الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الجهاد
فضل الجهاد والسير
22 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يعدل الجهاد قال لا أجده قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال ومن يستطيع ذلك قال أبو هريرة إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات
-[المعنى العام]-
لما دخل الإسلام قلوب الصحابة وامتزج بأرواحهم ودمائهم أخذوا يتنافسون في عمل الصالحات ويسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل القربات التي ترفع من درجاتهم عند الله فأبو ذر يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أفضل الأعمال الإيمان بالله فيقول له ثم ماذا؟ فيقول ثم جهاد في سبيل الله ويستقر في نفوسهم فضل الجهاد وأنه أعلى أعمال البر والخير لكن الجهاد ليس ميسورا لكل أحد فهو غير مشروع للنساء وقد رفع الحرج بالنسبة له على الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون فكيف يحصل هؤلاء من الثواب ما يعوضهم عن ثواب الجهاد إن النساء قد وعدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن حسن تبعل المرأة لزوجها وقيامها على بيت المجاهد وحفظها لأمواله وأولاده يعدل
الجهاد ويتيح لها مشاركته في أجره فما هو البديل للرجال الذين لا يستطيعون الجهاد؟ هذا سائل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد ويساويه في الأجر والثواب فيقول صلى الله عليه وسلم لا أجده ولا أجد ما يسد مسد الجهاد ويعطي ثوابه لأنه لا يوجد العمل الذي يساوي بيع النفس والمال والأهل ويقف المعذور الذي حال حائل بينه وبين الجهاد آسفا يتحسر ويفتح له رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الأمل والعمل ويصور له أجر المجاهد ويقول له هل تستطيع أن تقضي المدة التي يقضيها المجاهد خارج داره صائما النهار قائما الليل صياما لا فطور فيه وقياما لا فتور فيه فيقول الرجل لا أستطيع ولا يستطيعه أحد فيقول فذلك مثل المجاهد
-[المباحث العربية]-
(دلني على عمل يعدل الجهاد) أي يساويه ويماثله في الأجر والجهاد في اللغة المشقة يقال جهدت جهادا أي بلغت المشقة وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع إغوائه وتزيينه وأما مجاهدة الفساق فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومجاهدة الكفار تكون باليد والقتال وتكون بالمال وتكون باللسان وتكون بالقلب والمراد هنا الأول
(لا أجده) أي لا أجد العمل الذي يعدل الجهاد في الأجر أي لا يوجد أصلا وليس المعنى أنه موجود ولا أحصل عليه
(أن تدخل مسجدك) الذي تصلي فيه فالإضافة لأدنى ملابسة
(فتقوم) أي فتقوم فيه الليل كله بالصلاة والذكر والدعاء بنشاط وقوة ويقظة
(ولا تفتر) أي ولا تكسل ولا تضعف
(وتصوم) أي النهار منذ يخرج المجاهد
(ولا تفطر) يوما من أيام غيابه عن أهله هذا هو المراد وليس المقصود الصيام دون إفطار في الليل مدة غيابه لأنه لطول المدة مستحيل غير مقدور عليه فلا يسأل عنه وفي الكلام ذكر للبداية وحذف للنهاية اعتمادا على المقام والأصل إذا خرج المجاهد إلى أن يرجع
(ومن يستطيع ذلك) استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا يستطيع أحد ذلك وهذه الرواية أقوى في الدلالة على فضيلة الجهاد وعظمة أجره من رواية لا أستطيع ذلك
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث وحديث عائشة في البخاري قالت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد قال لكن أفضل الجهاد حج مبرور وفي رواية جهادكن الحج هذان الحديثان صريحان في أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله لكن يشكل عليهما حديث ابن مسعود في البخاري سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل قال الصلاة على ميقاتها قلت ثم أي قال ثم بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله فقد جعل هذا الحديث الجهاد بعد الصلاة وبعد بر الوالدين
وحديث ابن عباس مرفوعا ما العمل في أيام أفضل منه في هذه يعني أيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء وحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم أو يضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله
قال الحافظ ابن حجر في رفع إشكال الحديث الأول الذي يظهر أن تقديم الصلاة على الجهاد والبر لكونها لازمة للمكلف في كل أحيانه وتقديم البر على الجهاد لتوقفه على إذن الوالدين وقال في رفع إشكال الحديث الثاني يحتمل أن يكون عموم حديث لا أجد عملا يعدل الجهاد خص بحديث العمل في أيام العشر كأنه قال: لا أجده إلا أن يكون عمل صالح في أيام العشر قال: ويحتمل أن يكون فضل الجهاد في حديثنا وعدم وجود معادل له مخصوصا بمن خرج قاصدا المخاطرة بنفسه وماله فلم يرجع بشيء فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة أ. هـ
وعندي أن الجهاد تختلف مراتبه وأحواله فدرجته حين دخول الكفار بلادنا غير درجته حين مهاجمتنا ديارهم ودرجته في العسر غير درجته في اليسر ودرجته مع وفرة عدد المسلمين وتفوقهم على أعدائهم غير درجته عند قلة المسلمين وكثرة عدد أعدائهم بل تختلف مراتبه بالنسبة للمجاهد نفسه فدرجته بالنسبة لشجاع يغرس الثقة في المسلمين ويدفعهم للنصر كخالد بن الوليد غير درجته بالنسبة لخائر النفس جبان فأحيانا وبالنسبة لفرد ما يكون الجهاد أفضل الأعمال على الإطلاق بعد الإيمان وأحيانا وبالنسبة لشخص ما تكون الصلاة في أوقاتها أفضل الأعمال على الإطلاق وأحيانا وفي بعض الظروف وبالنسبة لفرد يكون بر الوالدين مقدما على الجهاد وهكذا فاختلفت الأحاديث بالنسبة لتقديم بعض الأعمال على بعض مراعاة للظروف والملابسات
-[ويؤخذ من الحديث]-
1 -
فضيلة الجهاد في سبيل الله وتعظيم أمره حتى صارت حالات المجاهد جلوسه ونومه وأكله وشربه معادلة لأجر المواظب على الصيام والقيام حتى إن فرس المجاهد كلما تحرك في حبله الذي يربط به وهو واقف في مكانه يكون للمجاهد بهذه الحركة أجر إذ يقول أبو هريرة أن فرس المجاهد ليستن في طوله أي يتحرك في حبله فيكتب له حسنات
2 -
أن الفضائل لا تدرك ولا تعلم بالقياس وإنما هي إحسان من الله تعالى إن شاء
3 -
فضل المداومة على العبادة لمن يستطيعها كمداومة الصوم ومداومة القيام
4 -
مدى فهم الصحابة وإدراكهم لفضيلة الجهاد مما جعلهم يحرصون عليه أو على بديله
23 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة
-[المعنى العام]-
مرة أخرى وبأسلوب آخر يوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الجهاد في سبيل الله ففي الحديث السابق بعد أن نفى صلى الله عليه وسلم وجود عمل يعدل الجهاد وبين أن ثواب المجاهد منذ أن يخرج من بيته إلى أن يعود يعادل ثواب من يصوم هذه الفترة لا يفطر نهاره ويقوم ليله بهمة ونشاط وفي هذا الحديث يمثل ثواب المجاهد بثواب القائم كالحديث السابق ويزيد عليه أن الله تعالى تعهد للمجاهد بأمرين بل بأحد أمرين تعهد إن توفاه أن يدخله الجنة في الحال وبغير حساب وهذا العهد صريح في قوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وتعهد إن أرجعه سالما أن يرجعه بأجر عظيم جدا إن لم يحصل على غنيمة وبأجر أقل إن حصل على غنيمة {ومن أوفى بعهده من الله}
وفي غمرة بيان الفضل للمجاهد لا ينسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرز ضرورة إخلاص المجاهد لينال هذا العهد الإلهي والإخلاص أمر داخلي لا يعلمه إلا الله فهو وحده الذي يعلم من قصد بجهاده إعلاء كلمة الله ويعلم من يقصد الشهرة ومن يقصد المغنم ومن يقصد الحمية والعصبية ومن يقصد إبراز الشجاعة وأن يرى مكانه وقوته وما هذا الوعد إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
-[المباحث العربية]-
(مثل المجاهد في سبيل الله) أي صفته وحاله والمقصود بالمجاهد من يقاتل الكفار دفاعا عن الإسلام بنية خالصة
(والله أعلم بمن جاهد في سبيله) جملة لا محل لها من الإعراب معترضة بين المبتدأ مثل المجاهد
…
