الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نعم قد تكون هناك ضرورات ومصالح عامة أو ضرورات ومصالح شخصية تقدر بقدرها مع الموازنة بينها وبين ما يترتب على الخروج من أضرار وهذا ما نستريح إليه
لكن العلماء اختلفت آراؤهم في ذلك فقد نقل القاضي عياض وغيره عن بعض الصحابة جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون وقال قوم يحرم الخروج منها وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم وقال قوم يحرم الخروج لمجرد الفرار لا لغرض آخر فالخروج إلى الأسفار والحوائج مباح والله أعلم
باب مناقب قريش
49 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه
-[المعنى العام]-
يقول جل شأنه {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} نعم الإنسانية كلها من أب وأم لكنها في سلوكها وأخلاقها تختلف حتى تشتهر قبيلة بالكرم وأخرى بالشح والبخل وتشتهر قبيلة بالأما-نة وأخرى بالخيانة وتشتهر قبيلة بالحلم وتشتهر أخرى بسرعة الغضب وهكذا في الصدق والكذب وفي الشجاعة والجبن فكانت الإنسانية من حيث السلوك معادن يختلف بعضها عن بعض يعلو بعضها بمكارم الأخلاق ويهبط بعضها بسفاسفها فمن كان على مكارم الأخلاق قبل الإسلام ثم أسلم وتفقه في الدين كان خير الناس فمن كان سيدا وعزيزا في الجاهلية بأخلاقه زاده الإسلام عزا لكن عليه أن لا يدفعه ذلك إلى التطلع للإمارة والولاية فهي في الإسلام حمل وعبء ومسئولية من يسألها ويحرص عليها لا يولى وإن ولي لا يعان عليها فالعقلاء والمتدينون ومقدروا المسئولية يكرهونها ويخشون الوقوع فيها فإذا وقعوا فيها جندوا أنفسهم لرعايتها حق رعايتها وسألوا الله الإعانة والتوفيق والسداد
أما النفعيون والانتهازيون وأصحاب المصالح الشخصية العاجلة الذين يتلونون لكل أمير ويلبسون من الأقنعة ما يناسب كل راء ويأتون هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فأولئك شرار الخلق لا خلاق لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من نصيب
-[المباحث العربية]-
(تجدون الناس معادن) الخطاب للصحابة أو لكل من يتأتى خطابه أي تجد أيها المخاطب في كل زمان ومكان الناس معادن وجاء في رواية الناس معادن أي في حقيقتهم معادن أدركتم ذلك أو لم تدركوا والمعادن جمع معدن وهو الشيء المستقر في الأرض وفي الكلام تشبيه بليغ حذف منه الوجه والأداة والأصل الناس كالمعادن في تفاوت
الأصالة والخسة وفي عدم تغير الصفة المذكورة في حال خفائهم عنها وفي حال ظهورهم بها
(خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) أي كما أن المعدن إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولم تتغير صفته كذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها بل من كان شريفا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية كذا قيل وللموضوع تتمة في فقه الحديث ولفظ خيارهم إما جمع خير بإسكان الياء أو فعل تفضيل يقال خير وأخير وشر وأشر بمعنى لكن الذي بالألف أقل استعمالا وإما جمع خير بتشديد الياء المكسورة والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام والمراد من الفقه علم الشريعة يقال فقه الرجل بضم القاف ويجوز كسرها إذا صار فقيها وفهم سر الدين وشرائعه
(وتجدون خير الناس) من هنا مرادة ومقدرة أي من خير الناس لأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الإطلاق
(في هذا الشأن) في الولاية والإمارة فالمشار إليه معهود للمخاطبين ذهنيا
(وتجدون شر الناس ذا الوجهين) من هنا مقدرة ومرادة كسابقه أي من شر الناس والمراد من الوجه الحالة
(الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) المشار إليهم مطلق فريق فالكلام كناية عن عدم الوضوح وعن التلون والنفاق وللبحث بقية تأتي في فقه الحديث
-[فقه الحديث]-
لا شك أن الإسلام شرف وإن التفقه في الدين شرف وأن شريف الجاهلية يصاحبه الشرف إذا أسلم فمن استجمع أوجه الشرف الثلاثة كان
أشرف الناس يليه مشروف في الجاهلية أسلم وتفقه ويليه شريف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه ويليه مشروف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه
ولا عبرة في الشريعة بشرف الجاهلية إذا لم يصاحبه إسلام ولا عبرة بشرف التفقه ما لم يصاحبه الإسلام
