الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب بدء الخلق
32 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي
-[المعنى العام]-
جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل إلى الأرض جزءا واحدا منه يتراحم الخلق فيما بينهم حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه والكلام عن رحمة الله وسعتها كلام في بدهي جلي فاسمه جل شأنه الرحمن الرحيم ورحمته وسعت كل شيء لكن حديثنا يهدف إلى بيان سبقها على الغضب يهدف إلى بيان انغماس الخلق في رحمته أولا وقبل أن تصيبهم المصائب أو يبتلوا ببلاء يهدف إلى توجيه العبد إلى شكر الرحمن الرحيم في وقت المحنة لتفضله السابق والكثير بالمنحة يهدف إلى توجيه العبد إلى الإيمان بالقضاء والقدر وأن {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}
نعم خلق الله أول ما خلق الماء والعرش ثم القلم واللوح فقال للقلم اكتب قال القلم ما أكتب قال اكتب ما كان وما يكون فكتب
في اللوح المحفوظ كل شيء وحفظ هذا اللوح عنده تعالى وفي خاصة ملكه عند عرشه لا يطلع عليه إنس ولا جن ولا ملك ومما كتب فيه إن رحمة الله تغمر مخلوقاته قبل غضبه وإن رحمة الله بخلقه أضعاف أضعاف غضبه عليهم لإساءتهم يخلقهم ويجحدونه يرزقهم فيأكلون خيره ويعبدون غيره ومع ذلك يستمر يرزقهم ويمنحهم النعم الكثيرة التي لا تحصى وحتى ذنوبهم تلحقها الرحمة فيعفو عنها فبرحمته خلق الخلق وبرحمته يحيون وبرحمته يموتون وبرحمته يبعثون وفي رحمته يخلدون
نسأل الرحمن الرحيم أن يديم علينا سحائب رحمته في الدنيا والآخرة
-[المباحث العربية]-
(كتاب بدء الخلق) الخلق بالمعنى الأسمى أي المخلوق ولكل مخلوق بدء لكن المراد بدء المخلوقات وأيها حصل أولا وأيها كان في البداية قبل غيرها
(لما قضى الله الخلق كتب في كتابه) يقال قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى {فقضاهن سبع سماوات في يومين} ويقال قضى بمعنى حكم وأمضى، فالمعنى على الأول لما خلق الله وأوجد جنس المخلوقات في بعض أفراده كالماء أو العرش أو القلم والكتاب كتب كذا وكذا. والمعنى على الثاني لما قضى وحكم وقدر خلق الخلق كتب كذا وكذا. أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ كما صرح بذلك في بعض الأحاديث
(فهو عنده) الضمير هو يعود على كتابه وقوله فهو عنده قصد به الإشارة إلى كمال خفائه عن الخلق أي فالكتاب وأسراره عنده وحده ويجوز أن يعود الضمير على المكتوب المفهوم من كتب في كتابه أي فالمعلومات المكتوبة علمها عنده
(فوق العرش) استشكل بذكر كلمة فوق لما هو معلوم أن العرش لا يعلوه شيء وحاول بعضهم رفع الإشكال فزعم أن لفظ فوق زائدة مثلها
في قوله تعالى {فإن كن نساء فوق اثنتين} إذ المراد اثنتان فصاعدا ورد هذا بأن الزائد يستقيم الكلام بحذفه كما في الآية أما الحديث فلا يستقيم الكلام بحذف لفظ فوق إذ لا يقال فهو عنده العرش وقيل معناه دون العرش من قبيل قوله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} قال جمهور المفسرين معناه فما دونها وأقل منها في الصغر فمعنى دون العرش أي تحته وعندي أننا لو قلنا إن العرش يحيط بالسموات والأرض إحاطة قشر البيضة بالبيضة كان ما في داخله من مخلوقات يصلح أن يقال عنه أنه فوقه باعتبار أنه فوق جزء من أجزائه فلا إشكال
(إن رحمتي غلبت غضبي) إن يجوز فيها فتح الهمزة على أنها بدل من مفعول كتب المقدر والأصل كتب في كتابه شيئا أن رحمتي غلبت غضبي ويجوز فيها الكسر على حكاية المكتوب والمراد من رحمته تعالى هنا لازمها من إيصال الخير والمنافع والمراد من غضبه هنا كذلك لازمه من إيصال الإيلام والعذاب والمراد من الغلبة السبق لرواية إن رحمتي سبقت غضبي ولو تأملنا لوجدنا رحمته وخيره تعالى سابق لأي ابتلاء لأن الرحمة تفضل لا تحتاج سببا أما الغضب فهو متوقف على سابقة ما يوجبه وقيل المراد من الغلبة الكثرة والشمول ولو تدبرنا نعم الله وفضله ورحمته لآمنا بكثرتها عن الغضب بمئات المرات
-[فقه الحديث]-
عن بدء المخلوقات وأيها خلق أولا سأل ناس من أهل اليمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيما رواه البخاري كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض
فهذا صريح في أنه لم يكن شيء غيره تعالى لا الماء ولا العرش ولا غيرهما ومما هو ظاهر أن العرش والماء كانا مبدأ هذا العالم ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء فمعنى {وكان عرشه على الماء} أي بعد أن كان وحده ولا شيء معه ولما كان العطف بالواو بين الكتابة وبين
خلق السموات والأرض وبين العرش وهي لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا ولما كان الترتيب في الذكر بدون حرف العطف الدال على الترتيب كالفاء وثم وجدنا من يقول إن الماء خلق أولا
…
ومن يقول إن القلم خلق أولا والتمس كل لقوله دليلا
فمن قال إن الماء خلق أولا اعتمد على ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين مرفوعا إن الماء خلق قبل العرش ويؤيده ظاهر قوله في الصحيح وكان عرشه على الماء فالمعتلي عادة متأخر عن المعتلى عليه ومن قال إن القلم خلق أولا اعتمد على ما رواه أحمد والترمذي وصححه أيضا من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ويؤيده ظاهر أن العرش من المخلوقات ومن شأنه أن يكتب قبل أن يوجد كبقية المخلوقات والأكثرون على سبق خلق العرش ويؤولون الأولية في حديث القلم بأنها أولية نسبية أي بالنسبة لما عدا الماء والعرش وأما حديث أول ما خلق الله فقد قال المحققون ليس له طريق ثبت يعتمد عليه وقد أورد بعضهم إشكالا على الحديث من حيث سبق الرحمة على الغضب فزعم أن العذاب قد يقع قبل الرحمة كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة أو بفضل الله
وأجيب بأن الرحمة سابقة دائمة في الخلق والحفظ والإنعام والرزق وحتى من يعذب من الموحدين سبق تعذيبه رحمات ورحمات {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} فإمهالهم رحمة ثم عذابهم عذابا مؤقتا بدرجة أخف رحمة ولولا وجودها لعذبوا بعذاب أشد وخلدوا
ومن هنا قال الطيبي في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر منه من الذنوب ما يستحق معه ذلك
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
إثبات القلم لأن الكتابة إنما تكون به
2 -
إثبات اللوح المحفوظ لقوله في كتابه وفي رواية في كتاب
3 -
إثبات العرش
4 -
الرجاء الواسع في رحمة الله تعالى وفيها يقول جل شأنه {ورحمتي وسعت كل شيء}
33 -
عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان
-[المعنى العام]-
لما خلق الله السموات والأرض وخلق القمر وقدره منازل وجعل الشمس ضياء وربط النهار بالشمس والليل بغيابها وجعل الليل والنهار يوما وربط الشهر بالقمر وبمنازله فإذا تمت دورته في منازله وعاد إلى المنزل الأول كان الشهر ويقطع هذه المسافة في تسعة وعشرين يوما ومائة وواحد وتسعين جزءا من ثلاثمائة وستين جزءا أي ما يزيد قليلا عن نصف يوم فمجموع أيام السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وأحد عشر جزءا من ثلاثين جزءا
وربط أول الشهر العربي شرعا برؤية الهلال وكانوا من غير الشريعة يجعلون شهرا تسعة وعشرين يوما وشهرا ثلاثين يوما فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوما وصفر تسعة وعشرون يوما وهكذا إلى آخر السنة القمرية
وشرع الله على لسان إبراهيم وإسماعيل أربعة أشهر من كل عام يحرم فيها القتال ويسالم الناس بعضهم بعضا حتى يمر الرجل فيها على قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه فلا يقربه بسوء وحددت هذه الأشهر بالمحرم ورجب وذي القعدة وذي الحجة ومع أن العرب لم يبعث فيهم رسول منذ إسماعيل إلى محمد عليهما السلام لكنهم التزموا بحرمة أشهر أربعة غير أنهم كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر فيستحلون المحرم ويحرمون صفرا فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعا الأول وهكذا كانوا يفعلون حتى استدار التحريم على شهور السنة كلها وكانوا يعتبرون في
التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أربعة أشهر حراما من السنة ولذلك نص على العدد (اثنا عشر شهرا) وكان وقت حجهم يختلف لذلك فكان الحج في السنة التاسعة التي حج فيها أبو بكر بالناس في ذي القعدة وفي حجة الوداع وهي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث كان في ذي الحجة وهو الذي كان موعد الحج على عهد إبراهيم عليه السلام فاستدار الزمان وعاد الاسم على المسمى وعلى وقته الذي أراده الله فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته أن تحترم الأشهر الحرم وأوقاتها وحددها تحديدا لا يقبل النسيء والتأخير ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والشهر الذي بين جمادى وشعبان والذي تحافظ مضر على اسمه في وقته حتى نسب إليها فقيل رجب مضر
هذه هي السنة العربية الإسلامية وأشهرها أما أي الأشهر أولها وأي الأشهر آخرها وبأي الأحداث أرخ فكان في زمن عمر رضي الله عنه جعل أولها المحرم وأرخ بسنة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قبل ذلك في صدر الإسلام يؤرخ بعام الفيل وأوله ربيع الأول والله أعلم
-[المباحث العربية]-
(إن الزمان) الزمان اسم للوقت قليله وكثيره والمراد به هنا السنة بشهورها فالمعنى إن الزمان في انقسامه إلى أعوام وانقسام الأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصله
(قد استدار) يقال دار يدور واستدار يستدير إذا طاف حول الشيء وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه والمعنى هنا أن النسيء وتأخير الأشهر وتغيير أسمائها وأوقاتها قد عاد إلى الأصل
(كهيئته يوم خلق الله) الكاف اسم بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي استدارة مشابهة لهيئته يوم خلق الله السموات
(ثلاث منها متواليات) التمييز مفرده الشهر وهو مذكر فكان الأصل أن يقال ثلاثة لكن لما حذف المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه حسب الذي يقدر ويروى (ثلاثة) بالتاء على الأصل
(ورجب مضر) معطوف على ثلاث وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب
(الذي بين جمادى وشعبان) رفع للبس وإزالة الشك وتحديد لمنع النسيء والتأخير
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث جزء من خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يبطل به نسيء الجاهلية الذي حكاه جل شأنه وأوعد عليه بقوله {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين}
والمعنى أن تأخير الأشهر عن مواقيتها وزيادة أوقات الحل وترحيل أوقات الحرمة زيادة في كفر الكافرين وضم معصية إلى معاصيهم فهم يحلون ما حرم الله وتحليل ما حرم الله كفر على كفرهم يحلون الشهر المحرم عاما من الأعوام ويحافظون على حرمته عاما آخر
قال الكلبي في تفسيره أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان إذا هم الناس بالعودة من موسم الحج قام فخطب فيهم وقال لا مرد لما قضيت ثم يحل لهم بعض الأشهر الحرم وقال الضحاك في تفسيره أول من فعل ذلك جنادة بن عوف الكناني وكان مطاعا في الجاهلية وكان يقوم على جمل في موسم الحج فينادي بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم يقوم في العام القابل فيقول إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه
ومعنى تحريم الأشهر الحرم أن ما كان حراما في غيرها يكون شديد الحرمة فيها ومقتضى مضاعفة الجريمة فيها مضاعفة أجر الطاعة الواقعة فيها أيضا ثم إن المباح كرد اعتداء أو عقوبة أو مقابلة إساءة بإساءة يكون محظورا شرعا فيها فالهدف الشرعي منها خلق جو من الأمن والأمان بين المجتمعات الإسلامية وإذا كان هذا الهدف مطلوبا في جميع أيام العام فإنما قصد بالأشهر الحرم الإلزام والتدريب على هذا السلام بين الأمة كالصوم شهرا مقصودا به التدريب على الصبر وعلى قوة الإرادة حتى يسهل على المسلم الالتزام الكامل في جميع الأوقات وفي هذه الهدنة يمكن للنفوس الغضبة أن تصفو وللثورة أن تهدأ وللضغائن أن تزول
وقد قيل في حكمة تحديدها هذا التحديد أن المحرم مبدأ العام وأن رجب وسطه وأن ذا القعدة وذا الحجة آخره وكان الآخر شهرين لأنهما موسم الحج وتعظيم شعائر الله والمسلمون فيهما أحوج إلى الأمن والأمان أكثر من غيرهما
34 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه فإذا أمطرت السماء سري عنه فعرفته عائشة ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أدري لعله كما قال قوم فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم الآية
-[المعنى العام]-
