المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر سلطنة الملك المنصور على بن أيبك التركمانى على مصر - النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة - جـ ٧

[ابن تغري بردي]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء السابع]

- ‌[تتمة ما وقع من الحوادث سنة 648]

- ‌ذكر ولاية الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 649]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 650]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 651]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 652]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 653]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 654]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 655]

- ‌ذكر سلطنة الملك المنصور علىّ بن أيبك التّركمانى على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 656]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 657]

- ‌ذكر سلطنة الملك المظفّر قطز على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 658]

- ‌[ذكر قضاة الشافعيّة]

- ‌ذكر القضاة الحنفيّة

- ‌ذكر القضاة المالكيّة

- ‌ذكر قضاة الحنابلة

- ‌فتوحاته رحمه الله

- ‌ذكر مرض الملك الظاهر ووفاته

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 659]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 660]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 661]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 662]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 663]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 664]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 665]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 666]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 667]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 668]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 669]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 670]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 671]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 672]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 673]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 674]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 675]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 676]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 677]

- ‌ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 679]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 680]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 681]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 682]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 683]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 684]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 685]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 686]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 687]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 688]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 689]

- ‌استدراكات على بعض تعليقات وردت فى الجزءين الرابع والخامس من هذا الكتاب، لحضرة الأستاذ محمد رمزى بك

- ‌قنطرة عبد العزيز بن مروان

- ‌بستان الخشاب

- ‌أرض الطبّالة

- ‌استدراكات على الجزء السادس من النجوم الزاهرة

الفصل: ‌ذكر سلطنة الملك المنصور على بن أيبك التركمانى على مصر

[ما وقع من الحوادث سنة 655]

‌ذكر سلطنة الملك المنصور علىّ بن أيبك التّركمانى على مصر

السلطان الملك المنصور نور الدين علىّ ابن السلطان الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركمانىّ الصالحىّ النجمىّ، ملك الديار المصريّة بعد قتل أبيه المعزّ أيبك فى يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وستمائة، وتمّ أمره وخطب له من الغد فى يوم الجمعة سادس عشرينه على منابر مصر وأعمالها. والمنصور هذا هو الثانى من ملوك مصر من الترك بالديار المصريّة.

وتسلطن المنصور هذا وعمره خمس عشرة سنة، وركب فى يوم الخميس ثانى شهر ربيع الآخر بشعار السلطنة من القلعة إلى قبة «1» النصر فى موكب هائل، ثم عاد ودخل القاهرة من باب النصر، وترجّل الأمراء ومشوا بين يديه ما خلا الأتابك علم الدين سنجر الحلبىّ، ثم صعد المنصور إلى القلعة وجلس بدار السلطنة ومدّ السّماط للأمراء فأكلوا، ووزر له وزير أبيه شرف الدين «2» الفائزىّ وانفضّ الموكب.

وفى يوم الجمعة ثالث «3» شهر ربيع الآخر خطب للملك المنصور وبعده لأتابكه

ص: 41

علم الدين «1» سنجر الحلبىّ المذكور. وفوّض القضاء بالقاهرة وأعمالها إلى القاضى بدر الدين «2» السّنجارىّ، وعزل تاج الدين «3» ابن بنت الأعزّ وأبقى عليه قضاء مصر القديمة وأعمالها.

وفى عاشر شهر ربيع الآخر قبض الأمير قطز وسنجر [الغتمى «4» ] وبهادر وغيرهم من الأمراء المعزّيّة على الأتابك سنجر الحلبىّ، وأنزلوه إلى الجبّ «5» بالقلعة، وكان القبض عليه لأمور: أحدها أنّه كان طمع فى السلطنة بعد قتل الملك المعزّ أيبك لمّا طلبته شجرة الدّرّ وعرضت عليه الملك، والثانى أنه بلغهم أنه ندم على ترك الملك وهو فى عزم الوثوب؛ فعاجلوه وقبضوا عليه. ولمّا قبض عليه اضطربت خشداشيته من المماليك الصالحيّة النّجميّة وخاف كلّ أحد على نفسه، فهرب أكثرهم إلى جهة الشام، فخرج فى إثرهم جماعة من الأمراء المعزّيّة وغيرهم، وتقنطر بالأمير عزّ الدين أيبك «6» الحلبىّ الكبير فرسه، وكذلك الأمير خاصّ ترك الصغير فهلكا خارج القاهرة وأدخلا ميتين، وكانوا ركبوا فى جماعة من المماليك الصالحيّة فى قصد الشام أيضا. واتّبع العسكر المهزومين إلى الشام، فقبض على أكثرهم وحملوا إلى القلعة واعتقلوا بها. وقبض أيضا على الوزير شرف الدين الفائزى. وفوّض أمر الوزارة إلى القاضى بدر الدين يوسف السّنجارىّ مضافا إلى القضاء، وأخذ موجود الفائزى

