الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب المغازي
غزوة بدر
56 -
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال لا نقول كما قال قوم موسى اذهب أنت وربك فقاتلا ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره
-[المعنى العام]-
في مواقف الشدة تعرف الرجال وفي المواطن الحرجة تظهر معادنهم لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قد وعده إحدى الطائفتين العير أو النفير فجمع أصحابه بالمدينة وأخبرهم أن أبا سفيان مع عير لقريش يمرون قريبا من المدينة وطلب منهم الخروج لعلهم يغنمون مقابل بعض ما فقدوا وما تركوا من مال بمكة حين الهجرة واستشارهم فخرجوا فبلغ ذلك أبا سفيان فأرسل إلى أهل مكة يستنفرهم وغير طريقه وأفلت بالعير وكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه قد ساروا يومين وأصبحوا بالصفراء قريبا من بدر فجمعهم للمرة الثانية يستشيرهم في القتال وقد علم أن قريشا خرجت بألف مسلح فقام أبو بكر فتكلم فأحسن وقام عمر فتكلم فأحسن ثم قام المقداد فقال يا رسول الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك
فقاتلا إنا هنا قاعدون ولكنا نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون والذي بعثك بالحق لو خضت بنا هذا البحر لخضنا معك نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا وسرورا ثم نظر إلى الأنصار ينتظر رأيهم وكان يتخوف أن لا يوافقوه لأنهم لم يبايعوه إلا على النصرة ممن يقصده لا أن يسير بهم إلى قتال العدو فقال له سعد بن معاذ مثل ما قال المقداد وزاد فكانت الثقة وكانت الشجاعة وكان الإقدام وكان النصر من عند الله
-[المباحث العربية]-
(المقداد بن الأسود) اسم أبيه عمرو بن ثعلبة الكندي ونسب إلى الأسود لأنه كان قد تبناه في الجاهلية
(مشهدا) أي موقفا مشاهدا مفعول شهدت
(لأن أكون صاحبه أحب إلي) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ وأحب خبره أي كوني صاحبه أحب إلي
(مما عدل به) عدل بضم العين وكسر الدال أي وزن والمعنى أحب من شيء يقابل به من الدنيويات وقيل من الأجر والثواب والمراد المبالغة في عظمة ذلك المشهد وأن ابن مسعود كان يتمنى أن يكون صاحب هذا الموقف وأنه لو خير بين أن يكون صاحبه وبين أن يحصل له أي شيء آخر لفضل أن يكون صاحبه
(أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين) يوم بدر عندما استشار أصحابه في القتال بعد إفلات العير
(لا نقول كما قال قوم موسى) الكاف صفة لمصدر محذوف وما مصدرية أو موصولة أي لا نقول قولا مشبها قول قوم موسى أو مشبها الذي قاله قوم موسى
اذهب أنت وربك فقاتلا المخاطب موسى عليه السلام وقال ذلك بنو إسرائيل استهزاء واستهتارا وخذلانا
(أشرق وجهه) أي تفتح وأضاء
(سره) أي وسره قول المقداد
-[فقه الحديث]-
أخرج ابن أبي شيبة أن سعد بن معاذ قال يوم بدر لئن سرت حتى تأتي برك الغماد لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى
…
إلخ نحو ما نسب إلى المقداد
وأخرج الإمام أحمد بإسناد حسن قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نقول كما قالت بنو إسرائيل ولكن انطلق أنت وربك إنا معكم
وللجمع بين الأحاديث يقال إنه لا مانع أن يقول ذلك المقداد فيسمعه سعد بن معاذ فيقول كما قال ويزيد لعلك يا رسول الله خرجت إلى أمر فأحدث الله غيره فامض لما شئت وصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وسالم من شئت وعاد من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وما نسب إلى المقداد وسعد بن معاذ يمكن أن ينسب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم نسب هذا القول في بعض الروايات إلى سعد بن عبادة وفيه نظر لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرا
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
ما كان عليه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من التواضع والمشورة
2 -
ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان والتضحية وثبات الجأش والشجاعة
3 -
فيه منقبة عظيمة للمقداد
4 -
ما كان عليه قوم موسى من الجبن والضعف والخور
5 -