لله في الكون آيات يسخر ما يشاء لما يشاء يجعل الشيء الواحد تارة نعمة وتارة عذابا وتارة نعمة لقوم وعذابا للآخرين المطر مثلا يكون غيثا وحياة لبلدة ميتة ويكون طوفانا وسيولا مغرقة مدمرة بل المطر القليل المعتاد يكون عند القحط للزارعين غيثا وفي الوقت نفسه يكون لمن يعملون في الفخار ونحوه بلاء والريح منها الصبا والنسيم التي يتمناها الإنسان في الصيف ومنها الدبور التي تلفح الوجوه والتي أهلكت بها عاد {ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} وما نراه وما نسمعه في أيامنا من نكبات العواصف العاتية المدمرة ليس إلا امتحانا واختبارا وإنذارا ولكن قل من يتنبه ويعتبر
من هنا كان واجب المؤمن إذا رأى آية من آيات الله في الكون سحابا أو ريحا أو مطرا أو نحوها أن يطمع في كرم الله ونعمائه وأن يخاف بطش الله وعقابه يرجو رحمته ويخشى عذابه بل عليه أن يغلب الخوف على الطمع والرجاء وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم الوحي إليه بأن أمته لا تعذب عذاب استئصال كبعض الأمم {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} رغم أنه أعطي الأمان من أن تعذب أمته بالحجارة أو بالمسخ أو بالصيحة أو بالغرق أو بالريح رغم كل هذا كان إذا رأى سحابة في السماء وهو يتمناها غيثا يخشى أن تكون عذابا أليما يتملكه الخوف من عقاب الله فهو يرى كثرة المكذبين الضالين المستحقين للنقمة يتملكه القلق يدخل ويخرج يقبل ويدبر يتحرك ويسكن وينقبض وجهه وتظهر
عليه علامات الخوف والارتباك فإذا أمطرت السحابة مطرا طيبا هدأ وزال عنه ما كان به تكرر ذلك منه وعرف بين مشاهديه قالت عائشة يوما يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته تغيرت وعرفت الكراهية في ملامحك فقال يا عائشة كيف آمن أن يكون فيها عذاب لقد عذب قوم من مثلها لما رأوها تستقبل أوديتهم وديارهم وهم في قحط فرحوا بها وقالوا هذا سحاب عارض مستعرض في السماء ممطرنا فكانت ريحا فيها عذاب أليم
-[المباحث العربية]-
(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء) هذا الأسلوب يفيد الشأن والعادة والاستمرار والمخيلة بفتح الميم وكسر الخاء هي السحابة التي يخال ويظن فيها المطر فقوله في السماء زيادة في الإيضاح وفي رواية للبخاري إذا رأى غيما أو ريحا
(أقبل وأدبر ودخل وخرج) ليس المقصود بيان من أين أقبل؟ ولا إلى أين أدبر ولا إلى أين دخل وليس المقصود الإقبال أو الإدبار والدخول والخروج بالفعل وإنما المقصود لازم ذلك من مظاهر القلق والخوف
(فإذا أمطرت السماء) أي المخيلة التي في السماء من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه
(سري عنه) بضم السين وكسر الراء المشددة وفتح الياء مبني للمجهول أي كشف عنه وزال ما ألم به من الخوف وآثاره
(فعرفته ذلك) بفتح العين وتشديد الراء المفتوحة وسكون الفاء من التعريف والإشارة لما كان عليه من تغير الوجه والخوف أي أخبرته بما أراه منه وفي رواية للبخاري قلت يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية
(وما أدري) ما استفهامية أي ومن أين وكيف أدرك عاقبة السحابة
(لعله كما قال قوم) لعل هنا للإشفاق لأنها سبقت المكروه فإذا سبقت المحبوب كانت للترجي والضمير للحال والشأن أي ربما يكون الحال والشأن كحال وشأن من قال يقصد قوم عاد وقولهم {هذا عارض ممطرنا}
(فلما رأوه عارضا) أي فلما رأوا السحاب في عرض السماء أي معترضا في السماء
(مستقبل أوديتهم) أي متجها بما يحمل نحو خيامهم ومزارعهم والغاية من ذكر الآية هي بقيتها وقولهم {هذا عارض ممطرنا} فهو مقول القول في كما قال قوم
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
أن الله يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وقاصفا تقصف وتدمر كل شيء باعتبارها التي تحمل المخيلة والسحاب وأن المخيلة والسحاب ليست خيرا دائما
2 -
مشروعية تغليب الخوف على الرجاء حتى مع القرب من الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس خوفا
3 -
شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته ورحمته بهم وخوفه من عذابهم وقد استشكل هذا مع قوله تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فهذا وعد من الله تعالى أن لا يوقع العذاب بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما دام محمد صلى الله عليه وسلم حيا فيهم ووعد أيضا أن لا يعذبهم وهم يستغفرون بعد وفاته ووعد الله لا يتخلف فكيف يخشى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع العذاب بالأمة مع هذا الوعد وأجيب بأن الآية والوعد إنما نزل بعد هذه القصة
وهذا الجواب مبني على مجرد احتمال فلا يرفع الإشكال وبخاصة أن عبارة عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر تفيد الدوام والاستمرار وحدثت بهذا عطاء التابعي مما يوحي بأن هذا كان شأنه صلى الله عليه وسلم إلى آخر حياته والأولى أن يقال إن الآية والوعد يمنعان عذاب الاستئصال لكل أفراد الأمة والمخوف منه أن يقع العذاب بالمخيلة بالبعض وهو ما لا يشمله الأمن والتأمين بل هو واقع في مختلف الأزمان وإلى اليوم
4 -
أن القلق ومظاهره من الإقبال والإدبار والدخول والخروج لا يخل بما يجب من صبر وسكينة واستسلام للقضاء والقدر بل لعله مظهر من مظاهر إعلان الضعف والعجز واللجوء إلى الله وقت الشدة ووقت الخوف أما السكينة والصبر والاستسلام فهي مطلوبة بعد وقوع المصيبة
5 -
حرص الصحابة والمرأة على معرفة أمور الدين والاستفسار عما تجهل من الأحوال الشرعية
6 -
ما يجب على المسلم من الانتباه للكون وما يجري فيه وتدبر ذلك والتفكير فيه وإحالة ما يجري من ذلك إلى الله تعالى لا إلى الطبيعة وقوانينها
35 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض
-[المعنى العام]-
طاعة الإنسان المسلم لربه تعالى تنتج محبة الله تعالى للعبد مصداقا لقوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وتزداد هذه المحبة بالنوافل عملا بقوله تعالى في الصحيح القدسي وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها
…
إلى آخر الحديث
وإذا أحب الله عبدا أوحى إلى جبريل بهذا الحب فيحبه جبريل لأنه يحب الله ويحب من يحبه الله، ثم يأمر الله جبريل أن ينادي في ملائكة السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فتحبه الملائكة ثم يغرس الله تعالى حب ذلك الإنسان في قلوب بني الإنسان الذين يعاشرونه أو يرونه أو يسمعون به فكل الذين يحبهم الله يحبهم الصالحون من بني آدم ويحبهم أكثر من يعرفهم ويثنون عليهم ويذكرونهم بخير وبالتالي فكل الذين يحبهم الناس المؤمنون ويشيع حبهم وثناؤهم وتقديرهم عندهم محبوبون
عند الله فحب الناس الصالحين للمؤمن دليل على حب الله له وبالنقيض يكون بغض الصالحين لفرد دليلا غالبا على بغض الله له نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بحبه والطاعة له والتقرب إليه وأن يمنحنا حبه وحب جبريل وحب ملائكته وحب الصالحين
-[المباحث العربية]-
(إذا أحب الله عبدا) الحب عند البشر ميل القلب للمحبوب سواء كان جبليا أم كان مكتسبا وحب الله تعالى يعلمه جل شأنه لكنه يستلزم القبول والرضا والإثابة والله يحب المتقين ولا يحب كل خوان أثيم
(نادى جبريل) بصوت يخلقه يسمعه جبريل عليه السلام أو بالوحي إليه بصورة ما وخص جبريل لأنه ملك الوحي والوساطة في تبليغ أمر الله إلى خلقه
(إن الله يحب فلانا فأحببه) الجملة مقول القول المدلول عليه بالنداء وفلانا كناية عن الاسم الذي يذكر والأمر بحب جبريل له أمر تكليف والملائكة {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} أو أمر تكوين أي يغرس حبه فيه بكن فيكون والأول هو الظاهر لنداء جبريل في أهل السماء فهو مستبعد أن يكون أمر تكوين
(فينادي جبريل في أهل السماء) بناء على أمر من الله تعالى بذلك وأهل السماء هم الملائكة أما الأرواح التي تسكن السماء فهي لا تكلف
(ثم يوضع له القبول في الأرض) ثم ليست للتراخي الزمني ولا للتراخي الرتبي فالأولى أن تكون للترتيب والتراخي الذكري والمراد من القبول المحبة والقبول أول درجاتها والمراد من الأرض أهلها من الناس
-[فقه الحديث]-
ساق البخاري هذا الحديث تحت باب ذكر الملائكة من كتاب بدء الخلق كدليل على وجود الملائكة وهي أجسام لطيفة هوائية نورانية تقدر
على التشكل بأشكال مختلفة منزهة عن ظلمة الشهوة وكدرة الغضب خلقوا على صور مختلفة وأقدار وحجوم متفاوتة بعضهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يسد الجناح الأفق أو يحمل القرية فيخسف بها الأرض أو يصيح الملك فتموت الأمة لا يحصي عددهم إلا الله {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ساداتهم الأكابر أربعة جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ومنهم الحفظة والسياحون في الأرض يبتغون مجالس الذكر والمصلين ومنهم المقربون وحملة العرش والحافون به والموكلون بالنطف والخلق في بطن الأم، ومنهم خزنة السماء وخزنة الجنة وخزنة النار والزبانية وغير ذلك
وظاهر الحديث أن حب الله للعبد يستلزم حب أهل الأرض له وهو لزوم غالبي فقد يحب الله عبدا مغمورا بين الخلائق أشعث أغبر لا يهتم به أحد ولهذا قال المحققون كل من هو محبوب القلوب عند أكثر من يعرفه من المؤمنين فهو محبوب عند الله وتعكس هذه القضية عسكا منطقيا إلى بعض من هو محبوب عند الله هو محبوب عند أكثر من يعرفه من المؤمنين
والحديث هنا لم يتعرض لبغض الله العبد وبغض الخلائق له لكنه تعرض له في غير رواية البخاري إذ جاء وإذا أبغض عبدا نادى جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضونه ثم يوضع له البغض في الأرض
وحب الله للعبد أساسه التقوى لقوله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وتقوى الله تستوجب حسن الخلق وحسن معاملة الإنسان لمن يعرفه وأقلها طلاقة الوجه والبعد عن أذى اللسان واليد وأحسنها إزالة الأذى عن الطريق وإفشاء السلام وإطعام الطعام ووصل من قطع وإعطاء من منع والعفو عمن ظلم بمثل هذا يتحقق حب الله وحب الناس
36 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح
-[المعنى العام]-
شرع الله الزواج والنكاح ليستعف المسلم بالحلال عن الحرام وليصرف شهوته حيث أباح له الله وشهوة الفرج أخطر من شهوة البطن فعن طريقها يفتن المرء في دينه وأمام سلطانها يضعف كل سلطان لهذا كانت استجابة الزوجة لرغبة زوجها بشأنها واجبة وكانت مبادرتها بتلبية طلبه بخصوصها حتمية إن للزوجة شهوتها وثورتها كالزوج لكن لما جبلها الله عليه من الحياء لا تدعو زوجها إليها مهما رغبت أو ثارت فكانت وسيلة
قضاء الوطر لها وله طلب الزوج والخطر حينئذ على الطرفين يكمن في رفضها وعدم استجابتها خطر عليه قد يدفعه إلى التفكير في أخرى زوجا أو غير زوج وخطر عليها قد تعض بسببه أصابع الندم لم يعالج الحديث هذا الخطر بهذا الأسلوب فقد تركب المرأة رأسها وتأخذها العزة بالإثم وتدعي أنه لا خطر عليها وأنها لا تهتم بتفكير زوجها في أخرى ولكنه عالجه بدفعها إلى الخوف من غضب الله ومن غضب ملائكته فقال مصلح الإنسانية إذ دعا الرجل زوجته لقضاء شهوته وجب عليها الإسراع بالاستجابة فإن هي تأخرت أو امتنعت بدون عذر فغضب من أجل ذلك زوجها عليها لعنتها الملائكة وغضب الله عليها حتى ترجع عن عصيانها وحتى يرضى زوجها عنها
-[المباحث العربية]-
(إذا دعا الرجل امرأته) بالعبارة أو بالإشارة بالتصريح أو بالتلميح باللفظ الواضح أو التعريض ما دامت تفهم ذلك وتعلمه
(إلى فراشه) كناية عن الجماع أي إلى أن يقضي شهوته سواء كان على فراشه أو فراش غيره أو بدون فراش ولذا قيل الولد للفراش أي لمن يطأ في الفراش
(فأبت) يقال أبى يأبى بفتح الباء فيهما أي امتنع فأبت أن تقضي شهوته سواء أجاءت إلى فراشه وامتنعت أو لم تجئ أصلا فرواية فأبت أن تجئ قصد بها الغالب في الامتناع
(فبات غضبان عليها) غضبان حال ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون
(لعنتها الملائكة) اللعن طلب الطرد والإبعاد عن رحمة الله وقد يقصد به مطلق السب وهل المراد من الملائكة جماعة مخصوصون فأل للعهد وهم الحفظة أو ملائكة موكلون بذلك أو عموم الملائكة اعتمادا على رواية مسلم الذي في السماء
(حتى تصبح) فيه إشارة إلى أن الدعوة خاصة بالليل لكن يمكن أن يشمل دعوة النهار ويستمر اللعن من حين الامتناع حتى الصباح التالي والأولى جعل المراد من الغاية الرجوع أو الاعتذار ورفع غضب الزوج والتعبير بالإصباح لأنه مظنة ذلك غالبا
-[فقه الحديث]-
قال ابن أبي جمرة ظاهر الحديث اختصاص اللعن بما إذا وقع ذلك منها ليلا أهـ وليس هذا الظاهر مرادا إذ لا يجوز لها أن تمتنع في النهار لكن السر في التعبير بذلك تأكد الحكم في الليل لقوة الباعث حينئذ غالبا يؤيد هذا روايات مطلقة كرواية مسلم والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها
فالغاية الشرعية إزالة السخط والغضب وتحصيل الرضا تصرح بذلك الأحاديث فلابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر رفعه ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة العبد الآبق حتى يرجع والسكران حتى يصحو والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى
وظاهر الحديث أن اللعن مشروط بحصول أمرين عدم إجابة دعوته وأن يغضب لذلك
