الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الوصايا
الوصايا جمع وصية كالهدايا جمع هدية وتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال وغيره كالعهد والاستخلاف وفي الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت كما تطلق شرعا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات ومنه قوله تعالى {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} والمقصود في هذا الكتاب المعنى الأول وهو العهد بحق مالي أو غيره مضاف إلى ما بعد الموت وهي المعنية بقوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم
…
بعد وصية يوصي بها أو دين} وقوله تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين}
19 -
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده
-[المعنى العام]-
لكل أجل كتاب والموت يأتي غالبا فجأة أسبابه كلا أسباب قد يشفى العجوز المريض وقد يموت الشاب السليم تلك حقيقة يعلمها جميع العقلاء ومن هنا يجب الاستعداد له في أي لحظة وتوقعه في كل حين إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء واعمل لدنياك
كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
ومن هنا كان الواجب على كل مسلم أن يبادر بالوصية اليوم قبل الغد والغد قبل ما بعد الغد كان عليه أن لا يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته جاهزة تامة موثقة فيرفع بها الخلاف بعد موته فيما خلف من ضياع أو تبعات ويحل بهذه الوصية عقدا ومشاكل تنشأ غالبا بين الورثة وغيرهم فهو أعلم من غيره بما يصلح في ماله وهو أعلم من غيره بمن يستحق ومن لا يستحق وهو صاحب المال وصاحب التصرف فعليه أن يصفي ما له وما عليه في حدود الشرع الحنيف حتى إذا فاجأه الموت لقي الله وهو متخلص من تبعات الحياة
-[المباحث العربية]-
(ما حق امرئ مسلم) أي لا ينبغي لامرئ مسلم ولا يحق له إلا أن يكتب وصيته فـ "ما" نافية ولفظ مسلم خرج مخرج الغالب والمسلمون مخاطبون بالشريعة أولا فليس المقصود إخراج غير المسلم من الحكم وقيل إن لفظ مسلم ذكر تهييجا وإثارة للامتثال لما يشعر به من أن من لم يفعل لا يكون مسلما
(له شيء) جملة من خبر ومبتدأ وقعت صفة ثانية لامرئ وفي بعض الروايات له مال وفي رواية شيء وهي أشمل لأنها تعم ما يتمول وما لا يتمول كالاختصاصات فقد يوصي بالإشراف مثلا
(يوصي فيه) هو بفتح الصاد والجملة صفة لشيء
(يبيت ليلتين) الجملة صفة ثالثة لامرئ وقدر بعضهم محذوفا آمنا أو ذاكرا أو مريضا وعدم التقدير أولى أي يقع منه المبيت في حياة وذكر الليلتين للتقريب لا للتحديد ففي بعض الروايات يبيت ليلة أو ليلتين وفي بعضها يبيت ثلاث ليال والمراد لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت زمانا ما وقد سامحناه في الليلتين
والثلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك
(إلا ووصيته مكتوبة عنده) قيل إن الواو زائدة والجملة من المبتدأ والخبر خبر حق وبعد رفع النفي والاستثناء يصبح التقدير حق امرئ مسلم بات ليلتين كتابة وصيته وقيل إن الواو للحال والجملة حال من فاعل يبيت وجملة يبيت خبر بتقدير أن المصدرية وقيل بدونها والتقدير ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين على حال من الأحوال إلا على حال كتابته وصيته وقد جاء في بعض الروايات حق على كل مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده وفي بعضها لا ينبغي للمسلم أن يبيت وفي بعضها لا يحل لامرئ مسلم
-[فقه الحديث]-
في حكم الوصية وكونها واجبة أو مندوبة خلاف بين الفقهاء فقد حكي عن الشافعي في القديم أنها واجبة وبه قال الزهري وعطاء وإسحاق وداود وابن جرير وآخرون واستدلوا بظاهر الآية {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية
…
} وبظاهر الحديث ما حق امرئ مسلم إلخ وبرواية لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده
واختلف القائلون بالوجوب فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة وذهب بعضهم إلى وجوبها للقرابة الذين لا يرثون خاصة قالوا فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ ويرد الثلث كله إلى قرابته
وجمهور الفقهاء على نفي الوجوب ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذ
واستدل لعدم الوجوب بأن الميت لو لم يوص لقسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله جزء ينوب عن الوصية كما أجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة ففي البخاري عن ابن عباس قال كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك
ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع
وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون وأما الذي لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه
وأجاب القائلون بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله ما حق امرئ مراد به الحزم والاحتياط لأنه قد يفجؤه وهو على غير وصية ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له أو قالوا الحق لغة الشيء الثابت ويطلق شرعا على ما ثبت به الحكم والحكم الثابت قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا وقد يطلق على المباح أيضا لكن بقلة فإن اقترن به لفظ على أو نحوها كان ظاهرا في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال وعلى هذا فلا حجة في الحديث لمن قال بالوجوب بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال في بعض الروايات له شيء يريد أن يوصي فيه فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته
وأجابوا أيضا عن رواية لا يحل باحتمال أن يكون راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الأعم بما يدخل تحته الواجب والمندوب
واختلف القائلون بأن الوصية مندوبة فذهب بعضهم إلى مشروعيتها في المال الكثير دون من له مال قليل بل قال ابن عبد البر أجمعوا على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا تندب له الوصية
قال الحافظ ابن حجر وفي نقل الإجماع نظر فالثابت عن الزهري أنه قال جعل الله الوصية حقا فيما قل وكثر والمصرح به عند الشافعية ندبية الوصية من غير تفريق بين قليل وكثير نعم قال بعضهم إن كان المال قليلا والعيال كثيرا استحب له توفرته عليهم يعني لا يوصى لقريب غير وارث ما دام المال قليلا بالنسبة للورثة
وقد تكون الوصية بغير مال كأن يعين من ينظر في مصالح أولاده أو يعهد إليهم بما يفعلونه من بعده من مصالح دينهم ودنياهم وهذا النوع لا خلاف في ندبيته
وجمع بعضهم بين القائلين بوجوب الوصية والقائلين بندبيتها فقال إن وجوب الوصية يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كوديعة ودين الله أو لآدمي إذا كان عاجزا عن تنجيز ما عليه وتكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر وتكون مكروهة في عكس ذلك وتكون مباحة فيما استوى الأمران فيه ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار فقد ثبت عن ابن عباس الإضرار في الوصية من الكبائر
ويجرنا الحديث إلى الوصية لوارث وإلى تفضيل بعض الورثة على بعض وقد روى داود والترمذي وغيرهما قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ومعنى عدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم لأن أكثر الفقهاء على أنها حينئذ موقوفة على إجازة الورثة والمعتمد إجازتهم لها بعد وفاة الموصي سواء أجازوا قبل وفاته أم لم يجيزوا فقد يكون الواحد منهم في حاجة إلى معروف الموصي وعطائه فيوافق حرجا على الوصية في حياته فإن لمثل هذا الرجوع فكذا يحق الرجوع بعد الوفاة لكل من أجاز في الحياة لوارث
ويصبح الحكم واضحا في تفضيل بعض الورثة على بعض فإن كان تنجيزها في حياة المورث صحت ونفذت مع الإثم عند جمهور الفقهاء وله باب خاص في كتاب الهبة وإن كان وصية محالة لما بعد الموت فقد وضحنا رأي جمهور العلماء وأنها لا تنفذ إلا بإجازة جميع الورثة والله أعلم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
