبدًا فكل المذهب على التسوية بين الحرة والأمة إلا أن ابن الماجشون قال: تفضل الحرة، وعلى التفاوت قال ابن شاس: إن عتقت في أثناء زمنها أتمه لها كالحرة وبعده استأنف لها كالحرة.

اللخمي: ليس له أن يقيم عند إحداهما في يوم الأخرى، واختلف في دخوله لقضاء حاجة فروى محمد له أن يأتي عابرًا أو لقضاء حاجة أو لوضع ثيابه عندها دون وضعها عند الأخرى لغير ميل ولا ضرر، وقال أيضًا: لا يقيم عندها إلا لعذر لا بد منه من اقتضاء دين أو تجر أو علاج، ولابن الماجشون لا بأس أن يقف بباب إحداهما دون الأخرى دون دخول، وأن يأكل مما تبعث به إليه، وهذا أحسن ألا يدخل إلا لضرورة تنزل؛ لأن الغالب اختلاف منزلة الزوجين، وتسويغ وضعه ثيابه وتجره عند إحداهما ذريعة لاختصاصه بذلك من يميل إليه فلا يحصل القسم.

وسمع القرينان: سمعت أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان؛ فكان لا يشرب الماء من بيت إحداهما في يوم الأخرى، وما أدري ما حقه.

ابن رشد: وروي أنهما توفيتا معًا في وباء بالشام فدفنتا في حفرة وأسهم بينهما أيهما تقدم في القبر، وذلك تحر للعدل دون وجوب، لا بأس أن يتوضأ الرجل من ماء إحدى زوجتيه ويشرب الماء من بيتها، ويأكل من طعامها الذي يرسل إليه في يوم الأخرى من غير تعمد ميل، ويقف ببابها يتفقد من شأنها ويسلم من غير دخول.

قلت: ففي دخوله لا الإقامة رواية محمد وقول ابن الماجشون مع نقل ابن رشد عن المذهبن واختلف إن أغلقت إحداهما دونه فروى محمد إن قدر أن يبيت في حجرتها وإلا ذهب للأخرى.

ابن القاسم: يؤدبها ولا يذهب للأخرى ولو كانت ظالمة.

أصبغ: إلا أن يكثر ذلك منها، ولا مأوى له سواهما، وهو أحسن، وروى محمد له أن يبدأ بالليل قبل النهار وعكسه.

ص: 70

الباجي: يريد أن عليه أن يكمل لكل واحدة يومًا وليلة، والأظهر من قول أصحابنا أن يبدأ بالليل.

اللخمي: إن رضي الزوج والنسوة كونه يومين وثلاثة جاز، ولو رضي الزوج وحده بيومين أو ثلاثة ففي منعه وتمكينه رواية محمد وتخريج اللخمي على قول ابن القصار بأن له أن يسبع عند الثيب ويحاسب، وقبله المتيطي وغيره، ورده ابن بشير بعدم مساواة حال العروس غيره إذله الزيادة على الجملة، يرد بإنتاجه العكس لاسيما مع أن التسبيع يبطل الاختصاص بالثلاث.

اللخمي: إن كان الزوجتان ببلدين جاز قسمه جمعة وشهرًا وشهرين على قدر بعد الموضعين بما لا يضر به ولا يقيم عند إحداهن إلا لتجرأ ونظر ضيعة. قلت: وقاله ابن حبيب.

ويجب استقلال كل واحدة بمسكنها: وفي كيفيته عبارتان: الجلاب والمتيطي: لا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن.

ابن شعبان في زاهيه: من حق كل واحدة انفرادها بمنزل منفرد المرحاض، وليس عليه إبعاد الدار بينهن.

اللخمي وابن رشد في رسم الأقضية الثاني من سماع القرينين: يقضى على الرجل أن يسكن كل واحدة بيتا، ويقضى عليه أن يدور عليهن في بيوتهن ولا يأتينه إلا أن يرضين.

قال محمد بن عبد الحكم: وهو صحيح على مذهب مالك، وقد قال مالك: من قال لامرأته: أنت طالق إن وطئتك إلا أن تأتيني أنه مول إذ ليس عليها أن تأتيه.

اللخمي: ولا يطأ زوجة ولا أمة ومعه أحد في البيت صغير ولا كبير، ولو كان نائمًا، ونقله الصقلي عن ابن حبيب عن ابن الماجشون بلفظ: لا ينبغي. قال: وكان ابن عمر يخرج الصبي في المهد، وكره في بعض الأخبار أن يكون معه بهيمة.

قلت: ما ذكره عن بعض الأخبار لم أجده في كتب الحديث بحال، ومنع الوطء، وفي البيت نائم غير زائر ونحوه عسير إلا لبعض أهل السعة.