فإن دعاها فأبت فعذرها أو تنازل عن حقه فلم يغضب لم يحصل اللعن وإن غضب منها لسبب آخر غير امتناعها عن إجابة طلبه للفراش لم يحصل اللعن لكن ظاهر حديث الطبراني اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما عبد آبق وامرأة غضب زوجها حتى ترجع قد يدخل في الحكم الغضب لأي سبب شرعي والتحقيق أنه لا يدخل في اللعن وإن كانت تأثم بإغضابه بغير حق
وظاهر الحديث جواز لعن المسلم العاصي لأن الملائكة لا يعصون الله فلعن المسلم العاصي ليس معصية
والتحقيق أنه لا يجوز أن يدعى على المسلم العاصي المعين باللعن بمعنى الطرد من رحمة الله بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية ويجوز أن يدعى عليه باللعن مقصودا به مطلق السب إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
أن منع المسلم من حقوقه البدنية أو المالية يوجب سخط الله وعقوبته إلا أن يتغمده الله برحمته
2 -
أن الملائكة تدعو على أهل المعصية ما داموا فيها وذلك يدل على أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها
3 -
وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر لكونه صلى الله عليه وسلم خوف من ذلك
4 -
إرشاد الزوجة إلى طلب مرضاة الزوج
5 -
استدل به بعضهم على أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة وفيه نظر لأن طلبه وامتناعها ليس دليلا على قوة الحاجة في الطالب وضعفها في الممتنع فقد يكون ذلك لسبب آخر كشدة الممتنع أو تدلله أو نحو ذلك
6 -
أن العبد يجب أن يحرص على أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه قال الحافظ ابن حجر وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان
37 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله
-[المعنى العام]-
في الجنة من الحور العين ما لا عين رأت حور مقصورات في الخيام وحور يتلألأن في قصورهن وحول قصورهن ونساء الدنيا المؤمنات سيدات الحور العين يخلقن خلقا جديدا فيه شبههن الدنيوي وجمال الحور الأخروي وفي الجنة قصور لا تدانيها قصور الدنيا مهما عظمت ذلك النعيم لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى
ومن مثل عمر بن الخطاب في ورعه وتقواه وعدله ومن أحق بأفخم القصور من عمر
يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى فيما يراه النائم ورؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ما يراه في المنام كالذي يراه في اليقظة رأى في منامه أنه في الجنة ورأى امرأة مسلمة تقية يعرفها في الدنيا رآها في الجنة بجوار قصر مشيد رآها تتلألأ نورا وبهاء رآها تغسل وجهها ويديها من أنهار الجنة لتزداد وضاءة ونورا وأعجب صلى الله عليه وسلم بالقصر من الخارج وفكر فيما عساه يكون فيه من الداخل من حور وولدان وما تشتهي الأنفس وتلذ العين ومالت نفسه
للدخول وهم به لكنه سأل من حوله من الملائكة لمن هذا القصر فقالوا لعمر بن الخطاب
يا للسعادة ويا بشرى لعمر وتردد في الدخول إلى قصر عمر كيف يدخل وهو يعلم أن عمر غيور يأنف أن يرى أحد نساءه إنها غيرة إسلامية يحييها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أغير من عمر ويقدر للغيرة قدرها فليكف عن الدخول وليسارع بالابتعاد عن القصر وليصبح فيبشر عمر بما رأى وما حدثته به نفسه ويبكي عمر بن الخطاب سرورا بالبشرى وتواضعا وشكرا لربه ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتك دخلت فكم يسرني دخولك بيتي يا رسول الله أفديك بأبي وأمي لا أغار منك مهما غرت من جميع الرجال على نسائي فأنت الأمين المأمون وبك يحتمي من يخاف وإلى حماك يلجأ من يستعيذ صلى الله عليك يا رسول الله
-[المباحث العربية]-
(بينا نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم قال بينا هو بين الظرفية الزمانية زيدت عليها الألف وقد تزاد الميم قبل الألف فيقال بينما وتضاف إلى الجملة وتحتاج إلى جواب والتقدير بين الأوقات التي كنا فيها عند النبي صلى الله عليه وسلم قال
(بينا أنا نائم رأيتني في الجنة) أي بين لحظات نومي رأيت نفسي في الجنة فالرؤيا منامية
(فإذا امرأة) إذا للمفاجأة وهي جواب بينا أي بين لحظات نومي ورؤية نفسي في الجنة فاجأتني امرأة وفي رواية البخاري في مناقب عمر فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة سهلة بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري وهي أم أنس بن مالك خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة
(تتوضأ إلى جانب قصر) من المعلوم أن قصور الجنة تجري من تحتها الأنهار ومن المسلم به أن الوضوء المشروع في الدنيا غير مشروع في الآخرة لأنه لا تكليف هناك ومما لا شك فيه أن الغسل في الجنة ليس
للنظافة فأهل الجنة غاية في النظافة لهذا قيل إن المراد من تتوضأ تغسل جوارحها لتزداد جمالا وبهاء وقيل معنى تتوضأ تتلألأ وتضوي وتنير وضاءة وجمالا وقد رواه الترمذي بلفظ رأيت في الجنة قصرا من ذهب
(لمن هذا القصر) لم تشغله المرأة ووضاءتها صلى الله عليه وسلم وإنما شغله القصر وجماله
(قالوا لعمر) القائل جبريل ومعه بعض الملائكة أو أحد الملائكة الموكلين بالقصر ومعه زملاؤه وفي رواية للبخاري فقال بالإفراد ويروى فقالت أي المرأة
(فذكرت غيرته) في رواية فذكرت غيرتك بالخطاب لعمر وكان حاضرا التحديث كما هو واضح من الرواية ومن جوابه للرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى فذكرت أي تذكرت فهو من التذكر والذكر بضم الذال وليس من الذكر بكسر الذال وهو الإخبار والغيرة بفتح الغين
(فوليت مدبرا) أي انصرفت عن القصر بسرعة ومدبرا أي معطيا القصر ظهري ودبري حال مؤكدة لأن التولي عن الشيء استدبار له غالبا
(أعليك أغار يا رسول الله) أصل الكلام أعليها أغار منك أو أمنك أغار عليها فحصل في الكلام قلب وقيل إن على بمعنى من وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أغار منك
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
جواز التحديث بالمنام السار لصاحبه ولغيره إذا كان في ذلك مصلحة
2 -
فيه بعض صفات الجنة وما فيها
3 -
فيه منقبة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
4 -
فيه أدب النبي صلى الله عليه وسلم في مراعاة الصحة وحماية الصاحب والمحافظة على مشاعره وأحاسيسه
5 -
مدح الغيرة وإقرارها والمحافظة عليها وعدم إثارتها
6 -
قال ابن بطال فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه ومن ثم امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من دخول القصر أهـ أي في الحديث معاملة الناس على أساس ما هم عليه من أخلاق ومراعاة طباعهم فلو كان القصر لرجل غير مشهور بالغيرة لدخله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على أنه مأمون من غير شبهة
7 -
فيه فضيلة الرميصاء امرأة أبي طلحة حيث إنها المقصودة من المرأة في الحديث للتصريح باسمها في الروايات الصحيحة
38 -
عن أسامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما
شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه
-[المعنى العام]-
إظهار خلاف الباطن نفاق وقبيح وإظهار الصلاح من الفاجر سيئ وخطير سيئ عند علام الغيوب وخطير عند البشر والأمر بالمعروف ممن لا يفعل هذا المعروف ذنب كبير والنهي عن المنكر ممن يفعله ويقيم عليه كبيرة من أكبر الكبائر لهذا يقول جل شأنه {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}
والحديث صور عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه وعقوبة المخادع للناس الذي يقول ما لا يفعل ويفعل ما ينهي عنه
لقد كان يخشى الناس كخشية الله أو أشد خشية فأخفى عنهم حقيقته وظهر لهم بثوبي زور فكانت عقوبته أن تكون صورته يوم القيامة صورة حمار صورة أبلد الحيوانات لأنه في دنياه قد ظن أنه ذكي وأنه بذكائه يضحك على الناس ويخدعهم وحقيقته أنه غبي لأنه كان يضر نفسه وهو لا يعرف الضرر وكان يؤذي نفسه من حيث يظن أنه ينفعها
يجاء به يوم القيامة فيلقى في جهنم ونارها جزاء جريمته فتخرج أمعاؤه من بطنه لأنه كان يكتم الحقائق في باطنه فجزاؤه من جنس عمله ونقيض قصده تخرج أمعاؤه من بطنه في النار فيدور حولها كما يدور الحمار في الطاحونة لأنه كان يلف ويدور أمام الناس ليخفي حقيقته كان يخشى الفضيحة في الدنيا فنافق فكانت عقوبته الفضيحة في الآخرة يجتمع عليه أهل النار ممن كانوا يظنون فيه الصلاح يحيطون به ويلتفون حوله ويعجبون لأمره يسألونه عن جريرته التي أردته هذا الردي يا فلان ما شأنك وما قصتك وماذا كان عملك في الدنيا لقد كنت بيننا مظهرا للصلاح وكنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر يجيبهم والنار تأكل
أحشاءه يجيبهم وهو يعض أصابع الندم ولات ساعة ندم يجيبهم بحقيقة الأمر ولا مجال للكذب والخداع يقول كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله وأنهاكم عن المنكر وأفعله فيعلمون السر في عدم استجابتهم له في دنياهم إن ما يخرج من القلب يحل في القلب وما يخرج من اللسان فقط لا يتجاوز الآذان ولو أنه كان من المخلصين لتغير حاله وحالهم
إن العلماء مصابيح الأمة التي تنير لها الطريق بعد تباعد العهد بالرسالة فإذا كان المصباح مظلما في نفسه فكيف يستضاء به وصدق القول صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء
-[المباحث العربية]-
(يجاء بالرجل يوم القيامة) أل في الرجل للعهد والمقصود المؤمن العاصي الذي يأمر بالمعروف ولا يفعله وفي رواية للبخاري يجاء برجل والفعل يجاء مبني للمجهول على طريقه يوم يدعون إلى نار جهنم دعا
(فيلقى في النار) في الأسلوب إهانة وامتهان إذ لم يقل فيدخل النار بل يرمى فيها كما يرمى الشيء الحقير وفي رواية فيقذف في النار
(فتندلق أقتابه) الأقتاب جمع قتب بكسر القاف وسكون التاء وهي الأمعاء واندلاقها خروجها بسرعة
(فيدور كما يدور الحمار برحاه) الرحى معروفة يطحن عليها الحب والصغيرة منها تديرها الأيدي والكبيرة تديرها الحيوانات وفي رواية للبخاري فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه روي يطحن مبنيا للمعلوم أي يطحن النار أو يطحن أقتابه وأمعاءه وروي بالبناء للمجهول ونائب الفاعل ضمير الرجل أي يحطم في النار
والكاف في كما يدور صفة لمفعول مطلق محذف أي يدور دورانا شبيها بدوران الحمار والحمار مثل في البلادة
(فيجتمع أهل النار عليه) أي بعض أهل النار أي من كان يعرفه في الدنيا وفي رواية للبخاري فيطيف به أهل النار أي يحيطون به ويجعلون حوله حلقة
(أليس كنت تأمرنا بالمعروف) اسم ليس ضمير الشأن والحال وكان واسمها وخبرها خبر ليس وفي رواية للبخاري ألست والاستفهام إخباري وفيه معنى التعجب
(كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه) في رواية للبخاري كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله وفي رواية كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره والمعروف اسم جامع لكل طاعة وإحسان
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممن لا يفعل المعروف ويرتكب المنكر الذي ينهى عنه والحديث صريح في عذابه وعقوبته لكن هذه العقوبة لاجتماع الأمرين أو هي لعدم إتيان المعروف
وبعبارة أخرى هل يأمر بالمعروف من لا يفعله وينهى عن المنكر من يقع فيه أو لا يأمر ولا ينهى ما دام غير ممتثل
قال بعض العلماء لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة وهذا تعطيل لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسد لبابه فمن المتعذر خلو الإنسان من خطيئة
والحق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيما إذا كان مطاعا وأما إثمه الخاص به فشيء آخر قد يؤاخذه الله به وقد يغفره له وحديث من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه يؤيد هذا الرأي فإنه لم يعلق الأمر على أن يكون الآمر ممتثلا فهما واجبان كل منهما مطلوب لذاته وإن وجدت صلة بينهما من حيث التأثير والتأثر
لذا قال جماعة من الناس يجب على متعاطي الكأس أن ينهى جماعة الجلاس
-[ويؤخذ من الحديث]-
1 -
بعض صفات النار وأنها مخلوقة
2 -
عظم شأن العمل والامتثال قبل الأمر بالمعروف وأنه ينبغي لمن يأمر بالمعروف أن يكون عاملا بما يأمر به
3 -
أن العقوبة مشابهة للعمل
4 -
أن أهل المعاصي يتعارفون في النار قال الطبري فإن قيل كيف صار المأمورون بالمعروف في النار فالجواب أنهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذبوا بمعصيتهم وعذب أميرهم بأنه كان يفعل ما ينهاهم عنه
39 -
عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا استجنح أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا
ذهب ساعة من العشاء فحلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا
-[المعنى العام]-
خمسة من الأوامر تنفع المرء في دنياه والدنيا مزرعة الآخرة