ص: 42

وكان له مال كثير. ثم قبض على بهاء الدين علىّ [بن محمد بن سليم «1» ] بن حنّا وزير شجرة الدّرّ، وأخذ خطّه بستّين ألف دينار. ثم خلع الملك المنصور على الأمير أقطاى «2» المستعرب باستقراره أتابكا عوضا عن سنجر الحلبىّ. ثم فى شهر رجب رفعت يد القاضى بدر الدين السّنجارىّ من الوزارة وأضيف إليه قضاء مصر القديمة، فكمل له قضاء الإقليم بكماله، وولى القاضى تاج الدين ابن بنت الأعزّ الوزارة.

ثم فى شعبان كثرت الأراجيف بين الناس بأنّ الأمراء والأجناد اتّفقوا على إزالة حكم مماليك الملك المعزّ من الدولة، وأنّ الملك المنصور تغيّر على الأمير سيف الدين قطز المعزّى، واجتمع الأمراء فى بيت الأمير بهاء الدين بغدى «3» مقدّم الحلقة، وتكلّموا إلى أن صلح الأمر بين الملك المنصور وبين مملوك أبيه الأمير قطز. وخلع عليه وطيّب قلبه؛ ثم وقع الكلام أيضا من المعزّيّة وغيرهم. فلمّا كان رابع شهر رمضان ركب الأمير بغدى وبدر الدين «4» بلغان وانضاف إليهما جماعة ووقفوا بآله الحرب، فخرج إليهم حاشية السلطان فقاتلوهم وهزموهم وقبضوا على بغدى بعد أن جرح وعلى بلغان وحملا إلى القلعة؛ ودخلت المعزّية إلى القاهرة، فقبضوا على الأمير عزّ الدين أيبك الأسمر وأرزن الرّومىّ وسابق الدين بوزنا الصّيرفىّ وغيرهم من المماليك الأشرفيّة ونهبت دورهم، فاضطربت القاهرة حتّى نودى بالأمان لمن دخل فى الطاعة وسكن الناس، وركب السلطان الملك المنصور فى خامس

ص: 43

شهر رمضان وشقّ القاهرة وفى خدمته الأمير قطز وباقى مماليك أبيه، ثم نزل أيضا فى عيد الفطر وصلّى بالمصلّى. وركب وعاد إلى القلعة ومدّ السّماط.

ثم ورد كتاب الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام وحلب على الملك المنصور بمفارقة البحريّة والصالحيّة له (أعنى الأمراء والمماليك الذين خرجوا من القاهرة بعد القبض على علم الدين سنجر الحلبىّ المقدّم ذكره) . فلمّا وقف المصريّون على الكتاب ظنّوا أن ذلك خديعة من الملك الناصر فآحترزوا لأنفسهم.

ثم جهّز الملك المنصور عسكرا من المماليك والأمراء ومقدّمهم الدّمياطىّ «1» إلى الشام، فتوجّهوا ونزلوا بالعبّاسة؛ فوردت الأخبار على السلطان الملك المنصور بأنّ عساكر الملك الناصر وصلت إلى نابلس لقتال البحريّة الذين قدموا عليه من مصر ثم فارقوه، وكان البحرية نازلين بغزّة، ثم وردت الأخبار بأنّ البحريّة، وكان مقدّم البحريّة بلبان الرّشيدىّ وبيبرس البندقدارىّ، خرجوا من غزّة وكبسوا عسكر الملك الناصر وقتلوا منهم جماعة كثيرة ليلا. ثم ورد الخبر ثانيا بأنّ عسكر الملك الناصر كسروا البحريّة وأنّ البحريّة انحازوا إلى ناحية زغر «2» من الغور. ثم ورد الخبر أيضا بمجيء البحريّة إلى جهة القاهرة طائعين للسلطنة، فقدم منهم الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم ومعه جماعة، فتلقّوا بالإكرام، وأفرج عن أملاك الأفرم وأرزاقه ونزل بداره بمصر. ثم بلغ السلطان أنّ البحرية (أعنى الذي بقى منهم) رحلوا من زغر طالبين بعض الجهات، فاتّضح من أمرهم أنّهم خرجوا من دمشق على حميّة وأنّهم قصدوا القدس الشريف، ومقطع القدس يوم ذاك سيف الدين كبك من جهة الملك الناصر

ص: 44

يوسف صاحب الشام وحلب، فطلبوا منه البحريّة أن يكون معهم فامتنع فاعتقلوه، وخطبوا بالقدس للملك المغيث بن العادل بن الكامل بن العادل بن أيّوب.