وفي منع جمع الحرتين في فراش واحد دون وطء وكراهته نقل اللخمي رواية محمد

ص: 71

وقول ابن الماجشون، وفي جمع الإماء كذلك القولان، وثالثها: الجواز لقولي مالك وابن الماجشون.

المتيطي: منع ابن سحنون دخول الحمام بزوجتيه معًا وأجازه بإحداهما.

قلت: وذكر ابن الرقيق أن أسد بن الفرات أجاب الأمير يحيى بجواز دخوله الحمام بجواريه، وخطأه ابن محرز لحرمة الكشف بينهن.

وفيها: ليس عليه المساواة في الوطء ولا بالقلب، ولا حرج عليه أن ينشط للجماع في يوم هذه دون يوم الأخرى إلا أن يفعل ذلك ضررًا أو يكف عن هذه للذته في الأخرى فلا يحل.

وسمع ابن القاسم: لا بأس أن يكسو إحداهما الخز، ويحليها دون الأخرى إن لم يكن ميلا.

ابن رشد: هذا معروف مذهب مالك وأصحابه أنه إن أقام لكل واحدة ما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من شاء منهن بما شاء، وقال ابن نافع: يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد إقامته لكل واحدة ما يجب لها، والأول أظهر.

قلت: قول ابن نافع حكاه المتيطي رواية.

****** أن يقيم عنده من تزوجها بكرًا سبعًا وثيبًا ثلاثًا، وفي كونه حقًا للزوجة أو الزوج نقل الصقلي روايتي ابن القاسم وأشهب.

اللخمي: في كونه حقا للزوجة لازمًا لها أو له، ثالثها: هو حق لها يؤمر به ولا يجبر كالمتعة لروايتين وقول أصبغ.

المتيطي: المشهور أنه لا يلزمه، وروى أبو الفرج لزومه.

ابن شاس: في كونه حقا لها أو له روايتان، وقيل: هو حق لهما.

قلت: حكاه الباجي عن ابن القصار.

ص: 72

ابن شاس: ثم في وجوبه واستحبابه روايتا ابن القاسم وابن عبد الحكم، وعلى أنه حق لها أو لهما فهل يقضى لها به عليه أم لا؟

قال أصبغ: لا يقضى عليه، وقال القاضي أبو بكر: الصحيح القضاء به، وللصقلي عن أشهب كأصبغ وله والباجي عن محمد بن عبد الحكم يقضى به.

ومن ليس عنده غير من تزوجها في سقوط حقها في السبع والثلاث وثبوته طريقا الصقلي عن نص ابن حبيب مع ظاهر قول محمد ونقل ابن شاس عن أبي الفرج عن ابن عبد الحكم.

قال القاضي أبو بكر: لا معنى لهذا فلا يلتفت إليه.

الباجي عن ابن القصار: والأمة كالحرة.

المتيطي: والذمية كالمسلمة.

وسمع ابن القاسم: لا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن الصلاة في جماعة.

سحنون: وقال بعض الناس لا يخرج وهو حق لها بالسنة.

الصقلي: قال بعض فقهائنا: يريد: لا يخرج لصلاة الجماعة، والجمعة لا يدعها في هذا القول.

اللخمي عن ابن حبيب: يتصرف في حوائجه وإلى المسجد، والعادة اليوم أن لا يخرج ولا لصلاة، وإن كان خلوا من غيرها، وعلى المرأة بخروجه وصمٌ، وأرى أن يلزم العادة، ولو أراد أن يسبع للثيب، ويتم لنسائه سبعًا ففي منعه وتمكينه نقلا اللخمي رواية محمد، وقول ابن القصار ونقل ابن شاس عنه بلفظ إن اختارت التسبيع سبع، ثم سبع لغيرها لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة، وقد التمست منه ذلك:"إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك وردت عليهن".

قال القرافي: بالتسبيع يبطل حقها في التثليث.

ص: 73

قلت: فيجب شرط التسبيع باختيارها كنقل ابن شاس لا لمجرد اختياره كظاهر لفظ اللخمي.

قال عن محمد بن عبد الحكم: إن زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما وقبله عبد الحق واللخمي، وقال: على أحد قولي مالك أن لا حق له فهو مخير دون قرعة.

قلت: الأظهر إن سبقت إحداهما بالدعاء للبناء قدمت وإلا فسابقة العقد، وإن عقدا معًا فالقرعة.

اللخمي: إن عدا بترك يوم إحداهما لا عند الأخرى لم يكن لمن ذهب يومها أن تحاسب بتلك الأيام؛ لأنها لو حوسبت بها لكانت قد أخذت ذلك من يوم صاحبتها، وهي لم يصل إليها إلا حقها.

قلت: انظر هل مراده أنه لم يطلع على عدائه إلا بعد قسمه لتالية التي عدا عليها؟ ولو اطلع عليه قبله لزمه يوم التي عدا عليها قبل تاليتها، أو سواء اطلع عليه كذلك، أو قبل قسمة للتالية؟ والأول أظهر.

