الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الناس
* * *
فإن قيل: كيف خص الناس بالذكر في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) وهو رب كل شيء
؟
قلنا: إنما خصهم بالذكر تشريفاً لهم وتفضيلا على غيرهم، لأنهم
أهل العقل والتمييز، الثانى: إنه لما أمر بالاستعاذة من شرهم ذكر مع ذلك أنه ربهم ليعلم أنه هو الذي يعيذ من شرهم، الثالث: إن الاستعاذة
وقعت من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي هو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض العبيد إذ اعتراه خطب بسيده ومخدومه وولى أمره.
* * *
فإن قيل: هل قوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) بيان للذى يوسوس على أن الشيطان الموسوس ضربان جنى وإنسى كما قال
تعالى: (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) أو بيان للناس الذي أضيفت الوسوسة إلى صدورهم، والناس المذكورة آخراً بمعنى الإنس
؟
قلنا: قال بعض أئمة التفسير: المراد المعنى الأول، كأنه قال: من شر الوسواس الجنى، ومن شر الوسواس الإنسى، فهو إستعاذة بالله تعالى
من شر الموسوسين من الجنسين، وهو اختيار الزجاج، وفى هذا الوجه إطلاق لفظ الخناس على الإنسى، والنقل أنه اسم للجنى.
وقال بعضهم: المراد المعنى الثانى، كأنه قال: من شر الوسواس الجنى الذي يوسوس في صدور الناس جنهم وإنسهم، فسمى الجن ناساً كما
ساهم نفراً ورجالا في قوله تعالى: (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) وقوله تعالى: (يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) فهو
استعاذة بالله من شر الوسواس الذي يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الإنس، وهو اختيار الفراء، والمراد بالجنة هنا
الشياطين من الجن على الوجه الأول، ومطلق (الجن) على الوجه الثانى، لأن الشيطان منهم هو الذي يوسوس لا غيره، ومطلقهم يوسوس إليه، واختار الزمخشري الوجه الأول، وقال: ما أحق أن اسم الناس ينطلق على الجن، لأن الجن سموا جناً لاجتنانهم: أي لاستتارهم، والناس سموا ناساً
لظهورهم من الإيناس وهو الإبصار.
كما سموا بشراً لظهورهم من البشرة، ولو صح هذا الإطلاق لم يكن هذا المجمل مناسباً لفصاحة القرآن، قال: وأجود منه أن يراد بالناس
الأول الناسى كقوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) . وكما قرئ: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) ثم بين بالجنة والناس، لأن الثقلن هما الجنسان الموصوفان بنسيان حقوق الله عز وجل.