مشروعية الدعاء على الكافرين
6 -
أثر التوعية والتنشيط والتشجيع عند القتال
57 -
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرا توفي بالمدينة قال عمر فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقلت إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر قال سأنظر في أمري فلبثت ليالي فقال قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا قال عمر فلقيت أبا بكر فقلت إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلمأ رجع إليك قلت نعم قال فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها لقبلتها
-[المعنى العام]-
حقا لا حياء في الدين ولا حياء مما يبيحه الإسلام والقوي هو الذي يخضع عرفه إلى شرعه هذا عمر بن الخطاب لا يأنف أن يعرض ابنته
على عثمان ليتزوجها فيرفض عثمان الزواج صراحة وجرأة أخرى من عثمان لا حرج فيما تراه مصلحة لك وبخاصة في شريكة الحياة لم يأنف عمر من العرض ولم يأنف عثمان من الرفض وعرضها مرة أخرى على أبي بكر قال له: إن شئت ورغبت زوجتك حفصة بنت عمر وسكت أبو بكر لم يجب برفض أو قبول لكن الصمت في مثل هذه الحالة له دلالة النطق بل له دلالة الرفض يا للوجد والألم والغضب النفسي الذي أصيب به عمر حفصة وإن كانت ثيبا قد مات عنها زوجها خنيس متأثرا بجراح معركة بدر لكنها ما زالت شابة في سن العشرين وهي جميلة وهي ابنة عمر كيف يرفضها عثمان ويتأبى ويمسك عن قبولها أبو بكر أقرب الأصدقاء إلى عمر بل هو أخوه الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينه حسرات نفسية تقطع أحشاءه وبخاصة من رفض أبي بكر
شكا عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض عثمان فكان في الجواب الشفاء وكان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا وسلاما على قلب عمر قال له يتزوج عثمان من هي خير من حفصة وتتزوج حفصة من هو خير من عثمان وانتظر عمر الإيضاح فكان يتزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتزوج حفصة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل بعد هذه البشرى سعادة لعمر وهل يستطيع كتمانها عمر لقد ذهب بها إلى أبي بكر يعتب عليه ويبشره لكن أبا بكر عاجله بالاعتذار إليه قال أعلم أنك تألمت وغضبت إذ سكت ولم أجبك حين عرضت علي حفصة وما منعني من القبول إلا أني كنت أعلم رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فلم أكن لأقبل ولم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أكن لأرفض لأنني لو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبلتها وعرف عمر السبب فبطل العجب وعاد الصفاء بين الأصحاب
-[المباحث العربية]-
(تأيمت حفصة) بفتح التاء والهمزة والياء المشددة أي صارت أيما بالياء المشددة المكسورة وهي التي يموت زوجها أو تبين منه وتنقضي
عدتها وأكثر ما تطلق على من مات زوجها قال ابن بطال العرب تطلق على كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا امرأة له أيما
(من خنيس) بضم الخاء وفتح النون مصغر وهو أخو عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي
(قد شهد بدرا) هذا سر إيراد الحديث هنا فيمن شهد بدرا
(توفي بالمدينة) متأثرا بجراحة أصابته قيل في غزوة أحد وقيل في غزوة بدر وهذا أولى كما قال الحافظ ابن حجر
(فقلت إن شئت أنكحتك حفصة) الجملة بيان لعرضه حفصة ومفعول المشيئة محذوف أي إن شئت نكاح حفصة أنكحتك حفصة، وكان العرض بعد وفاة زوجة عثمان رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم
(سأنظر في أمري) أي في أمر زواجي منها ففي الكلام مضاف محذوف والمراد من النظر التفكر والمراد من الأمر الشأن
(قد بدا لي) أي قد ظهر لي واستقر عندي
(أن لا أتزوج يومي هذا) مفعول أتزوج محذوف أي لا أتزوج حفصة وحذفه للتعميم أي لا أتزوج أية امرأة أو الفعل منزل منزلة للازم أي لا يحصل مني زواج والمراد من يومي هذا وقتي الحاضر فليس المراد يوم المتكلم بذاته
(فصمت أبو بكر) صمت بفتح الميم من باب دخل وحكي بكسر الميم في المضارع فيكون من باب ضرب