قالوا إن قوله ما حق امرئ مسلم بعد اعتبار قيد مسلم للتهييج لا للاحتراز لا يمنع من صحة وصية الكافر في الجملة
قال ابن السبكي مع أن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت لكنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي
2 -
أخذ بعضهم من قوله إلا ووصيته مكتوبة عنده جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة قالوا لأن كتابة الرجل بخطه إن لم تكن أقوى من الشهادة فهي تعادلها وخص أحمد وبعض الشافعية ذلك بالوصية من بين المعاملات لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام والجمهور على أن الكتابة لا تكفي عن الشهادة والكتابة ذكرت هنا لما فيها من ضبط المشهود به فهي مساعدة للشهادة لا نائبة عنها فمعنى ووصيته مكتوبة عنده أي بشروطها ومنها الإشهاد عليها يؤكد ذلك قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم}
3 -
استحباب التعجيل بالوصية ولو غيرها كل يوم بتغير الأموال ومصاريفها وقد ثبت في مسلم عن ابن عباس قال لم أبت ليلة أي منذ سمعت الحديث إلا ووصيتي مكتوبة عندي
4 -
ومن قوله ووصيته مكتوبة عنده أن الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره
5 -
فيه الحث على التأهب للموت والاحتياط له بالوصية ونحوها
6 -
أخذ بعضهم من قوله ما حق امرئ أن المراد بالمرء الرجل فمنع وصية الصبي المميز والجمهور على جوازها وأن التعبير بالمرء للغالب ولذا تصح وصية المرأة ولا يشترط إسلام ولا رشد ولا ثيوبة ولا إذن زوج وإنما اشترط في صحتها العقل والحرية والله أعلم
20 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان
-[المعنى العام]-
يقول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من
الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} وهكذا ينسى الإنسان الموت في غمرة زينة الحياة الدنيا من المال والبنين ينسى أن يتصدق أو يصعب عليه أن يتصدق حتى إذا أحس بالموت وبمقدماته بدأ وأسرع في الصدقات ومثل هذا الإنسان كمن لا يعرف ربه إلا عند الغرق وما ينفقه في أواخر حياته ليس في الثواب كالذي ينفقه وهو في زهرة حياته وفي قوة حرصه على جمع المال وفي طول آماله لعمارة دنياه وفي ثورة تزيين الشيطان له من طول العمر والحاجة إلى المال وخشية الفقر إنها فرصة البخل وزمانه {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم} نعم الصدقة بالقرش من الصحيح السليم خير من المائة من المريض المشارف على الموت وصدق التشبيه المروي عن أبي الدرداء مرفوعا مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع وصدق ما رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة
وهكذا يوضح الحديث فضل صدقة الصحة والحرص ويحذر من التراخي والإمهال فيها حتى يقرب الموت وفي هذا المعنى يقول الحديث القدسي عبدي أنى تعجزني وقد خلقتك من نطفة حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا وتصدقوا بكذا أي أقر أن لفلان كذا أو تصدقوا على فلان بكذا أو أوصي لفلان من الأقارب من غير الورثة بكذا ولفلان بكذا وقد أصبح لفلان عندي كذا تقول عند الموت هذا القول في حين أن المال الذي توزعه وتتكلم عنه صار أمره إلى فلان من الورثة ولم يعد من حقك أن تتصرف فيه
-[المباحث العربية]-
(جاء رجل) يحتمل أن يكون أبا ذر ففي مسند أحمد أنه سأل أي الصدقة أفضل وفي الطبراني عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل عن أي الصدقة أفضل فأجيب
(أي الصدقة أفضل) في رواية أي الصدقة أعظم أجرا
(أن تصدق) بفتح الصاد مخففة وتشديد الدال وأصله تتصدق فحذفت إحدى التاءين تخفيفا وفي رواية بتشديد الصاد والدال وأصله تتصدق أيضا فأدغمت إحدى التاءين في الصاد بعد قلبها صادا