وفيها: إن تعمد المقام عند واحدة منهن شهرًا حيفا لم تحاسب به، وزجر عن ذلك وابتدأ القسم، فإن عاد نكل كالمعتق نصفه يأبق لا يحاسب بخدمة ما أبق فيه.

وقال ابن عبد السلام: أنكر هذا التشبيه بأن أكثر أحكام المعتق بعضه كالقن فليست الشركة بينه وبين سيده حقيقية بخلاف الزوجين، ويرد بأن الكثرة المذكورة إنما هي في الأحكام التي تختلف فيه الحرية والرقية لا في الأحكام المالية، في جناياتها إذا جنى المعتق بعضه أو جنى عليه فلسيده أو عليه بقدر ملكه منه وللعبد أو عليه بقدر ما عتق منه، وخرج اللخمي من رواية السليمانية من أقام عند إحدى نسائه الأربع شهرين فأراد مقاصتها فأبت فحلف لا وطئها حتى يقضي الباقيات ليس بمول لإرادته العدل لا الضرر، فأجاز المحاسبة بالماضي.

قال: وهو أحسن، ورده ابن بشير بأن عدم الحكم بإيلائه أعم من كونه مع ثبوت القسم للمحلوف عليها ونفيه، وعبر ابن عبد السلام عن قول اللخمي بقوله: قال اللخمي: لو لم يلزم القضاء لكان موليًا وهو ظاهر. قال: ورد بأنه لم يقصد الضرر بذلك؛ بل أراد العدل فهو كمن حلف أن لا يطأ زوجته حتى تفطم ولدها.

ص: 74

وأجيب بأن المرضع وإن لم يقصد ضررها فترك الوطء يعود بنفع على ولدها، ومسألة الزوجات لا يعود لها نفع ولا لولدها، ولذا لو حلف أن لا يطأ المرضع عامين لقصد نفي الضرر عن الولد فمات وقد بقي من العامين أكثر من أربعة أشهر كان موليًا.

قلت: يرد بأن موجب نفي الإيلاء في مسألة الفطام عند اللخمي الذي البحث معه إنما هو مجرد عدم قصد الضرر لا بقيد حصول النفع لها أو لولدها لقوله في كتاب الإيلاء: إن حلف على ترك وطئها لإرادة إصلاح جسده وضرره بالوطء، فإن كان ضعيف البنية وضرب أجلًا يرى فيه صلاحه لم يكن موليًا.

وفيها: إن رضيت بترك أيامها أو بالأثرة عليها على ألا يطلقها جاز، ولها الرجوع متى شاءت فإما عدل أو طلق.

اللخمي: إن أسقطت الحرة يومها أو وهبته لضرتها فللزوج منعها لحقه في المتعة بها، فإن وافقها فالمسقطة كالعدم واختص القسم بمن سواها وللموهوبة يومها، وقال بعض العلماء: إن وهبته له فله أن يخص به واحدة أو يخص القسم بمن سواها ولها الرجوع في حقها متى شاءت كانت الهبة مقيدة بوقت أو لأبد إلا أن يكون اليوم واليومين.

قلت: ظاهرها الإطلاق وظاهر قوله.

قال بعض العلماء: إن المذهب خلافه، وهو مقتضى قول ابن الحاجب وابن شاس وفيه نظر، لاحتمال كونه كهبة أحد الشفعاء حقه المبتاع، وأحد غرماء المفلس حقه له حيث يستغرقه من سواه، أو كهبة أحد أولياء القتيل حقه القاتل، والأول أظهر، والثاني أجرى على شرائه ذلك.

وسمع القرينان: سئل عمن يرضي إحدى امرأتيه بعطية في يومها ليكون فيه عند الأخرى.

قال: الناس يفعلونه.

قال: أتكرهه.

قال: غير أحب إلي.

ابن رشد: في هذا السماع من طلاق السنة لا يعجبني شراء المرأة من صاحبتها

ص: 75

يومها من زوجها وأكرهه، أرأيت لو اشترت منها شهرًا وأرجو خفة شراء الليلة، فظاهره أن شراء المرأة الليلة أشد كراهة من شرائها الرجل فيحتمل أن يفرق بأن المرأة لا تدري ما يحصل لها بما أعطت من المتعة إذ قد يصيبها في تلك الليلة وقد لا، والرجل يدري ما يحصل له منه بما أعطى، والكراهة في شراء المدة الطويلة ببينة من كل واحد منهما للغرر، إذ لا يدري كل واحد منهما هل يعيش لتلك المدة هو أو الذي اشترى الاستمتاع به.

اللخمي: اختلف في بيعها اليوم وشبهه فروى محمد: لا أحب شراءها من صاحبتها يومًا ولا شهرًا، وأرجو خفته في ليلة.

