الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الهبة
الهبة في اللغة إيصال الشيء إلى الغير بما ينفعه وشرعا تمليك بلا عوض في الحياة وهذا يعم الصدقة والهدية والإبراء. لأنه إن ملك لاحتياج أو لثواب آخرة فصدقة أو لإكرام فهدية أو ملك المدين فإبراء نعم لا يشترط في الصدقة والهدية صيغة بل يكفي البعث والقبض
5 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة
-[المعنى العام]-
يحض الرسول صلى الله عليه وسلم على التهادي ولو باليسير لما فيه من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء والتعاون على أمر المعيشة والهدية إذا كانت يسيرة أدل على المودة وأرفع للكلفة وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدى إليه والكثير قد لا يتيسر كل وقت والمواصلة تصير كالكثير فلا تحتقر جارة هدية جارتها ولا تتحرج مهدية من صغر هديتها ولو كان المهدى من التفاهة كحافر الفرس وظلف الشاة
-[المباحث العربية]-
(يا نساء المسلمات) في إعرابه ثلاثة أوجه: أصحها وأشهرها نصب نساء وجر المسلمات على الإضافة وهو من باب إضافة الشيء إلى
نفسه والموصوف إلى صفته والأعم إلى الأخص كمسجد الجامع وجانب الغربي وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة وعند البصريين على تقدير محذوف أي مسجد المكان الجامع وجانب المكان الغربي وهنا يا نساء الطوائف أو الأنفس أو الجماعات المسلمات الوجه الثاني رفع نساء ورفع المسلمات على معنى النداء المفرد والمسلمات صفة مرفوعة على اللفظ الوجه الثالث رفع نساء ونصب المسلمات على أنه صفة بحسب الموضع وفي رواية يا نساء المسلمين وفي أخرى يا نساء المؤمنين
(لا تحقرن جارة لجارتها) بنون التوكيد الثقيلة وفي الكلام محذوف أي لا تحقرن جارة هدية لجارتها وفي رواية جارة لجارة بحذف الضمير
(ولو فرسن شاة) خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير ولو كان المهدى فرسن شاء والفرسن بكسر الفاء والسين بينهما راء ساكنة وحكي فتح السين وهو عظم قليل اللحم وهو للبعير موضع الحافر من الفرس ويطلق على ظلف الشاة مجازا
-[فقه الحديث]-
المقصود من الحديث الحث على الإهداء أو على قبول الهدية بنفس راضية وتأويله على الأول لا تحتقرن جارة مهدية شيئا لجارتها مهما كان حقيرا وعلى الثاني: لا تحتقرن جارة هدية مهما كانت حقيرة وحمل الحديث على ما يشمل الأمرين أولى والمراد من ذكر فرسن الشاة المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا حقيقة الفرسن لأنه لم تجر العادة بالمهاداة به أي لا تمتنع جارة من أن تهدي لجارتها ما وجد عندها مهما كان حقيرا فالوجود خير من العدم ولا تحتقر جارة ما أهدي إليها ولو كان حقيرا فهو دليل المودة ولغير العادة خاطب الشرع النساء في حكم يشمل الرجال وذلك لأنهن اللاتي يباشرن الإهداء والقبول غالبا لمطعومات المنازل التي هي أحقر الأشياء وغيرهن يشاركهن بطريق الإلحاق والتعبير
بالجارة لما هو الغالب والكثير وإلا فالنهي يشمل كل مهدية وكل مهدى إليها جارة كانت أو بعيدة أو غريبة
-[ويفيد الحديث]-
1 -
الحض على التهادي ولو باليسير
2 -
استحباب المودة وإسقاط التكلف
3 -
النهي عن ازدراء الهدية مهما صغرت
6 -
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: "يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار فقلت يا خالة ما كان يعيشكم قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا"
-[المعنى العام]-
تحدث عائشة ابن أختها عروة بن الزبير الذي شهدها في نعيمها بعد أن فتح الله على المسلمين بهجة الدنيا وأغدق عليهم من خيراتها تحدثه عن أيام مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم قاسى فيها من آلام الجوع ما جعله يربط الحجر
على بطنه وعانى فيها من الإعدام ما حرم منزل نسائه من النار الشهر والشهرين لعدم وجود ما ينضجونه عليها فيعجب عروة ويسأل خالته: بم كان يقتات حبيب الله وهو الذي عرضت عليه الجبال أن تكون ذهبا؟ وعلام كنتم تعيشون يا خالة فتجيبه: كنا نعيش على الماء والتمر وعلى بعض هدايا من الجيران كانت لهم نوق وشياه وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبانها فيسقينا
-[المباحث العربية]-
(أنها قالت لعروة) بن الزبير بن العوام أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ولد في آخر خلافة عمر سنة ثلاث وعشرين هجرية ومات سنة أربع وتسعين
(إن كنا لننظر) إن مخففة من الثقيلة واللام في خبرها للفرق بينها وبين إن النافية واسمها ضمير الشأن وهذا مذهب البصريين وقال الكوفيون إن نافية واللام بمعنى إلا.