أولها حفظ الصبيان في الليل والليل موحش مخيف يكثر الشر فيه عن النهار فظلمته تساعد الحشرات والزواحف على الأذى دون أن ترى وتخفي عن الماشي الحفر والأشواك والأوحال وتبعث في النفس رهبا ورعبا سواء في سكونه أو أية حركة تصدر والصبية في سن تكثر فيه الأوهام والمخاوف ويسبح فيها الخيال مذاهب شتى وتقل فيها الخبرة والدراية والحكمة، لكل هذا أمر الآباء بكف الصبيان عن الخروج ليلا إلى الصحاري والأماكن الموحشة حماية لهم من أخطار شياطين الإنس والجن
وثاني الأوامر إغلاق الأبواب فالباب المغلق على صاحبه يجعله أكثر أمنا وإذا ذكر اسم الله حين الإغلاق زاده الله حفظا
الأمر الثالث إطفاء المصباح عند النوم وبخاصة إذا كان من نوع الفتيلة التي تتعرض للاشتعال أو للسقوط أو كان من نوع الغاز المضغوط الذي قد يتعرض للانفجار ومثل المصباح في الأمر بإطفائه النار والهدف تأمين النائم ليلا من أخطار محتملة لا يدركها النائم ولا ينتبه لإزالتها وعلاجها في أول أمرها فإذا أضيف ذكر اسم الله عند الإطفاء كان متخذا الأسباب العادية متوكلا على ربه
الأمر الرابع تغطية أوعية الشراب لحماية ما فيها من سقوط الهوام والأتربة والجراثيم الملوثة مع الاستعانة بتسمية الله
أما خامس الأوامر فهو تغطية أواني الطعام لحمايتها مما نحمي منه
الشراب مع الاستعانة أيضا بذكر الله تعالى
وبهذا نأخذ في أسباب الحفظ العادية ولا ننسى أن الأمور كلها بيد الله عملا بالحديث الشريف اعقلها وتوكل
-[المباحث العربية]-
(إذا استجنح الليل) أي إذا أظلم يقال جنح الليل بجنح جنوحا وجنحا إذا أظلم ويقال إذا أقبل ظلامه وأصل الجنح الميل لذا قيل جنح الليل أول ما يظلم
(أو كان جنح الليل) شك من الراوي في أي اللفظتين صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هنا تامة بمعنى وجد
(فكفوا صبيانكم) الأمر للأولياء ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أحادا أي ليكف كل ولي صبيه عن الخروج إلى الصحاري والجبال والأماكن الموحشة وكانت بيوتهم قريبة من الفيافي والقفار
وفي رواية فاكفتوا صبيانكم أي ضموهم إليكم وامنعوهم من الانتشار قال تعالى {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} أي كافتة وضامة أحياء وأمواتا
(فإن الشياطين تنتشر حينئذ) التنوين عوض عن المضاف إليه أي حين يظلم الليل والمراد من الشياطين مردة الإنس والجن
(فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم) بضم الحاء وضم اللام المشددة أي حلوا عقالهم وضمهم فإنهم لن يخرجوا وحدهم في وسط الليل حيث منعوا وأنذروا في أوله وفي رواية كثيرين فخلوهم بخاء مفتوحة أي تخلوا عن حراستهم وتخويفهم
(وأغلق بابك) أي باب بيتك وباب حجرتك يقال أغلقت الباب فالباب مغلق ولا يقال مغلوق والخطاب لمن يتأتى خطابه فكأنه قال وأغلق يا من تصلح مخاطبا في كل زمان ومكان فهو في معنى الجمع
فالأمر في فكفوا للجميع وفي أغلق للجميع والتنوع في الأسلوب
(وأوك سقاءك) الوكاء اسم للخيط الذي يربط به فم القربة وأوك أمر من الإيكاء يقال أوكى السقاء ربطه وشد فمه والسقاء إناء السقي والمراد هنا القربة ونحوها لأنها التي تشد وتربط
(وخمر إناءك) يعم إناء الطعام والشراب وغيرها يقال خمرت الإناء أي غطيته ومنه خمار المرأة لأنه يسترها
(ولو تعرض عليه شيئا) تعرض بفتح التاء وضم الراء وأجاز بعضهم كسر الراء وهو مأخوذ من العرض مقابل الطول والمراد تجعل شيئا على عرض الإناء وفي رواية للبخاري ولو أن تعرض عليه عودا أي تجعل العود عليه بالعرض والمعنى أن تغطي الإناء فإن لم تجد ما تغطيه به فلا أقل من أن تضع شيئا على عرضه أما ماذا يفيد العود فيأتي توجيهه في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى خمس نقاط يجمعها الحفظ والوقاية من الضرر وهي حفظ الصبيان ليلا وإغلاق الباب وإطفاء المصباح وربط فم السقاء وتغطية الإناء
1 -
أما كف الصبيان عن الخروج والانتشار ليلا فقد قال ابن الجوزي إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا والذكر الذي يحذر منه الشياطين مفقود من الصبيان غالبا والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به فلذا خيف على الصبيان في ذلك الوقت أهـ
وفي هذا الكلام نظر لأن الصبيان التي ذكرها هي حالتهم ليلا ونهارا ولو أمكن للشيطان أن يعبث بهم لهذا لعبث بهم نهارا وفي بيوتهم ليلا إذا خلوا في حجرة أو في محل الخلاء ثم إن انتشار الشياطين من
الجن في أول الليل دون ما بعد ساعة من أوله أمر غير معقول المعنى حتى يمنع الصبيان ساعة ثم يصرح لهم بعدها بالخروج والانتشار مع أن الخطورة المعقولة تشتد كلما تأخر الليل
والذي تستريح إليه النفس أن شيطان الجن بإغوائه يستغل الليل ليوسوس إلى الإنسان ويسبح بخياله لهذا الإغواء من الكبار ثم هم في النهار مشغولون مع آبائهم في العمل أو في التعليم ووقت فراغهم هو أول الليل فحرصت الشريعة على حمايتهم وصيانتهم فترة فراغهم
والمقصود أنهم لا يخرجون إلى الفيافي والقفار والأماكن الخالية والمهجورة وليس المنع عن مطلق الخروج ولو لمصلحة ولعل الحديث سيق لبيئة خاصة وظروف خاصة يخشى على صبيانهم في وقت معين لكثرة وقوع الشرور فيه دون ما بعده ثم إن هذه البيئة كانت تقضي الحاجة في الخلاء إذ لم يكن عندهم كنف فكان الإذن للصبيان بالخروج قبل النوم لقضاء الحاجة
2 -
وأما إغلاق الأبواب فقد ترجم له البخاري بباب إغلاق الأبواب بالليل وقيد الليل هنا لما أنه أكثر حاجة للوقاية والأمن من النهار فهو وقت النوم والغفلة التي تمكن اللصوص وأهل الفساد من الإفساد وهذا لا يمنع من طلب إغلاق الأبواب نهارا إذا استدعى الأمر ذلك
وقد جاء في الحديث فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا قال الحافظ ابن حجر ففيه إشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان أهـ
وقال ابن دقيق العيد يحتمل أن يؤخذ قوله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا على عمومه فيشمل الباب الذي ذكر اسم الله عند إغلاقه والذي لم يذكر ويحتمل أن يخص بما ذكر اسم الله عليه ثم قال والحديث يدل على منع دخول الشيطان الخارج فأما الشيطان الذي كان داخلا فلا يدل الخبر على خروجه قال فيكون ذلك لتخفيف المفسدة لا رفعها ويحتمل
أن تكون التسمية عند الإغلاق تقتضي طرد من في البيت من الشياطين أهـ
وفي هذا الكلام نظر فمن المعلوم أن الشياطين لا تحجبها الأبواب ولا تحتاج لفتح الأبواب وإذا كان الأثر لذكر الله فهو يمنع دخولها مع فتح الباب كما يمنع قربه من المؤذن مثلا
والذي تستريح إليه النفس أن المقصود بإغلاق الأبواب تأمين الداخل من اقتحام أهل الشر من بني آدم بإغواء الشيطان ثم إن الشيطان هو المتمرد من الإنس والجن وشيطان الإنس لا يفتح بابا مغلقا بسهولة لكنه يدخل من الباب المفتوح بيسر وخفة فإذا انضم إلى الإغلاق ذكر الله تعالى كان الحفظ إن شاء الله وكان الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله
3 -
وأما إطفاء المصباح ففي رواية البخاري في باب غلق الأبواب من كتاب الاستئذان أطفئوا المصابيح بالليل إذا رقدتم وفي باب (لا تترك النار في البيت عند النوم) وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت
وهذا الحديث يشير إلى حديث رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال جاءت فأرة فجرت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا نمتم فأطفئوا سراجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم
قال ابن دقيق العيد إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جر الفويسقة الفتيلة فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليه الفأرة لا يمنع إيقاده قال وأما ورود الأمر بإطفاء النار مطلقا فقد يتطرق منه مفسدة أخرى غير جر الفتيلة كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت فيحرقه فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإحراق فيزول الحكم بزوال علته
وقال القرطبي إن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه
أن يطفئها قبل نومه أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق فإن كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم وأحقهم بذلك آخرهم نوما
4 -
وأما ربط القربة ومثله تغطية أواني الشراب بعامة فهو لحماية الشراب من التلوث بما يملأ الجو من الأتربة والهوام والجراثيم ونحوها
5 -
ومثله تغطية إناء الطعام وقد جعل الحديث حدا أدنى لتغطيته وهو وضع عود على عرضه فإن قيل فماذا يدفع العود وعن أي شيء يحمي أجيب بأنه يمنع سقوط الأشياء الكبيرة وما لا يدرك كله لا يترك كله على أن مباشرة التغطية تقتضي التسمية فيكون العود مذكرا ومعينا على التسمية
وقد اختلف العلماء في هذه الأوامر هل هي للإرشاد لأنها لمصالح دنيوية فجزم النووي بذلك ومعناه أنه لا يثاب على فعلها إلا إذا قصد اتباع الأمر وتعقب أنه يفضي إلى مصلحة دينية وهي حفظ النفس المحرم قتلها والمال المحرم تبذيره وقال القرطبي من فرط في هذه الأوامر كان للسنة مخالفا ولأدائها تاركا
والتحقيق قول الحافظ ابن حجر وهذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها فمنها ما يحمل على الندب وهو التسمية على كل حال ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معا كإغلاق الأبواب وإيكاء السقاء وتخمير الأواني والله أعلم
40 -
عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان فقال وهل بي جنون
-[المعنى العام]-
الغضب انفعال نفسي يهيجه الشيطان وينفخ في ناره يحرك القلب ويثير فيه الدم فينقبض أحيانا فترى صفرة الوجه وتصلب العين ويضطرب ويندفع أحيانا فترى حمرة الوجه يصاحب ذلك رعشة في الجوارح غالبا وسيطرة على القوة المفكرة فيختل توازنها ويسوء السلوك والتصرف حتى يخيل لصاحبه حين يهدأ أنه لم يفعل ما فعل أو يتعجب من نفسه كيف حصل منه ما حصل
والناس أمام قوة الغضب والصفو أربعة أصناف أحسنهم بطيء الغضب سريع الرضا وأقبحهم سريع الغضب بطيء الرضا وبين هذين سريع الغضب سريع الرضا وبطيء الغضب بطيء الرضا
وخير علاج للغضب تغيير الحالة التي يكون عليها من تحرك للغضب إن كان واقفا قعد وإن كان قاعدا قام وتحرك إلى جهة أخرى مع شغل
الفكر بذكر الله بدلا من الانشغال بما أغضب أو يغضب وخير الذكر في هذه الحالة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فيطلب العون والحماية من ربه على شيطانه
وقصة الحديث تتلخص في مجلس يجلسه صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وفيهم معاذ بن جبل وعلى مقربة من مجلسهم كان رجلان يتناقشان وتطورت مناقشتهما إلى سباب سب كل منهما الآخر وكان أحدهما سريع الغضب قويه انتفخت أوداجه وعروق حلقه وارتعشت أعضاؤه وراح يتحفز لمقاتلة أخيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه يرى ويسمع فقال لجلسائه إني لأعلم كلمة لو قالها هذا الغضبان لزال عنه الغضب لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه هذا الانفعال وهدأ فقام معاذ بن جبل من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب للرجل المغضب وأسر إليه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنك ما تجد
وظن الرجل لجهله وغلظته أنه ظن أن به مسا من الشيطان فقال لمعاذ انصرف وابتعد فلست مجنونا وليس بي مس من الجن ولم يقبل النصيحة وأعانه الشيطان على رفضها فكان له قرينا ولم يجن من غضبه إلا ما تسوء عاقبته في الدنيا والآخرة
-[المباحث العربية]-
(عن سليمان بن صرد) بضم الصاد وفتح الراء صحابي مشهور قتل سنة خمس وستين من الهجرة وله ثلاث وتسعون سنة
(ورجلان يستبان) أي يسب كل منهما الآخر ولم يقف المحدثون على اسميهما جريا على عادة الصحابة والتابعين في ستر وإغفال أسماء من يسيء
(احمر وجهه وانتفخت أوداجه) في رواية مسلم تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه وفي رواية أحمد وأصحاب السنن من حديث معاذ حتى إنه ليخيل إلى أنفه ليتمرغ من الغضب وانتفاخ الأوداج كناية عن شدة الغضب ولكل
واحد ودجان فذكر الأوداج بالجمع على رأي من يجعل الجمع فوق الواحد أو لأن كل قطعة من الودج تسمى ودجا
(ذهب عنه ما يجد) من وجد يجد وجدا وموجدة إذا غضب ويقال وجد يجد وجدانا إذا لقي ما يطلبه
(فقالوا) في رواية للبخاري فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم وقال
…
إلخ وفي رواية مسلم فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فالذي خاطبه واحد وهو معاذ بن جبل كما بينته رواية أبي داود ولفظها قال فجعل معاذ يأمره فأبى وضحك وجعل يزداد غضبا فالجمع هنا لرضى الحاضرين عن القول فأسند إلى الجمع
(إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان) هذه رواية بالمعنى فإنه صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ذلك وليس في الحديث أنه أمرهم أن يأمروه بذلك
(وهل بي جنون) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ليس بي جنون وفي رواية للبخاري أترى بي من بأس أمجنون أنا اذهب وكأنه توهم أن الاستعاذة مختصة بالمجانين.