(فلم يرجع إلي شيئا) يرجع بفتح الياء تتعدى إلى المفعول بنفسها أي فلم يعد إلي جوابا ولا ردا وهذه الجملة قصد بها رفع المجاز في صمت لئلا يظن أنه صمت زمنا ثم تكلم
(فكنت عليه أوجد مني على عثمان) أي كنت عليه أشد وأكثر غضبا وألما وذلك لما كان بينهما من أكيد المودة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد آخى
بينهما ولأن عثمان اعتذر والاعتذار يخفف ولا يشعر بالإهمال وقيل إن عثمان كان قد طلبها من عمر فرده عمر لرفض حفصة لقرب وفاة زوجها ثم عرضها عمر فاعتذر عثمان فسبق رفضه جعل العتب على عثمان ضعيفا
(فأنكحتها إياه) قيل تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة بخمسة وعشرين شهرا أو ثلاثين شهرا ولها من العمر نحو العشرين سنة فقد ولدت قبل البعثة بخمس سنين
(إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها) قال العلماء: لعل اطلاع أبي بكر على أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد خطبة حفصة كان بإخباره صلى الله عليه وسلم إما على سبيل الاستشارة وإما لأنه كان لا يكتم عنه شيئا مما يريد
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث]-
1 -
عرض الإنسان ابنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه وإنه لا استحياء في ذلك
2 -
وأنه لا بأس بعرضها عليه وإن كان متزوجا لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجا
3 -
فيه عتاب الرجل لأخيه وعتبه عليه وقد جبلت الطباع على ذلك
4 -
في الاعتذار وإيضاح الأمور عند مظنة التقصير
5 -
فيه أنه لا غضاضة من اطلاع الإنسان من يثق في عقله ودينه على ما يريد ولو كان في ذلك ما يمس مشاعره في العادة فقد اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على عزمه على الزواج من حفصة مع أن ابنة أبي بكر عنده
6 -
وفيه أن الصغير لا ينبغي له أن يخطب امرأة أراد الكبير أن يتزوجها ولو لم تقع الخطبة فعلا
7 -
وفيه الرخصة في تزوج من عرض النبي صلى الله عليه وسلم بخطبتها أو أراد أن يتزوجها لقول الصديق ولو تركها لقبلتها
8 -
وفيه أن الأب يخطب إليه ابنته الثيب كما يخطب إليه ابنته البكر ولا تخطب إلى نفسها
9 -
وفيه أن الأب يزوج ابنته الثيب من غير أن يستأمرها إذا علم أنها لا تكره ذلك وكان الخاطب كفؤا لها
10 -
المحافظة على الأسرار وعدم إفشائها ولو كان السر معلوما بالإشارة أو بالتعريض
11 -
فيه منقبة عظيمة لخنيس وأنه من أهل بدر
58 -
عن جابر رضي الله عنه قال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقال أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيل
-[المعنى العام]-
في السنة الخامسة من الهجرة وبعد غزوة أحد بعامين خرج حيي بن أخطب اليهودي بعد قتل بني النضير إلى مكة يحرض قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج كنانة بن أبي الربيع بن أبي الحقيق اليهودي يسعى في بني غطفان ويحضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش وفي طريقهم انضم إليهم جمع من بني سليم فصاروا في جمع عظيم قيل إنهم بلغوا عشرة آلاف يتجهون إلى المدينة والمسلمون حينئذ لا يزيدون على ثلاثة آلاف أكثرهم فقير لا يملك السلاح واستشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فاستقر الرأي على عدم الخروج وعلى البقاء في المدينة يقاتلون من بيت إلى بيت فقال سلمان الفارسي يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا هوجمنا في بلدنا خندقنا علينا وحفرنا حول بلدنا قناة دائرة متسعة لا يسهل اجتيازها فنكون في حصن من الأعداء هم في ناحية ونحن في ناحية فلا يكون إلا الرمي بالنبال ويمكن التحصن منه وراقت الفكرة ولم يتردد الرسول صلى الله عليه وسلم في تنفيذها فالأمر عجل والأعداء يتجمعون في الطريق وجند المسلمون لهذا العمل الكبير حتى الغلمان جند منهم من يقدر على حمل التراب على كتفه واشترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في الحفر وحدد لكل عشرة من الرجال مسافة عشرة أذرع في عشرة أذرع بدأ العمل بكل جد يسابقون الزمن عشرون يوما مضت وهم يحفرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسك بالمعول تارة ويحمل التراب تارة حتى غطى التراب جلد بطنه وصدره اشتد بهم الجوع ثلاثة أيام لا يذوقون طعاما اشتد بهم التعب بضعا وعشرين يوما لا يجدون راحة وماذا يفعلون في صخرة كبيرة حطمت المعاول ولم تتحطم إنها تشبه الجسر تيسر على الأعداء العبور وتضيع فائدة الخندق كلها لجأوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا
إليه الصخرة وصلابتها فقال إني نازل إليها ناولوني المعول نزل وبطنه معصوب
بحجر من شدة الجوع ضربها الضربة الأولى وهو يستغيث ويستعين بربه ويقول بسم الله الله أكبر فكسر ثلثها فضربها الضربة الثانية وهو يقول بسم الله الله أكبر فكسر الثلث الثاني ثم ضربها الثالثة وهو يقول بسم الله الله أكبر فعادت رملا يسيل وينهال
وجاء الأحزاب وأحاطوا بالمدينة من فوقها ومن أسفل منها وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهرهم إلى جبل سلع والخندق بينهم وبين القوم وتم الحصار وحدث تراشق بالنبال وعبر سبعة من فرسان المشركين الخندق من ناحية ضيقة فتصدى لهم شجعان المسلمين فقتل من الفرسان اثنان وفر الباقون وطال الحصار واشتد الأمر بالمسلمين وزاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وجعل المنافقون يستأذنون ويقولون إن بيوتنا عورة تحتاج منا رعاية وحماية ويقولون فيما بينهم ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ونقلت إلى بيوت المدينة ضعاف النفوس وفكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخذل عيينة بن حصن ومن معه ليرجع مقابل أن يعطي ثلث ثمار المدينة فرفض سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقالا كنا نحن وهم على الشرك لا يطمعون منا في شيء من ذلك فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله عز وجل بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف وسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء جماعة من الصحابة يقولون يا رسول الله هل من شيء تقوله لربك لقد بلغت القلوب الحناجر قال نعم اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وارسل من يخذل ويوقع بين صفوف المشركين وجاءت ليلة شديدة الريح والبرد والمطر وأرسل الله على الكفار ريحا عاصفة ما تركت لهم بناء إلا هدمته ولا إناء إلا أكفأته وقذف الله في قلوبهم الرعب فأسرعوا بالرحيل وعادوا من حيث أتوا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا
-[المباحث العربية]-
(فعرضت كدية شديدة) كدية بضم الكاف وسكون الدال وفتح الياء
وهي القطعة الصلبة الصماء وفي رواية كيدة بالكاف ثم الياء ثم الدال قيل هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض
(وبطنه معصوب بحجر) من الجوع وفائدة ربط الحجر على البطن أنها تضمر من الجوع فيخشى انحناء الصلب بذلك فإذا وضع الحجر فوقها وشد عليه العصابة استقام الظهر والحجر المشار إليه نوع من حجارة رقاق قدر البطن
(ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لبيان السبب في ربط الحجر على البطن وفي رواية لا نطعم شيئا أو لا نقدر عليه وذواقا أي مذوقا مفعول به لنذوق
(فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول) بكسر الميم وسكون العين وفتح الواو أي المسحاة وفي رواية فأخذ المعول أو المسحاة بالشك وهي الفأس أو نوع منها يحطم الحجارة
(فعاد كثيبا أهيل) فاعل عاد ضمير يعود على الكدية باعتبارها شيئا مضروبا والكثيب الرمل ومعنى أهيل أي منهالا يهال ويسيل ولا يتماسك
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
مقدار ما لاقى الصحابة والرسول الكريم في الدفاع عن الدعوة ومحاربة الشرك وأهله
2 -
ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مشاركة للقوم فلم يجعل فارقا بين القائد والجندي حتى في الأعمال الشاقة كالحفر ونقل التراب ونحوه
3 -
ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من القوة الجسمية ومن تأييد الله له
4 -
جواز ربط الحجر على البطن عند شدة الجوع
5 -
إن قول الصحابي لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق طعاما ليس من قبيل الشكوى المذمومة ولا تنافي الصبر والتسليم للقضاء والرضا به
6 -
مشروعية وسائل الدفاع عن النفس واستخدام الموانع الطبيعية والصناعية للحيلولة دون وصول الأعداء