وبين الخبر كمثل الصائم القائم وأفعل التفضيل أعلم مراد بها أعلم بنيته وقصده من جميع خلقه وأعلم منه نفسه بنيته يعلم إن كان يقصد إعلاء كلمة الله وحده أو يقصده ويقصد غيره من منافع الدنيا أو يقصد منافع الدنيا وحدها
(كمثل الصائم القائم) أي الصائم النهار القائم الليل كله مدة غياب المجاهد عن أهله من حين يخرج إلى أن يعود
(وتوكل الله للمجاهد) في رواية وانتدب الله وفي رواية لمسلم تضمن الله وفي رواية لمسلم تكفل الله وكلها بمعنى العهد والضمان والالتزام متفضلا جل شأنه ومحصله تحقيق هذا الوعد المذكور والمنصوص عليه في قوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله}
(بأن يتوفاه أن يدخله الجنة) أي بأن يدخله الجنة إن توفاه وقد جاء في رواية إن توفاه بإن الشرطية وهي أوضح وروايتنا بمعناها وكأن مصدر أن يدخله الجنة بدل من مصدر أو يتوفاه أي تعهد بإدخاله الجنة في حالة الاستشهاد والمقصود من إدخاله الجنة على هذا إدخاله فور استشهاده أو إدخاله دون حساب ليمتاز عن غيره ممن سيدخل الجنة فليس في الحديث تسوية بين الشهيد والراجع سالما في دخول الجنة
(أو يرجعه) بفتح الياء من رجع الثلاثي وهو متعد بنفسه وهو منصوب عطفا على يتوفاه
(سالما مع أجر أو غنيمة) سالما حال والمقصود السلامة من الموت والقتل وإن أصيب بجراح المعارك وقد قيل إن أو هنا بمعنى الواو لأن من رجع بغنيمة لا يخلو من الأجر واعترض على هذا بأن كثيرا من الغزاة يرجعون بدون غنيمة وقيل إن أو هنا مانعة خلو لا تمنع الجمع والاعتراض السابق ما زال واردا لهذا اتجه المحققون إلى أن هناك وصفا محذوفا أي غنيمة معها أجر واعتبار التنوين في أجر للتفخيم والتقدير أو يرجعه سالما مع أجر عظيم فقط أو مع غنيمة وأجر أقل وستأتي تتمة لهذا البحث في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث يتفق مع الحديث السابق في بيان فضل الجهاد في سبيل
الله وتنظيره المجاهد بالصائم القائم ويزيد على سابقه ببيان الأجر والمكافأة على هذا العمل الفريد العظيم وإذا كان هذا الحديث قد أبهم الأجر ونكره فإن كثيرا من الأحاديث الواردة في فضل المجاهد قد تناولت الثواب والحسنات بتفصيل أكثر كحديث أبي هريرة الدال على أن حركة فرس المجاهد في مربطه له أجر وكم من الحركات يتحرك المجاهد السكنات الجسمية لها حسنات بعدد نبضات القلب لأن الصائم الممثل به مثاب على كل لحظة من لحظات صومه فتشبيه المجاهد بالصائم القائم إثبات لثوابه وأجره على كل حركة يتحركها وعلى كل سكون يسكن فيه والقرآن صريح في توضيح هذا الثواب حيث يقول {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} أي في الجهاد {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}
ومن النصوص القطعية أن أجر الشهيد في سبيل الله الجنة بل منازلها العليا ومن الظاهر الجلي أن المجاهد إذا رجع سالما له أجر عظيم سواء أرجع بدون غنيمة مادية أو رجع بالغنيمة لكن مع هذا الظاهر الجلي لا يسوغ القول بأن أجر من حصل على الغنيمة مساو لأجر من لم يحصل عليها فالغنيمة جزء من الأجر معجل وفقدها احتفاظ بهذا الجزء إلى الآخرة وهذا في وضوحه لا يحتاج إلى سند ومع ذلك صرحت به الأحاديث ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ويقول خباب في الحديث الصحيح فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا أي ومن غنم أكل في دنياه من أجره بعض الشيء
وهذا لا يتعارض ولا يتنافى مع حل الغنائم والتمدح بأخذها وأكلها وجعلها من فضائل هذه الأمة إذ لا يلزم من تحريمها على الأمم قبلنا أن يكون أجر جهادهم أكبر من أجر جهادنا ولا يلزم من حلها لنا ونقصها لثواب جهادنا بعض الشيء ألا تكون ممدوحة فقد استعين بها على قوة شوكة الإسلام وتحطيم شوكة الكفر فهي خير للمسلمين عجل لهم لصالحهم وصالح الإسلام
ولا يعترض على ما قررناه من أن الغنيمة تنقص الأجر بأن أهل بدر مع غنيمتهم خير من أهل أحد مثلا مع عدم اغتنامهم فعقد هذه المقارنة غير سليم لأن الشبه غير قائم بين الفريقين فيما عدا الغنيمة بل المقارنة الصحيحة أن يقال أن أهل بدر مع غنيمتهم يتساوون في الأجر مع أنفسهم لو لم يغنموا فالمقارنة الصحيحة الخاصة بما نحن بصدده تكون بين أهل بدر في حال الغنيمة وبينهم أنفسهم في حال عدم الغنيمة أما المقارنة بينهم وبين المجاهدين في الغزوات الأخرى فلا تصلح لأنهم لا يساويهم مع غنيمتهم غزاة غيرهم غنموا أو لم يغنموا فأجر البدريين أضعاف أجر من بعدهم لكونهم وضعوا اللبنة الأولى الجبارة في اشتهار الإسلام وإعزاز أهله في أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
تفخيم شأن الجهاد في سبيل الله
2 -
استعمال التمثيل والتنظير لتقريب المراد إلى أذهان المخاطبين
3 -
أن الفضائل لا تدرك دائما بالقياس بل هي تفضل من الله تعالى
4 -
الحث على الإخلاص في العمل وابتغاء وجه الله عند فعل الصالحات وتصفيتها من شوائب الرياء والسمعة فالأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لمجرد وقوع أعبائها لذا ورد في بعض الروايات لهذا الحديث عند مسلم تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته وسيأتي بعد حديث أنواع المجاهدين ومن منهم المجاهد المقصود بالأجر المذكور والله أعلم
24 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك
-[المعنى العام]-
كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الجهاد في سبيل الله والاستشهاد في سبيل نشر دعوة الإسلام والحفاظ عليها بين فضيلة من يجرح أو يصاب في جهاده سواء أدى الجرح إلى الوفاة أو لم يؤد إلى الوفاة ذلك لئلا يظن ظان أن الشهادة مقصورة على الموت في الميدان فيأسف المجروح في المعركة على ما فاته من الاستشهاد في الساحة فأبان هذا الحديث أن جراحة القتال للمجاهد هي امتداد للمعركة بالنسبة له وأن آثار إصابته
ستكتب له جهادا وأن موته في بيته بسبب جراحاته الحربية استشهاد بل يزيد هذا الاستشهاد بعلامة يراها أهل الموقف العظيم يعرفون منها أنه شهيد علامة يتمناها غير الشهداء المسك يفوح واللون الأحمر الشبيه بالدم يسيل لكنه لا ينفر منه البشر ولا يشمئزون منه فالصفات المنفرة في الدم غير موجودة نتن الدم وخبث ريحه بدل وأصبح كالمسك فما أكرم الشهداء على الله وما أطيب ريح جروحهم وما أعظم أجورهم فكيف يخاف الجرح في سبيل الله من آمن بتلك الحال وكيف يهاب الموت من آمن بوعد الله ومن أوفى بعهده من الله وذلك هو الفوز العظيم
-[المباحث العربية]-
(والذي نفسي بيده) أي روحي بقدرته وتحت تصرفه والقسم هنا لغرابة الخبر قصد تمكينه في نفس المخاطب مع غرابته
(لا يكلم أحد في سبيل الله) أي لا يجرح أحد المجاهدين والكلم بسكون اللام الجرح وبني الفعل يكلم للمجهول ولم يحدد الفاعل ليعم أي جارح مسلما كان أم كافرا والمراد من أحد المسلم المجاهد بدلالة المقام وأراد من سبيل الله هنا قتال الكفار بنية خالصة لما يأتي في الحديث التالي
(والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة للتنبيه على أن الإخلاص وقصد وجه الله وقصد إعلاء كلمة الله شرط في نيل هذا الثواب والمفضل عليه في أعلم جميع المخلوقات أي أعلم من جميع المخلوقات ومن الشخص نفسه بماله ودرجة إخلاصه
(إلا جاء يوم القيامة) ليس المراد المجيء من مكان إلى مكان بل المراد إلا كان يوم القيامة ووجد بهذه الحالة في الموقف العظيم ليراه جميع الخلائق ويغبطونه
(وجرحه يثعب دما) بفتح الياء وسكون الثاء وفتح العين أي يجري
بغزارة ودما منصوب على التمييز والجملة حالية والمراد من الدم هنا ما يشبه الدم وليس دما على الحقيقة
(اللون لون الدم) هذا هو الشبه مع السيولة أما بقية عناصره وأوصافه وحقيقته فهو ليس بدم
(والريح ريح المسك) في رواية والعرف بفتح العين وسكون الراء وهو الرائحة
-[فقه الحديث]-