(وأنت صحيح حريص) في رواية وأنت صحيح شحيح والشح بخل مع حرص والحرص دافع إلى الشح فالمعنيان متقاربان والمراد من الصحة في صحيح من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة وليس القصد أن الحرص أو الشح سبب في أفضلية الإنفاق فيكون ممدوحا ولكن أفضلية الإنفاق حينئذ لما فيه من مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام المانع وهو الصحة والشح أو الحرص
(تأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع في الغنى
(ولا تمهل) بسكون اللام على الجزم بـ لا الناهية وبرفعها على أن لا نافية وبالنصب بأن مضمرة
(حتى إذا بلغت الحلقوم) الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على النفس والروح وإن لم يسبق لها ذكر اكتفاء بدلالة السياق والحلقوم مجرى التنفس وهو آخر مجرى النفس عند خروجها والمراد من بلوغها الحلقوم قرب بلوغها لأنها لو بلغت بالفعل لم يقبل منها
(قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الثالث الوارث والمعنى قلت أوصي لفلان بكذا ولفلان بكذا وأنه أصبح المال حقا لفلان الوارث ولم يعد حقا لك حتى توزعه ويحتمل أن يكون الأول والثاني المورث والثالث الموصى له أي قلت لفلان الوارث من مالي كذا ولي من مالي كذا ولفلان من الأقارب غير الورثة كذا ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارا أي أوصي لفلان من الأقارب غير الورثة بكذا وأقر أن لفلان عندي كذا وقد آل الأمر في المال للورثة إن أجازوه نفذ وإلا فلا
-[فقه الحديث]-
وضع البخاري هذا الحديث تحت باب الصدقة عند الموت من كتاب الوصية وقال الشراح أي جوازها وإن كانت في حال الصحة أفضل ووضعه تحت باب فضل صدقة الشحيح الصحيح من كتاب الزكاة ولا خلاف أن الصدقة عند الموت قبل الغرغرة مقبولة فالكلام في المفاضلة بين الصدقة في الحالين
ولا خلاف أيضا أن الصدقة في حال الحرص أفضل منها في مرض الموت لأن الإنسان في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال فالسماح في هذه الحالة بالصدقة أصدق في النية وأعظم في الأجر بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
حرص الصحابة على التسابق في الخيرات والمسارعة إلى الأفضل من الطاعات
2 -
التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالا بطول الأمل
3 -
الترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية
4 -
أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه وصمة البخل والشح التي لحقته في صحته
21 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات
-[المعنى العام]-
يستخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الإثارة والرعب والتخويف من الكبائر يدخل الهيبة يثير الفزع في نفوس أصحابه بالوصف الشنيع إجمالا فيتلهفون إلى التفصيل فيعطونه فيستقر في نفوسهم ويثبت عظمه في قلوبهم قال مرة ألا أنبئكم بأكبر الكبائر وما يقصد سؤالهم ليجيبوا ولكن يقصد تهيئتهم للأمر الكبير وفي هذا الحديث يقول اجتنبوا واحذروا القرب من السبع المهلكات ويرتاع الصحابة وتقشعر أبدانهم من هذا الوصف المخيف يقول قائلهم وما هن يا رسول الله يقول أولها الشرك بالله الخالق القادر واهب الحياة وسابغ النعم وثانيها السحر والتغرير وخداع المسلمين وتزوير خلق الله وثالثها قتل النفس المعصومة التي حرم الله قتلها ورابعها أكل مال اليتيم واستغلال ضعفه وعجزه عن الدفاع عن نفسه وخامسها أكل الربا واستغلال حاجة المحتاج والزيادة عليه في
القرض وسادسها الفرار جبنا أمام أعداء الإسلام حين القتال وسابعها الاستهتار بأعراض المسلمين وتناولهم باللسان وطعنهم وقذفهم بالزنا من غير بينة
والحق أن كل كبيرة مما بعد الشرك تهز بنيان المجتمع وتنخر في عظامه وتقوض صرحه وتفتت تماسكه وتوقد النار التي تأتي عليه ولا تبقي فيه ولا تذر وما وصل المسلمون في هذه الأيام إلى ما وصلوا إليه من الذلة والهوان إلا ببعدهم عن تعاليم الدين الحنيف
-[المباحث العربية]-
