الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع في خبر المتواتر
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟
المسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟
المسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها.
المسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟
المسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون مسلمين
وعدولا؟
المسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم
عدد، ولا يحويهم بلد؟
المسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم
وأديانهم؟
المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟
المسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل
الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص، والقرائن؟
المسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله.
المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه.
ذهب إلى ذلك العلماء المعتد بأقوالهم.
وهذا هو الحق؛ لأن الواقع يشهد لذلك؛ حيث إنه حصل لنا
العلم اليقيني بما أخبرنا عنه عن طريق متواتر، فقد حصل لنا العلم
بوجود بعض البلدان البعيدة كالصين، والهند، ونحوهما، وكذلك
حصل لنا العلم بالأنبياء السابقين، والعلماء، والسلاطين، والوقائع
والغزوات، ونحو ذلك، وسبب حصول العلم بذلك هو أننا أخبرنا
عن ذلك بأخبار متواترة؛ حيث إننا لم نشاهد ذلك.
أي: إنا وجدنا أنفسنا عالمة بذلك كله كما نجدها عالمة بما نشاهده
وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، فيكون معانداً
ومكابراً، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.
فثبت أن المتواتر يفيد العلم، وإذا كان كذلك فيجب تصديق خبر
المتواتر بدون قرائن.
وهذا كله يفارق خبر الآحاد، فإنه لا يعلم صدقه إلا بقرائن،
كما سيأتي.
المذهب الثاني: أن المتواتر لا يفيد العلم، بل يفيد الظن.
ذهب إلى ذلك السُّمَنية - بضم السين مع تشديدها وفتح الميم -
نسبة إلى بلد في الهند اسمه " سومانا "، وكانوا من عبدة صنم
اسمه " سومانات "، وذهب إلى ذلك - أيضاً - البراهمة - وهم
من منكري الرسالة.
دليل هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا سبيل لإدراك
علم من العلوم إلا طريق الحواس الخمس - وهي: السمع،
والبصر، واللمس، والشم، والذوق - والمتواتر ليس منها، فلا
يفيد العلم إلا إذا انضم إليه بعض القرائن، أما الخبر المتواتر بمجرده
فلا يفيد العلم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا باطل من وجهين هما:
الوجه الأول: أن حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط
منتقض بالأمور التي تدرك بالعقل المحض، كعلمنا بأن الاثنين نصف
الأربعة، وعلمنا بأن الضدين - كالسواد والبياض - يستحيل
اجتماعهما.
ومنتقض أيضا بالمشاهدات الباطنة مثل علم الإنسان بجوع نفسه.
ومنتقض أيضاً بالتجريبيات وهي: اطراد العادات مثل كون النار
محرقة.
وإذا ثبت أن هناك طرقاً تفيد العلم - غير الحواس الخمس - فإنه
يبطل حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط.
الوجه الثاني: أنكم قلتم: إن العلوم لا تدرك إلا عن طريق
الحواس الخمس - فقط - فمن أين علمتم ذلك؟ ولا علم لكم
بذلك إلا عن طريق العقل.
أي: أنكم حصرتم إدراك العلوم بهذه الخمس عن طريق العقل،
وهنا قد أقررتم بطريق - وهو العقل - تدرك به العلوم غير الحواس
الخمس، فثبت أن هناك طرقا أخرى تدرك بها العلوم غير الحواس
الخمس.
بيان نؤع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن السُّمَنية ومن وافقهم لا ينكرون وقوع
العلم من المتواتر في الجملة، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد
الخبر، بل إلى قرينة، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل.
***
المسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول - من المسألة السابقة، وهم
القائلون: إن المتواتر يفيد العلم فيما بينهم - في هذا العلم الذي
أفاده المتواتر هل هو علم ضروري أوَّلي قد حصل للسامع بلا نظر
واستدلال، أو هو نظري لم يحصل إلا بعد اكتساب واستدلال؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العلم الحاصل بالمتواتر ضروري.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو المختار عندي؛ فالعلم الحاصل بالمتواتر قد علمناه. بالضرورة
من غير نظر ولا استدلال، فيضطر العقل إلى تصديقه، والعمل
بمقتضاه بدون حاجة إلى دليل أو قرينة.