-[فقه الحديث]-
قال الحافظ ابن حجر خليق بهذا الرجل أن يكون كافرا أو منافقا أو كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه عن الاعتدال وحتى زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب قال وقيل إنه من جفاة الأعراب وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب نوع من شر الشيطان ولهذا يخرج به عن صورته ويزين إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته أو الإقدام على من أغضبه ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال أهـ
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
التحذير من السباب واللعن والتنفير منهما وقد ذكر البخاري الحديث تحت باب ما ينهى من السباب واللعن
2 -
إن الغضب من الشيطان وإثارته وتزينيه فقد أخرج البخاري الحديث تحت باب صفة إبليس وجنوده
3 -
كيد الشيطان وفي الحديث الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ
وفي بعض الكتب قال الله تعالى ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت
41 -
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} إلى قوله {الحكيم}
-[المعنى العام]-
خلق الله الخلق من العدم وبدأ خلق الإنسان من طين من الأرض خلقه وفيها يعيده ومنها يخرجه تارة أخرى وإذا كانت القدرة المخلوقة تكون الإعادة أسهل عليها من البدء وإذا كانت العادة أن الخلق الأول أصعب من إعادة الخلق فإن قدرة الله تعالى لا يوصف شيء أمامها بأنه أصعب أو أسهل فخلق أشد المخلوقات حين يصور بكلمة كن فيكون وإذا كان الله تعالى خلق بني آدم في بطون أمهاتهم وكساهم بعد ولادتهم عرايا فإنه سيعيدهم عراة سيخرجهم من قبورهم بعد أن تآكلت أكفانهم وتناثرت عن رفاتهم سيخرجهم كما بدأهم حفاة عراة بل ويعيد إليهم ما قطع منهم في دنياهم من أجزاء جسمهم حتى الجلدة التي تقطع عند الختان تعود إليهم ينفخ في الصور فإذا الناس قيام ينظرون يحشرون إلى أرض غير الأرض أرض مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يجتمع الرجال والنساء جميعا عراة لا ينظر أحد سوأة الآخر تشغلهم أهوالهم لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ويشغله عن أن ينظر إلى غيره يومئذ يستمعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم عليه السلام فقد ألقي في نار الدنيا عريانا فكانت عليه بردا وسلاما يكسى بحلة من الجنة ويليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تكون الشفاعة والحوض الذي يقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أمته لتشرب يعرفهم بسيماهم يعرفهم بالغرة والتحجيل بياض الجبهة ونورها وبياض الأطراف ونورها من أثر الوضوء ويعرف بعض أصحابه الذين يحال بينهم وبين الحوض تأخذهم ملائكة العذاب نحو النار فتأخذه رأفة بهم صلى الله عليه وسلم فينادي هؤلاء أصحابي فأين تذهبون بهم فيقال له إنك لا تعلم ما أحدثوا بعدك إذ ارتدوا وكفروا فيقتدي صلى الله عليه وسلم بأخيه عيسى عليه السلام ويقول: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم}
-[المباحث العربية]-
(إنكم تحشرون) الخطاب للصحابة ومن على شاكلتهم في الإنسانية فالمعنى أن الناس يحشرون كما جاء في البخاري يحشر الناس على ثلاث طرائق والحشر في الأصل مطلق الجمع وإذا أطلق الحشر في عرف الشرع يراد منه الحشر من القبور ما لم يخصه دليل
(حفاة) دون نعال ودون خفاف جمع حاف وحفاة منصوب على الحال وفي رواية لمسلم حفاة مشاة
(عراة) جمع عار أي لا ثياب عليكم
(غرلا) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأغلف وزنا ومعنى وهو من بقيت غرلته وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر
(إنا كنا فاعلين) بادئين الخلق فمن السهل إعادته والإعادة أهون من البدء عادة
(يؤخذ بهم ذات الشمال) أي بعيدا عني وعن حوضي إلى جهة النار
(أصحابي أصحابي) أصحابي الثانية تأكيد للأولى والأولى خبر مبتدأ محذوف أي هؤلاء أصحابي فلم أخذ بهم ذات الشمال
(إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) أي من الوقت الذي فارقتهم فالكلام عن قوم مرتدين حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى ماتوا والارتداد على العقب كناية عن الرجوع إلى حالة أولى وهل المراد منها الكفر أو المعاصي؟ سيأتي في فقه الحديث
(كما قال العبد الصالح) الأنبياء كلهم عباد صالحون والمراد هنا عيسى عليه السلام فالألف واللام للعهد والمعهود من قال هذا القول كما حكاه القرآن الكريم
وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم أي رقيبا أراقب أعمالهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر أو مشاهدا لأعمالهم فأسأل عنها
-[فقه الحديث]-
يتعرض الحديث إلى ثلاث نقاط أساسية صفة الناس في الحشر والآراء في نوعية الحشر المراد والجمع بين الأحاديث الثانية كسوة إبراهيم عليه السلام وسببها ووضع محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة لها الثالثة حال من يؤخذون ذات الشمال
أما عن النقطة الأولى فقد قال القرطبي الحشر أربعة حشران في الدنيا وحشران في الآخرة فاللذان في الدنيا أحدهما المذكور في سورة الحشر {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} والثاني الحشر المذكور في أشراط الساعة الوارد في الحديث ولفظه أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب أي ومن المغرب إلى المشرق أي تجمع الناس من بقاع الأرض الحشر الثالث حشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعا إلى الموقف قال تعالى {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} الرابع حشرهم إلى الجنة أو النار أهـ
وظاهر الحديث أنه في الحشر الثالث وظاهره أن جميع الأموات يخرجون من قبورهم إلى الموقف حفاة عراة مشاة لأن الحفاة لو كانوا راكبين لم يكن لذكر هذا الوصف أثر على أن لفظة مشاة واردة في الحديث الصحيح وهذا الظاهر يتعارض مع حديث البخاري يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير ويحشر بقيتهم إلى النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا كما يتعارض مع ما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان عن أبي سعيد أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها
وقد جمع العلماء ورفعوا هذا الإشكال بعدة أجوبة تعتمد على اختلاف أحوال الناس أو على اختلاف الأوقات فذهب بعضهم إلى أن
الناس يحشر بعضهم عاريا وبعضهم كاسيا وبعضهم ماشيا وبعضهم راكبا وهذا الجمع بعيد لأن الخطاب لعموم الناس وأنهم سيكونون حفاة عراة وذهب بعضهم إلى أن الناس جميعا يخرجون من القبور حفاة عراة مشاة ثم تفترق حالهم ويمكن أن يقال إنهم يبعثون في الثياب التي يموتون فيها أو أن هذا حال الشهداء وبعض الخاصة وقد يرتبون ثم تتناثر عنهم ثيابهم وينزلون عن إبلهم ويصلون أرض المحشر حفاة عراة مشاة
وأما عن النقطة الثانية فقد روى البيهقي أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر ويقال إن الحكمة في هذه الخصوصية لإبراهيم أنه ألقي في النار عريانا وقيل لأنه أول من لبس السراويل وقد ثبت لإبراهيم عليه السلام أوليات أخرى منها أنه أول من أكرم الضيف وأول من قص الشارب وأول من اختتن وأول من رأى الشيب
قال الحافظ ابن حجر ولا يلزم من خصوصية إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى تفضيله عن نبينا صلى الله عليه وسلم لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة ويمكن أن يقال لا يدخل محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك على القول بأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه
وأما عن النقطة الثالثة فقد قيل عن الذين يؤخذون ذات الشمال إنهم أهل البدع والأهواء في الأزمنة المتعاقبة ورد بأنه لا يقول عن هؤلاء أصحابي أصحابي ويؤكد هذا الرد ما رواه أحمد والطبراني ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآني وقال بعضهم يحتمل أن يكونوا أهل الكبائر وأن المراد من الردة الردة عن الاستقامة فيشمل العصاة وهو مردود أيضا إذ لا يليق هذا الوصف بالصحابة فإن كان المراد من بعدهم رد بالرد الأول والأولى حملهم على المنافقين أو على الذين ارتدوا في عهد أبي بكر فقاتلهم حتى قتلهم على كفرهم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
إثبات الحشر وبعض صفاته
2 -
إثبات البعث وأنه إعادة لبدء الخلق
3 -
فضيلة ظاهرة لإبراهيم عليه السلام
4 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم أحوال العصاة من أمته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فإن قيل جاء في الحديث أن أعمال أمته تعرض عليه بعد وفاته فكيف خفي عليه أحوالهم أجيب باحتمال أن الذي يعرض عليه أعمال الموحدين لا المرتدين ولا المنافقين أو بأنه لا يلزم أن يكون العرض تفصيليا أو بأنه لا يلزم أن يكون العرض لكل الناس من أمته فقد يحجب عنه صلى الله عليه وسلم أعمال بعض الأفراد والله أعلم
42 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن أحق من إبراهيم إذ قال {رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي
-[المعنى العام]-
نزلت آيات من القرآن توهم أن إبراهيم عليه السلام شك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى وأن لوطا عليه السلام في شدته لم يلتجئ إلى ربه وأن يوسف عليه السلام لم يصبر على قضاء الله وأنه التجأ إلى عبد من عباد الله بدلا من أن يصبر ويلتجئ إلى الله وداخل قلوب بعض الصحابة أن إبراهيم شك في البعث ولم يشك نبينا وأن لوطا لم يلتجئ إلى الله والتجأ إلى الله وحده نبينا وأن يوسف لم يصبر على السجن وصبر على الحصار وعلى الأذى نبينا فكانت اللفتة النبوية الكريمة وكان الأدب النبوي الحسن وكان الدفاع عن الأنبياء من هذه الشبه
يقول محمد صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم لم يشك في قدرة الله على إحياء الموتى ولو كان الشك يمكن أن يتطرق إليه لتطرق إلينا فقد كان قوي الإيمان وكان خليل الرحمن وكان يهدف إلى أن يصل إلى عين اليقين برؤية إحياء الموتى بعد أن وصل إلى علم اليقين بالأدلة والبراهين
وأن لوطا عليه السلام كان يأوي إلى الله ويلتجئ إليه وإن قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فقد كان يعتذر إلى قومه بما يفهمون ويدركون ويضمر في قلبه ما لا يدركون من الالتجاء إلى الله
وأن يوسف عليه السلام من كبار الصابرين المحتسبين المؤمنين بالله والمعتمدين عليه بدليل أنه لم يبادر بالخروج ولم يبادر بإجابة الداعي له لمقابلة الملك ولو كنت مكانه لأسرعت بإجابة الداعي والخروج من
السجن فصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين
-[المباحث العربية]-
(نحن أحق من إبراهيم) ضمير نحن للرسول صلى الله عليه وسلم وأمته وقيل للرسول صلى الله عليه وسلم وحده معظما نفسه
والمراد نحن أحق بالشك كما صرح به في رواية أخرى وصح أن يراد به نحن معشر الأنبياء وقيل أنه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من الشك هنا الخواطر التي تطرأ على اليقين فلا تثبت ولا تؤثر فيه وليس المراد الشك الاصطلاحي بمعنى التوقف بين أمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر وأحق أفعل تفضيل يمكن أن تكون على غير بابها وأن المراد بها نفي المعنى عن الأمرين كقوله تعالى {أهم خير أم قوم تبع} أي لا خير في الفريقين وهنا لا شك عندنا ولا عند إبراهيم عليه السلام وسيأتي توضيح المراد من الجملة في فقه الحديث
(إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى) إذ ظرف لما مضى من الزمان أي الشك الواقع حين قال إلخ والمراد الرؤية البصرية وكيف يستفهم بها عن الحال والصفة فالاستفهام عن الكيفية والتفصيل لا عن أصل إحياء الموتى فهو مقرر لا يسأل عنه
(أو لم تؤمن) الواو عاطفة على محذوف والاستفهام للتقرير والتقدير أشككت ولم تؤمن بإحيائي الموتى وقدرتي على ذلك فمتعلق الإيمان محذوف ويمكن أن يكون أو لم تؤمن بأنني قادر على أية كيفية فلا تسأل عن الكيفية
(بلى) جواب بعد نفي وهي لتقرير ما بعد النفي وإثباته أي بلى آمنت
(ولكن ليطمئن قلبي) الجار والمجرور متعلق بمحذوف مفهوم من
المقام أي ولكن أطلب ما أطلب ليطمئن قلبي والمراد من اطمئنان قلبه زيادة الاطمئنان حيث أن قلبه مطمئن بالإيمان
(ويرحم الله لوطا) في رواية للبخاري يغفر الله للوط والدعاء بالرحمة قد لا يراد بها استحقاق العذاب ليرحم والدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجود ذنب ليغفر بل الكلام قد يكون على الفرض والتقدير أي يغفر الله له إن كان وقدر له ذنب ويرحمه الله على فرض استحقاقه لعذاب وقد يكون الكلام مرادا به مطلق الدعاء من قبيل الدعاء الذي جرى على ألسنتهم
وقد يراد بالذنب خلاف الأولى كما قيل في تفسير قوله تعالى {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}
(لقد كان يأوي إلى ركن شديد) هذا رد على ما يوهمه قول لوط لقومه {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} فهو يوهم أن لوطا لم يأو إلى الله في الشدة فإن لو حرف لامتناع الجواب بسبب امتناع الشرط وجوابها في الآية أي لرددتكم فامتنع رده لقومه عن ضيوفه لامتناع إيوائه إلى ركن شديد فأثبت الحديث أنه كان يأوي إلى الله لكن المنفي والممتنع أنه كان يأوي ويتمنع بعشيرته وسيأتي مزيد إيضاح في فقه الحديث
(طول ما لبث يوسف) أي المدة الطويلة التي قضاها يوسف في السجن وهي سبع سنين
(لأجبت الداعي) أي لاستجبت وأسرعت بإجابة الداعي والخروج من السجن حيث جاءه رسول الملك يدعوه للخروج فلم يبادر بالخروج بل قال {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} فطلب البراءة قبل الخروج فأل في الداعي للعهد
-[فقه الحديث]-
ماذا حدث من الأنبياء الثلاثة عليهم وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام وما الهدف من سياق الحديث وكيف يتحقق هذا الهدف