(اجتنبوا السبع الموبقات) أي ابتعدوا عنها وهو أبلغ من اتركوا والموبقات المهلكات من وبق بفتح الباء إذا هلك ومنه قوله تعالى {وجعلنا بينهم موبقا} ووصفت الكبائر بالمهلكات لأنها سبب إهلاك مرتكبها
(السحر) ويطلق على ما لطف ودق ومنه سحر العيون لاستمالتها النفوس والطبيعة ساحرة وحديث إن من البيان لسحرا ويطلق على ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها كما يفعل المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده
(وأكل مال اليتيم) المراد من الأكل الاستيلاء لا خصوص الأكل وعبر عنه بالأكل لأنه الغالب واليتم لغة الانفراد واليتيم في الأناس من فقد أباه وفي البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما وقال الزمخشري ولا يشترط الصغر لغة وحديث لا يتم بعد بلوغ تعليم شريعة لا تعليم لغة
(وأكل الربا) أي تعاطيه بالأخذ أو الإعطاء والربا لغة الزيادة من ربا يربو أي زاد
(والتولي يوم الزحف) التولي الانصراف والفرار ويوم الزحف يوم القتال
(وقذف المحصنات) أي رميهن بالزنا وأصل القذف الرمي البعيد
و"المحصنات" بكسر الصاد وفتحها قراءتان سبعيتان وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام العفة والإسلام والنكاح والتزويج والحرية والمراد هنا الحرائر العفيفات
(الغافلات) عن الفواحش أو عما قذفن به ووصف الغافلات لتغليظ الذنب ليس قيدا للاحتراز يبيح قذف غير الغافلات
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث لسبع من أكبر الكبائر أولها الشرك بالله ولا خلاف في أنه أكبر الكبائر على الإطلاق وإنما الخلاف فيما يليه من الكبائر ففي بعض الأحاديث يليه القتل بغير حق وفي بعضها يليه عقوق الوالدين وفي حديثنا يليه السحر قال بعضهم في الجمع بين الأحاديث يضم ما جعل ثاني الشرك في حديث إلى ما جعل ثانيا في الحديث الآخر ويجعلان في درجة واحدة من الإثم وكذا ما جعل ثالثا
والتحقيق أن الشيء الواحد قد يختلف في الإثم باختلاف ظروفه وملابساته وما يترتب عليه من مفاسد فالعقوق بالضرب كبيرة ولا يساويه العقوق بمخالفة أمرهما في الأكل مثلا وقتل النفس الصالحة التي تختل بقتلها أمور المسلمين كبيرة ولا يساويه قتل نفس فاجرة ترتاح من شرورها كثرة من الآمنين
فاختلف جوابه صلى الله عليه وسلم في ترتيب الكبائر التي تلي الشرك لأن كلا مما يليه في بعض الروايات يكون أحق بأن يكون ثانيا في بعض الأحوال
ولا انحصار لأكبر الكبائر ولا للموبقات في عدد معين كما أنه لا انحصار للكبائر كذلك في عدد محدود ومما ورد النص بكونه كبيرة غير ما ذكر في حديثنا عقوق الوالدين وشهادة الزور واليمين الفاجرة والإلحاد في الحرم أو استحلال البيت الحرام وشرب الخمر والسرقة وفراق الجماعة والغلول والزنا والغيبة والنميمة وكثير غير ما ذكر
ولنقتصر على شرح ما ورد في حديثنا بعد كبيرة الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق
1 -
فالسحر اختلف في حقيقته الفقهاء فبعض الشافعية وبعض الحنفية وابن حزم الظاهري على أنه تخييل فقط ولا حقيقة له في المرائي ولا يغير حقائق الأشياء المرئية ويؤيدهم ظاهر قوله تعالى {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى}
وقال الجمهور إن للسحر حقيقة واختلفوا فذهب جمهورهم إلى أن حقيقته في الشخص المقصود بحيث يغير مزاجه ويؤثر في حواسه ووجدانه فيرى الحلو مرا والأبيض أصفر والساكن متحركا والجميل قبيحا والمحبوب مكروها
وهذا الرأي قريب من الأول وذهبت طائفة قليلة إلى أنه يحول الشيء من حقيقة إلى حقيقة أخرى كأن يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه وهذا الرأي ضعيف
والفرق بين السحر والكرامة على القول بأن للسحر حقيقة أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد أما الكرامة فلا تحتاج إلى ذلك هذا بالإضافة إلى أن السحر لا يكون إلا من فاسق عند الجمهور
أما إنكار السحر إنكارا كليا فهو مكابرة فالآيات والأحاديث المثبتة له لا يسهل تأويلها