فأقل الناس من جمع نقيض أوجه الشرف الثلاثة فكان مشروفا في الجاهلية ولم يسلم ولم يتفقه
ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فإنه فيما إذا تعارض الشرف مع التقوى فلا شك حينئذ بأن الأكرم هو الأتقى لكن إذا تساوى شريف في الجاهلية ومشروف في التقوى كان الأكرم هو الشريف الأتقى
ولا يخفى أن المراد من شرف الجاهلية الشرف المبني على الخلال الحميدة ومكارم الأخلاق من عفة وكرم وإعانة ونجدة وصدق ووفاء ونحوها وليس المبني على الغلبة أو القوة أو السلطة أو الكثرة العددية أو نحو ذلك
ولما كان شريف الجاهلية قد يطمع بعد الإسلام ويتطلع إلى الرئاسة باعتبار أنه كان رأسا قبل الإسلام ناسب أن يفطم الحديث هذا التطلع وأن يحد منه لجعل الأمر للأمة لا له فحذر من الحرص على الولاية والسعي إليها بل دعا إلى عدم إعطائها لمن يطلبها
وقد استدل بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم وتجدون خير الناس في هذا الشأن أي شأن الولاية أشدهم له كراهية على أن الحرص على الإمارة والعمل والسعي للحصول عليها مكروه
بل ويؤخذ من الحديث أنه كلما اشتدت كراهة المسلم الدخول في هذا الأمر كلما عظم اتصافه بالعقل والدين لما في ذلك من تقدير للعبء والمسئولية ولما يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوق ومن خوف الزلل والظلم ولقد أثر عن عمر رضي الله عنه في نهاية خلافته قوله وددت لو خرجت من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي
وقد جاء في بعض الروايات تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه فهذه الغاية تشير إلى أن من لم يكن حريصا على الإمرة غير راغب فيها تزول عنه الكراهة إذا حصلت له ولهذا أحب بعض الصالحين استمرار الولاية حتى قاتل عليها
ولما كانت البيعة أو الولاية يصحبها غالبا منافقون ووشاة ناسب أن يتعرض الحديث لذي الوجهين بأنه شر الناس أو من شر الناس قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل والكذب مدخل الفساد بين الناس أهـ
وفي تحديد المراد به قال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها مخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحايل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود
وفي تحديد المراد به أيضا قال ابن عبد البر: تأوله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله فيري الناس خشوعا واستكانة وما قاله النووي أقرب إلى المراد والله أعلم
50 -
عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تره أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل
-[المعنى العام]-
تختلف درجات الكذب باختلاف درجة المكذوب به ودرجة المكذوب عليه وكلما كانت آثار الكذبة أشد ضررا كانت الكذبة أعظم جرما وأي كذبة أشد خطرا من كذبة ينتسب بها المرء إلى غير أبيه فيستحل مالا لم يكن ليحل له ويحمل اسما لم يكن ليحمله ويأخذ حقوقا لم يكن ليأخذها جريمة كبرى يشترك فيها من يدعي أبا غير أبيه مع هذا الرجل الذي ليس أبا حقيقيا ينتهكان بذلك شرع الله وحقوق الناس فما أعظم هذه الفرية وما أشد خطرها على المجتمع الإسلامي
وحينما يكون المكذوب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبلغ عن ربه ما أنزله إليه حين يدعي مدع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو لم يقل تضطرب الشريعة وينسب إلى الله ما لم يأذن به جل شأنه وحين يكذب الآدمي في الإخبار عن منامه فيقول إنه رأى كذا وكذا وكذا وهو لم ير من ذلك شيئا والرؤيا جزء من النبوة ونوع من الوحي وإيحاء من الله حين يكذب الإنسان في رؤياه يكون كاذبا على الله مدعيا أن الله ألقى إليه في منامه بكذا وهو لم يلق إليه هل هناك من يفترى عليه أعظم من الله اللهم لا
{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} إن فاعل ذلك أظلم الظالمين وأعظم الكذابين أليس في جهنم مثوى للظالمين فليتبوءوا مقعدهم من النار هي حسبهم وبئس المصير
-[المباحث العربية]-
(إن من أعظم الفرى) بكسر الفاء وفتح الراء مقصورا وجاء ممدودا جمع فرية والفرية الكذب والبهت أي التبجح بالكذب تقول فرى فلان بفتح الراء يفري بكسرها مع فتح الياء وافترى يفتري إذا اختلق