والمراد بالعلم الضروري هو: ما يعلمه المكلف ويلزمه - من غير
نظر واستدلال - لزوماً لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة،
كالعلم الحاصل بما تواترت به الأخبار من ذكر الأمم السالفة والبلاد
النائية، والعلم الحاصل بالحواس الخمس، والعلم الحاصل
بالمشاهدات الباطنة، كالعلم بجوع نفسه وعطشه، ونحو ذلك ولا
فرق بينها.
ثبت ذلك بأدلة هي كما يلي:
الدليل الأول: أنه لو كان العلم الحاصل عن التواتر نظريا لم يقع
إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال والاكتساب كالعلماء، وللزم
اختلاف الناس فيه " فعلمه بعضهم وجهله آخرون بسبب اختلافهم في
النظر والأدلة.
لكن لما وقع العلم الحاصل من المتواقي لغير أهل النظر والاستدلال
كالعوام، والصبيان، والنساء، كما وقع لأهل النظر، واشترك
الجميع في ذلك، ثبت أن العلم الحاصل عن المتواتر ليس نظريا،
فثبت أنه ضروري.
الدليل الثاني: أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة
والبلاد النائية - التي لم يدخلها - عند سماعه لخبر المتواتر بها، مع
أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر.
فعلمنا بذلك أن العقل مضطر إلى التصديق بما ينقل إلينا بخبر
المتواتر، ولو كان العلم من المتواتر قد حصل عن طريق النظر: لما
اضطررنا إلى العلم به إلا بعد النظر والاستدلال والقرائن.
المذهب الثاني: أن العببم الحاصل بالمتواتر نظري.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كأبي بكر الدقاق، وابن القطان،
وأبي الحسين البصري، وأبي القاسم الكعبي، وأبي الخطاب الحنبلي
إلا أن الأخير لم ينص عليه في " التمهيد "، لكنه نصره بالأدلة
وأجاب عن أدلة أصحاب المذهب الأول.
دليل هذا المذهب:
استدل على هذا المذهب بأنه لو كان العلم الحاصل من المتواتر
ضرورياً لما احتاج إلى النظر، ولكنه احتاج إلى النظر، فيكون نظريا.
ويدل على ذلك: أن خبر المتواتر لم يفد العلم بنفسه، بل حصل
هذا العلم بواسطة مقدمتين هما:
المقدمة الأولى: أن هؤلاء المخبرين مع اختلاف أحوالهم، وتباين
أغراضهم، وكثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع، ويستحيل
عادة تواطؤهم على الكذب.
المقدمة الثانية: أن هؤلاء قد اتفقوا عن الإخبار عن واقعة واحدة
كوجود الهند مثلاً.
فالعلم بصدق الخبر المتواتر قد توصلنا إليه عن طريق مجموع
هاتين المقدمتين.
فيقال مثلاً: وجود الهند قد أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على
الكذب عادة، وكل ما أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب،
فهو معلوم، فوجود الهند معلوم، وهذا هو العلم النظري؛ حيث
نظرنا في هاتين المقدمتين واستدللنا بهما على ثبوت العلم بوجود
الهند.
وهاتان المقدمتان تشعر النفس بهما وإن لم يكونا بلفظ منظوم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا ضعيف، لأن المقدمات التي يتوقف حصول
هذا العلم على النظر فعها حاصلة في أوائل الفطرة، وهذا لا يحتاج
إلى كبير تأمل وفكر، ومثل ذلك لا يسمى نظرياً؛ لأن النظري هو
الذي يتوقف على أهلية النظر، وليس هذا من هذا الباب.
المذهب الثالث: أن العلم الحاصل بالمتواتر بين النظري وبين
الضروري، فهو أقوى من النظري المكتسب، وليس في قوة
الضروري.
قاله أبو الفضل الخوارزمي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا
يعتمد عليه، وليس بشيء.
المذهب الرابع: التوقف في المسألة.
وهو رأي الشريف المرتضى، والآمدي.