الذي حصل من إبراهيم عليه السلام حكاه القرآن الكريم في الآية (260) من سورة البقرة {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك} (أي اضممهن إليك وتأكد باللمس والبصر أنهن أحياء يتحركن ثم اذبحهن وقطعهن أجزاء){ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم}
وواضح أن الله لم ير إبراهيم كيف أحيا الطير لم يره الكيفية إنما أراه طيرا حيا يطير ويسعى بعد أن كان أجزاء متفرقة فهل كان الذي رآه هو مطلبه وأنه أراد زيادة سكون قلبه بالمشاهدة لتنضم إلى العلم واعتقاد القلب لأن تظاهر الأدلة وتعددها أسكن للقلوب والعلوم تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين وكان الذي رآه غير ما طلب على طريقة الأسلوب الحكيم أي لا ينبغي أن تسأل عن الكيفية فهي من اختصاص الله جل شأنه ولكن ينبغي أن تسأل عما أجيبك إليه
وسواء أكان هذا أو ذاك فإن مطلب إبراهيم عليه السلام لا يستلزم أنه شك في القدرة الإلهية على الإحياء بكيفية ما وإنما الذي أشرب مطلبه معنى الشك قول الله تعالى {أولم تؤمن} أي أتشك
ومن المعلوم أن السؤال عن الشيء أو إنكاره لا يستلزم حصوله بل ولا توقع حصوله يؤكد ذلك قوله تعالى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق
…
}
وعلى هذا فالحق والتحقيق قول من يقول إن إبراهيم لم يشك وإن الهدف من الحديث استبعاد أن يشك وأن المعنى إذا كنا لا نشك فإبراهيم لم يشك لأننا أولى بالشك منه لأن تطرق الشك إلينا أقرب من تطرقه إلى إبراهيم ومقصوده لا تتوهموا من الآية أن إبراهيم عليه السلام شك وأن نبيكم لم يشك فنبيكم خير من إبراهيم وعلى هذا لا نميل إلى ما حكاه
الطبري عن بعضهم: قال آخرون: شك إبراهيم في القدرة ولا إلى ما حكاه ابن عطية عن بعضهم بأنه دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ولا إلى قول ابن الجوزي إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث فقال أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم لعظيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى ولمعرفتي بتفضيل الله لي ولا إلى أقوال أخرى ليست بشيء
وأما الذي حصل من لوط عليه السلام فقد حكاه القرآن الكريم في الآيات الكريمات (78 - 79 - 80) من سورة هود {وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} فظاهر الآية أن لوطا يتحسر على ضعف قوته عن دفعهم ويتحسر على عدم إيوائه إلى ركن شديد وعدم استناده إلى ركن قوي يدفعهم مما يوهم أنه لم يلتجئ إلى الله والحديث يثبت أن لوطا عليه السلام كان يلتجئ إلى ركن شديد فإن كان مراد الحديث بالركن الشديد الله سبحانه وتعالى كان الهدف دفع الإيهام والتوهم أي أنه عليه السلام كان يضمر في نفسه اللجوء إلى الله ويعلن لهم ضعف مساندة عشيرته حيث قيل إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه
وإن كان مراد الحديث بالركن الشديد عشيرته كان المعنى أن لوطا عليه السلام كان له في واقع الأمر سند وعشيرة يمكنه أن يأوي إليهم لكنه لم يأو إليهم فعلا وآوى إلى الله ومعنى الآية لو أنني آوي إلى عشيرتي لمنعتكم لكني لا آوي إليها وقيل في الآية أن أو بمعنى بل أي بل آوي إلى ركن شديد سواء أريد به الله تعالى أو عشيرته
وأما ما حدث من يوسف عليه السلام فقد حكاه القرآن الكريم في الآية (50) من سورة يوسف {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فالآية
ظاهرة في أن يوسف لم يبادر بإجابة الداعي للخروج من السجن فإذا لوحظ معها أن يوسف عليه السلام أمر الفتى الخارج من السجن أن يذكره عند الملك وأنه مسجون ظلما وأن القرآن الكريم حكاها في الآية (42){وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} إذا لوحظ ذلك ولوحظ ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث كانت الآية الأولى وحديثنا دفاعا عن يوسف وردا على ما توهمه الآية الثانية وحديث الطبراني من عدم صبر يوسف ومن لجوئه إلى غير الله
فحوادث الأنبياء الثلاثة توهم اتهاما لكل منهم والحديث يبرئهم من هذا الاتهام بأسلوب من التواضع لم يعهد إلا من محمد صلى الله عليه وسلم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
مدى تواضعه صلى الله عليه وسلم
2 -
مدى دفاعه صلى الله عليه وسلم عن إخوانه الأنبياء عليهم السلام
3 -
رفع إيهام اتهام الأنبياء الثلاثة عما يوهمه ظاهر ألفاظ القرآن خاصا بهم
4 -
استحباب الدعاء لمن سبق عند الحديث عنهم
43 -
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بني فلان قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لكم لا ترمون فقالوا يا رسول الله نرمي وأنت معهم قال ارموا وأنا معكم كلكم
-[المعنى العام]-
أعداء الإسلام في كل عصر يتربصون بالمسلمين وعلى المسلمين أن يأخذوا حذرهم وأن يستعدوا لمعاركهم بما يستطيعون من قوة قوة الجسم وقوة الآلات وقوة كيفية استخدام الآلات والتدريب عليها
ومن هنا كان التدريب لازما لأية معركة قبل حدوثها وكان الحديث مصورا لحادثة من حوادث تدرب المسلمين على الرمي بالنبال والنبل معروف بصور مختلفة ومهمته إرسال قذيفة إلى مسافة بعيدة وكانت في حادثتنا سهاما تقذف بواسطة شد القوس والوتر والتدريب إنما يكون على مدى إصابة السهم للهدف مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة لا تصل إلى عشرة من شباب المسلمين في سوق وقد نصبوا هدفا يتبارون ويتسابقون في رميه بالنبال وإصابته والقائد الماهر يشجع التدريب إن لم يأمر به والقائد
المحبوب المتواضع يشترك معهم ويقف في وسطهم وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بينهم فرحا بهم مسرورا بنشاطهم ويقول لهم أحسنتم العمل أحسن الله إليكم استمروا في التدريب بهمة ونشاط يا أبناء البطل إسماعيل فإن أباكم إسماعيل كان يجيد الرمي وكان ماهرا فيه فاقتدوا به واقتفوا أثره استمروا في الرمي وسأشارككم إياه لكن كيف يشارك الفريقين في وقت واحد وكل فريق يسابق الآخر إذن لا بد أن يبدأ مع فريق ضد فريق وكان أن قال وأنا مع هذا الفريق وتوقف الفريق الآخر وألقى بنباله على الأرض قال لهم صلى الله عليه وسلم ما لكم توقفتم وألقيتم بنبالكم قالوا كيف نرمي وأنت معهم إن من كنت معه يغلب ولا يغلب وكيف نحاول أن نغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ناصره وكيف تتكافأ الفرص وتتوازن الفرق وأنت في جانب قال سأقف مؤيدا لكم جميعا متمنيا لكم السبق والفوز والإجادة جميعا ارموا وتسابقوا وأنا معكم جميعا ولكم جميعا
-[المباحث العربية]-
(مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر) في رواية للبخاري أنهم كانوا يتناضلون بالسوق والنفر الجماعة من ثلاثة إلى عشرة والظاهر أن كل فريق كان نفرا
(من أسلم) على وزن أفعل التفضيل من السلامة قبيلة مشهورة أي من بني أسلم وينتسبون إلى أسلم بن أفصى (بالهمزة والفاء الساكنة والصاد المفتوحة) بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة وهذه القبيلة أصلها من اليمن
(ينتضلون) أي يتسابقون بالرمي بالنبال فينصبون هدفا يرمونه بسهام على سبيل التسابق بين فريقين فيغلب الذي يصيب الهدف أكثر ويمكن أن يقع التسابق بين شخصين بعدد من الرمي
(ارموا بني إسماعيل) أي استمروا في سباقكم ورميكم وزيدوا من
التدريب على إصابة الهدف وبني إسماعيل منادى حذف منه حرف النداء وفي كون بني أسلم من إسماعيل كلام كثير نعرض بعضه في فقه الحديث
(فإن أباكم كان راميا) يقصد أباهم إسماعيل عليه السلام
(وأنا مع بني فلان) أرمي مع فريقهم أو معهم بالتشجيع والتأييد والقصد إلى الفوز وجاء عند ابن حبان والبزار في هذه القصة وأنا مع ابن الأدرع وعند الطبراني وأنا مع محجن بن الأدرع
(فأمسك أحد الفريقين) أي الفريق المقابل للفريق الذي انضم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أمسكوا عن الرمي وتوقفوا وفي بعض الروايات أنهم ألقوا القوس من أيديهم
(ما لكم لا ترمون) ما اسم استفهام مبتدأ والجار والمجرور خبره وجملة لا ترمون في موقع الحال والتقدير أي شيء حصل لكم حالة امتناعكم عن الرمي والخطاب للفريق الذي أمسك عن الرمي
(نرمي وأنت معهم) الكلام على الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي أي لا نرمي وأنت معهم
(ارموا وأنا معكم كلكم) الخطاب في ارموا للفريق الممتنع والخطاب في معكم للفريقين ورفع إيهام كون الخطاب فيه للفريقين الممتنع أيضا بالتأكيد بلفظ كلكم تأكيدا للضمير في معكم
-[فقه الحديث]-
ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب التحريض على الرمي من كتاب الجهاد وأتبعه بذكر الآية الكريمة {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} يلمح بما جاء في تفسير القوة في هذه الآية بأنها الرمي قال الحافظ ابن حجر وهذا التفسير عند مسلم من حديث عقبة بن عامر ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ثلاثا قال القرطبي إنما فسر القوة بالرمي وإن كانت
القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فينهزم من خلفه أهـ
كما ذكر البخاري هذا الحديث تحت باب نسبة اليمن إلى إسماعيل من كتاب المناقب وأتبعه بقوله منهم أسلم بن أفصى بن حارثة إلخ وقد أفاض الحافظ ابن حجر في هذه المسألة وقال مع الاختصار الشديد نسبة مضر وربيعة إلى إسماعيل متفق عليها وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان واختلف في نسبه والأكثر أنه من أبناء سام بن نوح وقيل من ولد هود عليه السلام وهو والد العرب المتعربة وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة قال وزعم الزبير بن بكار أن قحطان من ذرية إسماعيل وهو ظاهر قول أبي هريرة في قصة هاجر ثم انتقد الحافظ ابن حجر إشارة البخاري واستدلاله بالحديث على نسبة اليمن إلى إسماعيل فقال وأراد المصنف أن نسب حارثة بن عمرو متصل باليمن وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل فدل على أن اليمن من بني إسماعيل وفي هذا الاستدلال نظر لأنه لا يلزم من كون بني أسلم من بني إسماعيل أن يكون جميع من ينسب إلى قحطان من بني إسماعيل ثم نقل عن المهراني أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم لبني أسلم "يا بني إسماعيل" لا يدل على أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء بل يحتمل أن يكون ذلك لكونهم من بني إسماعيل من جهة الأمهات لأن القحطانية والعدنانية قد اختلطوا بالمصاهرة فالقحطانية من بني إسماعيل من جهة الأمهات أهـ وكلام المهراني مردود لأن قولهم من بني فلان لم يعهد أن يراد به الأمهات بل المعهود به النسب والنسب دائما للآباء وكان الأولى لو أريد به الأمهات أن يقال من بنات فلان
ومعنى هذا أن كون بني أسلم من بني إسماعيل ليس متفقا عليه وعلى القول بأنهم ليسوا من بني إسماعيل يمكن الإجابة عن الإشكال بأن المترامين كانوا من بني أسلم ومن غيرهم من بني إسماعيل والمعنى أنه مر بنفر من أسلم ومن غيرهم وأنه شجع بني إسماعيل على الرمي يرشح هذا الجواب ما ذكره ابن عبد البر في حديث الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بناس من
أسلم وخزاعة وهم يتناضلون فقال ارموا بني إسماعيل فلعل من كان هناك من خزاعة كانوا أكثر فقال ذلك على سبيل التغليب
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
مشروعية التسابق في الرمي ونحوه من الأمور المشروعة التي تخدم الدين أو الوطن أو الصحة كالرياضة وغيرها ولم يتعرض الحديث لمكافأة الفائز لكن الفقهاء قالوا إن كانت المكافأة للفائز مدفوعة من الطرفين لا يجوز لأنها كالرهان تشتمل على الغرر وإن كانت مدفوعة من أحدهما أو من طرف ثالث جاز
2 -
أن التدرب على السلاح بأنواعه والاستعداد للقتال وأخذ الحذر وبناء القوة مطلوب شرعا ولا يخفى أن الرمي مثل من أمثلة الأسلحة القديمة يحل محله المدافع بعيدة المدى وقاذفات القنابل ونحوها من الأسلحة الحديثة فما ورد فيه من حث وترغيب يقال في أمثاله ومن ذلك ما جاء عند أبي داود وابن حبان عن عتبة بن عامر مرفوعا إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثا الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله أي مناول السهام والنبال وفيه ومن ترك الرمي بعد علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها وعند مسلم من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى
3 -
أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم له حيث أمسكوا خشية أن يغلب فريقه وإيمانهم بأن الله معه وناصره وأن من يكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم يقوي بذلك ويشتد ويغلب فقد جاء عند الطبراني من كنت معه فقد غلب وعند ابن إسحاق لا نغلب من كنت معه
4 -
إعزازهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم
5 -
قال المهلب يستفاد من الحديث أن من صار السلطان عليه في جملة المناضلين له لا يتعرض له كما فعل هؤلاء القوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهـ وهو غير مسلم
6 -
استدل البخاري بالحديث على أن اليمن من بني إسماعيل وفيه نظر لأنه استدلال بالأخص على الأعم
7 -
وفيه أن الجد الأعلى سمي أبا
8 -
والتنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله حيث ذكر أن إسماعيل كان راميا
9 -
وفيه تطييب قلوب الأبناء بمفاخر الآباء وندبهم إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها
10 -
وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم
11 -
ومعرفته بأمور الحرب صلى الله عليه وسلم
44 -
عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن
-[المعنى العام]-
في مقام ذم بني إسرائيل وذكر عجائبهم وما وقع منهم من انحراف عن شريعتهم وفي مقام تحذير الصحابة ومن بعدهم من أن يحذوا حذوهم ويقلدوهم في بدعهم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته مما سيقع منهم يحذر الكثرة مما ستقع فيه القلة يحذر من التقليد الأعمى يحذر من الأضواء الكاذبة ومن إلباس الحق بالباطل ومن تزيين المفاسد يحذر من الاتباع في الابتداع ويخبر بما سيقع في آخر الزمان للمسلمين وأنهم سيضيعون العزة والكرامة وسيشعرون بالذلة والهوان والنقص وسيجعلون اليهود والنصارى سادة لهم يرفعون إليهم أبصارهم والنفس مولعة بتقليد الأعلى فيسلكون مسلكهم ويحاكونهم في سوآتهم ونقائصهم حتى لو سلكوا أقبح المسالك وأضيقها حاكوهم واتبعوهم وفعلوا مثلهم وقد حصل الكثير من هذا في زماننا والعياذ بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