59 -
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتى على حمار فلما دنا من المسجد قال للأنصار قوموا إلى سيدكم أو خيركم فقال هؤلاء نزلوا على حكمك فقال تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم قال قضيت بحكم الله وربما قال بحكم الملك
-[المعنى العام]-
كانت ديار بني قريظة وهم يهود قريبة من المدينة وقد كتبوا عهدا بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحاربوه ولا يساعدوا من يحاربه لكنهم
نقضوا العهد وغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وتعاونوا مع الأحزاب فلما نصر الله المسلمين ورجع الأحزاب وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاد المسلمون نزل جبريل وقد خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة الحرب فقال أخلعتم عدة الحرب ولم تخلع الملائكة عدتها إني سابق إلى بني قريظة فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة وأسرع المسلمون إلى إجابة النداء فكانوا عند المغرب في بني قريظة نحو ثلاثة آلاف حاصروهم بضع عشرة ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب فطلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه وكان سعد قد أصيب بسهم في غزوة الأحزاب وما زال يعالج منه في خيمة في المسجد فجاءوا به على حمار يسندونه من يمين وشمال فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم فأنزلوه وكرموه فنزل فقال له صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء قد قبلوا الاستسلام والنزول على ما تحكم به فيهم ووقف بنو قريظة ووقف المسلمون يرقبون حكم سعد فقال يا رسول الله حكمت فيهم بأن يقتل الرجال الذين يحملون السلاح ضد الإسلام وأن تسبى ذريتهم ونساؤهم وأن تغنم ديارهم وأموالهم وكان الوحي قد نزل بحكم الله فيهم وهو ما نطق به سعد فقال صلى الله عليه وسلم حكمت فيهم بحكم الله عز وجل من فوق سبع سموات على لسان الملك جبريل عليه السلام فخندق لهم خندق وضربت أعناق الرجال وكانوا نحو ستمائة مقاتل وهكذا كانت نتيجة الغدر والخيانة ومحاربة الإسلام
-[المباحث العربية]-
(نزل أهل قريظة على حكم سعد) أي أعلنوا النزول من حصونهم والتسليم على أساس قبول الحكم الذي يحكم به عليهم سعد بن معاذ
(فأرسل النبي إلى سعد) أرسل لإحضاره من المسجد وكانت قد ضربت له خيمة يتمرض فيها
(فأتى على حمار) بفتح الهمزة والتاء مبني للمعلوم
(فلما دنا من المسجد) الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة في بني قريظة فهو غير المسجد الذي يتمرض فيه
(قال للأنصار) لعل أبا سعيد الخدري اعتبر القول خاصا بالأنصار لأنه سيد الأوس ورئيسهم وكبيرهم
(قوموا إلى سيدكم) سيد القوم أفضلهم وهل القيام من أجل إنزاله أو من أجل تكريمه سيأتي الحكم في فقه الحديث وهل المأمورون بالقيام مطلق الصحابة أو هم الأنصار قيل وقيل
(هؤلاء نزلوا على حكمك) أي رضوا به والإشارة لبني قريظة
(تقتل مقاتلتهم) أي الرجال الذين يقاتلون ويحملون السلاح
(ونسبي ذراريهم) ونساءهم
(قضيت بحكم الله) في رواية لقد حكمت فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات ومعناه أن الحكم نزل من فوق ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق فهو فوق كل شيء ومع كل شيء
(وربما قال بحكم الملك) الشك من أحد الرواة في أي اللفظين قاله الرسول صلى الله عليه وسلم والملك بكسر اللام أي الله عز وجل فالروايتان بمعنى واحد وعند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام وفسره بجبريل لأنه الذي ينزل بالأحكام وهذا الذي عند الكرماني مردود
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
استدل بعضهم بقوله قوموا إلى سيدكم على مشروعية القيام للقادم ويقول إن النهي عن القيام قد اقترن بالمشابه لقيام الأعاجم لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة ولجعفر ابن عمه وكان يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت عليه وتقوم له إذا قدم عليها