قيل: فإن أرضى إحدى امرأتيه بعطية ليومها ليكون فيه عند الأخرى.

قال: الناس يفعلونه وغيره أحب إلي منه، وإن أذنت له في وطء الأخرى في يومها فلا بأس، والتفرقة بين اليسير والكثير لعدم قدرتها على التوفية فيما كثر.

قلت: هذا خلاف تفرقة ابن رشد، وليس للأمة إسقاط حقها في قسمها إلا بإذن سيدها كالعزل لحقه في الولد إلا أن تكون غير بالغ أو يائسة أو حاملًا، واستحسن إن أصابها مرة وأنزل أن لها أن تسقط حقها في القسم.

قلت: يرد باحتمال خيبتها فيها ورجائه في تكرره.

وفي سفره ببعضهن بالقرعة أو باختياره، ثالثها: في الحج والغزو لا التجر لروايتي اللخمي مع الشيخ ورواية القاضي.

قال مع محمد واللخمي: له السفر بمن اختصت بمصلحته وشرط القرعة صلاح جميعن للسفر.

اللخمي: وليس له ترك القيمة بماله المدبرة لأمره إن أبت إلا أن تكون ثبطة لا تصلح للسفر أو ذات عيال لضرر بخروجها بهم أو دونهم، ومن تعين سفرها جبرت عليه إن لم يشق عليها أو يضرها.

المتيطي عن أبي عمر: من أبت السفر معه سقطت نفقتها.

الصقلي عن ابن حبيب عن مالك وأصحابه: أحب إتمامه يوم من خرج في يومها إن قدم أثناء يوم وله إتمامه عند غيرها.

ص: 76

قلت: الأظهر على وجوب إتمام كسر اليوم في القصر والعقيقة ونحوهما يجب.

اللخمي: إن انقضت أيام بنائه أو مرضه أو سفره لم يحاسب بها، وفي تخييره في ابتدائه بمن أحب مطلقًا، أو سوى التي كان عندها، ثالثها: يقرع بين من سواها وأرى بدأه بأبعدهن قسما ممن يليه ومن كان عندها أخرهن، وإن جهل ترتيبهن أقرع بينهن.

وفيها: لا قضاء لها على الزوج لأيام غيبتها عنه لضيعتها أو حج أو عمرة وبقائه مع غيرها.

اللخمي: في لغو قولها أحرم عليك مكث أيام غيبتي عند ضرتي مطلقًا أو ما لم تكن على ميل ونحوه روايتا المبسوط ومحمل جواب مالك على قوله فيمن أغلقت الباب دونه أن له المضي لضرتها لا على قول ابن القاسم إلا أن يضره طول غيبتها.

وفي الطرر من الاستغناء: المشاور يقضى للرجل على زوجته من الجماع إن تحاكما فيه بأربع مرار في الليلة، وأربع في اليوم كالمرأة مع ضرائرها، حكاه عن ابن القرطي فانظره.

قلت: لم أجده في الزاهي وفيه نظر لاقتضائه وجوب الحكم للمرأة مع الضرائر بالوطء.

وشقاق الزوجين: إن ثبت فيه ظلم أحدهما الآخر حكم القاضي بدرء ظلم الظالم منهما.

ابن شاس: إن نشزت وعظها، فإن لم تقبل هجرها، فإن لم تقبل ضربها ضربًا غير مخوف، وإن غلب على ظنه أنها لا تترك النشوز إلا بضرب مخوف لم يجز.

وفي الزاهي: ضرب الزبير بن العوام أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم، وصاحبتها ضربًا شديدًا وعقد شعر واحدة بالأخرى، وكانت أسماء لا تتقي الضرب فكان ضربها أكثر وأشهر، فشكته إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فلم ينكره، وأمرها بالصبر عليه.

قال ابن شعبان: والذي اختاره أنها إن فحشت عليه أو منعته نفسها، خالفت ما أوجب الله عليها وعظها مرة ومرة ومرة، فإن لم تنته هجر مضجعها ثلاثًا، فإن لم تنته ضربها ضربًا غير مبرح كما جاء في الخبر، وإن لم يتبين ظلم أحدهما ففيه اضطراب.

وسمع ابن سهل: أفتى ابن لبابة وابن وليد قاضيًا شكت إليه امرأة ضرر زوجها

ص: 77

بها، ووكلت على مطالبته، وعاودت الشكوى ببعث الحكمين إليهما، وقاله عبيد الله بن يحيى بعد تلوم واستقصاء نظر، كذا في أحكام ابن زياد، وفيه أيضًا: إذا أشكل على القاضي أمر الزوجين، ولم يصل إلى معرفة الضار منهما أرسل الحكمين، وقاله أيوب وابن وليد.