(أن يدعي الرجل إلى غير أبيه) بفتح الياء وتشديد الدال وكسر العين أي أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه والتعبير بالرجل للغالب والمرأة حكمها حكم الرجل ويجوز أن يبقى الادعاء على أصله ويقدر مفعول محذوف أي أن يدعي الرجل نسبا إلى غير أبيه وهذا أولى لورود لفظ النسب في بعض الروايات
(أو يري عينه ما لم تره) يري بضم الياء وكسر الراء منصوب عطفا على أن يدعي وعينه بالإفراد مرادا به الجنس فيصدق على عينيه أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئا ما رأتاه
-[فقه الحديث]-
في الحديث تشديد الوعيد على ثلاث كذبات الكذب في الانتساب وادعاء ابن لفلان وهو غير أبيه أو الرضا بادعاء آخر بنوته وهو يعلم أنه غير أبيه الثانية الكذب في المنام وادعاء أنه رأى ما لم ير والثالثة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما الأولى فقد كانت العرب في الجاهلية تستبيح أن يتبنى الرجل ولد غيره فلا ينسب الولد لأبيه الحقيقي وإنما ينسب إلى الذي تبناه ويصبح له حق الولد من النسب من جميع النواحي حتى نزل قوله تعالى {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما} فحرم التبني ووجبت نسبة كل واحد إلى أبيه الحقيقي ولما كانت تلك العادة متأصلة عندهم احتاج اقتلاعها إلى كثير من التشديد
والوعيد فجاء في صحيح البخاري غير هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ومن ادعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار وفي صحيح مسلم من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام وفيه أيضا لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر
نعم حاول علماء أهل السنة تفسير الكفر بكفر النعمة أو تخصيصه بمن استحل ذلك وتفسير تحريم الجنة بتحريم دخولها مع أول الداخلين أو أن هذا جزاؤه المستحق لو جوزي وقد يعفو الله عنه وغير ذلك من التوجيهات التي لا تخرج فاعل ذلك من الملة وإن عظمت جريرته
وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن هذا الحكم مشروط بالعلم بأنه غير أبيه وهذا واضح لأن الإثم إنما يترتب على العلم بالشيء المتعمد لكن هل يدخل في هذا الوعيد كل من انتسب إلى غير أبيه مهما كان الهدف من الانتساب أو هو خاص بما كان على شاكلة التبني الجاهلي الذي يترتب عليه آثار غير شرعية من الإرث وغيره
التحقيق أن هذا الوعيد خاص بالحالة الثانية أما من رغب عن الانتساب لأبيه لمعرة فيه أو انتسب لأخواله للافتخار والتشرف أو انتسب لأحد أفراد العائلة لشهرته فلا يدخل في الوعيد المذكور وإن كان لا يخلص من إثم ومؤاخذة
وأما الكذبة الثانية وهي الكذبة عن المنام وادعاء أنه رأى في منامه شيئا لم يحصل فإن الحكمة في تشديد الوعيد على هذه الكذبة أن المنام جزء من الوحي سواء قلنا إن الله يرسل ملك الرؤيا فيرى النائم ما شاء أم قلنا إن الله يلقي إلى النائم بما شاء فالكذب في الرؤيا كذب على الله
كذلك الكذبة الثالثة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم هي في مضمونها كذب على الله تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم إنما يخبر عن الله فمن كذب عليه كذب على الله عز وجل والكذب على الله أعظم الكذب بنص القرآن الكريم يقول الله
تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر ويقول {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} وغير ذلك من الآيات في تشديد الوعيد على الكذب على الله كثير
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
تحريم التهرب والانتفاء من النسب المعروف
2 -
تحريم الانتساب إلى غير الأب الحقيقي
3 -
تحريم الكذب في رؤيا المنام
4 -
غلظ تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
51 -
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضع اللبنة
** وفي رواية ** عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله
إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين
-[المعنى العام]-
تتطور البشرية وترقى عصرا بعد عصر وتتقدم من البدائية إلى الحضارة قرنا بعد قرن وتتسع مداركها ومعارفها جيلا بعد جيل وتسمو أفهامها من المحسوسات إلى المعقولات كلما تقدمت بها العلوم ومن هنا كانت البشرية تعبد الحجارة التي لا تسمع ولا تبصر وكانت معجزات رسلها محسوسة تدرك بالأبصار ناقة لها شرب ولهم شرب فلق البحر وانفجار الماء من الصخر وحية تسعى وذراع يضيء وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى إلى غير ذلك من الماديات المحسوسات الخارقات للعادة