وذهب بعضهم إلى منع القيام للقادم ووجه الحديث بأن الأمر بالقيام لمساعدته على النزول لمرضه لا لتكريمه واحتج بحديث معاوية من سره أن يتمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار
ورد هذا الاستدلال بأنه فيمن أحب أن يقوم الناس له أي في المتكبرين ومن يغضبون أو يسخطون على من لم يقم لهم أما القائم نفسه فلا دلالة في الحديث على منعه من القيام لمن لا يحب ذلك من العلماء والصالحين بل قال بعض العلماء إن الزمان إذا فسد وترتب على عدم القيام للقادم فتنة ولو كان ممن يحب أن يتمثل له الناس قياما جاز اتقاء هذه الفتنة عملا بقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
2 -
مشروعية التحكيم في المشكلات ونزول الطرفين على حكم من يرضونه حكما
3 -
وفيه قبول الفاضل حكم المفضول
4 -
محاربة من نكث العهد وخان الميثاق وقد نزل في بني قريظة {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}
5 -
جواز التلقيب بالسيد لمن يعلم عنه الخير والفضل والكراهة الواردة تحمل على تسويد أهل الشر والفسوق
6 -
في الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عظيمة لسعد بن معاذ رضي الله عنه
60 -
عن أبي موسى رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا وحدث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك قال ما كنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه
-[المعنى العام]-
بعد غزوة بني المصطلق قدم إلى المدينة أعرابي بجلب وشياه يبيعها فقال إني رأيت ناسا من بني ثعلبة وبني أنمار وقد جمعوا لكم يستعدون لمحاربتكم وأنتم في غفلة عنهم
وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما زال يذكر تجمع الأحزاب ومن الحكمة أن يقتص وأن يعيد إلى المسلمين الثقة بالنفس وأن يرد كيد من تسول له نفسه بالاعتداء على المسلمين فليخرج إليهم في صحراء نجد حيث يقيمون نعم هم قلة لكن المسلمين مجهدون والمسافة والشقة بعيدة ليخرج من المسلمين عدد غير كبير ليخرج سبعمائة أو نحوها برغبة واختيار من غير استنفار خرج الكثيرون ممن لا ظهر له وها هم الأشعريون الفقراء يخرجون الستة منهم يعتقبون البعير الواحد يركبه كل منهم مسافة فينزل ليركب غيره والمسافة طويلة والأرض صخرية ورملية حامية والقوم لا
يلبسون نعالا أو خفافا أياما يمشون حتى انتفخت فقاقيع مائية في أقدامهم ثم انفجرت فنقبت أقدامهم وتساقطت بعض أظفار أرجلهم لكن ما زال مقصدهم بعيدا لفوا على أرجلهم خرقا وقطعا من الأقمشة وساروا عليها لم تكن هذه حالة الستة نفر ولا حال الأشعريين فقط بل كانت تلك الحالة العامة بين المسلمين حين صارت الخرق في الأرجل سمة عامة فسميت سفرتهم هذه وغزوتهم تلك بغزوة ذات الرقاع
وشاء الله أن لا يكون قتال ورغم أن الخوف دب في المسلمين أمام أعدائهم حتى صلوا صلاة الخوف لكن الله كف أيدي الأعداء عنهم وبث في قلوبهم الرعب فتفرقوا وانصرفوا وعاد المسلمون بسلام
-[المباحث العربية]-
(خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يقصد نفسه والأشعريين أو معشر الصحابة
(في غزاة) أصلها غزوة قلبت الواو ألفا بعد نقل حركتها إلى الساكن الصحيح قبلها فأصبحت ساكنة بعد فتح فقلبت ألفا
(ونحن ستة نفر) أي من الأشعريين يمثلون مجموعة في الجيش وهذا التعبير يرجح أن الضمير في خرجنا لجماعة الأشعريين لئلا يلزم تشتيت ضمائر جماعة المتكلمين
(بيننا بعير) أي واحد والبينية مراد بها الاشتراك في الاستخدام
(نعتقبه) أي يركبه بعضنا عقب ركوب البعض ويصدق بركوب اثنين اثنين وواحد واحد لكن الذي يؤدي إلى نقب الأقدام من طول المسافة وطول المشي أن يكون الاعتقاب واحدا واحدا
(فنقبت أقدامنا) نقبت بفتح النون وكسر القاف أي رقت وضعفت الطبقة الظاهرة من الجلد
(ونقبت قدماي) ذكر خاص بعد عام لمزيد عناية به أو لرفع إبهام البعضية في الأفراد أو في قدم دون قدم
(وسقطت أظفاري) أي أظفار قدمي وهذه الجملة لبيان زيادة العناء والآلام
(فكنا نلف على أقدامنا الخرق) أي قطع الثياب البالية لوقايتها من خشونة الأرض وحرارتها
(فسميت غزوة ذات الرقاع
…