ظاهر الحديث أن هذه الصورة من الثواب عامة في كل من جرح في معركة بين المسلمين والكفار سواء كان الجرح كبيرا أم صغيرا وسواء اندمل أو لم يندمل حتى مات وسواء كان السبب في موته واستشهاده أم لم يكن وأن هذه الصورة قصد بها تشريفه يوم القيامة بهذا الطابع المميز الشاهد بفضله وهذا لا يمنع أن يكون للشهداء طابع آخر غير سيلان الدم فيمكن أن يكون للمرء طابعان
ويؤيد هذا الرأي ما رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وغيره من حديث معاذ بن جبل من جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغرز ما كانت
وخصصه بعض العلماء بمن يموت وجرحه يتفجر دما سواء مات بسببه أم بسبب آخر ووجهة نظره أنه إذا اندمل في الدنيا زال أثر الجراحة وسيلان الدم ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل آخر بصورة أخرى وخصصه بعضهم بمن يموت بسبب الجرح اعتمادا على رواية ابن حبان في حديث معاذ المذكور عليه طابع الشهداء
واستدل بالحديث على أن الشهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال عنه الدم ليجيء يوم القيامة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم ورد هذا الاستدلال بأنه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك قال الحافظ ابن حجر
ويغني عن هذا الاستدلال لترك غسل الشهيد قوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد زملوهم بدمائهم
وهل يقاس على هذا من جرح في قتال البغاة وقطاع الطرق وفي سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي سبيل الدفاع عن ماله باعتبار أن من يموت في ذلك من الشهداء
قال بذلك ابن عبد البر وعارض العراقي وتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم بمن يكلم في سبيله فهو يعبر عن الإخلاص والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه الله وإنما يقصد صون ماله وحفظه فهو يفعل ذلك بدافع الطبع لا بدافع الشرع ولا يلزم من كونه شهيدا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك
25 -
عن أبي موسى رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
-[المعنى العام]-
طبع الله الإنسان على حب المال {وتحبون المال حبا جما} ودعاه إلى معالجة هذا الطبع وأن يتوجه إلى الآخرة بالعمل الصالح وابتغاء رضا الله تعالى وطبع الله النفس البشرية ميالة وراغبة في الماديات وطلب منها أن تغلب الروحانيات على الماديات العمل الواحد باختلاف الإرادة والقصد يختلف ثوابا أو إحباطا إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وليس هناك عمل صالح يعدل الجهاد لأنه تضحية بالنفس ولا أغلى من النفس ولا يليق بالعاقل المسلم أن يضع في اعتباره مقابلا لروحه غير الجنة ونعمت البيعة والصفقة للمجاهد وبئست صفقة يكون فيها مقابل الروح عرضا زائلا حقيرا من مال أو شهرة أو حمية أو عصبية أو غضب
وكم كان الصحابة عقلاء؟ وكم كانوا على درجة عالية من الذكاء لقد أدركوا فضيلة الجهاد وحرصوا على تحصيلها لكنهم يخشون الطبيعة البشرية وأهواءها التي تدفع كثيرا إلى الحرص على المال والشهرة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يقاتل وهدفه الغنيمة وعمن يقاتل وهدفه الشهرة والذكر في قائمة المجاهدين وعمن يقاتل وهدفه أن ترى شجاعته وإقدامه فمن من هؤلاء يستحق أجر المجاهد في سبيل الله والحقيقة الشرعية أن هؤلاء
وغيرهم من أمثالهم الذين يقصدون بقتالهم الدنيا ليسوا من المقاتلين في سبيل الله الموعودين بالشهادة والجنة فأجاب صلى الله عليه وسلم بجواب جامع مانع فقال من كان هدفه من قتاله وجهاده أن يكون دين الإسلام هو الأعلى فهو في سبيل الله فطوبى للمجاهدين المخلصين الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم لرفع راية الإسلام وإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله
-[المباحث العربية]-
(جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية جاء أعرابي وفسره بعضهم بلاحق بن ضميرة، وقد روي أن معاذ بن جبل سأل مثل هذا السؤال، وأن أبا موسى الأشعري سأل مثل هذا السؤال لكن لا يطلق على أحدهما أعرابي ولهذا قيل بتعدد السؤال وهو يرد على ذهن الكثير فالقول بالتعدد وجيه
(الرجل يقاتل للمغنم) أي بدافع الرغبة والحرص على ما يغنم من الكفار من أموال وسبي
(والرجل يقاتل للذكر) أي ليشتهر بالشجاعة والإقدام وليذكره الناس بذلك
(والرجل يقاتل ليرى مكانه) أي يقاتل رياء وليقال أنه قاتل في غزوة كذا واشترك وحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا من الغزوات إلخ
(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) كلمة الله هي دعوة الله إلى الإسلام
(فهو في سبيل الله) الضمير راجع إلى القتال الذي في ضمن قاتل أي فقتاله قتال في سبيل الله
فقه الحديث
هناك دوافع أخرى للقتال غير ما ذكر ففي رواية ويقاتل غضبا أي
لأجل حظ نفسه وفي رواية الرجل يقاتل حمية أي يدفع مضرة تلحقه فالحاصل من الروايات أن القتال يقع بسبب أشياء طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب
والملاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجب على الاستفهام بالإيجاب ولا بالنفي لأن الحمية والغضب قد يكون في سبيل الله ولو أجاب بالنفي بالنسبة للثلاثة كما هو الظاهر لاحتمل أن يكون فاعل ذلك كله في سبيل الله وليس كذلك ولاحتمل أن تتوارد أسئلة وأسباب أخرى مشابهة فكان جوابه صلى الله عليه وسلم حاصرا جامعا مانعا واضحا مغلقا لأي استفهام
وقد اختلف العلماء في تفسير جوابه صلى الله عليه وسلم هل المقصود به أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا آخر من الأسباب المذكورة أو نحوها أخل بذلك بهذا قال بعضهم ويؤيده ما رواه أبو داود والنسائي جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له قال لا شيء له فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول لا شيء له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه وقال الجمهور والمحققون إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه فدخول غير الإعلاء ضمنا لا يقدح في الإعلاء إذا كان هو الباعث الأصلي
وقد ذكر بعض المحققين أن المراتب خمس أن يقصد الإعلاء وشيئا آخر معه وأن يقصد أحدهما صرفا وتحتها مرتبتان الإعلاء الدنيا وأن يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا وتحتها مرتبتان يقصد الإعلاء وتحصل الدنيا ضمنا ويقصد الدنيا ويحصل الإعلاء ضمنا
والمحذور أن يقصد غير الإعلاء على الاستقلال سواء حصل الإعلاء أو لم يحصل ويحمل الحديث الذي معنا على الحالات الثلاث وإن اختلفت الدرجات أولها قصد الإعلاء فقط وحصول الإعلاء فقط ثانيها
قصد الإعلاء فقط وحصول غير الإعلاء ضمنا ثالثها قصد الإعلاء وشيء من الدنيا نعم هذا الثالث ينبغي أن يكون محذورا لحديث أبي داود والنسائي المذكور
أما من قصد الدنيا فقط فحصل الإعلاء ضمنا أو قصد الدنيا فقط فلم يحصل الإعلاء فقتاله ليس في سبيل الله على التحقيق
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة
2 -
وأن الفضل الذي يرد في الأحاديث عن المجاهد يختص بمن قصد إعلاء كلمة الله
3 -
وجواز السؤال عن العلة في الأحكام الشرعية
4 -
ذم الحرص على الدنيا
5 -
ذم القتال لحظ النفس وفي غير الطاعة
6 -
فصاحته صلى الله عليه وسلم وما أوتيه من جوامع الكلم
26 -
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} {والمجاهدون في سبيل الله} قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله عز وجل {غير أولي الضرر}
-[المعنى العام]-
بعد غزوة بدر نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب الوحي زيد بن ثابت ليكتبها فجاء يحمل القلم والدواة وعظما هو كتف أو لوح كتف حيوان حتى جلس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي الآية على زيد وزيد يكتب ومن خلفه عبد الله بن أم مكتوم يسمع فلما انتهى زيد من الكتابة تحرك ابن أم مكتوم ليواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد هاله أن يعد من القاعدين المفضل عليهم ولا ذنب له فقال يا رسول الله وما ذنبنا إنني أعمى ولو أستطيع جهادا لجاهدت معك إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما ترى ذهب بصري أنا ضرير ولا ذنب لي