وكان كل رسول يدعو قومه إلى عبادة الله وحده وإلى الاستقامة والبعد عن خبائث السلوك فمنهم من حذر من إتيان الذكران من العالمين ومنهم من نهى عن التكبر والتجبر والعبث {أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين} ومنهم من أمر بإيفاء الكيل {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم} ومنهم من نهى عن القتل إذ وصلوا إلى قتل الأنبياء بغير حق ومنهم من نهى عن الزنا لشيوعه وفحشه ومن نهى عن أكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك من تشريعات الرسالات التي أشبهت في تقويمها للبشرية بدار بنيت حجرا حجرا وزاوية زاوية وجانبا جانبا فبنيت في حسن وجمال وبقي لتكمل وتتم مكان حجر في زاوية فتم بناء الدار بالرسالة المحمدية وكمل تقويم البشرية بما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فشملت رسالته وشريعته كل الشرائع وزادت ما تحتاجه البشرية لإصلاحها في كل زمان إلى يوم القيامة
-[المباحث العربية]-
(مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا) المثل بفتح الثاء ما شبه مضربه
بمورده والمراد منه هنا مطلق الوصف والحال أي صفتي وحالي مع الأنبياء قبلي كرجل بنى دارا وفي بيان المشبه والمشبه به قال الحافظ ابن حجر قيل المشبه به واحد والمشبه جماعة فكيف صح التشبيه وجوابه أنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل أهـ
وعندي أن التشبيه من قبيل تشبيه هيئة بهيئة، تشبيه هيئة رسالة الأنبياء السابقين وما جاءوا به من هداية وإصلاح البشرية بهيئة رجل أسس دارا وبناها ورفع بنيانها إلا موضع حجر في زاوية فرسالة الأنبياء قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تشبه في الحقيقة البيت الذي ينقصه شيء وليس التشبيه بالرجل
(إلا موضع لبنة) بفتح اللام وكسر الباء وبكسر اللام وسكون الباء وهي القطعة من الطين تعجن وتجفف وتعد للبناء فإذا أحرقت سميت آجرة
(لولا موضع اللبنة) جواب لولا محذوف على أنها شرطية وموضع مبتدأ خبره محذوف والتقدير لولا موضع اللبنة يوهم النقص لكان بناء الدار كاملا ويحتمل أن تكون لولا تحضيضية ويقدر فعل بعدها لاختصاصها بالأفعال أي لولا أكمل موضع اللبنة
(فأنا اللبنة) مشبه ومشبه به أي فأنا بالنسبة إلى رسالات الأنبياء أشبه اللبنة المكملة للبناء بالنسبة للدار
-[فقه الحديث]-
لقد كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وشريعته صالحة لهم ولزمنهم كاملة لإصلاح قومه غير ناقصة لكن الرسالات السابقة في مجموعها وبكل ما جاءت به لا تصلح للبشرية المستقبلة في جميع الأزمنة وفي جميع الأمكنة فكان لا بد من إضافة رسالة إلى الرسالات السابقة لتصلح لتقويم البشرية في كل زمان ومكان والإشكال الوارد في هذا المقام هو هل الرسالة الخاتمة بالنسبة للرسالات السابقة أساسية لم تكن الرسالات السابقة
وحدها كافية للبشرية وأن اللبنة المقصودة هي في أساس الدار لا تقوم الدار بدونها بل تنقص وتسقط أو أن الرسالة الخاتمة مكملة للرسالات السابقة محسنة ومجملة لها ومكملة لصلاحها إلى الأول ذهب ابن العربي والجمهور على الثاني قال الحافظ ابن حجر ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها وقد وقع عند مسلم إلا موضع اللبنة من زاوية من زواياها فيظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصا وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة
-[
ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
جواز ضرب الأمثال والتشبيه لتقريب المعاني إلى الأفهام
2 -
أن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وبهذا نطق القرآن حيث يقول {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}
3 -
وأن الرسالة المحمدية آخر الرسالات وأنها كاملة مكملة
4 -
فضل محمد صلى الله عليه وسلم
5 -
حاجة الإنسانية إلى الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
52 -
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها
-[المعنى العام]-