إلخ) وقد ذكر أصحاب المغازي في سر تسميتها بذلك أسبابا أخرى فقيل لأنهم رقعوا راياتهم وقيل لأن شجرا بذلك الموضع يقال له ذات الرقاع وقيل لأن الأرض التي نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع وقيل لأن جبلا هناك كانت حجارته ذات بقع تشبه الرقاع ولا مانع من اتحاد الواقعة وتعدد أسباب التسمية
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
مدى الصعوبات والمشاق والآلام التي تحملها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل حماية الدعوة ونشرها
2 -
مشروعية المشاركة والتعاقب على البعير وذلك مشروط بعدم الإضرار بالحيوان
3 -
مثل أعلى في التوافق والتراضي بين الرفقاء والإيثار والمحبة ولو كان بهم خصاصة
وفي الحديث إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعامهم جمعوا ما عندهم في إناء واحد ثم اقتسموه بالسوية فهم مني وأنا منهم
4 -
جواز التحدث عما تحمل الإنسان من مشاق في سبيل عمل الخير ولا يعد ذلك من الرياء والسمعة أو الافتخار ما لم يقصد ذلك وإن كان الأولى ترك مثل هذا التحديث فقد جاء في نهاية هذا الحديث في
البخاري قول أبي بردة الراوي عن أبي موسى وحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك قال ما كنت بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه أهـ أي كأنه كره أن يفشي ويعلن عملا صالحا قدمه
61 -
عن البراء رضي الله عنه قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا
-[المعنى العام]-
في مستهل ذي القعدة سنة ست من الهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة هو وأصحابه قاصدين إلى العمرة كان صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه أنه
يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون وظن صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا هذه تتحقق له ولأصحابه هذا العام فأخبرهم فخرجوا معه بهدي العمرة لم يهتموا بالسلاح ولم يستعدوا لحرب لكن شأنهم تقلد السيوف واستصحاب الرماح والنبال في جل سفرهم خرج معه نحو أربعمائة وألف (أربعة عشر مائة) حتى وصلوا إلى مكان يسمى الحديبية على بعد عشرة أميال تقريبا من مكة نزلوا فضربوا الخيام وقرروا التوقف عن المسير إذ بلغهم أن قريشا علمت بهم واستعدت لمنعهم وجمعت الجموع لقتالهم وأرسلت قريش رسلها إلى محمد صلى الله عليه وسلم تسأله عن مقصده وأخبرهم أنه ما جاء لفتح أو لحرب وإنما جاء مقلدا الهدي محرما معتمرا لكنهم أصروا على منعه فأرسل إليهم عثمان بن عفان لعله يشرح لهم ويقنعهم وله فيهم حسب ونسب فحجزوه وأشيع بين المسلمين أنهم قتلوه فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فأشاروا عليه بقتال قريش وطلبوا منه أن يمد يده ليبايعوه على الموت في سبيل الله وتحت شجرة بايعوه سميت شجرة الرضوان لما نزل بشأنها من قوله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}
وتحركت الرسل بين الفريقين ودارت مفاوضات وطال الوقت حتى نفد الماء إن بئرا واحدة قليلة الماء لا تكفي أربعمائة وألفا ودوابهم لقد نزحوها نزحا حتى لم يبق فيها حفنة من الماء والقوم ورواحلهم عطاش ذهبوا يشكون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على حافة البئر ثم قال هل من ماء في زاد أحدكم فجيء له بقليل من ماء كان في مزودة منزوحا من البئر فتوضأ منه ومضمض ودعا ثم قذف الماء في البئر وقال دعوها ساعة
تركوها ساعة وإذا بمناديهم ينادي الماء الماء ذهبوا فإذا البئر ملأى فشربوا وسقوا أبلهم وملأوا مزاودهم وظلوا يشربون منها حتى تم الصلح صلح الحديبية فتركوها ورجعوا وانصرفوا وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في طريق عودته إلى المدينة سورة الفتح {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}
وتبين للمسلمين أن فتح مكة فيما بعد وإن اعتبر فتحا إلا أن الفتح الحقيقي الجدير باسم الفتح والمقصود بقوله تعالى {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} إنما هو صلح الحديبية لما فتح الله به على الإسلام والمسلمين ويكفي دليلا على ذلك أنه أسلم في عامين بعده أضعاف من أسلموا قبله كان المسلمون في الحديبية نحو ألف ونصف الألف وكانوا في فتح مكة نحو عشرة آلاف
-[المباحث العربية]-
