المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب السابع في الإجماعات الخاصة - المهذب في علم أصول الفقه المقارن - جـ ٢

[عبد الكريم النملة]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثالث في أدلة الأحكام الشرعية

- ‌المطلب الأول في تعريف الدليل

- ‌المطلب الثاني في هل الدليل شامل للقطعي والظني

- ‌الفصل الأول في الأدلة المتفق عليها إجمالاًَ

- ‌المبحث الأول في الدليل الأول من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: الكتاب

- ‌المطلب الأول في تعريف القرآن

- ‌المطلب الثاني في القراءة الشاذة " غير المتواترة

- ‌المطلب الثالث في وجود المجاز في القرآن

- ‌المطلب الرابع في هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية

- ‌المطلب الخامس في المحكم والمتشابه

- ‌المطلب السادس هل يوجد في القرآن مشترك لفظي

- ‌المطلب السابع في النسخ

- ‌المبحث الثاني في الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: السُّنَّة

- ‌المطلب الأول في تعريف السُّنَّة

- ‌المطلب الثاني في حجية السُّنَّة

- ‌المطلب الثالث في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينهوبين الإنشاء، وأقسامه

- ‌المطلب الرابع في خبر المتواتر

- ‌المطلب الخامس في خبر الواحد

- ‌المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: الإجماع

- ‌المطلب الأول في تعريف الإجماع

- ‌المطلب الثاني في إمكان الإجماع

- ‌المطلب الثالث في العلم بالإجماع والاطلاع عليه

- ‌المطلب الرابع في حجية الإجماع

- ‌المطلب الخامس في شروط الإجماع

- ‌المطلب السادس في أقسام الإجماع

- ‌المطلب السابع في الإجماعات الخاصة

- ‌المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المتفق علها إجمالاًَ - وهو: القياس

الفصل: ‌المطلب السابع في الإجماعات الخاصة

‌المطلب السابع في الإجماعات الخاصة

ويشتمل على المسائل التالية:

المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو حُجَّة؟

المسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟

المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟

المسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟

ص: 945

المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو إجماع وحُجَّة؟

لقد اختلف في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن اتفاق الخلفاء الأربعة - وهم: أبو بكر،

وعمر، وعثمان، وعلي - لا يعتبر إجماعا ولا حُجَّة.

وهو مذهب كثير من العلماء، ونسب إلى الجمهور، وهو الحق؛ لأن الخلفاء الأربعة بعض الأُمَّة، والأدلة التي ذكرناها من الكتاب

والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأُمَّة كلها، لا

بعضها، فلا تتناول تلك الأدلة الخلفاء الأربعة؛ لأنهم بعض الأُمَّة

وبعض المؤمنين، وبناء على ذلك يكون اتفاق الخلفاء الأربعة ليس

بإجماع يُحتج به على من خالفهم.

المذهب الثاني: أن اتفاق الخلفاء الأربعة يعتبر إجماعا يحتج به

على من خالفهم.

وهو مذهب أبي خازم من الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد.

دليل هذا المذهب:

قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ".

وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوجب اتباع سُنَّتهم، كما أوجب اتباع سُنَّته، ومعروف أن المخالف لسُنَّته عليه السلام لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسُنَّتهم لا يعتد بقوله، وبناء على ذلك:

يكون قولهم إجماعاً لا تجوز مخالفته.

ولذلك ردَّ القاضي أبو خازم مذهب زيد بن ثابت وهو: عدم

ص: 947

توريث ذوي الأرحام، وقال: إن ذوي الأرحام أَوْلى من بيت المال

- وذلك في عهد الخليفة المعتضد بالله المتوفى عام 289 هـ - فلما

قيل: إن هذه المسألة اختلف فيها الصحابة قال: لا أعد خلاف زيد

خلافا على الخلفاء الأربعة.

جوابه:

يجاب عنه بأجوبة:

الجواب الأول: أن الحديث عام في كل الخلفاء الراشدين، ولا

دلالة فيه على الحصر في الخلفاء الأربعة.

الجواب الثاني: على فرض أنه يدل على الحصر في الخلفاء

الأربعة، فإنه معارض بحديث آخر وهو: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وليس العمل بأحد الخبرين أوْلى من الآخر.

الجواب الثالث: أن هذا الحديث المستدل به لا يدل بصراحة على

أن اتفاق الخلفاء الأربعة إجماع وحُجَّة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد:

أن إجماع الخلفاء حُجَّة إذا لم يظهر خلاف ما قالوه في بقية

الصحابة، وهذا لا يخالف فيه أحد؛ لأنه إجماع كل الصحابة.