وفيه أيضًا: ترددت شكوى امرأة بإضرار زوجها فهل أرسل الحكمين أو أرسلهما إلى دار أمينٍ حتى أفهم كما كانت القضاة تفعل، فهمنا سؤالك ونرى أن ترسل إليهما الحكمين كما قال الله تعالى، لا يجوز غير ذلك، لقوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36] قاله محمد بن الوليد، وقال أيوب بن سليمان قول أهل العلم في هذا كشف الحاكم أهل الخبرة بهما من أهل الثقة والأمانة، فإن أشكل الأمر، ولم يجد له بيانًا أرسل الحكمين.

وفيها أيضًا: كتب إلى عبيد الله بن يحيى قلت: لي إن أبي وعمي لم يحكما بإرسال الحكمين، ولم يجر به عمل هنا إنما كان الذي ينظر به القضاة إخراج الرجل وامرأته إلى دار أمين حتى يفهم به الحال فهل أمضى على الحكمين أو بما كانت القضاة تفعله؟ فقال عبيد الله بن يحيى: لا أرى أمر الحكمين؛ لأنك تحكم بما لم يكن يحكم به من كان قبلك من أئمة العدل كعمك ووالدك، وإخراجهما إلى دار أمين أو إسكان أمين معهما هو الأمر الذي لم تزل القضاة تعمله.

ابن سهل: أجوبتهم هذه مضطربة مختلفة غير محصلة.

عبيد الله بن يحيى: هذا في جوابه وانظر أمر الحكمين، وقال للقاضي الذي سأله لا أرى أمر الحكمين، ونسي قوله بهما في مسألة ابن تمام، وقال: إنه لم يره لانفراده بحكم لم يحكم به أحد من أئمة العدل، وجهل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم به على ما حكاه ابن حبيب: وأن عثمان بن عفان بعث حكمين علي بن أبي طالب ومعاوية، وحكم بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته، ولو تدبر السؤال وأتقن فهمه لم يحتج إلى إنكار ما لا يجوز إنكاره؛ لأنه إنما سئل عمن شكت ضررًا فقط فكان جوابه أن يسألها بيان ضررها فلعله منعها من الحمام وتأديبها على ترك الصلاة، فإن بينت ضررًا لا يجوز فعله بها وقف عليه زوجها، فإن أنكره أمرها بالبينة عليه، فإن عجزت وتكررت شكواها

ص: 78

كشف القاضي عن أمرها جيرانها إن كان فيهم عدول، فإن لم يكونوا فيهم أمره القاضي بإسكانها بموضع له جيران عدول، فإن بان من ضرره ما يوجب تأديبه أدبه، وإن كان لها شرط في الضرر أباح لها الأخذ به، وإن عمي عليه خبرها، ورأى إسكانها مع ثقة يفتقد أمرهما أو إسكان ثقة معهما فعل، هذا معنى ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وأصبغ، وفي كتاب الجدار لعيسى بن دينار نحوه.

ولابن سحنون عن أبيه فيمن ادعت ضرر زوجها، وادعى هو إضرارها وسوء عشرتها وجهل صدقهما اختبر الحاكم أمرهما بأن يجعل معهما أو يجعلهما مع من يتبين له أمرهما فيعمل عليه، وهذا كله يقتضي أن الحكمين إنما يبعثان عند إشكال أمر الزوجين فيما يدعيانه، وبعد طول شكواهما والكشف عن أمرهما.

قلت: هذا الذي عليه الأكثر، وقاله ابن فتوح والمتيطي وابن فتحون ولفظه: ويكلف القاضي جيرانها الصالحين تفقد خبرها وضررها، فإن كانت ساكنة معه في مثل هؤلاء القوم لم يلزمه نقلها، ولا يقضي بإسكان أمينة معها، ورأيت لقرعوس بن العباس أن يقضى بذلك، والأول أظهر وأشهر إلا أن يتفق الزوجان عليها، وتكون نفقتها عليهما.

المتيطي عن بعض الفقهاء: آية بعث الحكمين محكمة غير منسوخة، والعمل بها واجب لم يترك القول بها عالم حاشى يحيى بن يحيى كان لا يرى بعث الحكمين.

قال ابن عبد البر في تاريخه: وأنكر عليه وتبعه ابنه عبيد الله، وأنكر بعثهما على ما استفتاه.

ابن فتوح: قال محمد بن أحمد: لم يقض عندنا فيما أدركنا وسمعنا بالحكمين؛ لأنه قل ما يبلغ أمر الزوجين حيث يحتاج إليهما.

قلت: ففي بعث الحكمين بمجرد تشاجر الزوجين وشكوى أحدهما الآخر، ولا بينة، وتركه مطلقًا لإسكانهما مع من يقبل قوله إلى تبين الظالم منهما، ثالثها: الواجب إسكانهما معه إن لم يفد مع جيران كذلك، فإن طال أمرهما وتكررت شكواهما بعثهما لهما، لابن سهل عن فتوى ابن لبابة وابن وليد، والمتيطي عن يحيى بن يحيى مع ابنه عبيد الله، والأكثر مع ابن سهل عن أول جوابي عبيد لله بن يحيى.