وسبب توقفهما: ضعف أدلة أصحاب المذهبين، فكل دليل من
أدلة الفريقين قد اعترض عليه باعتراض قوي عندهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن التوقف ليس مذهباً معتبراً.
وعلى فرض أنه يعتبر مذهبا: فإنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة
أدلة أصحاب المذهب الأولى - وهو المختار - والاعتراضات التي
ذكرها الآمدي في " الإحكام " لا تقوى على إبطال تلك الأدلة.
بيان نوع هذا الخلاف:
إن المذهبين الثالث والرابع لا يعتبران؛ لما سبق، فينحصر الخلاف
في المذهبين الأولى والثاني، والخلاف بينهما لفظي لا ثمرة له؛ لأن
أصحاب المذهبين قد اتفقا على النتيجة، ولكنهما اختلفا في الطريق
إليها، فأصحاب المذهب الأول وهم القائلون: إن العلم الحاصل
بالمتواتر ضروري لا ينازعون في توقفه على النظر في المقدمات
المذكورة، وأصحاب المذهب الثاني وهم القائلون: إن العلم
الحاصل بالتواتر نظري لا ينازعون في أن العقل يضطر إلى التصديق
إليه، وإذا وافق كل فريق ما يقوله الفريق الآخر في حكم هذا العلم
وَصفيه لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ.
***
المسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها:
إن هناك شروطاً قد اشترطت لخبر التواتر حتى يكون مفيداً للعلم،
وإليك الشروط المتفق عليها:
الشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا به، أي: قد
علموه ضرورة عن طريق إحدى الحواس الخمس كان يقولون: "رأينا
الهند "، أو " سمعنا قيصر يقول "، أو " لمسنا الثلج فوجدناه باردا"
أو نحو ذلك.
دليل هذا الشرط: أن ما لا يكون كذلك، فإنه يحتمل أن يدخله
عدة احتمالات من غلط، أو سهو، أو غفلة، فلا يحصل به
العلم، كذلك لو تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه عن طريق
النظر والاستدلال، فإنه لا يحصل العلم لنا بتلك الأخبار؛ - لأن
العلم قد حصل لنا بالطريق الذي حصل لهم من النظر والاستدلال.
فمثلاً لو أخبرنا العدد الكثير بأن الأنبياء صادقون، فإنه لا يحصل
لنا العلم بهذا عن طريق خبرهم، بل إنه حصل لنا العلم بذلك عن
طريق النظر والاستدلال، فننظر ونستنبط مثل المخبرين، بخلاف ما
لو أخبرونا عن شيء محسوس، فإنه لا يمكننا أن نشاهد الهند، أو
نلمس الثلج إذا كنا لا نعرف ذلك وليس ببلادنا.
الشرط الثاني: أن يكون حال وعدد من نقل عن الأولين كحال
وعدد الأوَّلين الذين شاهدوا المخبر عنه، أو سمعوه، وكذلك مثل
هؤلاء الطبقة التي تليها، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة
يشترط فيها شروط التواتر.
دليل هذا الشرط: أن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه،
فلابد من توفر شروط التواتر فيه، فإن نقل الخلف عن السلف ذلك
الخبر وتوالت الأعصار، ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر: لم
يحصل العلم بصدقهم؛ لعدم استواء طرفا الخبر ووشطه في كمال
العدد والصفة.
الشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالماً بما أخبر به اضطراراً.
دليله: أن تحصيل الحاصل محال، وتحصيل مثل الحاصل - أيضاً -
محال؛ حيث إن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.
الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير
المتشددين أو المتساهلين.
دليله: أنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له.
تنبيه: هذه شروط الخبر المتواتر المتفق عليها، وهناك شروط له
مختلف فيها ستعرفها فيما يلي من المسائل.
المسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر عدد محصور.