(ثم الهلال ثم الهلال) بالجر عطفا على السابق
(ثلاثة أهلة في شهرين) ثلاثة بالنصب مفعول لفعل محذوف أي نرى ثلاثة أهلة وبالجر على البدلية وفي شهرين متعلق بمحذوف أي تكمل رؤيتها في شهرين باعتبار رؤية الهلال في أول الشهر الأول ثم رؤيته في أول الشهر الثالث فيصدق عليه ثلاثة أهلة في ستين يوما والمقصود من هذا التعبير الإشعار بكمال الشهرين
(وما أوقدت) بضم الهمزة مبنيا للمفعول والجملة في محل نصب حال
(يا خالة) بضم التاء على أنه منادى مفرد أو بكسرها على أنه مضاف لياء المتكلم المحذوفة مع بقاء الكسرة
(ما كان يعيشكم) بضم الياء وكسر العين من أعاشه وضبطه النووي بفتح العين وكسر الياء المشددة وفي رواية ما كان يقيتكم من القوت
(الأسودان التمر والماء) أي كان يعيشنا الأسودان وهو من باب التغليب كالقمرين للشمس والقمر إذ الماء ليس أسود وأطلقت عائشة على التمر أسود لأنه تمر المدينة
(كانت لهم منائح) جمع منيحة بفتح الميم وكسر النون وهي ناقة أو شاة تعطيها غيرك ليحتلبها ثم يردها عليك ولا يقال منيحة إلا للناقة وتستعار للشاة
-[فقه الحديث]-
ورد في بعض الروايات كان يأتي علينا الشهر وما نوقد فيه نارا وفي أخرى كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان ولا منافاة بين حديثنا وبين هذه الروايات لأن ذلك يختلف باختلاف الأوقات وقد عنت عائشة بجيران الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة وعبد الله بن عمر بن حزام وأبا أيوب الأنصاري وسعد بن زرارة وغيرهم ممن كانت بيوتهم قريبة من بيوته صلى الله عليه وسلم وإن لم تكن ملاصقة ومناسبة هذا الحديث لكتاب الهبة أنه يدل على الإهداء للرسول صلى الله عليه وسلم وفي الهدية معنى الهبة كما قدمنا
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
زهد النبي صلى الله عليه وسلم
2 -
وصبره على التقلل من العيش
3 -
وإيثاره صلى الله عليه وسلم الآخرة على الدنيا
4 -
وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى
5 -
وفيه مشاركة الواجد للمعدم
6 -
وفيه جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه تذكيرا بنعمة الله وليتأسى به غيره
7 -
عن أنس رضي الله عنه قال أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها أو فخذيها فقبله قلت وأكل منه قال وأكل منه
-[المعنى العام]-
يقول أنس كنت غلاما شديدا قويا وخرجت مع بعض الصحابة فاستنفرنا أرنبا من مكانه وجحره الصخري فنفر وأخذ يعدو والقوم من خلفه يحاولون إمساكه واصطياده حتى أعياهم وأتعبهم فانقطعوا عنه وتبعته وحدي فأدركته فأمسكته وجئت به إلى زوج أمي أبي طلحة فذبحه وأرسلني بفخذيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل الهدية وأكل منها
-[المباحث العربية]-
(أنفجنا أرنبا) بالنون والفاء والجيم أي أثرناه ونفرناه من مكانه
والأرنب واحد من الأرانب يطلق على الذكر والأنثى ولذا عادت عليه الضمائر في الحديث مؤنثة
(بمر الظهران) مر الظهران بفتح الميم وتشديد الراء وفتح الظاء علم على موضع بينه وبين مكة ستة عشر ميلا إلى جهة المدينة والعلم مجموع المضاف والمضاف إليه فالإعراب على الجزء الأول وهو مر وأما الجزء الثاني فمجرور بالإضافة أبدا وعلامة جره الكسرة بناء على أن المثنى إذا سمي به أعرب بالحركات
(فسعى القوم) أي جروا نحوه ليصطادوه
(فلغبوا) بفتح الغين وكسرها والفتح أشهر ومعناه تعبوا
(بوركها أو فخذيها) الورك بفتح الواو وكسر الراء وبكسر الواو وسكون الراء ما فوق الفخذ وقوله أو فخذيها شك من الراوي عن أنس بين الوركين والفخذين
(فقبله) الضمير يعود على المبعوث به
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث]-
1 -
إباحة السعي لطلب الصيد وجمع بينه وبين ما روي من تبع الصيد غفل بأن المراد من تمادى في طلب الصيد إلى أن فاتته الصلاة أو غيرها من مصالح دينه أو دنياه
2 -
وأنه إذا طلب جماعة الصيد فأدركه بعضهم وأخذه يكون ملكا له ولا يشاركه فيه من شاركه في طلبه
3 -