ويحتمل أن يكون المراد به: الفتيا، وخصهم بالذكر لكونهم أعلم

من غيرهم في وقتهم، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به

الاستدلال.

ثم إن الإمامة والخلافة لا تأثير لها في الإجماع، وإنما التأثير

للاجتهاد والعلم، وغير الخلفاء في الاجتهاد مثلهم ولا فرق.

ص: 948

بيان نوع الخلاف:

الخلاف معنوي، حيث إنه إذا وجد حكم قد اتفق عليه الخلفاء

الأربعة فقط، فإنه لا يكون إجماعا بناء على المذهب الأول،

وبالتالي تجوز مخالفته، وتكون المسألة قابلة لاجتهاد المجتهدين.

أما على المذهب الثاني فإنه يكون إجماعا، فتحرم مخالفته من

قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم، لذلك لم يأخذ القاضي أبو خازم

برأي زيد في عدم توريث ذوي الأرحام؛ لأنه خالف رأي الخلفاء

الأربعة.

***

المسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟

لقد اختلف في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن إجماعهما لا يعتبر حُجَّة.

وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما قلناه سابقا وهو: أن

النصوص من الكتاب والسُّنَّة تدل على حجية قول جميع الأُمَّة،

وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين، فلا ينعقد الإجماع بهم.

المذهب الثاني: أن إجماعهما يعتبر حُجَّة.

وهو مذهب بعض العلماء.

دليل هذا المذهب:

قوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر ".

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

ص: 949

الجواب الأول: أن الحديث لا يدل إلا على أن أبا بكر وعمر قد

توفر فيهما أهلية الاجتهاد مما يوجب اتباع المقلدين لهم، ولا يدل

على أن إجماعهما حُجَّة.

الجواب الثاني: أنه معارض بحديث آخر وهو: " أصحابي

كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وليس العمل بأحدهما أوْلى من

العمل بالآخر.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف معنوي، وهو مماثل لما قلناه في المسألة السابقة، حيث إنه

لو وجد أن أبا بكر وعمر قد اتفقا على حكم معين، لنإنه تجوز

مخالفته عند أصحات المذهب الأول؛ وتكون المسألة عندهم اجتهادية.

أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن اتفاقهما يكون إجماعا

وحُجة لا تجوز مخالفته من قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم.

***

المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟

لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن إجماعهم وحدهم لا يكون حُجَّة على من

خالفهم.

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرنا في المسألتين

السابقتين وهو: أن أهل المدينة بعض الأُمَّة والأدلة التي ذكرناها من

الكتاب والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت لجميع

الأُمَّة، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الإدلة أهل المدينة؛ لأنهم بعض

الأُمَّة وبعض المؤمنين، وعليه: فلا يكون اتفاق أهل المدينة حُجَّة.

ص: 950

المذهب الثاني: أن إجماع أهل المدينة حُجَّة.

وهو مذهب الإمام مالك وجل أصحابه.

دليل هذا المذهب:

أن المدينة المنورة هي معدن العلم، ودار الهجرة، ومهبط الوحي،

ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة وأولادهم، ويوصف أهلها بأنهم

شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم من غيرهم، فيستحيل - والأمر كذلك - اتفاق أهلها على خلاف الحق، أي: يجب أن لا يخرج الحق عن قول أهلها.

جوابه:

يجاب عن ذلك بأجوبة:

الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن أهل المدينة أعلم من

غيرهم "؛ لأن كثيراً ممن خرج من المدينة وسكن غيرها كان أعلم ممن

بقي فيها، أو مثلهم كعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن

عباس -، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي موسى الأشعري،

وعمرو بن العاص، وغيرهم مما بلغ ثلاثمائة ونيف انتقلوا إلى

الكوفة، والبصرة، والشام، والطائف، فكيف يعتبر إجماعا من

أهل المدينة إذا خالف هؤلاء الذين خرجوا وهم أكثر علماء الصحابة،

فكان لا ينعقد الإجماع بدون هؤلاء لما كانوا من سكان المدينة،

فكيف ينعقد الإجماع بدونهم لما خرجوا منها، فالحُجة لا تختلف

بالمكان والزمان كقول اللَّه تعالى، وكقول رسوله.

الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن الحق يستحيل أن يخرج

عنهم؛ لأن هذا القول تحكم لا دليل عليه؛ حيث إنه لا يستحيل

ص: 951

أن يسمع رجل حديثاً من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسافر ويترك المدينة، قبل أن يعلم أحد من أهل المدينة بهذا الحديث، فهنا أمكن خروج الحق عنهم.