فحصول العلم بالخبر المتواتر ليس له عدد محصور، بل متى ما
حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن: علمنا أن الخبر بلغ
التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بى خبر المخبرين: علمنا أن الخبر لم
يبلغ حدَّ التواتر.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي
حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، أو بوجود الأنبياء، أو
الأئمة الأربعة، فلا سبيل واضح جلي نسلكه ونعرف به العدد
- بالتحديد - فهذا عسير جداً؛ وإنما السبيل إلى معرفة كون هذا الخبر
متواتراً هو حصول العلم بالخبر، فالعلم يتزايد تزايداً خفي التدريج
فهو يشبه تزايد عقل الصبي، فإذا لا نعرف متى بدأ الصبي يعقل
ويميز بين الخير والشر؛ لذلك لا يكلف الصبي العاقل حتى يبلغ،
ويشبه أيضاً تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال.
فكذلك الخبر، فإن الأول يحرك. الخبر، والثاني يؤكده، والثالث
كذلك، وهكذا، فإنه لا زال يتزايد تأكيد الخبر حتى يصبح التصديق
به ضروريا لا يمكن الشك فيه، ولكن لا يمكننا أن نعرف بالتحديد
العدد الذي لما بلغه المخبرون أصبح الخبر متواتراً.
والسبب في ذلك هو: قصور القوة البشرية عن إدراك ذلك، فلا
يمكن لأي عاقل - مهما كان - أن يدرك متى بالتحديد حصل العلم
بخبر مخبرين كثيرين عن شيء معين، بل يحصل لنا العلم بخبر
المتواتر، وإن كنا لا نقف على أول عدد أفاده، كما نعلم حصول
الشبع عن طريق الأكل وإن كنا لا نقف على آخر لقمة تسببت في
هذا الشبع، وكما نعلم حصول الري عن طريق شرب الماء، وإن
كنا لا نقف على آخر جرعة تسببت في هذا الري، وهكذا.
المذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر عدد محصور ومعروف.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
والقائلون بهذا الشرط اختلفوا في تحديد العدد على أقوال:
فقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثنين؛ قياساً على الشهادة.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعة؛ قياساً على أعلى
الشهادات كالزنى.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر خمسة؛ قياسا على أولي العزم
من الرُّسُل وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد
- عليهم أفضل الصلاة والتسليم -.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرة؛ لأن العشرة مما فوق
جمع كثرة.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثني عشر؛ قياساً على نقباء بني
إسرائيل، لقوله تعالى:(وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) .
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرين؛ لقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ، فأوجب الجهاد على
العشرين، وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم إذا أخبروا حصل العلم
بصدقهم.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعين؛ قياساً على من تنعقد
بهم الجمعة.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر سبعين؛ لقوله تعالى:
(واختار موسى قومه سبعين رجلاً) ، وإنما خصَّهم بذلك لحصول
العلم بما يخبرون به.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ قياساً على
عدد أهل بدر.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ألف وخمسمائة، وهم عدد بيعة
الرضوان.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا المذهب ظاهر الفساد؛ لأمرين:
أولهما: أن تعارض أقوالهم في تحديد العدد واختلافهم دليل
ظاهر على فساده.
ثانيهما: أنه لا دليل صحيح على هذا المذهب، وما ذكروه من
الأدلة على تلك الأقوال لم تبن على شيء سوى قياسات واعتبارات
بعيدة كل البعد عما نحن فيه، فلا تُسلَّم لهم.
المسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون
مسلمين وعدولاً؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين
ولا عدولاً، فيقع العلم بالتواتر، سواء كان المخبرون مسلمين، أو
كفاراً، أو عدولاً، أو فساقاً، لا فرق بينهم.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن الخبر المتواتر يفضي إلى العلم بالمخبر عنه،
وسبب إفضائه إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يتصور أن
يجتمعوا على الكذب في الخبر، أو يتواطؤا عليه، وإذا كان الأمر
كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار - كما لو أخبروا عن
موقعة وقعت في السوق - كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار
المسلمين، ولا فرق بجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب،
فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى
شيء يقويه كالإسلام والعدالة.
المذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين
وعدولاً، فلا يقبل من الكفار، ولا من الفساق.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كعبد اللَّه بن عبدان ذكره في كتابه
" الشرائط ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الكفر عرضة للكذب والتحريف، والإسلام
والعدالة ضابطان للصدق والتأكد من الأخبار.