وأنه لا بأس بإهداء الصاحب لصاحبه الشيء اليسير وإن كان المهدى إليه عظيما إذا علم من حاله محبة ذلك منه
4 -
إباحة أكل الأرانب وهو قول الأئمة الأربعة
5 -
جواز هدية الصيد وقبولها من الصائد
6 -
أن ولي الصبي يتصرف فيما يملكه الصبي بالمصلحة
8 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه كلوا ولم يأكل وإن قيل هدية ضرب بيده صلى الله عليه وسلم فأكل معهم
-[المعنى العام]-
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع كثيرا بأصحابه الفقراء ويأكل معهم تكريما لهم وتطييبا لقلوبهم ولما كان الكثير منهم محلا للصدقة ولما كانت الصدقات لا تحل لمحمد ولا لآل محمد كان الرسول الكريم إذا جيء بطعام سأل عن مورده أعلى سبيل الهدية جاء؟ أم على سبيل الصدقة فإن قيل على سبيل الصدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يمد يده إليه وإن قيل على سبيل الهدية أسرع في تناوله وأكل معهم صلى الله عليه وسلم
-[المباحث العربية]-
(سأل عنه) المفعول محذوف أي سأل مقدمه عنه زاد أحمد من غير أهله
(أهدية أم صدقة) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذا هدية أم صدقة؟ ويجوز النصب بتقدير أجئتم به هدية أم صدقة
(كلوا ولم يأكل) المفعول محذوف أي كلوه ولم يأكله أو الفعل منزل منزلة اللازم أي حصلوا الأكل ولم يحصله
(ضرب بيده) أي شرع في الأكل مسرعا ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع السير
-[فقه الحديث]-
يدل هذا الحديث على قبول الهدية وإنما لم يأكل صلى الله عليه وسلم من الصدقة لأنها لا تحل له قال ابن بطال: لأنها أوساخ الناس لأن أخذ الصدقة منزلة دنية لقوله صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى وأيضا لا تحل الصدقة للأغنياء وقد قال تعالى {ووجدك عائلا فأغنى} ومحل ذلك إذا ظل الشيء على صفة الصدقة أما إذا تصدق به على شخص فأهداه للرسول صلى الله عليه وسلم حل له أكله كما جاء في حديث بريرة وهي أمة اشترتها عائشة فأعتقتها وتصدق عليها بلحم فقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو لها صدقة ولنا هدية وذلك لأن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك لصحة ملكه لها كتصرف سائر الملاك في أملاكهم أما حكم السؤال عما يقدم إلى المرء من طعام أو شراب أمن حلال هو أم من حرام فهو من الورع إن كان في محل تكثر فيه الشبهات وتركه أولى إن بعدت الشبهات
9 -
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال وهو على المنبر: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال أعطيت سائر ولدك مثل هذا قال لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم قال فرجع فرد عطيته
-[المعنى العام]-
سألت أم النعمان أباه أن ينفله عن إخوته من أبيه وأن يعطيه عطية من ماله فماطلها سنة أو سنتين فلما كثر إلحاحها عليه وهبه غلاما فقال لا أرضى بهذه الهبة حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بشير ولده النعمان يحمله بعض الطريق لصغره ويأخذ بيده بعضه حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعطيت ابني هذا عطية فأمرتني أمه أن أشهدك عليها قال عليه الصلاة والسلام هل لك أولاد غيره قال نعم قال أكلهم أعطيتهم مثل هذا؟ قال لا قال أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء قال نعم قال فليس يصح هذا إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور فرجع بشير فرد عطيته التي أعطاها لابنه النعمان
-[المباحث العربية]-
(عمرة بنت رواحة) عمرة بفتح العين وسكون الميم ورواحة بفتح الراء أخت عبد الله بن رواحة زوجة بشير وهي أم النعمان
(لا أرضى) مفعوله محذوف أي لا أرضى هذا الإعطاء حتى تشهد
(قال: أعطيت سائر ولدك) الكلام على تقدير همزة الاستفهام الذي للاستخبار
(مثل هذا) الإشارة إلى المعطي للنعمان
(فاتقوا الله) الفاء فصيحة أعربت عن شرط محذوف تقديره: إذا لم تكن أعطيت سائر ولدك مثله فاتق الله وأعدل بين أولادك وإنما جمع الضمير ليشمل كل من على شاكلته فكأنه يقول اتقوا الله يا من تفعلوا هذا الفعل واعدلوا بين أولادكم
