الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الغاشية
* * *
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) مع أن جميع أبدانهم أيضاً تصلى النار
؟
قلنا: الوجه يطلق ويراد به جميع البدن كما في قوله تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) وقيل: إن المراد بالوجوه هنا الأعيان والرؤساء، كما يقال: هولاء وجوه القوم، ويا وجه العرب: أي يا
وجيههم، ويؤيد هذا القول ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: إن المراد به الرهبان وأصحاب الصوامع.
* * *
فإن قيل: كيف ارتبط قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) بما قبله، وأى مناسبة بين السماء والابل والجبال والأرض حتى جمع بينها؟
قلنا: لما وصف الله تعالى الجنة بما وصف، عجب من ذلك الكفار، فذكرهم عجائب صنعه، وقال قتادة: لما ذكر ارتفاع سرر الجنة قالوا: كيف نصعدها؟ فنزلت هذه الآية: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) نظر اعتبار كيف خلقت للنهوض بالأثقال وحملها إلى
البلاد البعيدة، وجعلت تبرك حتى تحمل وتركب عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت، فليس في الدواب ما يحمل عليه وهو بارك ويطيق النهوض إلا هى، وصخرت لكل من قادها حتى الصبى
الصغير، ولما جعلت سفائن البر أعطيت الصبر على احتمال العطش عشرة أيام فصاعدا وجعلت ترعى كل نبات في البرارى ومفاوز مما
لا يرعاه سائر البهائم، وإنما لم يذكر الفيل والزرافة والكركدن وغيرها مما هو أعظم من الجمل لأن العرب لم يروا شيئا من ذلك
ولا كانوا يعرفونه، ولأن الإبل كانت أنفس أموالهم وأكثرها لا تفارقهم ولا يفارقونها، وإنما جمع بينها وبين ما بعدها لأن نظر العرب قد انتظم هذه الأشياء في أوديتهم وبواديهم، فانتظمها الذكر
على حسب ما انتظمها نظرهم وكثرة ملابستهم ومخالفتهم، ومن فسر الابل بالسحاب فإنما قصد بذلك طلب المناسبة بطريق تشبيه
الإبل بالسحاب في السير وفى الشكل أيضاً في بعض الأوقات، لا أنه أراد أن الإبل من أسماء السحاب حقيقة، وقد جاء في أشعار العرب
تشبيه السحاب بالإبل كثيراً، وشبهها ابن دريد أيضا بالسحاب في قصيدته، وقرأ أبى بن كعب وعائشة رضى الله عنهما الإبل بتشديد
اللام، قال أبو عمرو وهو اسم السحاب الذي يحمل الماء.