الجواب الثالث: أن اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها لا

يدل على أن إجماع أهلها حُجَّة على غيرهم؛ لأن مكة أفضل منها

ومع فضلها لم يقل أحد بأن إجماع أهلها حُجَّة على مخالفيهم.

وسبب ذلك: أن البقاع لا أثر لها في انعقاد الإجماع، وإنما

الاعتبار في بلوغ هذا الشخص أو ذاك درجة الاجتهاد في أي زمان

وأي مكان.

تنبيه: اختلفت عبارات العلماء في ترجمة هذه المسألة، فمنهم

من ترجمها بما ذكرنا، ومنهم من ترجمها بقوله: " عمل أهل

المدينة"، ومنهم من عبَّر عنها بقوله: " قول أهل المدينة "،

واختلف في مراد الإمام مالك، وبعضهم دافع عن الإمام مالك، وبعضهم

أقر هذا القول له، وقد تكلمت عن بعض هذه الأمور في كتابي

"إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، وبعضها موسع في كتب

كثيرة، وتحقيق ذلك ليس هذا مكانه.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني إذا وجدوا أهل

المدينة قد اتفقوا على شيء، فإنهم يجعلون ذلك حُجَّة، ويعملون

به ويتركون ما عداه ممن خالفه، فبنى الإمام مالك على ذلك فروعا

منها: قوله في الحامل إذا رأت الدم فإنها تترك الصلاة، وذلك لأن

الحامل تحيض، وحجته في ذلك إجماع أهل المدينة. وهذا مخالف

ص: 952

لرأي الحنفية والحنابلة، وذلك لأن الحامل عندهم لا تحيض، فإذا

رأت الحامل دماً، فإنه دم استحاضة، لا يجوز ترك الصلاة لأجله.

ومنها: أن رأي الإمام مالك أن البكر يزوجها أبوها من غير

استئمار، واحتج بما كان عليه العمل في المدينة، وعلى ذلك الإمام

الشافعي وأحمد، ولكن دليلهما ليس عمل أهل المدينة كما هو عند

الإمام مالك، أما أبو حنيفة وأكثر الحنفية، فإنهم يذهبون إلى

وجوب الاستئمار، وأنه شرط في صحة النكاح وهو الذي تميل إليه

النفس.

***

المسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟

لقد اختلف في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن إجماعهم ليس بحُجَّة.

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرناه في المسائل

الثلاث السابقة من أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة

لا تدل إلا على حجية قول جميع الأُمَّة، وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض

المؤمنين فلا ينعقد الإجماع بهم.

المذهب الثاني: أن إجماعهم حُجَّة.

وهو ما ذهب إليه الشيعة الإمامية والزيدية، ويقصدون بأهل البيت

والعترة: عليّ بن أبي طالب وولديه: الحسن والحسين، وزوجته

فاطمة - رضي اللَّه عن الجميع -.

أدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)

ص: 953

وجه الدلالة: أن الخطأ رجس، والرجس منفي عنهم، فيجب

أن يكون أهل البيت مطهرين عنه، وإذا كان أهل البيت مطهرين عن

الخطأ فيكون إجماعهم حُجَّة.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد: الخطأ الاجتهادي؛ لأن الرجس

لغة: القذر والعقاب والغضب، والخطأ الاجتهادي ليس منها.

الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بهؤلاء الأربعة - وهم:

عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين - حيث إنه يحتمل احتمالاً

قوياً أن المراد بأهل البيت هم زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يدل على ذلك سياق الآية، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.

الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ".

وجه الدلالة: أن القرآن معصوم، وكذلك العترة: أهل البيت.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يعمل به

عند الشيعة.

الجواب الثاني: وعلى فرض جواز العمل به، فإن المراد منه: ما

إن تمسكتم بإفاء حقوقهما، وحق القرآن الإيمان به والعمل بمقتضاه،

وحق العترة تعظيمهم وصلتهم.

ص: 954

بيان نوع الخلاف:

الخلاف هنا معنوي، وهو واضح كما سبق أن قلنا في المسائل

الثلاث السابقة؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني قد بنوا على إجماع

أهل البيت فروعاً كثيرة، فإذا وجدوا اتفاق أهل البيت على حكم

شرعي، فإنه يكون حُجَّة، ولا تجوز مخالفته بأي حال.

أما عندنا - وأصحاب المذهب الأول - فإنه لا يعتبر إجماعا ولا

حُجَّة لذلك تجوز مخالفته، وتكون المسألة اجتهادية.

ص: 955