جوابه:
يجاب عنه بأن الكثرة هي المانعة من التواطؤ على الكذب،
فلذلك نستفيد العلم بأخبار العدد الكثير، ولا فرق فى ذلك بين
المسلمين والكفار.
ولذلك لما لم يكن في خبر الواحد كثرة اشترطنا الإسلام
والعدالة؛ لأن العدد القليل الذي لم يبلغ حدَّ التواتر لو أخبر عن
شيء فإنه لا يفيد العلم؛ لأنه يمبهن تواطؤهم على الكذب.
الدليل الثاني لهم قالوا فيه: إن المسلمين اختصوا بدلالة الإجماع
على القطع، فوجب أن يختصوا بالمتواتر.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياسكم المتواتر على الإجماع قياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق.
بيانه: أنه اختص علماء المسلمين بالاحتجاج بالإجماع للأدلة
الشرعية السمعية، دون الأدلة العقلية، أما الخبر المتواتر فيقع به
العلم؛ لما سبق ذكره من أنه لا يمكن فيه الكذب، ولا يصح التواطؤ
عليه، وهذا موجود في الكفار كما هو موجود في المسلمين.
المذهب الثالث: الفرق بين أن يطول الزمان فيمكن حصول
التواطؤ على الكذب فيعتبر الإسلام، وبين ألا يطول الزمان فلا
يعتبر الإسلام، إذ لا يمكن حصول التواطؤ على الكذب.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا التفريق لا دليل عليه؛ حيث إن الكثرة هي
المانعة من حصول التواطؤ على الكذب، سواء طال الزمان أم لا.
المذهب الرابع: الفرق بين ما طريقه الديانات فلا مدخل للكفار
فيه، لأنه لا يؤمن جانبهم في ذلك، وبين ما طريقه الأقاليم وما أشبه
ذلك، فيدخل فيه الكفار، كما يدخل المسلمون.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العلم قد حصل من المتواتر بسبب الكثرة المانعة
من الكذب بالشرط الذي قلناه وهو: استحالة تواطؤهم على
الكذب، فإذا وجد هذا الشرط، فإن الخبر يفيد العلم، سواء
كانت هذه الكثرة كفاراً أو مسلمين، لا فرق بينهم في ذلك، وسواء
كان الخبر عن ديانات أو عن أقاليم أو بلدان أو حوادث لا فرق.
أما إذا لم يوجد ذلك الشرط - وهو: أن يستحيل تواطؤهم على
الكذب - فإن الخبر لا يفيد العلم مطلقا، سواء كانوا مسلمين أو
كفاراً، وسواء كانوا قد أخبروا عن ديانات، أو عن غير ذلك.
المسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا
يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا
يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبرنا المصلون في
جامع واحد من جوامع الرياض - مثلاً - عن وقوع حادثة في
المسجد كسقوط الإمام من المنبر، فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم
محصورون بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا حصل العلم بخبر
هؤلاء مع حصرهم وكون المسجد قد حواهم، فمن باب أَوْلى أن
يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء.
المذهب الثاني: أنه يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم
عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء، واختاره فخر
الإسلام البزدوي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بأنه اشترط ذلك للتأكد من صحة
الخبر؛ لأنه كلما كثر العدد كلما كان الخبر أقوى. وأصح.
جوابه:
يجاب عنه بأنه إذا حصل العلم بالمخبر عنه: كان الخبر متواتراً
مطلقا، سواء كانوا معروفين العدد، أم لا، أو يحويهم بلد أم لا،
فنستدل بحصول العلم على كمال العدد.
المسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم،
وأوطانهم، وأديانهم؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك في المخبرين.
ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل عليه،
فمثلاً لو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين والنسب، والوطن،
أخبروا عن واقعة وقعت في ناحيتهم، فإنه يحصل العلم بخبرهم
ضرورة.
المذهب الثاني: أنه يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم،
وأوطانهم، وأديانهم.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه يشترط ذلك لتندفع التهمة بصورة آكد.
جوابه:
يجاب عنه بأن الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب يكفي عن
هذا الشرط.
المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على عدم
اشتراط ذلك، فمثلاً لو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار على الإخبار
عن حصول فتنة: لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفاراً فضلاً عن
كون الإمام المعصوم ليس فيهم.
المذهب الثاني: أنه يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين.
دليل هذا المذهب:
أنه اشترط ذلك حتى لا يتفقوا على الكذب، فالمعصوم هو المانع
من اتفاقهم على الكذب.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لو كان شرطا صحيحا، فإن العلم قد
حصل بخبر الإمام المعصوم بالنسبة لمن سمعه، لا بخبر التواتر.
***
المسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص والقرائن؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: الفرق بين ما احتفت به قرائن، وبين الخبر
المجرد، بيانه:
إن كان العلم الحاصل بالتواتر قد اقترنت به قرائن تدل على
صدقه: فيجوز أن تختلف الوقائع فيه والأشخاص؛ لاختلاف
الهيئات المقارنة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه، ولاختلاف أحوال
المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف، ولاختلاف إدراك
المستمعين؛ لتفاوت الأذهان والقرائح، ولاختلاف الوقائع على
عظمها وحقارتها.
وإن كان العلم الحاصل بالتواتر لم تقترن به قرائن، بل حصل من
نفس خبر ذلك العدد المجرد: فإنه لا يتصور أن يختلف في الوقائع
والأشخاص.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن مجرد الإخبار
يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين، وإن لم توجد قرائن،
وكذلك مجرد القرائن قد تورث العلم، وإن لم يوجد إخبار، فلا
يبعد أن تنضم القرائن إلى الإخبار، فتقوم بعض القرائن مقام بعض
العدد من المخبرين.
ومثال الخبر بدون قرائن: أنه لو أن عشرة أشخاص قد أخبروا زيداً
ومحمداً بأن بكراً قد نجح، فإنه يحصل العلم بهذا العدد عند الاثنين
معا على السواء؛ لعدم وجود قرينة عند أحدهما دون الآخر.
ومثال الخبر المقترن بقرينة: لو أخبر واحد محمدأ وزيداً بأن بكرأ
قد مات، وكان محمد يعلم - قبل الإخبار - بأن بكراً مريض دون
زيد، فإنا نعلم بأن محمداً قد حصل له العلم الموجب للتصديق،
وسبب ذلك: هذه القرينة، وهي: علمه بمرض بكر، ولم يحصل
ذلك لزيد.
وأيضا: فإنا نرى الصبي - الذي لم يتجاوز السنتين - يرضع من
ثدي المرأة الشابة، فيحصل لنا العلم بأن اللبن قد وصل إلى معدة
هذا الصبي وإن لم نشاهد اللبن في الثدي، ولم نشاهده عند خروجه،
ولم نشاهده في المعدة؛ لأنه مستور، لكن قطعنا بوصول اللبن إلى
معدة ذلك الصبي بسبب قرائن هي كما يلي: " حركة حلق الصبي
أثناء امتصاصه للبن "، و " أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها من لبن "،
و" أن هذا الثدي فيه ثقب يخرج منه اللبن "، و " أن الصبي فيه القوة
على الامتصاص "، و " أن الصبي قد سكت عن البكاء بعد ذلك
الامتصاص مع أنه لم يتناول طعاما آخر ".
هذه قرائن قد حصل لنا العلم القطعي عن طريقها مجتمعة على أن
ذلك اللبن قد وصل إلى معدة ذلك الصبي، وإن لم نشاهده، لكن
لو انفردت قرينة واحدة كحركة حلق الصبي، فإنا لا نحكم بوصول
اللبن إلى معدته؛ لأنه قد يوجد سبب آخر لهذه الحركة غير
الامتصاص.
المذهب الثاني: أن الخبر المفيد للعلم في واقعة يفيده في كل
واقعة، وإذا حصل العلم لشخص فلا بد أن يحصل لكل شخص
يشاركه في السماع، ولا يتصور أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص
بسبب وجود قرائن ودلائل، فلا يلتفت إلى تلك القرائن، ولا
يجعل لها أثراً في تصديق الخبر.