وكان جبريل قد صعد لكن ما أتم ابن أم مكتوم شكوى ضرارته حتى نزل جبريل وظهرت حالات الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع فخذه على فخذ زيد وثقلت وتصبب العرق وسمع الغطيط حتى عرف ابن أم مكتوم الأعمى أنه يوحى إليه وخاف أن ينزل شيء يؤاخذه على سؤاله فجعل يقول أتوب إلى الله
فلما سري عنه صلى الله عليه وسلم قال لزيد اقرأ ما كتبت فقرأ {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال له صلى الله عليه وسلم اكتب {غير أولي الضرر} فكتبها زيد في
ملحق عند صدع كان في الكتف وهكذا رفع الله الحرج عن ذوي الأعذار وأشركهم في الأجر مع المجاهدين فضلا وكرما وحذر من القعود عن الجهاد وهكذا {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وهكذا أرضى من ابتلاه في صحته وجسمه وجبر خاطره وجعله يحمد الله على الضراء كما يحمده كامل الصحة على السراء
-[المباحث العربية]-
(عن زيد بن ثابت) وكان من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
(أملى علي) في رواية للبخاري لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} قال النبي صلى الله عليه وسلم ادعوا فلانا فجاء زيد ومعه الدواة واللوح أو الكتف فقال اكتب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} {والمجاهدون في سبيل الله}
(فجاءه ابن أم مكتوم) في رواية للبخاري وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم فقال
…
إلخ ومعنى هذا أن ابن أم مكتوم كان موجودا خلف النبي صلى الله عليه وسلم حين أملاها على زيد فيحمل هنا قوله جاء ابن أم مكتوم على مجيئه من خلف النبي صلى الله عليه وسلم لمواجهته بشكوى العذر وابن أم مكتوم يقال له عبد الله ويقال له عمرو واسم أبيه زائدة وأم مكتوم أمه واسمها عاتكة
(وهو يملها علي) يملها بضم الياء وكسر الميم وتشديد اللام يقال مل يمل بتشديد اللام وهو مثل أملى يملي ومنه قوله تعالى {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل}
(ولو أستطيع الجهاد لجاهدت) في رواية فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان أعمى فقال يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى وفي رواية فقال أنا ضرير وفي رواية فشكا ضرارته وفي رواية فقال ما ذنبنا
(وفخذه على فخذي) في رواية إني لقاعد إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوحي إليه وغشيته السكينة فوضع فخذه على فخذي فهذه الرواية صريحة
في الوقت الذي وضع فيه فخذه صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد ولعل ذلك من شدة الوحي عليه كالمريض المتألم الذي يلجأ إلى من بجواره كأنه يستنجد به
(فثقلت علي) أي ثقلت الفخذ على فخذي وفي رواية فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل منها
(حتى خفت أن ترض فخذي) ترض بفتح التاء وضم الراء وتشديد الضاد أي تدق فخذي وتطحنها
(ثم سري عنه) بضم السين وتشديد الراء المكسورة أي كشف عنه
{غير أولي الضرر} قرئ غير بالرفع على البدل من القاعدون وقرئ بالجر صفة للمؤمنين وقرئ بالنصب على الاستثناء
-[فقه الحديث]-
لا خلاف في تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين غير أولي الضرر أي على القاعدين عن الجهاد من غير عذر شرعي مثله القرآن الكريم بقوله {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} وإنما الخلاف في تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد من أصحاب الضرر والعذر الشرعي
فذهب بعض العلماء إلى المساواة في الأجر بين المجاهد وبين المعذور القاعد إذا صدقت نيته لحديث إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حبسهم العذر
وظاهر الحديث أن نزول غير أولي الضرر إنما كان إجابة لابن أم مكتوم عن سؤاله ما ذنبنا لو نستطيع الجهاد لجاهدنا فظاهر الآية استواء أولي الضرر مع المجاهدين لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء فأفادت إدخالهم في الاستواء إذ لا واسطة بين الاستواء وعدم الاستواء فيثاب المجاهد مقابل بذل المال أو الروح ويثاب صاحب العذر الثواب نفسه تفضلا وكرما من الكريم المتفضل
وذهب بعض العلماء إلى عدم المساواة في الثواب بين المجاهد وبين المعذور القاعد قالوا إن المقصود باستوائهم استواؤهم في أصل الثواب لا في كميته لأن المجاهدين أنفسهم لا يستوون في كمية الثواب وهذا لا يتنافى مع حديث إن بالمدينة لأقواما
…
إلا وهم معكم فكون المعذور القاعد مع المجاهد لا يلزم منه التساوي في الأجر فالجبان مع الشجاع في الميدان ولا تفهم مساواة المضحي المغامر الذي يبلي بلاء حسنا بمن هو معه ولا يفعل فعله اللهم إلا في أصل الثواب لا في كميته
ثم ظاهر الآية في لاحقها يؤيد ذلك فهي تقول {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} أي من المعذورين {درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين} أي من غير المعذورين {أجرا عظيما}
هذا وما يقال في المجاهد وفي المتخلف عن الجهاد من ذوي الأعذار ومن غيرهم يقال في سائر الأعمال الصالحة هل يستوي المعذور مع فاعل الطاعة في كمية الثواب أو في أصل الثواب دون كميته
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
اتخاذ الكاتب وتقريبه
2 -
وتقييد العلم بالكتابة
3 -
ودفاع المعذور عن نفسه وبيان عذره
4 -
أهمية أسباب النزول وتنجيم القرآن ونزول بعضه للظروف والمناسبات
5 -
أن وصف الإنسان بما هو فيه من نقص كالأعمى لا يعتبر غيبة ولا يحرم ما لم يقصد به التنقيص
6 -
شدة الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم
7 -
إدراك الصحابة لنزول الوحي
27 -
عن زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا
-[المعنى العام]-
مصداقا لقوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وقوله تعالى {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} يتأكد دور المال في الجهاد ومما لا شك فيه أن العنصر البشري لا يستغني عن العنصر المالي في الغزو ومن هنا رفع الحرج والجناح عن قوم أرادوا الغزو وهم لا يجدون ما يستعدون به ولما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} وإذا كان العنصران ضروريين للمعركة كان من جهز غازيا له من الأجر مثل ما للغازي لأن أيا من الأمرين لا يستقل بالعمل فكان اشتراكهما في الأجر كاشتراكهما في إدارة المعركة
وإذا كان الغازي لا يستطيع الجهاد وهو مشغول بتبعات بيته وأهله من حفظ عرض وتأمين روعة أطفال وقضاء مصالح زوجة وأولاد كان من يخلف الغازي في أهله بخير شريكا له في الأجر لأنه الذي ساعده وأمنه
وفرغه للجهاد وبدونه لم يكن ليخرج ولو خرج لم يكن متفرغا للقتال بل مشغول البال مما يؤثر ولا شك على سير المعركة
وبهذا التوجيه النبوي الحكيم من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا تترابط الأمة عند الشدائد ويقوم كل من أفرادها بدور إيجابي يتكامل به دور الآخر ويتحقق لها النصر في الخارج والأمن والاستقرار في الداخل
-[المباحث العربية]-
(من جهز غازيا) في الكلام مجاز المشارفة أي من جهز من يريد الغزو ويشارفه والتجهيز قد يراد منه الإعانة والمساعدة والإسهام وقد يراد منه تمام التجهيز من أوله إلى آخره ومن جهز يشمل من جهز غيره وقعد هو ومن جهز نفسه وغزا ومن جهز غيره وغزا فالتجهيز وحده له أجر الغزو وهو أعم من أن يكون بالمال أو بالسلاح أو بالدابة أو بها جميعا وبغيرها مما يحتاجه الغازي فالمقصود من هيأ للغازي أسباب خروجه المادية
(فقد غزا) أي فقد أشبه من غزا في تحصيل ثواب الغزو مع تساوي الأجر أو مع عدم التساوي كما سيأتي في فقه الحديث
(ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير) الجار والمجرور متعلق بـ غازيا أي غازيا في سبيل الله والمراد من يخلفه ويقوم مقامه في أهله من حيث المحافظة وقضاء المصالح وقيد بخير ضروري لأن من خلف مع القصور أو التقصير وعدم الخير ليس له هذا الجزاء