-[المباحث العربية]-
(لتتبعن) اللام في جواب قسم محذوف والخطاب لأمة الإجابة الإسلامية والعين في لتتبعن مضمومة والنون مشددة للتأكيد
(سنن) بفتح السين والنون أي طريق
(من قبلكم) أي الذين سبقوكم زمنا ممن لهم طريق سماوي والمقصودون أهل الكتاب اليهود والنصارى
(شبرا بشبر وذراعا بذراع) في رواية شبرا شبرا أو ذراعا ذراعا أي في القليل والكثير فالمقصود تمام المتابعة وكمال الاقتداء أما فيهم المتابعة المنكرة المقصودة فسيأتي في فقه الحديث ونصب شبرا على أنه حال جامدة مؤولة بالمشتق تقيد التشبيه في الاتباع
(حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) الجحر بضم الجيم وسكون الحاء والضب بفتح الضاد وتشديد الباء دابة صغيرة الحجم جبلية المسكن وجحرها مثل في الضيق والتعريج والرداءة فالكلام مبالغة في تمام المتابعة ووصول بها إلى فرض المستحيل
(اليهود والنصارى) مفعول به لفعل محذوف والتقدير أتعني اليهود والنصارى والاستفهام حقيقي
(فمن) اسم استفهام مبتدأ محذوف الخبر أي فمن أعني غيرهم والاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أعني غيرهم
-[فقه الحديث]-
قال ابن بطال أعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم
وقال القاضي عياض تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه أهـ
وواضح من التمثيل بجحر الضب أن الحديث في المنكرات والقبائح والمسالك المتعرجة الرديئة واضح من قصد اليهود والنصارى أن الاتباع المعني إنما هو في الأمور الدينية فيؤول الإنكار إلى اتباع اليهود والنصارى في انحرافهم عن الطريق المستقيم وسلوكهم السلوك القبيح
والقصد من هذا الإنكار التحذير مما سيقع من الشر والبعد عن الدين وهو وإن كان بعيدا عن المخاطبين لن يحصل في زمنهم لكنه تخويف لهم وإيقاظ وتحذير لمن بعدهم
وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة إذ أخبر صلى الله عليه وسلم بما سيقع في آخر الزمان وقد وقع الكثير من ذلك في زمننا والعياذ بالله
فقد كان نساء بني إسرائيل يرتفعن بالأحذية عن الأرض يستشرفن للرجال وانتشر في زمننا الكعب العالي وكن يلبسن الضيق والقصير والمزركش ويتجملن لغير الأزواج ودخل نساؤنا هذا الجحر الضيق في كثير من بلاد الإسلام وقلد الكثيرون من الرجال رجال الغرب في لبس الضيق وحلق اللحية وتزجيج الحواجب والتثني والتكسر وفي شرب السجائر بل وفي الأكل بالشمال بالإضافة إلى خسة التعامل بالربا والتهاون بالفاحشة وضعف الغيرة على النساء
وفي هذا الحديث ذم وتسجيل على اليهود والنصارى أنهم انحرفوا عن دينهم القويم وابتعدوا عن الطريق المستقيم
وفي هذا الحديث تحذير من التقليد الأعمى ودعوة للبعد عن الاتباع في الابتداع البعيد عن المصلحة الدينية والدنيوية
وفيه التمثيل بالمحسوسات لتقريب المعاني إلى الأفهام
45 -
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار
-[المعنى العام]-
نتيجة لتحريف التوراة والإنجيل ونتيجة لانقطاع أسانيد الأخبار الإسرائيلية كانت الثقة فيما روي عن أحوالهم ضعيفة إلا أن يأتي الخبر عن طريق المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم ولما كانت الأعاجيب قد حدثت ووقعت في بني إسرائيل كانت أخبارهم عجبا لا يكاد العاقل يصدقها من هنا تلازمت أمور ثلاثة الإيمان بما يرد عن الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم من أخبارهم ومن غيرها ووجوب تبليغ ما يصدر عنه لمن لم يعلمه الثاني التحديث بما حدث به عن بني إسرائيل من غير حرج مهما كان الخبر غريبا الثالث الالتزام بالنقل الصحيح والصدق فيما يسند إليه صلى الله عليه وسلم من أخبار بني إسرائيل وغيرها والتحذير من الكذب عليه صلى الله عليه وسلم وادعاء أنه قال ما لم يقل أو نفي القول عنه مع العلم بثبوته
عن هذه الأمور الثلاثة يتحدث صلى الله عليه وسلم فيأمر قومه وأصحابه بلغوا من وراءكم وانقلوا عنا ولو خبرا صغيرا ولو آية نزلت أو علامة وحكما شرعيا جد إذا حدثتكم عن بني إسرائيل وأحوالهم فحدثوا بما حدثتكم به من غير حرج وما لم أحدثكم به عنهم وعلمتم كذبه فلا تحدثوا به أما ما لم تعلموا كذبه من أخبارهم فحدثوا به ولا تصدقوه ولا تكذبوه لا تصدقوه لكثرة ما أسند عنهم من أكاذيب ولا تكذبوه لوقوع الغرائب فيهم واحذروا أيها المسلمون من الكذب على محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من كذب عليه متعمدا أعد له مكان ومقر في النار
-[المباحث العربية]-
(بلغوا عني) الخطاب للصحابة ويقاس عليهم من في حكمهم وليس
الأمر للجميع فيجب التبليغ على كل فرد بل الأمر للمجموع فيجب على البعض في الجملة وهو ما يسمى بفرض الكفاية ومفعولا بلغوا محذوفان أي بلغوا من وراءكم شيئا مما تسمعون مني
(ولو آية) آية خبر كان المحذوفة مع اسمها أي ولو كان المبلغ آية واحدة وهذا التعبير يشعر بالقلة والآية في اللغة تطلق على المعجزة وعلى العلامة وعلى العبرة وعلى البرهان والدليل والآية من القرآن معروفة وهل المراد هنا الآية القرآنية أو ما يعمها من حيث المعنى اللغوي أي بلغوا عني ولو علامة وجزئية من جزئيات الشريعة الظاهر الثاني
(وحدثوا عن بني إسرائيل) أي عن أخبارهم وأعاجيبهم وبنو إسرائيل قد يراد بهم أبناء يعقوب أخوة يوسف فإسرائيل اسم ليعقوب عليه السلام وقد يراد ذريتهم إلى النبي موسى وعيسى عليهما السلام ولهذا البحث تتمة في فقه الحديث
(ولا حرج) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم فخبر لا محذوف أي لا منع من التحديث عنهم من جهة الشرع بعد أن كان قد نهى عن التحديث عنهم وقيل المعنى لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب وقيل لا حرج عليكم في عدم التحديث أي حدثوا ولا حرج عليكم أن لا تحدثوا أي حدثوا أو لا تحدثوا لكم الخيار وبقية التوضيح في فقه الحديث
(فليتبوأ مقعده من النار) اللام لام الأمر يقال تبوأ المكان إذا اتخذه مقرا والمقعد مكان القعود أي ليتخذ لقعوده وإقامته يوم القيامة مكانا في النار فلفظ من بمعنى في
-[فقه الحديث]-
لا شك أن الشريعة الإسلامية لا تصل إلى المكلفين إلا عن طريق تبليغ السامع لغير السامع ورب مبلغ أوعى من سامع فكان تبليغ الوحي
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبا على الصحابة الذين تلقوه وواجبا على من يسمع منهم وهكذا إلى آخر الزمان فالكل يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بوسائل متعددة وهل يجب على كل فرد أن يبلغ شيئا ولو قل فيكون التبليغ فرض عين أو التبليغ واجب في الجملة على سبيل فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم والطلب عن الباقين الذي أميل إليه أن تبليغ القليل أو أقل القليل واجب عيني أما الواجب على الكفاية فهو تبليغ الكثير تبليغ العلم والشريعة بكمياتها وعلومها المختلفة
ولما أمر صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه لزم الاحتراز والتحذير من الكذب عليه صلى الله عليه وسلم كأنه يقول بلغوا وتحروا الصدق في التبليغ وإياكم والكذب علي في تبليغكم
وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الكبائر بل بالغ الإمام الجويني فحكم بكفر من كذب متعمدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة بأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وفي الترغيب والترهيب وتأولوا فقالوا فرق بين من كذب عليه ومن كذب له فمن قوى الدين بما لم يقله صلى الله عليه وسلم فقد كذب له كمن وضع أحاديث ترغيب في قراءة القرآن أو في جزاء الأعمال الصالحات والوعيد في الكذب عليه وهذا التأويل باطل ومردود فالشريعة الإسلامية قوية ولا تحتاج إلى تقوية بالكذب والكذب عدم مطابقة الخبر للواقع على الإطلاق
أما التحديث عن بني إسرائيل بما لم تتأكد صحته فقد ورد أولا النهي عنه لعدم الإفراط في قصصهم وأعاجيبهم ثم ضعف صلى الله عليه وسلم الاعتماد على الأخبار التي تنقل عنهم لانقطاع السند واحتمال الكذب فأشار بعدم تصديق ما نسمع عنهم وبعدم تكذيبه إذا أتاكم عن بني إسرائيل شيء فلا تصدقوه ولا تكذبوه لا تصدقوه لكثرة ما نسب إليهم من الأكاذيب ولا تكذبوه لكثرة ما وقع فيهم من الأعاجيب
وفي هذا الحديث يأمر بالتحديث عنهم قال الحافظ ابن حجر وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار قال الإمام مالك المراد جواز التحديث عنهم بما كان من أمر حسن وأما ما علم كذبه فلا أهـ والإشكال في التحديث عنهم بما يعلم صدقه ولم يعلم كذبه أما ما علم صدقه من شريعتنا فلا إشكال في جواز التحديث به وما علم كذبه لا إشكال في النهي عن التحديث به ولهذا يقول الشافعي من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحديث بالكذب أهـ أما ما لم يعلم صدقه ولا كذبه فالجمهور على جواز التحدث عنهم به بأية صورة وقعت سواء باتصال أو بانقطاع بخلاف الأحكام الإسلامية فيصير المعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه والله أعلم
46 -
عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة
-[المعنى العام]-
الحياة هبة الله تعالى لذا ينبغي أن تترك الروح لخالقها يسلبها متى يريد ويحملها الآلام إذا شاء وقد حذر الإسلام من الإقدام على التخلص من الحياة مهما كانت بواعثه ومهما قست بالمرء نوائب الزمان فمن المعلوم أن هذه الدنيا دار شقاء وليس للمصائب والمتاعب إلا الرجال وأولو العزم أكثر الناس بلاء وبقدر تحمل الرجل لكبار الأرزاء تكبر رجولته وبقدر جزعه وانهياره أمام بعضها يظهر ضعفه وجبنه
وقد علمتنا التجارب أن طريق السعادة مليء بالأشواك ومن أراد القمة تسلق الوعر وبالجهاد والصبر والتفويض يصل الإنسان ومن ظن أنه بانتحاره يتخلص من الآلام فهو واهم لأنه إنما يدفع بنفسه من ألم صغير إلى ألم كبير ومن ضجر محدود في زمن قصير إلى ضجر غير محدود في زمن طويل
إن الذي يقدم على الانتحار غير راض بالقضاء محارب للقدر ساخط على مراد الله يائس من روح الله و {إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون}
من أجل هذا كانت عقوبته عند الله قاسية فمن قتل نفسه بحديدة أو ضرب نفسه برصاص أو طعن نفسه بسكين أعد الله له حديدة أو رصاصا أو سكينا من نار يطعن بها نفسه في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا حدثنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى في الجهاد الذي يظن أنه ميدان الجنة يخبرنا صلى الله عليه وسلم عن رجل قاتل الكفار ما ترك شاردة ولا واردة منهم يحدثنا أنه من أهل النار لأنه حين جرح وآلمه الجرح أجهز على نفسه بغرز سيفه بين ثدييه حتى خرج من ظهره وفي هذا الحديث يذكر صلى الله عليه وسلم حادثة مشابهة وقعت في بني إسرائيل هي أن رجلا أصابته جراحة في يده فأهملها حتى تقيحت وازداد ألمها حتى ضعفت قوة الرجل وعزيمته أمام وجعها فقرر أن يتخلص من الحياة كلها ليستريح من قرحته فأخرج سهما من كنانته ونخس القرحة
نخسة شديدة لعله يفجر بها شريان يده فلم ينفجر فأخذ سكينا مرهفا وفي لحظة كشط القرحة ونفذ إلى الشريان الذي قذف بدمه فلم ينقطع الدم حتى مات الرجل فكان من أهل النار فيقول الله تعالى لملائكته عبدي هذا حرمت عليه الجنة لأنه بادرني بنفسه وسارع بإزهاق روحه ولم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي
-[المباحث العربية]-
(كان فيمن كان قبلكم) أي في بني إسرائيل
(رجل) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه
(به جرح) بضم الجيم وسكون الراء أي بيده جرح وفي رواية خرجت به قرحة بفتح القاف وسكون الراء وفي رواية خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج بضم الخاء وتخفيف الراء وهو القرحة وجمع بينها بأنه أصابه جرح ثم صار قرحة
(فجزع) في رواية البخاري فلما آذته
(فأخذ سكينا فحز بها يده) في رواية انتزع سهما من كنانته فنكأها أي نخسها وخرقها ويجمع بين الروايتين بأنه فجر الجرح بالسهم فلم ينفعه فحز موضعه بالسكين
(فلما رقأ الدم) أي لم ينقطع يقال رقأ الدم والدمع يرقأ إذا سكن وانقطع
(قال الله تعالى) أي لملائكته
(بادرني عبدي بنفسه) أي بروحه أي سابقني وجاء أول وهو هنا كناية عن استعجاله الموت
-[فقه الحديث]-
لا خلاف في أن الإقدام على الانتحار حرام وهو كبيرة من أكبر
الكبائر مهما كانت الوسيلة ومهما كان الهدف وقد ذكرت بعض الأحاديث وسائل كانت شائعة معروفة آنذاك كمن قتل نفسه بحديدة ومن شرب سما فقتل نفسه ومن تردى من جبل والذي يخنق نفسه ولا شك أنه يقاس عليها من ألقى نفسه في البحر فغرق ومن أشعل في نفسه نارا فاحترق إلى غير ذلك من الوسائل الحديثة ولذا جاء في الحديث الصحيح ما يفيد التعميم ولفظه ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة
وأهل السنة على أن قاتل نفسه لا يكفر ما لم يستحل ذلك وأنه لا يقطع له بالنار وإن مات من غير توبة بل هو في حكم المشيئة يجوز أن يعفو الله عنه ويجوز أن يعاقبه على ذنبه ومثله كل مرتكب لكبيرة غير الشرك
والخوارج على أن قاتل نفسه وكل مرتكب لكبيرة من الكبائر كافر مخلد في النار محرم عليه الجنة
والمعتزلة على أن قاتل نفسه وكل مرتكب لكبيرة من الكبائر ليس بكافر ولا بمؤمن وأنه في منزلة بين المنزلتين وأنه مخلد في النار محرم عليه الجنة
وظاهر أحاديث قاتل نفسه الصحيحة والمتعددة وظاهر القرآن الكريم في قاتل النفس المؤمنة متعمدا مع المعتزلة فالله تعالى يقول في سورة النساء آية 93 {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} والأحاديث الصحيحة تقول من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا
…
وحديث الباب لفظه قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة
لذا كان على أهل السنة أن يجيبوا على هذه النصوص وأن يوجهوها بما يوافق مذهبهم في مقامين الأول في ألفاظ الخلود في النار والثاني في ألفاظ تحريم الجنة وقد أجابوا في المقام الأول بأجوبة منها
ذهب بعضهم إلى أن المراد خالدا مخلدا فيها إلى أن يشاء الله وهذا الرأي يضعفه التعبير بلفظ أبدا
وقال بعضهم أن المراد بالخلود المكث الطويل لا حقيقة الدوام كأنه قال يخلد مدة معينة ويضعفه ما أضعف سابقه
وقال بعضهم أن أحاديث الخلود وردت مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة وهذا الرأي ضعيف جدا لأنه يؤدي إلى أن الله يهدد ويخيف بما لا يقع
وقال بعضهم إن المعنى أن هذا جزاؤه الأصلي لكن الله تكرم على الموحدين بإخراجهم من النار لتوحيدهم وحاصله أن هذا جزاء فعلي لغير الموحدين أما الموحدون فلن يقع لهم الخلود وهو مردود لعبارات الحديث الواضحة في وقوع هذا الجزاء
وقيل إن أحاديث الخلود محمولة على من استحل هذا الفعل فإنه باستحلاله يصير كافرا والكافر مخلد في النار
وقيل إن الجزاء المذكور هو الجزاء إن لم يتجاوز الله عنه والرأيان الأخيران أقرب الآراء إلى القبول
وفي المقام الثاني في تحريم الجنة عليه قالوا بعض ما قالوا في المقام الأول كالمستحل وأن ذلك ورد مورد الرجز والتغليظ وزادوا
إن الجنة التي تحرم عليه كجنة الفردوس مثلا وحاصله أن ال في الجنة للعهد وهو بعيد
إن تحريم الجنة عليه مقيد بالمشيئة وحاصله حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار التحريم وهو أبعد
قال النووي حديث الباب يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى وأن أصحاب الكبائر كانوا يكفرون بها أهـ وهو مردود بأن ذكره هنا تقرير له
زاد النووي نقلا عن القاضي عياض أنه يحتمل أن تحرم عليه الجنة
ويحبس في الأعراف أهـ لكن هذا الاحتمال لا يتمشى مع مذهب أهل السنة القائلين بدخول جميع الموحدين الجنة
وأقرب التوجيهات للقبول أن تحريم الجنة تحريم مؤقت أي حرمت عليه الجنة فترة من الزمن وهي التي يدخل فيها السابقون إلى الجنة والتي يعذب فيها الموحدون في النار على معاصيهم
وليس في الحديث بجميع رواياته ما يدل على تأييد تحريمها عليه
بقي إشكال قوله بادرني عبدي بنفسه فإن ظاهره يقتضي أن من قتل نفسه مات قبل أجله وأنه لو لم يقتل نفسه لتأخر موته عن ذلك الوقت لكنه بادر فتقدم وهذا الظاهر يتمشى مع مذهب المعتزلة أما أهل السنة فيقولون إن المقتول ميت بأجله
ولهذا يجيبون بأن المبادرة إنما هي من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار للمقدمات أما خروج الروح ففي أجله وأطلق على ذلك مبادرة لوجود صورتها وإنما استحق المعاقبة لأن الله لم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه
وقال القاضي أبو بكر قضاء الله مطلق ومقيد بصفة فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف والمقيد مثاله أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه وثلاثين سنة إن لم يقتل وهذا بالنسبة إلى علم المخلوق كملك الموت مثلا وأما بالنسبة إلى علم الله فإنه لا يقع إلا ما علمه أهـ
فمعنى الحديث بادرني عبدي بالنسبة لعلم المخلوقين لا في الحقيقة ونفس الأمر وعلم الله تعالى
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
تحريم قتل النفس وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن الأنفس ملك لله ولا يتصرف فيها صاحبها إلا بما شرعه المالك جل شأنه
2 -
فيه رحمة الله تعالى بخلقه حيث حرم عليهم قتل نفوسهم
3 -
فيه الحث على الصبر على البلاء وترك الجزع
4 -
فيه تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى المحرم
5 -
فيه التحدث عن الأمم الماضية وما فعلت بقصد الترغيب أو الترهيب
47 -
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه
-[المعنى العام]-
أخرج الطبري أن قائدا من بني إسرائيل أرسل النساء إلى عسكره وأمرهن أن لا يمتنعن من أحد فزنوا بهن فأرسل الله عليهم الطاعون فمات سبعون ألفا في يوم واحد وذكر ابن إسحاق أن الله أوحى إلى داود عليه السلام أن بني إسرائيل كثر عصيانهم فخيرهم بين ثلاث إما أن أبتليهم بالقحط شهرين أو العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام فأخبرهم فاختاروا الطاعون فنزل بهم عقوبة على عصيانهم
ولما كانت الأمة المحمدية معرضة للابتلاء نفسه لتعرض البعض للفساد والإفساد كانت هذه الوصية التي سبقت العالم والعلم الحديث الوصية بالحجر الصحي ومنع المرضى من الاختلاط بالأصحاء بمنع من هم في أرض الوباء من الخروج إلى أرض الأصحاء ومنع الأصحاء من الدخول إلى أرض الوباء حتى يمكن حصار المرضى فيعالج من يمكن علاجه ويقضي الله بما شاء على من أصيب
وفي ذلك تخفيف للبلاء وحصاره والحد من أضراره وأخطاره
فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
-[المباحث العربية]-
(الطاعون رجس) الطاعون على وزن فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله الذي هو الطعن ووضعوه دالا على نوع خاص من الأمراض الوبائية وفي أعراضه وتحديد نوع مرضه قال صاحب النهاية الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان أهـ وهذا التعريف يصدق على كل الأمراض المعدية التي تنتقل عدواها عن طريق الهواء فهو تعريف غير محدد وقال الداودي الطاعون حبة أي ورم تخرج من الأرفاغ وفي كل طي من الجسد وقال عياض أصل الطاعون القروح الخارجة من الجسد أهـ وقال ابن عبد البر الطاعون غدة تخرج في
المراق والآباط وقال النووي هو بثر وورم مؤلم جدا ويخرج غالبا في المراق والآباط أهـ وقال بعض الأطباء الأقدمون منهم ابن سينا الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة من البدن وأغلب ما تكون تحت الإبط وخلف الأذن وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد أهـ وهذه التعاريف قد تصدق أعراضها على نوع من أنواع السرطان القاتل لكن المعروف عن السرطان أنه يصيب الأفراد لا على هيئة وباء وعدوى وهناك من العلماء من خالف هذه الأعراض فهذا المتولي يقول هو قريب من الجذام من أصابه تآكلت أعضاؤه وتساقط لحمه وسيأتي مزيد إيضاح وبيان المراد في فقه الحديث والرجس بالسين الخبيث أو النجس أو القذر والرجز بالزاي هو العذاب هذا هو المشهور في معناهما والأنسب هنا بالزاي بل المحفوظ كما قال الحافظ ابن حجر بالزاي لكن القاضي وجه رواية السين بأن الرجس يطلق أيضا على العقوبة وقال الجوهري الرجس العذاب
(أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم) يحتمل أن يكون المراد ممن كان قبلكم بني إسرائيل فالشك في اللفظ الوارد والماصدق واحد ويحتمل أن يكون المراد غير الطائفة الواردة وأن العذاب بالطاعون تكرر
(فإذا سمعتم به في أرض) أي بانتشاره في مكان ما
(فلا تقدموا عليه) بفتح التاء والدال بينهما قاف ساكنة أي فلا تتجهوا وتقبلوا على مكانه
(فلا تخرجوا فرارا منه) فرارا مفعول لأجله
-[فقه الحديث]-
يقول علماء الطب الحديث إن الطاعون مرض وبائي خطير تنتشر عدواه عن طريق الفئران والبراغيت يصاب به أولا الفأر فإذا امتص البرغوث دم الفأر المصاب حمل جرثومة المرض واسمها في الطب
ميكروب (باسلس بستس) فإذا عض البرغوت المصاب إنسانا أو فأرا آخر نقل إليه المرض الفتاك وهكذا يسرع المرض بالانتشار في مناطق كثرة البراغيث والفيران وأول ما ينبغي القضاء عليه محاربة البراغيث ثم القضاء على الفيران وهناك المصل الواقي لتحصين الأصحاء قبل وصول الداء
والطاعون غير مقصود لذاته بل المقصود الوباء المعدي بصفة عامة وعدم دخول الأرض المصابة وعدم خروج أحد منها وهو ما عرف فيما بعد في العصر الحديث بالحجر الصحي وعزل المرضى وهو أنجح وسائل الوقاية الصحية
وقد استشكل على سبب المرض المشار إليه بما ورد في الحديث أن الطاعون من وخز الجن وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط وقسم يكون من وخز الجن أهـ
والأولى أن يقال إن المراد من الجن في الحديث معناه اللغوي وهو الشيء المستتر لا الجن المعروف فيمكن أن يقصد الميكروب الذي ينتقل إلى الجسم السليم وهو لا يرى بالعين المجردة
وسنرجئ القول في خروج أهل الأرض المصابة إلى شرح الحديث الآتي ونستعرض ما قيل في حكم الدخول إلى أرض الوباء
ولا خلاف في النهي عن الدخول إلى الأرض المصابة وأنه ممنوع إلا لضرورة كالأطباء ومساعديهم ومن تحتاجهم الأرض لحياتها الضرورية أما الدخول من غير ضرورة فهو حرام أو مكروه لأنه تعريض النفس إلى التهلكة وقد أخرج الطحاوي بسند صحيح عن أنس أن عمر أتى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة فقالا يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة وخيارهم وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار فارجع العام فرجع
وحاصل القصة أن عمر قسم الشام أجنادا الأردن جند وحمص
جند ودمشق جند وفلسطين جند وجعل على كل جند أميرا
وقد وقع طاعون عمواس (بفتح العين والميم وحكي تسكين الميم) في الشام في المحرم وصفر سنة ثمان عشرة من الهجرة وخرج عمر في ربيع الأول يقصد الشام حتى إذا كان قريبا منها لقيه أبو عبيدة وكان أمير الشام وأشير على عمر بالرجوع فعزم على الرجوع فقال له أبو عبيدة أفرارا من قدر الله أي أترجع فرارا من قدر الله وفي رواية أمن الموت نفر إنما نحن بقدر لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا فقال له عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيد أي لعاقبته كيف خفي عليك هذا نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله وفي رواية إن تقدمنا فبقدر الله وإن تأخرنا فبقدر الله ومقصود عمر أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه ولو فعل وهجم لكان من قدر الله فهما مقامان مقام التوكل ومقام التمسك بالأسباب فرجوع عمر فرار من أمر خاف منه على نفسه فلم يهجم عليه والذي فر إليه أمر لا يخاف على نفسه منه فالرجوع سد للذرائع وقد زعم قوم أن النهي عن الدخول للتنزيه وأنه يجوز الإقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه وتمسكوا بما جاء عن عمر من أنه ندم على رجوعه والله أعلم
48 -
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد
-[المعنى العام]-
لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كان له بها حسنة وأجر وهكذا يبعث الله على الناس البلاء ليوقظهم من غفلتهم ويردهم عن غواياتهم إلى طاعات ربهم فهذه طبيعة الإنسان إذا أنعم عليه أعرض عن ربه ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض وإذا مس الإنسان الضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل
فالابتلاء وإن كان مؤلما وعذابا لكنه لصالح الإنسان مآلا وهو رحمة ومغفرة للمؤمنين الذين يستحقون رحمة الله يكفر من سيئاتهم ويرفع من درجاتهم وهو عذاب وعقوبة عاجلة لمن يستحقها بسبب الكفر أو ما يرتكب من الموبقات
والابتلاء قد يقع بالأموال وبالتخويف وبنقص الأنفس وموت الأهل وقد يكون بالأمراض الجسمية وأشدها مرض الطاعون الفتاك أعاذ الله منه أمة الإسلام يقول جل شأنه {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} فالصبر والاحتساب من مريض الطاعون إيمان وتوكل بأنه لن يصيبه
إلا ما كتب الله له إيمان بقدر الله إيمان بأن الفرار لا ينفع من الموت أو القتل هذا الصابر المحتسب إن عاش فله أجر الصابرين وإن مات فله أجر الشهداء وهو في رفقة الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا وهذا الصابر المحتسب الماكث في بلد الطاعون يحمي من هم خارج بلده من العدوى وانتشار المرض ويقوي الروح المعنوية لمن هم معه ولا يثير فيهم الهلع والجزع والناس يموتون من الهلع والجزع أحيانا قبل أن تفتك بهم الأمراض وما أعظم وصية رب العالمين لسيد المرسلين وللمؤمنين {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}
-[المباحث العربية]-
(سألت
…
عن الطاعون) أي عن حكمة إرساله على الناس وعن موقف من يقع به أو حوله
(على من يشاء) من المؤمنين والعاصين والكافرين
(رحمة للمؤمنين) ليكفر سيئاتهم فعذاب الدنيا لا يقارن بعذاب الآخرة أو ليرفع من درجاتهم
(ليس من أحد) من زائدة وأحد اسم ليس
(يقع الطاعون) أي في بلده
(فيمكث في بلده) أي فيبقى ويقيم ولا يفر بالخروج فالجار والمجرور في بلده تنازعه الفعلان يقع ويمكث
(محتسبا) أي مفوضا وطالبا الأجر من الله
(يعلم أنه لا يصيبه) المراد من العلم الإيمان والعمل بالمعلوم وليس المراد مجرد المعرفة
-[فقه الحديث]-
تعرضنا في الحديث السابق إلى حكم الدخول إلى الأرض المصابة
بالطاعون ونتعرض هنا إلى حكم الخروج لمن وقع الطاعون في أرضه وهو فيها
ودوافع الخروج حينئذ لا تخلو عن احتمالات أربعة الخروج بدافع مصلحة ضرورية فقط أو بدافع المصلحة الضرورية والفرار أو بدافع الفرار فقط أو اتفاقا وعفوا بدون دافع
ولفظ الحديث السابق فلا تخرجوا فرارا منه يحتمل النهي عن الخروج في صورتين صورة أن يكون الدافع الفرار وحده وصورة أن يكون الدافع الفرار مع غيره وقريب منه ما رواه أحمد وابن خزيمة المقيم في الطاعون كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف ولا خلاف في النهي عن الخروج فرارا وهو حين يتمحض أشد منعا منه حين تشترك معه مصلحة فالفرار معناه ضعف الإيمان بالقضاء والقدر والله تعالى يقول {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة} وما أكثر الذين يموتون على فراشهم دون طاعون وما أكثر الذين يفاجأون بالموت في طريقهم دون أمراض ولكل أجل كتاب إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد
وماذا يفيد الحرص على الفرار من الوباء إذا كنا نؤمن بأن الله هو الذي أعدى الأول من المصابين
ومع ذلك فالخروج من أرض الطاعون يعرض من هم خارج الأرض للخطر ويتسبب في انتشار الوباء واتساع رقعته ودرء هذا مصلحة عامة واجبة الرعاية وإن لم ينص عليها الحديث صراحة لكن إذا جعلنا قيد فرارا قيدا لما هو الشأن والغالب واعتمدنا الحكم بدونه كما في قوله تعالى {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} كان الخروج منهيا عنه سواء كان من دافعه الفرار أم لم يكن