ثم جاءوا إلى غزّة وقبضوا على واليها (أعنى نائبها) وأخذوا حواصل الملك الناصر من غزّة والقدس وغيرهما «1» . ثم إنّهم أطمعوا الملك المغيث صاحب الكرك فى ملك مصر، وقالوا له: هذا ملك أبيك وجدّك وعمّك، ثم عزموا على قصد الديار المصريّة، فجاء الخبر إلى مصر بذلك فخرج إليهم العسكر المصرىّ، واجتمعوا بالصالحيّة «2» وأقاموا بها، فلمّا كان سحر ليلة السبت منتصف ذى القعدة وصلت البحريّة بمن معهم من عسكر الملك المغيث، ووقعت «3» الحرب بين الفريقين واشتدّ القتال بينهم وجرح جماعة، والمصريّون مع ذلك يزدادون كثرة وطلعت الشمس، فرأت البحريّة كثرة المصريّين فانهزموا وأسر منهم بلبان الرّشيدىّ وبه جراحات وهو من كبار القوم، وهرب بيبرس البندقدارىّ وبدر «4» الصّوابى إلى الكرك، وبعض البحريّة دخل فى العسكر المصرىّ، ودخل العسكر المصرىّ القاهرة، وزيّن البلد لهذا النصر وفرح الملك المنصور والأمير قطز بذلك.

وأمّا البحريّة فإنّهم توجّهوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك وحسنّوا له أن يركب ويجيء معهم لأخذ مصر فأصغى لهم وتجهّز وخرج بعساكره من الكرك فى أوّل سنة ستّ وخمسين وستّمائة، وسار حتّى قدم غزّة، وأمر البحريّة راجع إلى بيبرس البندقدارىّ. فلمّا بلغ ذلك المصريّين خرج الأمير سيف الدين قطز بعساكر

ص: 45

مصر ونزل بالعبّاسة، فلمّا تكامل عسكره سار منه قاصدا الشاميّين، وخرج الملك المغيث من غزّة إلى الرمل فالتقى بالعسكر المصرىّ وتقاتلا قتالا شديدا فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر، فانكسر الملك المغيث بمن معه من البحريّة، وقبض على جماعة كثيرة من المماليك البحرية الصالحيّة، وهم: الأمير عزّ الدين أيبك الرّومى وعزّ الدين أيبك الحموىّ وركن الدين الصّيرفىّ «1» وابن أطلس خان الخوارزمىّ وجماعة كثيرة، فأحضروا بين يدى الأمير سيف الدين قطز والأمير الغتمىّ والأمير بهادر المعزّيّة فأمروا بضرب أعناقهم فضربت، وحملت رءوسهم إلى القاهرة وعلّقت بباب زويلة، ثم أنزلت من يومها لمّا أنكر قتلهم على المعزّية بعض أمراء مصر واستشنع ذلك.

وأمّا الملك المغيث فإنّه هرب هو والطواشى بدر الصّوابىّ وبيبرس البندقدارىّ ومن معهم، ووصلوا إلى الكرك فى أسوأ حال بعد أن نهب ما كان معهم من الثّقل والخيام والسلاح وغير ذلك وأقاموا بالكرك؛ وبينما هم فى ذلك أرسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام جيشا مقدّمه الأمير «2» مجير الدين إبراهيم [بن «3» أبى بكر] بن أبى زكرى والأمير نور الدين علىّ بن الشجاع الأكتع فى طلب البحريّة، وخرجت البحريّة لمّا بلغهم ذلك إلى غزّة، والتقوا مع العسكر الشامىّ وتقاتلوا فآنكسر العسكر الشامىّ، وقبض على مجير الدين ونور الدين وحملوها البحريّة إلى الكرك، وقوى أمر البحريّة بهذه الكسرة واشتدّوا.

وأمّا الملك الناصر لمّا بلغه كسر عسكره تجهّز وخرج بنفسه لقتال البحريّة، وضرب دهليزه قبلى دمشق، فلمّا بلغ البحريّة ذلك توجّهوا نحو دمشق وضربوا

ص: 46

أطراف عساكر الملك الناصر، وخفّ بيبرس البندقدارىّ حتّى إنّه أتى فى بعض الأيام وقطع أطناب خيمة الملك الناصر المضروبة، وذلك قبل خروج الناصر من دمشق. وبينما الناس فى ذلك ورد الخبر بأخذ التّتار لبغداد وقتل هولاكو الخليفة المستعصم بالله وإخراب بغداد.