-[فقه الحديث]-
يثير هذا الحديث وأمثاله وجهتي نظر للعلماء في مسألتين الأولى هل المراد بالتجهيز وبالخلف في الأهل تمام التجهيز حتى يستقل من ألفه إلى
يائه أو مجرد الإسهام والإعانة والمشاركة جمهور العلماء على الأول وأنه لا ينال مثل أجر الغازي إلا من جهزه وحده تجهيزا كاملا أما من أسهم فله أجر آخر دون هذا الأجر وكذلك من خلف الغازي في أهله بخير لا ينال هذا الأجر إلا إذا قام مستقلا بكفايتهم والقيام مقام الغازي فيهم أما من خلف بخير دون ذلك فله أجر آخر ليس هذا الأجر ويؤيد الجمهور رواية ابن ماجه وابن حبان وفيها من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يجرح
وذهب قليل من العلماء أن المشارك في التجهيز والمسهم فيه له مثل أجر الغازي اعتمادا على فضل الله وكرمه وظاهر الأحاديث
المسألة الثانية هل هذا الحديث وأمثاله قصد به مماثلة الدال على الخير لفاعله في كمية الثواب أو في أصل الثواب والأجر ثم يزيد الفاعل جمهور العلماء على الأول على المماثلة في الثواب إذا خلصت النية كما بينا في الحديث السابق لأن صرف الخبر عن ظاهر المماثلة يحتاج إلى دليل
وقال بعض العلماء إن المماثلة في أصل الثواب أما التضعيف للحسنات إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة فهي للفاعل المباشر لأنه بذل المشقة بنفسه وفرق بين من يباشر مع النية الصادقة وبين من يدل على الخير بنية صادقة دون أن يباشر قال بعض المحققين إن هذه الدعوى لا تصلح هنا لأن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي المؤنة لنفسه والحفظ لأهله فمن جهز غازيا أو خلفه في أهله بخير باشر مشقة بنفسه أيضا بخلاف من دل على الخير فإن فاعله كان يمكن أن يفعله بدون دلالة الدال فالقول هنا بالمماثلة في الأجر وكميته أرجح فمعنى قوله فقد غزا أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة
أما ما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وقال ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما وفي رواية مسلم ثم قال للقاعد وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له
مثل نصف أجر الخارج فقد قال القرطبي لفظة نصف يشبه أن تكون مقحمة أي مزيدة من بعض الرواة وقال الحافظ ابن حجر في توجيهه إن لفظة نصف أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر
ومع أن حديث ابن ماجه وابن حبان بلفظ من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع يفيد أن المماثلة حاصلة في حياة الغازي لكن من يخلف الغازي في أهله بخير أعم من أن يخلفه في حياته أو بعد مماته وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا يبادرون إلى زوجة الشهيد كل يطلبها زوجة ليرعاها ويرعى أولادها مما قوى عزيمة المسلمين على الاستشهاد دون خشية على ذرية ضعاف يضيعون بعد أبيهم كما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرعى أم سليم ويجبر قلبها بكثرة زيارتها في بيتها ويعلل ذلك بأن أخاها قد استشهد في سبيل الله
28 -
عن عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم"
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} نعم خلقها الله للركوب والزينة فمن استعملها فيما شرعت له من مباح كانت مباحة ومن قصد مع الإباحة الطاعة المندوبة كان ركوبها واتخاذها مندوبا ومن احتاجها لواجب لا يتم إلا بها كان استعمالها واجبا وخير استعمال لها استعمالها في الجهاد وفي الغزو وإذا كان القرآن الكريم قد أمر بالإعداد للمعارك مع الكفار بقوله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم
…
} كان اتخاذ الخيل وإعدادها ورباطها في سبيل الله من أفضل الصالحات من هنا رغب الرسول الكريم في اقتناء الخيل مشيرا إلى أنها فأل طيب وأن الخير يلازمها وأن الأجر والغنيمة والنصر في نواصيها ومقدم رأسها وفي إقدامها على القتال وأي ترغيب أهم من اقتناء الخير وقد روى الإمام أحمد تفصيل الخير الوارد في الحديث فيما رواه عن أسماء بنت يزيد مرفوعا الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها احتسابا كان شبعها وجوعها وريها وظمؤها وأرواثها وأبوالها فلاحا في موازينه يوم القيامة
-[المباحث العربية]-
(الخيل) ال هنا للعهد والمراد منها الخيل المعدة للجهاد في سبيل
الله المتخذة لركوب المجاهدين عليها بالفعل أو بالرباط والإعداد ويدخل فيها البرذون بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال وهو الجافي الخلقة من الخيل ودخل أيضا الهجين وهو ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي لكن لا يدخل فيها البغال والحمير لقوله تعالى {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} فدل على أنها غير الخيل
(معقود في نواصيها الخير) عقد الخير كناية عن ملازمته كملازمة الشيئين المعقود أحدهما بالآخر والخير مراد به الأجر والمغنم من إطلاق العام على بعض أفراده والناصية في الأصل مقدم الرأس والمراد منها هنا الشعر المسترسل على جبهة الفرس وخص الناصية بالذكر لرفعة قدرها ولكونها المقدم من الفرس وفي ذلك إشارة إلى أن الفضل في الإقدام بها على العدو دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار فالمعنى الخير يلازم الإقدام في الحرب بالخيل
(الأجر والمغنم) تفسير للخير على سبيل البدل أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الأجر والمغنم والمراد الأجر وحده أو مع المغنم كما وضحنا في الحديث السابق
-[فقه الحديث]-
يرتبط الحكم في هذا الحديث بحديث الخيل لثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج أو روضة أي جعل حبلها طويلا ترعى في مرعى منخفض أو مرتفع فما أصابت في طيلها ذلك أي في حبلها الذي يطول لها لترعى في المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها أي حبلها فاستنت أي مرحت بنشاط شرفا أو شرفين أي شوطا أو شوطين كانت أرواثها وآثارها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له وأما الرجل الذي هي عليه وزر فهو رجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي وزر على ذلك وأما الذي
هي له ستر فالرجل يتخذها تعففا وتكرما وتجملا ولم ينس حق الله في رقابها
كما يرتبط بحديث إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن
فالخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة
وما يذكر من شؤم الفرس أيضا ليس على عمومه بل هو مخصوص ببعض الخيل قال القاضي عياض ما كان في نواصيها البركة يبعد أن يكون فيها شؤم فيحتمل أن يكون الشؤم في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد وأن التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة أو يقال الخير والشر يمكن اجتماعهما في ذات واحدة فالأجر والمغنم من الفرس لا يلزم معه أن لا يتشاءم منه على أن التشاؤم من الفرس مؤول والشريعة تنهى عن التشاؤم بصفة عامة
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
قال القاضي عياض في الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن ففيه جناس سهل بين الخير والخيل
2 -
قال الخطابي في الحديث إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل هو من خير وجوه الأموال وأطيبها
3 -
قال ابن عبد البر في الحديث إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب لأنه لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم في غيرها مثل هذا القول
4 -
استدل به الإمام أحمد والبخاري على أن الجهاد ماض مع الحاكم البر والفاجر لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالأجر والمغنم والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر
5 -
في الحديث الترغيب في الغزو على الخيل
6 -
فيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون فهو مثل حديث لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق
7 -