(قال فرجع) فاعل قال ضمير يعود على النعمان راوي الحديث وفاعل رجع ضمير يعود على بشير معطي الهدية
-[فقه الحديث]-
الكلام عن هذا الحديث يتطرق إلى النقاط التالية
1 -
نوع العطية وسببها والباعث على الإشهاد
2 -
آراء الفقهاء وأدلتهم في تفضيل بعض الأولاد على بعض
3 -
آراؤهم في الرجوع فيما أعطاه الوالد لولده
4 -
ما يؤخذ من الحديث وإليك البيان
1 -
صرح في رواية مسلم بأن العطية كانت غلاما وفي رواية ابن حبان بأنها كانت حديقة ووفق ابن حبان بين الروايتين بحملهما على واقعتين لكن يبعده أن يرجع بشير ليشهد على عطيته الثانية بعد أن قيل له في الأولى لا أشهد على جور والأولى ترجيح رواية مسلم وأن العطية كانت غلاما
وسبب هذا الإعطاء ما رواه مسلم عن النعمان قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فالتوى بها سنة أي مطلها ثم بدا له فأعطى فأمرته أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدة تثبيت العطية وعدم تمكن بشير من الرجوع فيها
2 -
وقد اختلف الفقهاء في تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا فذهب أحمد وبعض المالكية إلى وجوب التسوية واستدلوا
بقوله صلى الله عليه وسلم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم والأمر للوجوب وبقوله في رواية أخرى لا أشهد على جور وبأن التفضيل يؤدي إلى تقطيع الأرحام وإبقاء الشحناء بين الأخوة فيكون حراما واختلف هؤلاء فيما لو حصل التفضيل هل يفسد العقد أو يصح مع الحرمة؟ والمشهور الفساد نعم هؤلاء يجيزون التفاضل إن كان له سبب كاحتياج الولد لزمانته أو لصغره أو نحو ذلك وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضا صح وكره وحملوا الأمر في الحديث اتقوا الله واعدلوا على الندب وقالوا في الرواية الأخرى: إن الجور هو الميل عن الاعتدال فيطلق على المكروه. واستشهد بزيادة مسلم أشهد على هذا غيري وهو إذن بالإشهاد فلا يكون حراما وامتناعه صلى الله عليه وسلم عن الشهادة إنما كان على وجه التنزه كما استشهدوا بعمل الخليفتين أبي بكر وعمر ثم إن الإجماع منعقد على جواز إعطاء الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم ثم اختلف الفريقان في صفة التسوية الواجبة أو المستحبة فذهب أحمد وبعض الشافعية وبعض المالكية إلى أن العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث وقال غيرهم لا فرق بين الذكر والأنثى إنما اختلفا في الميراث بالعصوبة أما بالرحم المجردة فهما سواء كالأخوة والأخوات من الأم وظاهر الأمر بالتسوية في الحديث يشهد لهم
3 -
أما الرجوع فيما أعطاه الوالد لولده زيادة على إخوته فوجب عند أحمد لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى للبخاري فارجعه والأمر للوجوب وقال غيره إن الأمر بالرجوع ليس للإيجاب وإنما هو من باب الفضل والإنصاف والإحسان مثله ما جاء في رواية البزار أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه وجاءته بنية له فأجلسها بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا سويت بينهما وليس من باب الوجوب
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
جواز الميل القلبي إلى بعض الأولاد والأزواج دون بعض وإن طلبت التسوية بينهم في غير ذلك
2 -
جواز استفسار الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال أخذا من قوله أعطيت سائر ولدك
3 -
أن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب
4 -
جواز الرجوع عند التفضيل
5 -
كراهة تحمل الشهادة فيما ليس مباحا
6 -
وجوب المحافظة على ما فيه التألف بين الإخوة
7 -
أن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة وتظهر فائدتها ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤديها عند بعض قضاته
8 -
المبادرة إلى قبول قول الحق وأمر الحاكم والمفتي والناس بتقوى الله في كل حال
9 -
قال بعضهم فيه إشارة إلى سوء عاقبة التنطع لأن أم النعمان لو رضيت ولم تطلب الإشهاد ما ردت الهبة وهذا القول ضعيف لأن رد الهبة كان رفقا وعدلا فلا يكون من سوء العاقبة
