الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر مرض الملك الظاهر ووفاته
لمّا كان يوم الخميس رابع عشر المحرّم سنة ستّ وسبعين وستمائة جلس الملك الظاهر بالجوسق الأبلق بميدان دمشق يشرب القمزّ «1» وبات على هذه الحالة، فلمّا كان يوم الجمعة خامس عشره وجد فى نفسه فتورا وتوعّكا فشكا ذلك إلى الأمير شمس الدين «2» سنقر الألفىّ السلحدار فأشار عليه بالقىء، فاستدعاه فاستعصى عليه القىء، فلمّا كان بعد صلاة الجمعة ركب من الجوسق إلى الميدان على عادته، والألم مع ذلك يقوى عليه، وعند الغروب عاد إلى الجوسق. فلمّا أصبح اشتكى حرارة فى باطنه فصنع له بعض خواصّه دواء، ولم يكن عن رأى طبيب فلم ينجع وتضاعف ألمه، فأحضر الأطبّاء فأنكروا استعماله الدواء، وأجمعوا على استعمال دواء مسهل فسقوه فلم ينجع، فحرّكوه بدواء آخر كان سبب الإفراط فى الإسهال ودفع دما، فتضاعفت حمّاه وضعفت قواه، فتخيّل خواصّه أنّ كبده يتقطّع وأنّ ذلك عن سمّ سقيه فعولج بالجوهر، وأخذ أمره فى انحطاط، وجهده المرض وتزايد به إلى أن قضى نحبه يوم الخميس بعد صلاة الظهر الثامن والعشرين «3» من المحرّم، فاتّفق رأى الأمراء على إخفائه وحمله إلى القلعة لئلّا تشعر العامّة بوفاته، ومنعوا من هو داخل من المماليك من الخروج ومن هو خارج منهم من الدخول. فلمّا كان آخر الليل حمله من كبار الأمراء سيف الدين قلاوون الألفىّ وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى، وبدر الدين بيليك الخازندار، وعزّ الدين آقوس الأفرم،
وعزّ الدين أيبك الحموى، وشمس الدين سنقر الألفىّ الظاهرى، وعلم الدّين سنجر الحموىّ أبو خرص، وجماعة من أكابر خواصّه. وتولّى غسله وتحنيطه وتصبيره وتكفينه مهتاره «1» الشّجاع عنبر، والفقيه كمال الدين الإسكندرى المعروف بابن المنبجىّ «2» ، والأمير عز الدين الأفرم؛ ثم جعل فى تابوت وعلّق فى بيت من بيوت البحريّة بقلعة دمشق إلى أن حصل الاتّفاق على موضع دفنه. ثم كتب الأمير بدر الدين بيليك الخازندار إلى ولده الملك السعيد مطالعة بيده وسيّرها إلى مصر على يد بدر الدين بكتوت الجوكندارىّ الحموىّ، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمىّ الجاشنكير، فلمّا وصلا وأوصلاه المطالعة خلع عليهما وأعطى كلّ واحد منهما خمسين ألف درهم، على أنّ ذلك بشارة بعود السلطان إلى الديار المصريّة. ولمّا كان يوم السبت ركب الأمراء إلى سوق الخيل بدمشق على عادتهم ولم يظهروا شيئا من زىّ الحزن. وكان أوصى أن يدفن على الطريق السالكة قريبا من داريّا «3» وأن يبنى عليه هناك، فرأى ولده الملك السعيد أن يدفنه داخل السور، فابتاع دار العقيقىّ بثمانية «4» وأربعين ألف درهم نقرة «5» ، وأمر أن تغيّر معالمها وتبنى مدرسة [للشافعية «6» والحنفية] : انتهى.
وأمّا الملك السعيد فإنّه جهّز الأمير علم الدين سنجر الحموى المعروف بأبى خرص، والطواشى صفىّ الدين جوهر الهندىّ إلى دمشق لدفن والده الملك الظاهر، فلمّا وصلاها اجتمعا بالأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بدمشق، وعرّفاه المرسوم
فبادر إليه، وحمل الملك الظاهر من القلعة إلى التّربة ليلا على أعناق الرجال، ودفن بها ليلة الجمعة خامس شهر رجب الفرد، وكان قد ظهر موته بدمشق فى يوم السبت رابع عشر صفر، وشرع العمل فى أعزيته بالبلاد الشاميّة والديار المصريّة.