استنبط منه الخطابي إثبات سهم للفرس يستحقه الفارس من أجله
8 -
في الحديث علم من أعلام النبوة إذ فيه إخبار بما سيحدث إلى يوم القيامة
29 -
عن البراء رضي الله عنه قال له رجل: يا أبا عمارة وليتم يوم حنين قال لا والله ما ولى النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ولى سرعان الناس فلقيهم هوازن بالنبل والنبي صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
-[المعنى العام]-
عقب فتح مكة وبعد أن أقام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خمسة عشر يوما علموا أن قبائل هوازن ببطونها الكثيرة وتسكن بين مكة والطائف وتبعتهم ثقيف التي تسكن الطائف تجمعوا في مكان يدعى حنين بينه وبين مكة أكثر من ثلاثين كيلو مترا وقصدوا محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج إليهم فخرجوا خرج فاتحو مكة نحو عشرة آلاف مقاتل وانضم إليهم الطلقاء الذين أسلموا من مكة عدد لم يسبق تجمعه للمسلمين فداخلهم الغرور وأعجبتهم كثرتهم حتى قال أحدهم لن نغلب اليوم عن قلة ولم يعلموا أن هوازن ومن تبعها جمعوا ضعف عدد المسلمين وأنهم خرجوا للحياة أو الموت
…
أخرجوا معهم الأطفال والشيوخ والعجزة والأنعام والغنم ليشعر المقاتلون منهم أنهم يدافعون عن كل ما لديهم في الحياة ونظموا أنفسهم تنظيما دقيقا عملوا كمائن في الشعاب ثم صفوا صفوفهم في الوادي الخيل ثم المقاتلة ثم النساء والأطفال ثم الغنم ثم النعم من البقر والإبل وهوازن مشهورة بالشجاعة والإقدام والبسالة ورمي النبل واندفع المسلمون نحو الصفوف يضربون ويقتلون وفرت صفوف هوازن وظهرت النساء والأنعام وانكب الخفاف من الشباب عزلا نحو الغنائم الوفيرة يجمعونها وخرجت عليهم الكمائن بنبالها الدقيقة التي لا تكاد تخطئ أمام هول المفاجأة فر المسلمون وولوا مدبرين لم يبق منهم في الميدان مائة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه وأهله حوله أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين رأى المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع بغلته نحو الكفار أخذ أبو سفيان بزمامها ليمنع اندفاعها وأبو بكر وعمر والعباس وابنه الفضل وعلي وأسامة بن زيد وأيمن ابن أم أيمن يحيطون به كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رابط الجاش قال يا عباس ناد في المسلمين وكان جهوري الصوت فنادى يا أصحاب الشجرة يقول العباس فوالله لكأني حين سمعوا صوتي عطفتهم عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا
لبيك وعادوا سراعا وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل عن بغلته يواجه الكفار وهو يقول أنا النبي والنبي لا يكذب وقد وعدني الله النصر فلا يصح لي الفرار أنا ابن عبد المطلب طويل العمر شهير الذكر ثم دعا ربه واستنصره وعاد المسلمون فصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله سكينته عليهم فحملوا على الكفار فهزموهم فغنموا منهم غنائم كثيرة سبيا ومالا وأسلم كثير من هوازن فأرسلوا وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون إعادة السبي والمال فخيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ليرد إليهم أحدهما فاختاروا
السبي فرده صلى الله عليه وسلم
-[المباحث العربية]-
(قال له رجل) قيل إنه من قيس ولعله أبهم سترا عليه فقد كان حسب الظاهر يقصد غمز صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبكيتهم
(أفررتم) كان فرارهم معلوما فالاستفهام إنكاري توبيخي أي ما كان ينبغي أن تفروا
(يوم حنين) اسم لواد قريب من الطائف بينه وبين مكة أكثر من ثلاثين كيلو مترا من جهة عرفات
(لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر) استدراك على محذوف تقديره فررنا لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر وإذا كانت هذه الرواية لا توهم فرار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رواية أعقبتها في البخاري تقول أوليتم مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأراد البراء رفع ما توهمه هذه الرواية وما توهمه الآية الكريمة في قولها {ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} فجاء بالاستدراك
(كانوا قوما رماة) أي يجيدون الرمي بالنبال والسهام
(وإنه لعلى بغلته البيضاء) البغل والبغلة مولد بين الفرس والحمار أمه الفرس والبغلة البيضاء كانت قد أهداها له عربي يدعى فروة بن نفاثة الجذامي وكان له صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء أهداها له المقوقس كذا قيل
(وإن أبا سفيان آخذ بلجامها) هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أسلم قبل فتح مكة خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه لفتح مكة فأسلم وحسن إسلامه وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت وفي بعض الروايات أن العباس هو الذي كان آخذا بلجام البغلة وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها ودفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو الكفار خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا وإكراما له
(أنا ابن عبد المطلب) نسب إلى جده دون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر بخلاف عبد الله فإنه مات شابا
-[فقه الحديث]-
في عدد من ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين خلاف طويل وروايات متعددة ففي رواية فأدبروا عنه حتى بقي وحده وفي بعضها فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار وفي رواية وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل وعد ابن إسحاق الثابتين معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن ومن المهاجرين أبو بكر وعمر وابن مسعود فهؤلاء عشرة وجمع المحققون بين هذه الروايات بأن رواية حتى بقي وحده أي بقي وحده متقدما مقبلا على العدو أما من كانوا حوله فلم يكن شأنهم ذلك والتحقيق أنه بقي معه جماعة دون المائة جمعا بين رواية الثمانين ورواية نفي المائة ولعل الاختلاف في العدد ناشئ من الهرج والذهاب والعود فهناك من عجل بالرجوع مثلا فعد فيمن ثبت وهناك من كان يتحرك حول النبي صلى الله عليه وسلم فعد فيمن لم يثبت
ومن المعلوم أن الفرار يوم الزحف من الكبائر لقوله تعالى {ومن يولهم
يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم} ولهذا حاول العلماء توجيه هذا الفرار حتى يخرجوا من الكبائر رغم أن الله تعالى وعد بمغفرته فقال بعضهم إن الفرار يكون كبيرة إذا قل عدد الأعداء عن ضعف عدد المسلمين لقوله تعالى {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين
…
} وكانت هوازن أكثر من ضعف عدد المسلمين وفي هذا التوجيه نظر والأولى قول الطبري إن الفرار المنهي منه هو ما وقع على غير نية العود أما الاستطراد والفرار للتجمع مرة أخرى فهو كالتحيز إلى فئة
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
ساق البخاري هذا الحديث تحت باب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم البيضاء بعد أبواب الخيل وناقة الرسول صلى الله عليه وسلم والغزو على الحمير واستدل به على جواز اتخاذ البغال في الجهاد
2 -
وجواز إنزاء الحمر على الفرس أي تلقيح الفرس بالحمار وقد حرمه قوم احتجاجا بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون والجمهور على جوازه وأن الحديث قصد به الحض على تكثير الخيل لما فيها من الثواب
3 -
وفيه حسن الأدب في الخطاب والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب
4 -
ذم الإعجاب ووخامة عاقبته فالقرآن الكريم جعله من أسباب الهزيمة حيث قال {إذ أعجبتكم كثرتكم}
5 -
جواز الانتساب إلى الآباء والأجداد ولو ماتوا في الجاهلية قال الحافظ ابن حجر والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب
6 -