صلى الله على من أدبه ربه فأحسن تأديبه حتى قال فيه {وإنك لعلى خلق عظيم} أدبه بآداب القرآن فكان خلقه القرآن تخلق صلى الله عليه وسلم بالحلم والسماحة وبالرفق والإحسان قال عنه من خلقه {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} وقال له {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم}
كان اليسر والتيسير أساس شريعته يعلم أمته ويضرب لهم بنفسه المثل الأعلى يقول يسروا ولا تعسروا ويقول للذين أرادوا التبتل والتفرغ للعبادة وصيام الدهر وقيام الليل وعدم تزوج النساء يقول أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ويخفف عن أمته فيقول ليس من البر الصيام في السفر ويقول إن الدين يسر وما خير بين أمرين إلا اختار
أيسرهما ما لم يكن الأيسر إثما أو يفضي ويؤدي إلى الإثم فإن كان الأيسر إثما أو يفضي إلى الإثم أخذ الأشد وكان أبعد الناس عن الإثم
كان يعلم الرفق والعفو والسماحة يعفو عمن ظلمه يعفو عمن جبذه من ثوبه حتى أثر في رقبته يعفو عمن أغلظ له القول وقال يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك فيبتسم ويعطيه ويعطيه ويعطيه حتى يرضى وما ضرب امرأة ولا خادما قط وما انتقم لنفسه ممن آذاه مع عظم قدرته عليه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله وينفذ أمر الله صلى الله عليه وسلم وأكرمنا بشفاعته يوم القيامة
-[المباحث العربية]-
(ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين) خير بضم الخاء وكسر الياء المشددة مبني للمجهول وحذف الفاعل ليشمل تخيير الله تعالى وتخيير أي إنسان له صلى الله عليه وسلم والمراد من الأمرين ما كان من أمور الدنيا لأن أمور الدين المخير بينها لا إثم فيها كذا قيل وللبحث بقية تأتي في فقه الحديث
(إلا أخذ أيسرهما) أي أسهلهما أداء
(ما لم يكن إثما) أي ما لم يكن أيسرهما مقتضيا أو مفضيا إلى إثم فإنه حينئذ يختار الأشد البعيد عن الإثم
(إلا أن تنتهك حرمة الله) لا شك أن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهاك لحرمة الله فإذا ما انتقم لإيذائه كان انتقاما لانتهاك حرمة الله وإن كان انتقامه لنفسه حينئذ واقعا تبعا
(فينتقم لله بها) أي فينتقم بسبب حرمة الله المنتهكة بدافع كون الانتقام لله
-[فقه الحديث]-
خلقان كريمان من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمعهما السماحة والرفق
الخلق الأول اختيار أسهل الأمرين وأيسرهما فالدين يسر وفي القرآن {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}
ومن الواضح أن التخيير إنما يكون بين أمرين مباحين فلا تخيير بين مندوب ومباح ولا بين مكروه ومباح نعم قد يصح بين الأولى وبين خلاف الأولى من حيث إن كلا منهما لا إثم فيه والإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه الخطيئة فما هو إثم بالنسبة لمقام النبوة قد لا يكون كذلك بالنسبة للعامة فهو من قبيل قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين
فالتخيير من قبل الله تعالى لا يكون بين ما فيه إثم وبين ما لا إثم فيه بل لا بد أن يكون بين جائزين وإن كان أحدهما أولى وأفضل من حيث إن الثاني قد يفضي إلى الإثم وقد مثل له الحافظ ابن حجر بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به عن التفرغ للعبادة وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف فيختار الكفاف وإن كانت السعة والكنوز أسهل منه أهـ
ومثال اختيار الأسهل فطره صلى الله عليه وسلم في السفر واحتجابه عن صلاة قيام رمضان جماعة في المسجد
هذا ما يتعلق بتخيير الله تعالى له بين أمرين دينيين أو دنيويين أما التخيير من قبل العباد فقد يكون بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه فيختار ما لا إثم فيه وإن كان أشق وأشد فإن كان بين أمرين لا إثم فيهما اختار الأسهل صلى الله عليه وسلم
الخلق الثاني العفو عند القدرة وعدم الانتقام لخاصة نفسه ويمكن تقسيم الجرائم التي ينتقم لها أو لا ينتقم إلى
1 -
جريمة في حقه وفي حق الله كالكفر مع إيذائه صلى الله عليه وسلم من أجل دعوته إلى الإيمان والمبالغة في عدائه وعداء دعوته مع الإصرار والاستدامة على الكفر فينتقم صلى الله عليه وسلم من صاحب هذه الحالة لكن بنية الانتقام لله مثال ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل
2 -