ص: 79

ابن فتوح عن مطرف: إن شكت ضرره بالبادية، وطلبت نقلها للحاضرة لم يلزمه إلا أن لا يكون حولهما من البادية من يرضى وتكون الحاضرة أقرب، وكذا إن كانت بطرف الحاضرة وليس حولها مني رضى؛ نقلت عنه لمن يرضى.

الباجي: إنما يبعث الحكمين الحكام أو الزوجان أو آباؤهما إن كانا محجورين.

وفيها: قال ربيعة: لا يبعث الحكمين إلا السلطان.

عياض: هذا خلاف قول مالك فيها بإجازة بعثهما الوليان.

وفي ثاني نكاحها يجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرط أجل العنين والمعترض، وفي أقضيتها: سئل عما قضت فيها ولاة المياه.

قال: أرى أن يجوز إلا في جور بين.

قلت: معنى البعث والزوجان محجوران، أن الزوجة قامت بالضرر، ولو رضيته سقط مقال وليها ولو كان أبًا. قاله عن المذهب الشعبي وابن فتوح وغيرهما.

قال ابن فتوح: وكذا كل شرط فيه فأمرها بيدها، وتمامه في التمليك.

اللخمي: إن خرجا لما لا يحل من مشاتمة، ووثوب وجب على السلطان بعث الحكمين، وإن لم يطلباه بذلك.

الباجي: شرط صحة كونهما حكمين الإسلام والبلوغ والحرية والذكورية والعدالة، وفي كونهما من الأهلين كذلك أو وصف كمال نقلا ابن فتحون عن المذهب وابن بشير مع الابجي، وفي كونهما فقيهين من الأول أو الثاني نقلا الأول مع الثاني والثالث.

وفيها: يبعث حكمين من أهلهما عدلين، فإن لم يكونا في الأهلين أو لا أهل لهما فمن المسلمين.

اللخمي: يبعث حكمين من أهلهما فقيهين بما يراد من الأمر الذي ينظران فيه، فإن لم يكن في أهلهما ذلك فمن جيرتهما، فإن لم يكن فمن غيرهما، فإن وجد الصالح في إحدى الجهتين دون الأخرى انتقل فيها للجار ثم الأجنبي، وإن كان الزوجان قريبين جاز بعث من هو منهما بمنزلة واحدة كالعمين والخالين أو عم أو خال، ولو جهل السلطان بعث من لا فقه له ولا علم عنده بوجه الحكم فيسأل أهل العلم مضى

ص: 80

حكمهما، وإن حكما بعلمهما سئلا عن صفة ما اطلعا عليه، فإن أصابا الحق مضى حكمهما وإلا رد، وإن بعث أجنبيين مع وجود الصالح للبعث في الأهلين أشبه أن ينقض الحكم لمخالفته النص ويشبه أن يمضي، ولزوم كونهما اثنين هو ظاهر في بعث السلطان مطلقًا.

فيها: إن اجتمع الزوجان على بعث رجل واحد أيكون كالحكمين؟ قال: نعم إن صلح لذلك ليس بنصراني ولا عبد ولا صبي ولا امرأة ولا سفيه.

الباجي: هذا قول ابن القاسم في المدونة؛ يريد: ولا يجوز ذلك للسلطان ولا لولي اليتيمين؛ لأن الحق للزوجين.

ابن فتحون: لا يجوز للإمام أن يحكم واحدًا لمخالفته التنزيل.

زاد المتيطي: ولا يجوز لهما ذلك إن كانا رشيدين، ولا لمن يليهما إن كانا في ولاية، فإن جعلا ذلك لواحد عدل لم ينقض. قاله عبد الملك في المدونة.

اللخمي: إن حكم السلطان رجلًا أجنبيًا مضى حكمه؛ لأن كونهما اثنين إنما هو إن كانا من الأهلين لاختصاص كل منهما بخبرة من هو من أهله؛ ونسبة الأجنبي لهما على السوية؛ فجرى على الأصل في وحدة الحاكم بخلاف حكمي الصيد؛ لأن حاكم الزوجين بإقامة القاضي؛ وحاكم الصيد بإقامة المطلوب؛ فوجب تعدده لنفي تهمته، ولأن المحكوم له في الزوجين له خصم ليس هو في الصيد، وإن كان التحكيم من قبل الزوجين أو من يليهما سلك في عدد الحكمين وصفتهما كبعث السلطان.

قلت: ففي منع الاقتصار على بعث واحد مطلقًا، وجوازه إن كان أجنبيًا مطلقًا، ثالث الطرق يجوز مطلقًا للزوجين معًا فقط، لابن فتحون واللخمي والباجي، وقول ابن الحاجب: ويجوز أن يقيم الزوجان أو الوليان خاصة واحدًا على الصفة لا على غيرها غير الجميع.