جواز التعرض للهلاك الغالب في سبيل الله ولا يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان متيقنا من النصر والحفظ وهذا صحيح لكن فعل أبي سفيان وغيره ممن لا يقين من النجاة عندهم دليل جواز التعرض للهلاك وقوله
تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} مخصص بغير الجهاد
7 -
استدل بعضهم بركوبه صلى الله عليه وسلم بغلة في الحرب مع مظنة فرارها على مزيد ثباته صلى الله عليه وسلم وشجاعته
8 -
جواز شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة والإقدام وعدم المبالاة بالعدد
30 -
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة فبقي مرط جيد فقال له بعض من عنده يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك يريدون أم كلثوم بنت علي فقال عمر أم سليط أحق وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد قال أبو عبد الله تزفر تخيط
-[المعنى العام]-
للنساء دور في الحياة ولهن دور في الجهاد إذا لم يكف الرجال لقد خلق الله المرأة ناعمة الملمس رقيقة الإحساس ضعيفة الأعصاب لينة العظام وكل تلك الصفات لا تتناسب مع الضرب بالسيف ولا الطعن بالرمح ولا الرشق بالنبل فضلا عن أن وقوعها في الأسر قد يلحق بالمسلمين أذى في أعراضهم ويطعن في كرامتهم ولهذا اقتصر خروج النساء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته على الضرورة والضرورة تقدر بقدرها لقد كان المسلمون في قلة وقيام المرأة بحراسة الأمتعة وبنقل الماء إلى الجنود وبمداواة الجرحى ورعايتهم يوفر عددا من الرجال يمكن الإفادة بهم في القتال فلذلك سمح رسول الله صلى الله عليه وسلم باستصحاب بعض النساء في الغزوات بلغن أقصى ما بلغن في بعض الغزوات خمسا ولما جاءت أم كبشة تستأذن في الخروج سادسة لم يأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها لا لئلا يقول الناس إن محمدا يغزو بالنساء ولما سألت عائشة عن الجهاد للنساء قال لها صلى الله عليه وسلم أفضل جهادكن الحج والعمرة ولما سألت خطيبة النساء أسماء بنت يزيد الأنصارية رسول الله صلى الله عليه وسلم شاكية أن الرجال فضلوا على النساء بالجهاد وإذا خرجوا حفظ النساء لهم أموالهم وقمن على رعاية أولادهم سألت أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله قال نعم
وقد أخرج البخاري هذا الحديث تحت باب جهاد النساء وهو صريح في أن جهادهن اقتصر على حمل الماء وسقي الجنود ومثل ذلك ما جاء في حراسة الأمتعة ومداواة الجرحى وقد جاءت في الغنائم أكسية نسائية فوزعها عمر على نساء المدينة فأعطى كل واحدة ثوبا وبقي ثوب زائد فأراد أحد الجالسين أن يكرم به زوجة عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثر عمر عليها أم سليط الأنصارية التي أيدت الإسلام باشتراكها في بعض الغزوات بسقي الجنود
-[المباحث العربية]-
(أنه قسم مروطا) جمع مرط بكسر الميم وسكون الراء وهو كساء غير مخيط يؤتزر به وأغلب استعماله للنساء ويكون من صوف أوخز غالبا
(على نساء المدينة) مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا أي أعطى كل واحدة مرطا
(فبقي مرط جيد) وصفه بالجودة للإشارة إلى قصد التكريم به وليس معنى ذلك أن المروط الموزعة لم تكن جيدة
(فقال له بعض من عنده) لم يقف الحفاظ على اسم القائل وجرت عادتهم على إبهام الاسم للستر حين يكون ما أسند إليه لا يتشرف به وهذا العرض هنا يشتم منه النفاق والتزلف
(أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك) أي زوجتك وهي أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت في حياته صلى الله عليه وسلم وكانت أصغر بنات فاطمة من علي رضي الله عنهما وكان عمر قد تزوجها
(أم سليط أحق به) أم سليط بفتح السين وكسر اللام وهي أم قيس بنت عبيد من بني مازن تزوجها أبو سليط بن أبي حارثة من بني عدي بن النجار فولدت له سليطا ذكر أنها شهدت أحدا وخيبر وحنينا
(فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) تزفر بفتح التاء وسكون الزاء وكسر الفاء أي تحمل قرب الماء
-[فقه الحديث]-
ثبت في الصحيح أن عائشة وأم سليم كانتا تحملان القرب يوم أحد ثم تفرغانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم وهذا الحديث يضم إليهما في المهمة نفسها أم سليط
وثبت في الصحيح أيضا عن الربيع بنت معوذ قالت كنا نغزو مع
النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدمهم ونداوي الجرحى ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة وفي حديث آخر ثبت خروجهن لغزل الشعر ومناولة السهام
قال الحافظ ابن حجر ولم أر في شيء من الأحاديث التصريح بأنهن قاتلن أهـ
ولعل من ينسب إليهن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد أنهن كن يعن الغزاة وإعانة الغازي غزو فمن أعان غازيا فقد غزا كما سبق بيانه
نعم كان بعضهن بصدد أن تقاتل إذا اعتدى عليها أحد المشركين فقد أخرج مسلم عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت اتخذته أن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه
ولا شك أن خروج المرأة في الغزو كان للضرورة ولذلك أبيح لها أن تداوي الرجال ولا يباح للمرأة أن تعالج الرجل الأجنبي إلا لضرورة والضرورات تبيح المحظورات ولذلك لم يبح إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن يباشر الرجل الأجنبي غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل عند البعض وتيمم عند الأكثر وقال بعضهم تدفن كما هي بدون غسل
وفي الحديث نزاهة عمر بن الخطاب وتقديره للجهاد والمجاهدين والمجاهدات وحيطة الحاكم وابتعاده عن الشبهات ومكافأته للمحسن على إحسانه وفضل المجاهدين السابقين
31 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع
-[المعنى العام]-
طبع الله الإنسان على حب المال فقال في القرآن الكريم {وتحبون المال حبا جما} وقال رسوله الكريم لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانيا ولو كان له واديان لتمنى ثالثا
ذاك طبع طبع الله الإنسان عليه ودعا إلى تهذيب هذا الطبع وتقويمه دعاه إلى مقاومة الجشع والطمع والجري وراء المال من حله ومن غير حله دعاه إلى أن ينفق ما وهبه الله فيما شرعه فيحسن به كما أحسن الله إليه ولا ينسى نصيبه من الدنيا دعاه إلى أن يجعل المال في يده لا في قلبه وأن يسخر المال ويجعله خادما لا أن يجعل نفسه خادما والمال مخدوما دعاه أن يكون سيدا للمال لا أن يكون عبدا للدرهم والدينار والثياب وزينة الحياة الدنيا يصبح في خدمة المال وجمعه ويمسي في عده وحراسته والسهر عليه وسواء أكان الحديث يدعو عليه بالتعاسة والشقاوة أم كان يخبر عنه بأنه تعس في نفسه غير سعيد فإن الزجر والتنفير شديد ومخيف وقد جعل الحديث علامة هذا الشقي أنه إن أعطي من المال رضي عمن
أعطاه وإن لم يعط سخط على من لم يعطه فسبب الرضا عنده العطاء وسبب الغضب عنده المنع ولو كان لحكمة وللمصلحة فهو أسير المال وهو كالكلب يتبع العظم والسيد مثل هذا يستحق الدعاء عليه بدوام التعس لأنه ألغى عقله واستدبر شرع الله فلا يستحق الدعاء له مثل هذا المتخبط في ظلمات الجهل والخطيئة والمنتكس في سلوكه كمن يمشي على رأسه هو كمن يمشي على أشواك جدير أن يدعى عليه بعدم إخراج الأشواك من جسده ذلك الصنف الهالك يقابله صنف الفالحين الذين باعوا أموالهم لله وأنفقوها في سبيله واستوى عندهم الغنى والفقر وهانت عليهم الدنيا بمظاهرها ومناصبها يؤدون واجبهم وواجب الإسلام في أي موقع أخذوا بلجام خيلهم في الجهاد تركوا الزينة ونعيمها فشعت شعرهم وثار واغبرت أقدامهم وتربت إن وضعوا في مقدمة الجيش أدوا واجبهم وإن وضعوا في مؤخرة الجيش أدوا واجبهم لا يعنيهم اختلال الموازين عند الناس لا يعنيهم أن الجهلة عباد المصالح وأهل التزلف والنفاق لا يقدسونهم كما يقدسون أصحاب المناصب لا يعنيهم أن لا يؤذن لهم عند هؤلاء الناس إن استأذنوا عليهم لا يعنيهم أن يرفض السوقة والجهلة وعباد المال
شفاعتهم إن هم تشفعوا لأحد عندهم لا يعنيهم شيء من ذلك ما داموا مع ربهم شعارهم دعاء ربهم
. . . . . . .. . . . . . . .