جريمة في حقه وحق أهله وحق الله فينتقم صلى الله عليه وسلم من صاحب هذه الجريمة بنية الانتقام لله ولحق العباد من أهله مثال ذلك القصاص من بعض من نال من عرضه صلى الله عليه وسلم في حديث الإفك
3 -
جريمة في حقه صلى الله عليه وسلم لا بسبب الدعوة ولا بفعل كفر كالأعرابي الذي جفا برفع صوته عليه والأعرابي الذي شده من ردائه حتى أثر الرداء في كتفه صلى الله عليه وسلم فلا ينتقم فيها وإن كان إيذاؤه صلى الله عليه وسلم معصية لله تعالى وهذه الحالة هي المرادة من الحديث وهي المرادة من حديث أخرجه الحاكم ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما أي بصريح اسمه ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب بها في سبيل الله ولا سئل في شيء قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم ومن حديث الطبراني وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فإن انتهكت حرمة الله كان أشد الناس غضبا لله
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
الحث على ترك الأخذ بالشيء العسير والاقتناع باليسير وترك التشدد
2 -
الندب إلى الأخذ بالرخص ما لم يظهر الخطأ
3 -
يؤخذ من قوله إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها الندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
4 -
ترك الحكم للنفس فلا يقضي حاكم لنفسه وإن كان متمكنا من الظلم وذلك لحسم المادة وإغلاق باب الخطر
5 -
ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق
53 -
عن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه
-[المعنى العام]-
بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ رأوا قطيعا من الغنم قد جلب إلى المدينة من البادية للبيع ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه يفحص أكثرهم خبرة في البيع والشراء فوقع اختياره على عروة بن الجعد فناداه وأعطاه دينارا وقال له اذهب إلى هذا الجلب فاشتر لنا شاة
يقول عروة فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار وبينما أنا عائد إذ لقيني رجل فساومني فبعته شاة بدينار وجئت بالدينار والشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته
سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تخطئ نظرته حين اختار عروة فدعا له بالبركة في بيعه وشرائه فكان يربح في كل ما يبيعه مهما كان حقيرا حتى لو اشترى التراب وباعه لربح فيه
يقول عروة فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي
ثم اتخذ شراء الجواري وبيعها مهنة فربح الكثير والكثير رضي الله عنه
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
-[المباحث العربية]-
(يشتري له به شاة) أي يشتري للرسول صلى الله عليه وسلم فهو وكيل في الشراء وذكر سفيان بن عيينة أن الشاة التي رغب في شرائها كانت للضحية لكن المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالكباش وأنه كان يضحي بكبشين أملحين أحدهما عنه وعن أهله والثاني عن فقراء المسلمين
(فاشترى له به شاتين) أي فاشترى عروة للرسول صلى الله عليه وسلم بالدينار شاتين
(فكان لو اشترى التراب لربح فيه) أي لو اشترى التراب وباعه لربح وهذا التعبير كناية عن حصول البركة في البيع والشراء والكناية قصد اللازم مع صحة وقوع الملزوم وبيع التراب وشراؤه نادر فالكلام للمبالغة عن الربح في كل بيع وشراء
فقه الحديث
أصل السند كما في البخاري حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان حدثنا شبيب بن غرقدة قال سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم
…
إلخ
فالسند كما هو واضح فيه مجهول وهو الحي ولم يسم أحد منهم فالحديث على هذا ضعيف للجهل بحال القوم وقد دافع الحافظ ابن حجر عن صحة هذا الحديث والمقام لا يسمح بإيراد البحث فمن أراده فليراجعه والمقصود من عرض المسألة أن الشافعي قال إن هذا الحديث غير ثابت فتوقف في بيع الفضولي ثم قال إن صح الحديث قلت به
وبيع الفضولي هو بيع غير المأذون له في البيع فعروة طلب منه الشراء كوكيل في الشراء لكنه باع ما يملكه الغير بدون إذنه فالشاتان وقعتا في ملك الرسول صلى الله عليه وسلم بالشراء وهذا البيع باطل عند جمهور الفقهاء وصحيح عند بعضهم وموقوف صحته على إجازة المالك عند البعض الآخر وهو أقرب الأقوال للحديث فرسول الله صلى الله عليه وسلم أقر البيع ولم يعترض وأجازه ودعا لصاحبه