قلت: نذكر سبب أخذ هولاكو لبغداد ثم نعود إلى أمر المصريّين والشاميّين والبحريّة.

فأمّا أمر هولاكو فإنّه هولاكو: وقيل: هولاو [وقيل هلاوون «1» ] بن تولى خان ابن چنكز خان المغليّ، ولى الملك بعد موت أبيه تولى قان، واتّسعت ممالكه وعظم أمره وكثرت جيوشه من المغل والتّتار، ولا زال أمره فى زيادة حتى ملك مدينة ألموت «2» وقتل متولّيها شمس «3» الشموس وأخذ بلاده، ثم أخذ الروم وأبقى بها ركن الدين كيقباد بن غياث الدين كيخسرو صورة بلا معنى والحكم والتصرّف لغيره؛ وكان وزير الخليفة المستعصم بالله مؤيّد الدّين بن العلقمىّ ببغداد، وكان رافضيّا خبيثا حريصا على زوال الدولة العباسيّة ونقل الخلافة إلى العلويّين، يدبّر ذلك فى الباطن ويظهر للخليفة المستعصم خلاف ذلك، ولا زال يثير الفتن بين أهل السّنّة والرافضة حتّى تجالدوا بالسيوف، وقتل جماعة من الرافضة ونهبوا، فاشتكى أهل باب البصرة إلى الأمير مجاهد «4» الدين الدّوادار وللأمير أبى بكر ابن الخليفة فتقدّما إلى الجند بنهب

ص: 47

الكرخ فركبوا من وقتهم وهجموا على الرافضة بالكرخ وقتلوا منهم جماعة وارتكبوا معهم «1» العظائم فحنق الوزير ابن العلقمى ونوى الشرّ فى الباطن وأمر أهل الكرخ الرافضة بالصّبر والكفّ عن القتال، وقال لهم: أنا أكفيكم «2» فيهم وكان الخليفة المستنصر بالله قد استكثر من الجند قبل موته حتّى بلغ عدد عسكره مائة ألف، وكان الوزير ابن العلقمىّ مع ذلك يصانع التّتار فى الباطن ويكاتبهم ويهاديهم، فلمّا استخلف المستعصم بعد موت أبيه المستنصر، وكان المستعصم خليّا من الرأى والتدبير، فأشار عليه ابن العلقمىّ المذكور بقطع أرزاق أكثر الجند، وأنّه بمصانعة التتار وإكرامهم يحصل بذلك المقصود، ولا حاجة لكثرة الجند ففعل الخليفة ذلك! قلت: وكلمة الشيخ مطاعة!

ثم إنّ الوزير بعد ذلك كاتب التّتار وأطمعهم فى البلاد سرّا، وأرسل إليهم غلامه وأخاه وسهّل عليهم فتح العراق وأخذ بغداد، وطلب منهم أن يكون نائبهم بالبلاد فوعدوه بذلك، وتأهّبوا لقصد بغداد وكاتبوا لؤلؤا «3» صاحب الموصل فى تهيئة الإقامات والسلاح، فكاتب لؤلؤ الخليفة سرّا وحذّره، ثم هيّأ لهم الآلات والإقامات.

وكان الوزير ابن العلقمىّ المذكور ليس لأحد معه كلام فى تدبير أمر الخليفة، فصار لا يوصّل مكاتبات لؤلؤ ولا غيره للخليفة، وعمّى عنه الأخبار والنصائح، فكان يقرؤها هو ويجيب عنها بما يختار، فنتج أمر التّتار بذلك غاية النّتاج وأخذ أمر الخليفة والمسلمين فى إدبار! وكان تاج الدين بن صلايا نائب الخليفة بإربل «4»

ص: 48

حذّر الخليفة وحرّك عزمه، والخليفة لا يتحرّك ولا يستيقظ! فلمّا «1» تحقّق الخليفة حركة التّتار نحوه سيّر إليهم شرف «2» الدين بن محيى الدين ابن الجوزى رسولا يعدهم بأموال عظيمة، ثم سيّر مائة رجل إلى الدّربند يكونون فيه يطالعون الخليفة بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبر، لأنّ الأكراد الذين كانوا هناك دلّوا التّتار عليهم، فهجموا عليهم وقتلوهم أجمعين.