وفيها: غير المدخول بها مثلها في بعث الحكمين.

الباجي: وحكمهما على وجه الحكم لا الوكالة فينفذ، وإن خالف مذهب من بعثهما جمعًا أو فرقًا.

ابن شاس: وقيل: بل هما وكيلان.

ص: 81

ابن بشير: حكم الحكمين متردد بين التوكيل والتحكيم وعليه جرى أكثر مسائل الباب.

وفيها: ليس بعث الحكمين على وجه تمليك الطلاق يدل عليه دخول المرأة فيه بتحكيمها، ولا مدخل لها في تمليك الطلاق، وقول ابن الحاجب: وهما حكمان ولو كانا من جهة الزوجين لا وكيلان على الأصح؛ فينفذ طلاقهما من غير إذن الزوج، وحكم الحاكم يدل على عدم نفوذه في ذلك على القول بالوكالة، ولا أعلمه في المذهب بحال؛ بل الجاري عليه غير ذلك حسبما يأتي إن شاء الله تعالى.

المتيطي وابن فتحون وغيرهما: إذا توجه الحكمان باشرا أمورهما وسألا عن بطانتهما، فإذا وقفا على حقيقة أمرهما أصلحا بينهما إن قدرا وإلا فرقا.

زاد فيها: وتجوز فرقتهما دون الإمام، وفي كيفية الفرقة عبارات.

الباجي: إن كانت الإساءة من الزوج فرقا، وإن كان من المرأة تركاهما وائتمناه عليها، وإن كانت منهما فرقا على بعض الصداق، لا يستوعب له وعنده بعض الظلم، رواه محمد عن أشهب.

قال محمد: وهو معنى قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229].

ابن فتحون: إن لم يقدرا على الصلح فرقا بشيء من الزوج أو إسقاطه عنه أو على المتاركة دون أخذ، وإسقاط لا ينبغي أن يؤخذ لها منه شيء، وتبعه المتيطي.

اللخمي: إن كان الظلم منه فقط فرقا دون إسقاط شيء من المهر، وعكسه إن كان لا يتجاوز الحق فيها عند ظلمها ائتمناه عليها، وأقرت إلا أن يحب فراقها فيفرقان، ولا شيء لها من المهر، ولعبد الملك في المبسوط: لو حكما عليها بأكثر من المهر جاز إن كان سدادًا، وإن كان منهما أو أشكل أمرهما فرقا وقسما بينهما نصف المهر قبل البناء وجميعه بعده.

وفيها لربيعة: إن كان الظلم منه فرقا بغير شيء، وإن كان منهما أعطي الزوج بعض الصداق، وإن كان منها فقط جاز ما أخذا له منها.

أبو عمران: هو وفاق إن تأول معنى قوله أضر بها في دعواها.

الصقلي: ظاهره إن ثبت ضرره بها لم يأخذا له منها شيئًا.

ص: 82

وقول بعض شيوخ إفريقية: لا يجوز خلع الزوج على أخذ شيء منها إن كان الضرر منهما معًا. قاله متقدم علمائنا، وليست كمسألة الحكمين إن كان الضرر منهما معًا؛ لأن النظر لغير الزوجين إن رأى الحكمان باجتهادهما إعطاء الزوج شيئًا من مالها على خروجها من عصمته جاز- يدل على أن للحكمين أن يعطيا للزوج شيئًا من مالها وإن كان الظلم منهما معًا.

أبو حفص: إن كان خلعها إذا كان الظلم منها مائة، فإن كان الظلم منهما جميعًا أخذا له النصف، وإن كان الثلث من قبله والثلثان من قبلها أخذا له الثلثين، وفي العكس العكس.

اللخمي: لو انفرد أحدهما بالحكم بالطلاق لم ينفذ، ولو اجتمعا عليه وانفرد أحدهما بالخلع بمال لم يلزما، ولو أمضت الزوجة المال ففي إلزامه الزوج الطلاق نقل اللخمي عن عبد الملك، وتخريجه على قول ابن القاسم لا يجوز إخراج أرفع ما اختلف فيه حكما الصيد؛ لأنه بواحد.

قلت: ما عزاه لعبد الملك هو نص قولها، وعزاه الباجي لابن القاسم فيها، وفي قبول الصقلي قول الشيخ: أكثر ما في باب الحكمين يذكر أنه لعبد الملك إلا ما ذكر مالك: نظر؛ لأن مسائله نص بلفظ.

قلت: على مساق مسائلها والمعروف إدخال سحنون فيها ما ليس لمالك، وابن القاسم عزوه لمن هو له باسمه أو بلفظ الغير، وقول ابن محرز: كل الباب ليس لابن القاسم فيه شيء يحتمل كونه عنده لمالك أو لعبد الملك، وقوله مذهب عبد الملك هو الذي في الكتاب يحتمل كونه قوله أو مثله.