(تعدون أنتم الفتح فتح مكة) الخطاب لمتأخري الصحابة ممن لم يشهد الحديبية ويعلم ثمرة صلحها وأل في الفتح للكمال كقولنا أنت الرجل
(وقد كان فتح مكة فتحا) هذا استدراك للحفاظ على قيمة فتح مكة أي كان فتحا لكنه ليس الفتح الأكبر
(ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان) قصده أننا نعد الفتح الأكبر صلح الحديبية المترتب على بيعة الرضوان وآثرها بالذكر لفضلها والتشرف بالانتساب إليها
(يوم الحديبية) بتشديد الياء الثانية وتخفيفها لغتان وأنكر بعضهم التخفيف قال أبو عبيد أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون
(والحديبية بئر) يشير إلى أن المكان المعروف بالحديبية سمي ببئر كانت هناك ثم عرف المكان كله بذلك وقيل سمي المكان باسم شجرة حدباء كانت هناك فصغرت وقيل غير ذلك
(فنزحناها) في رواية فنزفناها بالفاء بدل الحاء والنزف والنزح واحد وهو أخذ الماء شيئا بعد شيء إلى أن لا يبقى منه شيء
(فلم نترك فيها قطرة) واحدة القطر نقطة المطر والتعبير مبالغة إذ الدلو لا يمسك من قعرها شيئا مع وجود قطرات كثيرة
(فجلس على شفيرها) أي على حرفها
(ثم دعا بإناء من ماء) المقصود من مائها ففي رواية ثم قال ائتوني بدلو من مائها لأن المعجزة ستكون تكثير الماء وليس إنشاء الماء
(فتوضأ ثم مضمض) الظاهر أن المراد من الوضوء هنا معناه اللغوي أي غسل كفيه ومضمض
(ثم صبه فيها) أي ثم صب ماء في البئر
(فتركناها غير بعيد) أي تركناها زمنا يسيرا فغير بعيد صفة لزمن محذوف وليس لمكان محذوف أي زمنا غير بعيد بدليل رواية ثم قال دعوها ساعة
(ثم إنها أصدرتنا) أي رجعتنا وأعادتنا وأبعدتنا وصرفتنا عنها وقد روينا
(ما شئنا) قدر مشيئتنا ورغبتنا أي روينا حتى شبعنا وانتهت رغبتنا وانصرفت إرادتنا ومشيئتنا
(نحن وركابنا) الركاب الإبل التي يركب عليها والمراد ما يعم كل ما معهم من دواب
-[فقه الحديث]-
في عدد أهل الحديبية خلاف مبني على اختلاف الروايات فروايتنا أربع عشرة مائة وفي رواية للبراء نفسه أنهم كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر وفي رواية لجابر في البخاري أيضا كنا خمس عشرة مائة وقد جمع بينها بأن عددهم كان أكثر من ألف وأربعمائة ودون الألف والخمسمائة فمن قال أربع عشرة مائة ألغى الكسر ومن قال خمس عشرة مائة جبر الكسر
أما رواية عبد الله بن أبي أوفى وأنهم كانوا ألفا وثلاثمائة فهي محمولة على ما اطلع عليه هو واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد من تلاحقوا
بهم أو قصد عدد المقاتلة والزيادة من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان
كما اختلف في البيعة وعلام بايع المسلمون ففي بعض الروايات أنهم بايعوا على الموت وفي بعضها أنهم بايعوا على أن لا يفروا ومن المعلوم أنه إذا بايع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت والذي ثبت إما أن يغلب وإما أن يغلب ومن يغلب إما أن يؤسر وإما أن يموت فلما كان الموت لازما محتملا لمن يفر عبر به بعضهم أما من قال إن البيعة كانت على الثبات وعدم الفرار فقد حكى صورة البيعة وأما لماذا عدت بيعة الرضوان أو صلح الحديبية الفتح الأكبر فلأنها كانت فاتحة نجاح الدعوة نجاحا لم يعهد فقد حصل بها الأمن وزال بسببها الخوف وانتشر بناء عليها الإسلام لأن الناس حين أمنوا كلم بعضهم بعضا وحث المسلم غير المسلم على الإسلام وتناقش الناس في الإسلام بحرية فغزا قلوب الكثيرين مع أن شروطها تبدو مجحفة بالمسلمين فقد كان من شروطها
1 -
أن يرجع المسلمون هذا العام ولهم في العام القابل أن يدخلوا مكة ويقيموا بها ثلاثة أيام فقط وسلاحهم في قرابه
2 -
وضع الحرب بين الفريين عشر سنين
3 -
أن لا يناصر محمد محالفيه على قريش كما أن قريشا لا تناصر أحلافها على النبي صلى الله عليه وسلم
4 -
من أتى محمدا من قريش رده إليهم وإن كان مسلما ومن أتى قريشا من المسلمين لا يردونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم
-[ويؤخذ من الحديث: ]-
1 -
أن الأحكام على الأشياء ينبغي أن يؤخذ في اعتبارها أثرها وقيمتها في دروب الحياة في الواقع وفي نفس الأمر لا في الظاهر فحسب
2 -
شجاعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفانيهم في سبيل