…
وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا صح منك الود فالكل هين
…
وكل الذي فوق التراب تراب
-[المباحث العربية]-
(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) تعس بفتح التاء وكسر العين ويجوز فتحها ضد سعد تقول تعس فلان أي شقي وقيل التعس السقوط على الوجه وقيل أن يعثر فلا يفيق من عثرته وقيل هلك وعبد الدينار كناية عن اتباعه والذل من أجله والجري وراءه فكأنه لذلك خادمه وعبده قيل إنما خص العبد بالذكر ولم يقل مالك الدينار أو جامع الدينار لأن
المذموم الشره والجشع لا مطلق الملك والجمع والدينار هو المضروب من الذهب للتعامل به والدرهم هو المضروب من الفضة
(وعبد الخميصة) الخميصة كساء أسود له أعلام وفي رواية القطيفة وهي ثوب له خمل وكرر لفظ عبد مع كل معطوف للإشارة إلى استقلال كل في الذم فمن استغرق في جمع واحدة منها فهو تعس
(إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) هذا دليل على الشره والحرص وأن الأخذ تملك عليه أمره فالرضا عن الناس عنده مرتبط بالإعطاء والسخط مرتبط بعدم الإعطاء وليس للحق أو للعدل عنده وزن بعد ذلك وأعطي بضم الهمزة مبني للمجهول أي إن أعطاه أي معط بحق أو بغير حق رضي عنه واصطفاه وتبعه
(تعس وانتكس) إعادة الدعاء عليه بالتعس لزيادة التعنيف والانتكاس الانقلاب والمعنى سقط وعاوده السقوط أي سقط وكلما نهض سقط
(وإذا شيك فلا انتقش) شيك بكسر الشين أي أصابته الشوكة في جسده وانتقش أخرج الشوكة بالمنقاش وهو الملقاط والمعنى دعاء عليه بأنه إذا أصابته شوكة لم تخرج من جسده بطبيب أو غيره وإنما خص انتقاش الشوكة لأنه أسهل ما يتصور من المعاونة فإذا انتفى السهل انتفى ما فوقه بطريق الأولى
(طوبى لعبد) طوبى بضم الطاء دعاء له بكل شيء طيب وقيل دعاء له بالجنة لأن طوبى أشهر أشجارها وأطيبها والواو في طوبى منقلبة عن ياء لأنه فعلى من طاب يطيب فأصله طيبى والمراد من العبد الإنسان وقيل المؤمن فالأول من عباد الله وكلنا له عبد والثاني من عباد الرحمن العابدين
(آخذ بعنان فرسه في سبيل الله) ليس المقصود الأخذ بالعنان بالفعل وإنما المقصود الرباط بالفرس والاستعداد به للجهاد في أية لحظة
(أشعث رأسه) شعث الرأس انتفاش شعرها وتعرضها للتراب بسبب
السفر والبعد عن الراحة والزينة وأشعث منصوب على الحال من عبد لأنه نكرة وصفت فساغ مجيء الحال لها كذا قال الكرماني وقال غيره مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف صفة لعبد ورأسه مرفوع على الفاعلية
(مغبرة قدماه) تأكيد للخشونة والمشقة والبعد عن الراحة والزينة وإعرابه كإعراب سابقه
(إن كان في الحراسة كان في الحراسة) اتحد هنا الشرط والجزاء في اللفظ وقصد اختلافهما في المعنى والتقدير إن دعته المصلحة أن يكون في الحراسة ومقدمة الجيش التي تحرس من هجوم العدو قبل وأدى واجبه فيها خير أداء
وحاصل اختلاف الشرط والجزاء يرجع إلى قيد ملاحظ في الجزاء أي إن كان في الحراسة كان في الحراسة راضيا عاملا وإن كان في المؤخرة كان في المؤخرة راضيا عاملا فهو لا يقصد بجهاده الرياء والشهرة وإنما هدفه الإسهام في نصر دين الله قدر ما يستطيع في أي موقع
(إن استأذن لم يؤذن له) مظهر آخر من مظاهر عدم الاهتمام بالغنى الذي يزن الناس به الرجال فهم لا يعرفون قدره وهو لا يعني بمنزلته عندهم بقدر عنايته بمنزلته عند ربه وقد حذف المستأذن عليه والمستأذن فيه للتعميم أي إن استأذن على أحد في الدخول أو في الكلام لم يؤذن له وقدموا عليه في الدخول أو في الكلام ذا المال وذا المنصب
(وإن شفع لم يشفع) بضم الياء وفتح الشين وتشديد الفاء المفتوحة أي لم تقبل شفاعته ولا ينظر إليها ولا يهتم بها لأنه أشعث أغبر
-[فقه الحديث: ]-
ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد تحت باب الحراسة في الغزو في سبيل الله باعتبار نصفه الأخير طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في
الحراسة
…
إلخ والحراسة في الحديث غير الحراسة التي جعلت عنوان الباب إذ القصد منها في العنوان حماية القائد أو حماية الأسلحة أوحماية المنطقة والجيش من الغدر والمفاجأة ولذلك ساق البخاري قبل ذلك مباشرة قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سهر في سفر وأراد النوم ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة
…
الحديث
والحراسة في حديثنا مراد منها مقدمة الجيش وصدره فعلاقته بالباب على هذا غير ظاهرة
وقد أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب ما يتقى من فتنة المال باعتبار صدره تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة
…
إلخ والعلاقة بين الجزأين واضحة وإن اختلف موضوعهما وهي علاقة المقابلة مال يفتن ويصبح سبب الهلاك ومال ينجي ويكون سبب الفوز والفلاح
وقد استشكل على الحديث بأنه كيف يدعى على الضال بدوام الضلال وزيادته ولا يدعى له بالهداية والاستقامة وأجيب بأن الدعاء عليه ليس بزيادة الضلال وإنما بتلقيه جزاء الضلال والشقاوة المدعو بها أثر وجزاء طبيعي لسلوكه وشرهه في الجمع وسوء التصرف في الإنفاق والدعاء بعدم خروج الشوكة دعاء بالإيلام جزاء تعريض نفسه للشوك فهو دعاء عليه بعقوبة دنيوية معاكسة لأنه ألغى عقله وأهمل شرعه
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
التحذير من فتنة المال
2 -
التحذير من الشره والاتجاه بكل الهمة نحو جمعه من حله ومن غير حله
3 -
الحث على القناعة
4 -
الحث على أن يكون الرضا أساسه الحق والعدل وليس الإعطاء
5 -
جواز الدعاء على الضال بالجزاء المناسب لضلاله
6 -
الحث على إنفاق المال في سبيل الله
7 -
امتداح التواضع وعدم السعي للشهرة
8 -
امتداح أداء الواجب في أي موقع
9 -
فضل الرباط في سبيل الله وفضل اتخاذ الفرس لذلك
10 -
ذم المقاييس البشرية وموازين الناس للرجال بموازين الغنى والمناصب