ذهب إلى ذلك أبو بكر الباقلاني، وأبو الحسين البصري.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن حكم المتماثلين واحد،
فلو أن مائة شخص أخبروا محمداً بأن زيداً قد قتل وحصل العلم
بخبرهم وجب أن يفيد عليا خبر مائة شخص بأن صالحا قد قتل؟
وذلك لاستواء الوقائع والأشخاص في ذلك.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا صحيح إذا كان الخبر مجرداً عن القرائن،
فإنا نوافقكم بأن ما حضَل العلم في واقعة فإنه يفيده في كل واقعة،
وما حصَّله لشخص فإنه يحصتَله لكل شخصٍ يشاركه في السماع،
ولا يمكن أن يختلف، وبينا ذلك.
لكن إذا كان الخبر قد احتف به قرائن وعلم بها بعض السامعين
للخبر دون بعض، فإنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك كما بينا فيما سبق.
المسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز على أهل التواتر، والجماعة العظيمة
أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن كتمان ما
يحتاج إلى نقله ومعرفته قبيح، وهو في القبح بمثابة الكذب - وهو:
الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل
التواتر والجماعة العظيمة؛ لاستحالة تواطؤ أهل التواتر على الكذب.
فلما لم يجز على أهل التواتر الكذب: كذلك لم يجز أن
يجتمعوا على كتمان نقل ما يحتاج الناس إلى نقله ومعرفته، ولا
يجوز أن يتواطؤ عليه.
يؤيد ذلك: أنه لو حدث في الجامع وقت الصلاة حادثة عظيمة
تظهر لجميع من حضر لم يجز أن يترك نقلها جميع من حضر، كما
لا يجوز أن يخبر عنها جميعهم بالكذب.
المذهب الثاني: أنه يجوز كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله
ومعرفته.
ذهب إلى ذلك الإمامية - من الشيعة - وعلى هذا المذهب بنوا
كلامهم في ترك الصحابة، نقل النص على خلافة عليّ - رضي الله
عنه - وإمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إن الصحابة قد تواطئوا على ترك نقل ذلك النص وهم من أهل التواتر.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء تقية، أو
خوف فتنة، فلذا جاز لهؤلاء كتمان ما يحتاج إلى نقله.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا كله لا يجوز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن
يكذبوا ولا فرق؛ لأنهما سواء في القبح.
الدليل الثاني: الواقع دلَّ على ذلك، وهو من وجهين:
أولهما: أن النصارى لم تنقل كلام عيسى عليه السلام وهو
في المهد، في حين أنهم نقلوا إحياءه للموتى وإبراءه الأكمه والأبرص.
ثانيهما: أن الصحابة رضي الله عنهم قد تركت نقل القِران
والإفراد في الحج حتى اختلفوا بعد ذلك، فنقلوا.
جوابه:
يجاب عنه بأن يقال:
أما الوجه الأول فيجاب عنه: بأن كلام المسيح في المهد لم ينقل؟
لأنه كان ووقع منه قبل ظهوره، وقبل نبوته، وقبل أن يتبعوه،
والذي ينقل كلامه ويعتبر ويعتد به في الأحكام الشرعية هو الذي
ثبتت نبوته.
فإن اعترض معترض على ذلك - كالطوفي وغيره - قائلاً: إن
كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته والدواعي تتوفر
على نقل مثله عادة.
فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن كلام الشخص قبل نبوته قد
ينقله بعض الخبرين، لكن لا يُهتم بنقله كالاهتمام بنقل كلامه بعد
النبوة؛ لأن كلامه بعد النبوة يعتبر من التشريع، أما كلامه قبل ذلك
فلا يعتبر من التشريع.
أما الوجه الثاني فيجاب عنه: بأن الصحابة رضي الله عنهم
لم يتركوا نقل القِران والإفراد في الحج، بل نقلوه وذكروه، لكن
اختلفوا في النقل، نظراً لاختلافهم في السماع، فبعضهم سمعه
يلبي بالحج والعمرة، وبعضهم سمعه يلبي بالحج فقط، - فنقل كل
واحد ما سمع.