ومع هذا ينبغي ألا نغفل عن أن كثيرا مما يطلق عليه سحر مما يفعله المشعوذة والدجالون في عصرنا لا حقيقة له وهو نصب واحتيال ينبني على خداع الجهلة والبسطاء بخفة في الحركة أو استخدام لخواص الأشياء التي يجهلها الراءون
وأما حكم السحر فقد قال النووي عمل السحر حرام وهو من الكبائر ومنه ما يكون كفرا ومنه ما لا يكون كفرا وأما تعلمه وتعليمه فحرام وعن مالك الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب بل يتحتم قتله
كالزنديق قال عياض وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين وقال الحافظ ابن حجر وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره وإما لإزالته عمن وقع فيه
2 -
وأما أكل مال اليتيم ففيه يقول الله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} ولا خلاف في أن أكل الأجنبي من مال اليتيم كبيرة، قل الأكل أو كثر وإنما الخلاف في ولي اليتيم والقائم على ماله هل له أن يأكل منه أو لا؟ وظاهر الحديث العموم وبه قال قوم والجمهور على أن للولي أن يأكل من مال اليتيم بقدر عمالته في مال اليتيم وإلى هذا الرأي نميل والتفاصيل والأدلة لا يتسع لها المقام وقد ذكرناها في كتابنا فتح المنعم شرح صحيح مسلم
3 -
وأما الربا ففي تحريمه يقول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} ولا خلا ف بين العلماء في أن الربا من الكبائر آكله وموكله ويلحق بهما شاهداه وكاتبه لإعانتهم على أكله وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جابر لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم في الإثم سواء
4 -
وأما التولي يوم الزحف ففيه يقول الله تعالى {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} وقد نزلت هذه الآية بشأن أهل بدر وقد أمر المسلمون أن يقف الواحد منهم أمام عشرة من الكفار بقوله تعالى {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} ثم خفف الله عن الأمة بقوله {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} فرفع الحرج عن المتولي يوم الزحف إذا بلغ عدد العدو أكثر من الضعف والتولي الذي هو كبيرة هو التولي ساعة القتال أو بعد دخول العدو أرض المسلمين أما
التولي بعد الدخول في أرض العدو وقبل القتال ففي كونه كبيرة نظر والظاهر أنه وإن حرم لا يبلغ حرمة الكبائر
5 -
أما قذف المحصنات ففيه يقول الله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} والمراد القذف بالزنا خاصة أما القذف بغير الزنا كالرمي بالسرقة والقتل وشهادة الزور ونحوها فهو حرام لكنه ليس من هذا القبيل من الكبائر ولا يختص القذف بالمتزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع كذلك انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال كحكم قذف المحصنة من النساء
هذا وهناك ذنوب لم تذكر في أكبر الكبائر ولا في السبع الموبقات مع أنها أعظم من بعض ما ذكر كشتم الرب سبحانه وتعالى وشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلقاء المصحف في قاذورة وكذا لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو أمسك مسلما لمن يقتله وكذا لو دل الكفار على عورات المسلمين مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته فإن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مثلا وأمام هذا نحتاج إلى جواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع وأجيب بأن مفهوم العدد ليس بحجة والأحسن أن يقال إن الاقتصار وقع بحسب المقام وما ذكر إنما هو تنبيه على ما لم يذكر وفي هذا يقول ابن عبد السلام إذا أردت أن تعرف الكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت على أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن سايرت أدنى مفاسد الكبائر أو زادت عليه فهي من الكبائر
-[يؤخذ من الحديث: ]-
1 -
أن المعاصي مهلكة لصاحبها في الدنيا والآخرة
2 -
التشويق بذكر العدد والتخويف منه قبل بيانه وتفصيله ليتمكن في النفس فضل تمكن
3 -
التحذير من السبع الموبقات