ثم ركب هولاكو بن تولى خان بن چنكز خان فى جيوشه من المغل والتّتار وقصدوا العراق، وكان على مقدّمته الأمير بايجونوين «3» ، وفى جيشه خلق من أهل الكرخ الرافضة ومن عسكر بركة خان ابن عمّ هولاكو، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل، فوصلوا قرب بغداد واقتتلوا من جهة البرّ الغربىّ عن دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم ركن الدين الدّوادار، فالتقوا على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديّون وأخذتهم السيوف، وغرق بعضهم فى الماء وهرب الباقون. ثم ساق بايجونوين مقدّمة هولاكو فنزل القرية «4» مقابل دار الخلافة وبينه وبينها دجلة لا غير. وقصد هولاكو بغداد من البرّ الشرقىّ، وضرب سورا وخندقا على عسكره وأحاط ببغداد، فأشار الوزير ابن العلقمىّ على الخليفة المستعصم بالله بمصانعتهم. وقال له: أخرج إليهم أنا فى تقرير الصلح فخرج إليهم، واجتمع بهولاكو وتوثّق لنفسه وردّ إلى الخليفة، وقال: إنّ الملك قد رغب

ص: 49

فى أن يزوّج بنته بآبنك الأمير أبى بكر، ويبقيك على منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم فى سلطنته، ولا يطلب إلّا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السّلجوقيّة، وينصرف هو عنك بجيوشه! فتجيبه يا مولانا أمير المؤمنين لهذا، فإنّ فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن أن تفعل بعد ذلك ما تريد! والرأى أن تخرج إليه؛ فسمع له الخليفة وخرج إليه فى جمع من الأعيان من أقاربه وحواشيه وغيرهم.

فلمّا توجّه إلى هولاكو لم يجتمع به هولاكو وأنزل فى خيمة؛ ثم ركب الوزير وعاد إلى بغداد بإذن هولاكو، واستدعى الفقهاء والأعيان والأماثل ليحضروا عقد بنت هولاكو على ابن الخليفة، فخرجوا من بغداد إلى هولاكو، فأمر هولاكو بضرب أعناقهم! ثم مدّ الجسر ودخل بايجونوين «1» بمن معه إلى بغداد وبذلوا السيف فيها واستمرّ القتل والنهب والسّبى فى بغداد بضعة وثلاثين يوما، فلم ينج منهم إلّا من اختفى. ثمّ أمر هولاكو بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسرا.

وقال الذهبىّ- رحمه الله فى تاريخ الإسلام: والأصحّ أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف.

ثم نودى بعد ذلك بالأمان، فظهر من كان اختفى وهم قليل من كثير.

وأمّا الوزير ابن العلقمىّ فلم يتمّ له ما أراد، وما اعتقد أنّ التّتار يبذلون السيف مطلقا فى أهل السّنّة والرافضة معا، وراح مع الطائفتين أيضا أمم لا يحصون كثرة، وذاق ابن العلقمىّ الهوان والذّلّ من التّتار! ولم تطل أيامه بعد ذلك كما سيأتى ذكره. ثم ضرب هولاكو عنق مقدّم جيشه بايجونوين لأنّه بلغه عنه من الوزير ابن العلقمىّ أنّه كاتب الخليفة المستعصم لمّا كان بالجانب الغربىّ.

وأمّا الخليفة فيأتى ذكره فى الحوادث على عادة هذا الكتاب فى محلّه غير أنّنا نذكره هنا على سبيل الاستطراد. ولمّا تمّ أمر هولاكو طلب الخليفة وقتله خنقا. وقيل

ص: 50

غمّ فى بساط، وقيل جعله هو وولده فى عدلين وأمر برفسهما حتّى ماتا. ثم قتل الأمير مجاهد الدين الدّوادار، والخادم إقبال «1» الشّرابى صاحب الرّباط بحرم مكّة، والأستادار محيى «2» الدين ابن الجوزىّ وولداه «3» وسائر الأمراء الأكابر والحجّاب والأعيان، وانقضت الخلافة من بغداد وزالت أيامهم من تلك البلاد، وخربت بغداد الخراب العظيم، وأحرقت كتب العلم التى كانت بها من سائر العلوم والفنون التى ما كانت فى الدنيا؛ قيل: إنّهم بنوا بها جسرا من الطين والماء عوضا عن الآجرّ، وقيل غير ذلك. وكانت كسرة الخليفة يوم عاشوراء من سنة ستّ وخمسين وستّمائة المذكورة، ونزل هولاكو بظاهر بغداد فى عاشر المحرّم، وبقى السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يوما وآخر جمعة خطب الخطيب ببغداد، كانت الخطبة: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، إلى أن قال:

اللهمّ أجرنا فى مصيبتنا التى لم يصب الإسلام وأهله بمثلها، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون! ثم عمل الشعراء والعلماء قصائد فى مراثى بغداد وأهلها، وعمل الشيخ تقي الدين إسماعيل [بن إبراهيم «4» ] بن أبى اليسر [شاكر بن عبد الله «5» التّنوخىّ] قصيدته المشهورة، وهى:

لسائل الدّمع عن بغداد أخبار

فما وقوفك والأحباب قد ساروا

يا زائرين إلى الزّوراء لا تفدوا

فما بذاك الحمى والدار ديّار

تاج الخلافة والرّبع الذي شرفت

به المعالم قد عفّاه إقفار

ص: 51

أضحى لعطف البلى فى ربعه أثر

وللدّموع على الآثار آثار

يا نار قلبى من نار لحرب وغى

شبّت عليه ووافى الرّبع إعصار

علا الصليب على أعلى منابرها

وقام بالأمر من يحويه زنّار

ومنها:

وكم بدور على البدريّة «1» انخسفت

ولم يعد لبدور منه إبدار

وكم ذخائر أضحت وهى شائعة

من النّهاب وقد حازته كفّار

وكم حدود أقيمت من سيوفهم

على الرّقاب وحطّت فيه أوزار

ناديت والسّبى مهتوك يجرّهم

إلى السّفاح من الأعداء دعّار

ومنها:

وهم يساقون للموت الذي شهدوا

النار يا ربّ...... «2» ...... ولا العار

يا للرّجال لأحداث «3» تحدّثنا

بما غدا فيه إعذار وإنذار

من بعد أسر بنى العبّاس كلّهم

فلا أنار لوجه الصّبح إسفار

ما راق لى قطّ شىء بعده بينهم

إلّا أحاديث أرويها وآثار

لم يبق للدّين والدنيا وقد ذهبوا

شوق لمجد وقد بانوا وقد باروا

إنّ القيامة فى بغداد قد وجدت

وحدّها حين للإقبال إدبار

آل النّبىّ وأهل العلم قد سبيوا «4»

فمن ترى بعدهم تحويه أمصار.

ما كنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا

لكن أبى دون ما أختار أقدار

ص: 52

وهى أطول من ذلك. وجملة القصيدة ستة وستون بيتا. وقال غيره فى فقد الخلافة من بغداد بيتا مفردا وأجاد:

خلت المنابر والأسرّة منهم

فعليهم حتّى الممات سلام

انتهى ذكر بغداد هنا، ولا بدّ من ذكر شىء منها أيضا فى الحوادث.

وأمّا أمر البحريّة فإنّه لمّا دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة رحل الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام بعساكر فى أثر البحريّة، فاندفعوا البحريّة أمامه إلى الكرك، فسار الناصر حتى نزل بركة «1» زيزاء ليحاصر الكرك، وصحبته الملك المنصور صاحب حماة؛ فأرسل الملك المغيث عمر «2» بن العادل بن الكامل صاحب الكرك رسله إلى الملك الناصر يطلب الصلح، وكان مع رسله الدار «3» القطبيّة ابنة الملك المفضّل «4» قطب الدّين بن العادل، وهى من عمّات الناصر والمغيث يتضرّعون إلى الناصر ويطلبون الصلح ورضاه على ابن عمه المغيث، فشرط عليه الناصر أن يقبض على من عنده من البحريّة، فأجاب إلى ذلك وقبض عليهم وجهّزهم إلى الملك الناصر على الجمال، وهو نازل ببركة زيزاء. فحملهم الملك الناصر إلى حلب واعتقلهم بقلعتها ما خلا الأمير بيبرس البندقدارىّ، فإنّه لمّا أحسّ بما وقع عليه الصلح هرب من الكرك فى جماعة من البحريّة وأتى إلى الملك الناصر صلاح الدين المذكور داخلا تحت طاعته، فأكرمه الملك الناصر وأكرم رفقته إكراما زائدا؛ وعاد الناصر إلى دمشق وفى خدمته الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ وغيره من البحريّة.

ص: 53

وأمّا المصريّون فإنّه لمّا بلغ الملك المنصور عليّا والأمير قطز المعزّىّ ما وقع للبحريّة فرحا فرحا زائدا، وزيّنت مصر أيّاما لذلك؛ وصفا الوقت للأمير قطز.