وفيها: لا يحكمان بأكثر من واحدة وهي بائنة، فإن حكما به سقط؛ لأنه خارج عن معنى الإصلاح، وعزاه اللخمي لعبد الملك فيها، وأشهب في الموازية وأبو عمر لابن القاسم.

قال اللخمي: ولابن القاسم في الموازية يلزمه ما أوقعاه، وزاد الصقلي عزوه لأصبغ.

المتيطي ونحوه لأشهب في شرح ابن مزين، وروى مطرف في ثمانية أبي زيد: إن

ص: 83

اجتمعا على أكثر من واحدة لم يلزم الزوج شيء.

قلت: فالأقوال ثلاثة بين عزوها.

اللخمي: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بالبتة أو أحدهما باثنين والآخر بثلاث ففي لزوم واحدة ولغو حكمهما، ثالثها: تلزم طلقتان لعبد الملك ومحمد والجاري على قول ابن القاسم.

قلت: قد يرد باختلافهما.

ابن بشير: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث أو البتة ففي لزوم واحدة ولغو حكمها فيبتدئانه، ثالثها: إن خالف بالثلاث لا البتة.

الصقلي: إن نزعا معًا أو أحدهما قبل حكم الحكمين سقط حكمهما إلا أن يكون النزوع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم أو البعث من السلطان.

الصقلي: لعله يريد إن نزع أحدهما فقط، ولو نزعا معًا، ورضيا بالبقاء انبغى أن لا يفرقا.

المتيطي، وغير واحد: فإذا حكما أخبرا القاضي بمحضر شهيدي عدل بما اطلعا عليه من أمرهما وحكمهما، وكذا كل من استخلفه القاضي على ثبوت شيء أو إنفاذه. قال بعض الموثقين: ورأيت لابن العطار وغيره من الموثقين أنهما يشهدان بذلك عند القاضي ولست أراه؛ لأنهما حاكمان لا شاهدان، ولابن عات عن ابن رشد: لا يعذر في حكم الحكمين؛ لأنهما لا يحكمان في ذلك بالبينة القاطعة؛ بل بما خلص لهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف.

قلت: المنفي في لفظ المتيطي هو إعذار القاضي في إخبارهما بموجب حكمهما، وفي لفظ ابن عات هو إعذار الحكمين عند إيقاعهما الحكم.

اللخمي: اختلف إن حكم الزوجان الرشيدان غير عدل أو امرأة أو صبيًا، فقال عبد الملك: حكمهما منقوض؛ لأنه غرر وتخاطر ويختلف إن حكما رجلين ظناهما عدلين في إمضاء حكمهما؛ في الموازية إمضاؤه كقضاء قاض بشهادتهما، واختلف في الشاهدين، ورأى الكشف عن حكمهما، فإن كان صوابًا مضى؛ وإلا رد بخلاف الشاهدين لتعذر الوصول لمعرفة صدقهما.

ص: 84

ابن محرز: لو حكما امرأة أو عبدًا ففي نقض حكمهما خلاف.

ابن فتوح عن مطرف: لا يجوز تحكيمهما كالمسخوط، وقال ابن الماجشون: تحكيم العبد والمرأة البصيرين العارفين المأمونين جائز، وحكمهما لازم ما لم يكن خطأ بينا وقاله أصبغ وأشهب، واستدل بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى الشفاء أم سليمان بن أبي حتمة سوق المسلمين، ولا بد لوالي السوق من الحكم، ولو في صغير أمر، ونقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ اختلف في تحكيم المرأة والعبد والصبي الذي يعقل بالجواز والمنع في العبد خاصة؛ لا أعرفه وهو عكس نقل عبد الحميد الصائغ قال: لا يجوز أن يتراضيا بحكم صبيين والمرأة أدخل في الجواز، وأما العبدان فالصواب عند بعض شيوخنا المحققين جواز حكمهما وجواز شهادتهما خلافًا لما قاله فقهاء الأمصار في الشهادة، ولابن رشد في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم في الشهادات لا يجوز تحكيم النصراني، ولا الصغير الذي لا يعقل.

واختلف في المرأة والعبد والمسخوط والمولى عليهم والصغير الذي يعقل فأجازه أصبغ في الجميع ومنعه مطرف فيهم وأجازه ابن الماجشون مرة في المرأة والعبد، وكذا المولى عليه على قياس قوله، وأجازه أشهب فيهم غير الصبي، وقال ابن حبيب في كتاب الأقضية: اتفقوا على أنه لا يجوز تحكيم صبي ولا معتوه ولا من على غير الإسلام واختلفوا في المرأة والعبد والمسخوط.

ص: 85