10 -
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم العائد في هبته كالعائد في قيئه
-[المعنى العام]-
ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجوع في الهبة بعد القبض بتشبيه الراجع فيها بأخس الحيوانات في أخس أحوالها فهو يشبهه بالكلب الذي يقيء فيختلط قيئه القذر بقذارة الأرض والهوام ثم يعود إلى قيئه فيتناوله
-[المباحث العربية]-
(العائد في هبته كالكلب) الجار والمجرور الأول متعلق باسم الفاعل قبله والجار والمجرور كالكلب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وجوز الأخفش والفارسي أن تكون الكاف اسما في محل رفع خبر والكلب مخفوضا بالإضافة
(يقيء ثم يعود) الجملة في محل النصب على الحال أي كالكلب في هذه الحالة
-[فقه الحديث]-
احتج الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنه ليس للواهب زوجا كان أو غيره أن يرجع فيما وهبه إلا للذي ينحله الأب لابنه جمعا بين هذا الحديث وحديث النعمان الماضي فعموم لفظ العائد مخصوص بما رواه ابن ماجه عن جابر أن رجلا قال يا رسول الله إن لي مالا وولدا وأبي يريد أن يجتاح مالي قال عليه الصلاة والسلام (أنت ومالك لأبيك) كما احتجا بما رواه البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس لنا مثل السوء الذي يعود في
هبته كالكلب يرجع في قيئه) أي لا يجوز للمؤمنين أن يتصفوا بصفة ذميمة فهذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة بعد إقباضها وذهب مالك إلى أن للأجنبي أن يرجع في هبته إذا قصد من الموهوب له الثواب ولم يثبه وذهب أبو حنيفة إلى أن للواهب الرجوع في هبته من الأجنبي ما دامت قائمة ولم يعوض عنها واستدلا بما رواه ابن ماجه والطبراني من قوله صلى الله عليه وسلم (الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها) وأجابا عن حديث الباب بأنه عليه الصلاة والسلام جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة وخلقا لا شرعا ولذا كان التشبيه بالكلب لا بالرجل والكلب غير متعبد بتحليل ولا تحريم فالقيء والعود فيه ليس حراما عليه فلا يثبت منع الواهب من الرجوع نعم فيه أنه أمر قذر كالقذر الذي يفعله الكلب
11 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم
-[المعنى العام]-
تحدث عائشة عن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من زوجاته في الحضر والسفر أما في الحضر فكان يقسم لكل منهن يومها وليلتها بالعدل والسوية إلا أن
أم المؤمنين سودة ضحت بليلتها ويومها ووهبتهما لعائشة رضي الله عنهما ابتغاء مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحست بميله نحو عائشة، وأما في السفر فكان صلى الله عليه وسلم يقرع بينهن قبل أن يخرج فأي واحدة منهن خرج سهمها سافرت في صحبته صلى الله عليه وسلم
-[المباحث العربية]-
(أقرع بين نسائه) من القرعة ومنه يقال تقارعوا واقترعوا والقرعة هي السهام التي توضع على الحظوظ فمن خرجت قرعته وهي سهمه الذي وضع على النصيب فهو له
(فأيتهن) أي أية امرأة منهن خرج سهمها الذي باسمها خرج بها معه
(تبتغي) الجملة في محل النصب على الحال من فاعل وهبت وجملة وهبت مستأنفة للتعليل
-[فقه الحديث]-
-[استدل بهذا الحديث على: ]-
1 -
جواز هبة المرأة لغير زوجها وقد اختلف العلماء في إعطاء المرأة بغير إذن زوجها من مالها على قولين أحدهما أن المرأة البالغة الرشيدة ذات الزوج لا فرق بينها وبين البالغ الرشيد في التصرف وهو قول الشافعي والقول الآخر أنه لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئا بغير إذن زوجها وقال مالك لا يجوز إعطاؤها بغير إذن زوجها إلا من ثلث مالها خاصة قياسا على الوصية
2 -
وعلى القسم بين الزوجات في الأيام وليس على الزوج قسم في الميل والمحبة لأنه لا يملك ذلك فتصريف القلوب من الله ولذا ورد اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك
3 -
وعلى مشروعية القرعة لما فيها من تطييب النفس