وبينما هو فى ذلك ورد الخبر عليه بنزول هولاكو على مدينة آمد من ديار بكر، وأنّه فى قصد البلاد الشاميّة، وأنّ هولاكو بعث رسله إلى الملك السعيد نجم الدين إيلغازى صاحب ماردين يستدعيه إلى طاعته وحضرته، فسيّر إليه الملك السعيد ولده الملك المظفّر «1» قرا أرسلان وقاضى القضاة مهذّب الدين محمد [بن «2» مجلّى] والأمير سابق الدين بلبان وعلى أيديهم هديّة، وحمّلهم رسالة تتضمّن الاعتذار عن الحضور بمرض منعه الحركة، ووافق وصولهم إلى هولاكو أخذه لقلعة اليمانيّة وإنزاله من بها من حريم صاحب ميّافارقين وأولاده وأقاربه، وهم: ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف جفتاى، والملك السعيد عمر وابن أخيه الملك الأشرف أحمد وتاج الدين على ابن الملك العادل، فأدّوا الرسالة؛ فقال هولاكو: ليس مرضه بصحيح، وإنّما هو يتمارض مخافة الملك الناصر صاحب الشام، فإن انتصرت عليه اعتذر لى بزيادة المرض، وإن انتصر علىّ كانت له اليد البيضاء عنده، ثم قال: ولو كان للملك الناصر قوّة يدفعنى لم يمكّنى من دخول هذه البلاد؛ وقد بلغنى أنّه بعث حريمه إلى مصر؛ ثم أمر بردّ القاضى وحده فردّ القاضى وأخبر الملك السعيد بالجواب.

وأمّا هولاكو فإنّه لا زال يأخذ بلدا بعد أخرى إلى أن استولى على حلب والشام، واضمحلّ أمر الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام بعد أمور ووقائع وقعت له، وانفلّ عنه أصحابه. فلمّا وقع ذلك فارقه الأمير بيبرس البندقدارىّ وقدم إلى مصر ومعه جماعة من البحريّة طائعا للملك المنصور هذا فأكرمه قطز

ص: 54

وأكرم رفقته وصاروا الجميع من عساكر مصر على العادة أوّلا. يأتى تفصيل ذلك فى ترجمة الملك المظفّر قطز. إن شاء الله تعالى.

ولمّا استفحل أمر قطز بديار مصر وصار هو المشار إليه فيها لصغر السلطان الملك المنصور علىّ، ولكثرة حواشى قطز المذكور، ثم تحقّق قطز مجىء التّتار إلى البلاد الشاميّة، وعلم أنّه لا بدّ من خروجه من الديار المصريّة بالعساكر للذّبّ عن المسلمين، فرأى أنّه لا يقع له ذلك، فإنّ الآراء مغلولة لصغر السلطان ولاختلاف الكلمة، فجمع قطز كمال الدّين بن العديم الحنفىّ وغيره من الأعيان والأمراء بالديار المصريّة، وعرّفهم أنّ الملك المنصور هذا صبّى لا يحسن التدبير فى مثل هذا الوقت الصّعب، ولا بدّ أن يقوم بأمر الملك رجل شهم يطيعه كلّ أحد، وينتصب للجهاد فى التّتار، فأجابه الجميع: ليس لها غيرك! وكان قطز قبل ذلك قد قبض على الملك المنصور علىّ هذا وعوّقه بالدور السلطانيّة، فخلع الملك المنصور فى الحال من الملك وبويع الأمير قطز ولقّب بالملك المظفّر سيف الدين قطز، واعتقل الملك المنصور ووالدته بالدور السلطانيّة من قلعة الجبل، وحلّف قطز الناس لنفسه وتمّ أمره، وذلك فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة. وكانت مدّة الملك المنصور فى السلطنة بالديار المصريّة سنتين وسبعة «1» أشهر واثنين وعشرين يوما، وبقى معتقلا سنين «2» كثيرة إلى أن تولّى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، فنفاه هو ووالدته وأخاه ناصر الدين قاقان «3» إلى بلاد الأشكرى «4» فى ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة.

ص: 55

قلت: والملك المظفر قطز هذا هو أوّل مملوك خلع ابن أستاذه من الملك وتسلطن عوضه، ولم يقع ذلك قبله من أحد من الملوك. وتمّت هذه السّنّة السيّئة فى حاصد إلى يوم القيامة. وبهذه الواقعة فسدت أحوال مصر.

السنة الأولى من ولاية الملك المنصور علىّ ابن الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ على مصر، وهى سنة خمس وخمسين وستمائة، على أنّ والده الملك المعزّ حكم فيها نحوا من ثلاثة أشهر.

فيها أرسل الملك الناصر يوسف صاحب الشام ولده الملك العزيز بهديّة إلى هولاكو ملك التّتار وطاغيتهم.

وفيها قتلت الملكة شجرة الدرّ الملك المعزّ أيبك، ثم قتلت هى أيضا. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّ واحد على حدته فى ترجمته من هذا الكتاب، فلا حاجة إلى الإعادة.

وفيها توفّى الأمير «1» عزّ الدين أيبك بن عبد الله الحلبىّ الكبير، كان من أعيان المماليك الصالحيّة النجميّة، وممّن يضاهى الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ فى موكبه، وكانت له المكانة العظمى فى الدولة، كان الأمراء يعترفون له بالتقدّم عليهم، وكان له عدّة مماليك نجباء صاروا من بعده أمراء، منهم: ركن «2» الدين إياجى الحاجب، وبدر الدين بيليك الجاشنكير، وصارم «3» الدين أزبك الحلبىّ وغيرهم. ولما قتل الملك

ص: 56

المعزّ أيبك التركمانىّ حدّثته نفسه بالسلطنة، فلمّا قبض قطز على الأمير سنجر الحلبى، ركب أيبك هذا ومعه الأمراء الصالحيّة فتقنطر به فرسه فهلك خارج القاهرة وأدخل إليها ميتا؛ وكذلك وقع للامير خاصّ ترك. وقد تقدّم ذكر ذلك فى ترجمة الملك المنصور.

وفيها توفّى الشيخ الإمام العلّامة نجم الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن ابن عبد الله البغدادىّ البادرائىّ، ولد فى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير وتفقّه وبرع وأفتى ودرّس، وترسّل عن الخليفة إلى ملوك الشام ومصر غير مرّة إلى هذه السنة، ولى قضاء القضاة ببغداد. ومات فى سلخ ذى القعدة.

وفيها توفّى الشيخ الأديب أبو الحسن علىّ بن محمد بن الرضا الموسوىّ الحسينىّ الشريف المعروف بابن دفتر خوان. ولد سنة تسع وثمانين بحماة، وكان فاضلا وله تصانيف وشعر جيّد، من ذلك قوله:

إذا لمت قلبى قال عيناك أبصرت

وإن لمت عينى قالت الذنب للقلب

فعينى وقلبى قد تشاركن فى دمى

فيا ربّ كن عونى على العين والقلب

وفيها توفّيت الصاحبيّة غازيّة خاتون بنت الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر ابن أيّوب، والدة الملك المنصور «1» صاحب حماة. كانت صالحة ديّنة دبّرت ملك ولدها المنصور بعد وفاة زوجها الملك المظفّر أحسن تدبير، وهى والدة الملك الأفضل نور الدين أبى الحسن علىّ أيضا. وكانت وفاتها فى أواخر ذى القعدة أو فى ذى الحجّة من السنة.

ص: 57

وفيها توفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة المقرئ أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم [قاسم «1» ] بن فيّره «2» بن خلف الرّعينىّ «3» الشاطبىّ الأصل المصرىّ المولد والدار الضّرير راوى «4» القصيدة المشهورة فى القراءات التى لم يسبق إلى مثلها التى سمّاها «حرز الأمانى ووجه التهانى» . ومولده فى حادى عشر ذى الحجّة سنة ست أو سبع وسبعين وخمسمائة بمصر، وتوفّى بها فى حادى عشر شوّال ودفن من يومه بسفح المقطّم، ولم يخلف بعده مثله. وكان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللّغز وهو «نعش الموتى» واللّغز المذكور للخطيب أبى زكريّا يحيى بن سلامة الحصكفىّ، وهو:

أتعرف شيئا فى السماء نظيره

إذا سار صاح الناس حين يسير

فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا

وكلّ أمير يعتليه أسير

يحضّ على التّقوى وتكره قربه

وتنفر منه النفس وهو نذير

وفيها توفّى الوزير الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزىّ، كان أوّلا نصرانيّا يلقّب بالأسعد، وهو منسوب بالفائزىّ إلى الملك الفائز إبراهيم ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، ثم أسلم وتنقّل فى الخدم حتّى ولى الوزارة. وكان عنده رياسة ومكارم وعقل وحسن تدبير، وخدم عدّة ملوك وكان محفوظا عندهم، وهو الذي هجاه الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح، وقيل بهاء الدين زهير بقوله:

لعن الله صاعدا

وأباه فصاعدا

وبنيه فنازلا

واحدا ثم واحدا

ص: 58