قال الأمير بيبرس «1» الدّوادار فى تاريخه- وهو أعرف بأحواله من غيره- قال: وكان القمر قد كسف كسوفا كاملا أظلم له الجوّ وتأوّل ذلك المتأولّون بموت رجل جليل القدر؛ فقيل: إنّ الملك الظاهر لمّا بلغه ذلك حذر على نفسه وخاف وقصد أن يصرف التأويل إلى غيره لعلّه يسلم من شرّه، وكان بدمشق شخص من أولاد الملوك الأيّوبيّة، وهو الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك ابن السلطان الملك المعظّم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، فأراد الظاهر، على ما قيل، اغتياله بالسمّ، فأحضره فى مجلس شرابه فأمر الساقى أن يسقيه قمزّا ممزوجا، فيما يقال، بسمّ، فسقاه الساقى تلك الكأس فأحسّ به وخرج من وقته، ثم غلط الساقى وملأ الكأس المذكورة وفيها أثر السمّ، ووقعت الكأس فى يد الملك الظاهر فشربه، فكان من أمره ما كان. انتهى كلام بيبرس الدّوادار باختصار.
قلت: وهذا القول مشهور وأظنّه هو الأصحّ فى علّة موته، والله أعلم.
وكانت مدّة ملكه تسع عشرة سنة وشهرين ونصفا، وملك بعده ابنه الملك السعيد ناصر الدين محمد المعروف ببركة خان؛ وكان تسلطن فى حياته من مدّة سنين حسب ما تقدّم ذكره.
وكان الملك الظاهر رحمه الله ملكا شجاعا مقداما غازيا مجاهدا مرابطا خليقا بالملك خفيف الوطأة سريع الحركة يباشر الحروب بنفسه.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ فى تاريخه بعد ما أثنى عليه: «وكان خليقا بالملك لولا ما كان فيه من الظّلم، والله يرحمه ويغفر له، فإنّ له أياما بيضا فى الإسلام ومواقف مشهورة وفتوحات معدودة» . انتهى كلام الذهبى باختصار.
وقال الشيخ قطب الدين اليونينىّ فى الذّيل على مرآة الزمان فى موت «1» الملك الظاهر هذا نوعا ممّا قاله الأمير بيبرس الدّاوادار لكنّه زاد أمورا نحكيها، قال:
حكى لى ابن شيخ «2» السلامية عن الأمير أزدمر العلائىّ نائب السلطنة بقلعة صفد قال: كان الملك الظاهر مولعا بالنجوم وما يقوله أرباب التقاويم، كثير البحث عن ذلك، فأخبر أنّه يموت فى سنة ستّ وسبعين ملك بالسمّ، فحصل عنده من ذلك أثر كبير، وكان عنده حسد شديد لمن يوصف بالشجاعة، واتّفق أنّ الملك القاهر عبد الملك بن المعظّم عيسى الآتى ذكره لمّا دخل مع الملك الظاهر إلى الروم، وكان يوم المصافّ، فدام الملك القاهر فى القتال فتأثّر الظاهر منه، ثم انضاف إلى ذلك أنّ الملك الظاهر حصل منه فى ذلك اليوم فتور على خلاف العادة، وظهر عليه الخوف والنّدم على تورّطه فى بلاد الروم، فحدّثه الملك القاهر عبد الملك المذكور بما فيه نوع من الإنكار عليه والتّقبيح لأفعاله، فأثّر «3» ذلك عنده أثرا آخر.
فلمّا عاد الظاهر من غزوته سمع الناس يلهجون بما فعله الملك القاهر، فزاد على ما فى نفسه وحقد عليه، فخيّل فى ذهنه أنّه إذا سمّه كان هو الذي ذكره أرباب النجوم، فأحضره عنده ليشرب القمزّ معه، وجعل الذي أعدّه له من السمّ فى ورقة
فى جيبه من غير أن يطّلع على ذلك أحد، وكان للسلطان هنّا بات «1» ثلاثة مختصّة به مع ثلاثة سقاة لا يشرب فيها إلّا من يكرمه السلطان، فأخذ الملك الظاهر الكأس بيده وجعل فيه ما فى الورقة خفية، وأسقاه للملك القاهر وقام الملك الظاهر إلى الخلاء وعاد، فنسى الساقى وأسقى الملك الظاهر فيه وفيه بقايا السمّ. انتهى كلام قطب الدين.
وخلّف الملك الظاهر من الأولاد: الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان.
ومولده فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة بضواحى مصر، وأمّه بنت الأمير حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمىّ. والملك [نجم الدين «2» ] خضرا، أمّه أم ولد. والملك بدر الدين سلامش. وولد له من البنات سبع. وأما زوجاته فأمّ الملك السعيد بنت بركة خان، وبنت الأمير سيف الدين نوكاى «3» التّتارىّ، وبنت الأمير سيف الدين كراى التّتارىّ، وبنت الأمير سيف نوغاى التّتارىّ، وشهرزوريّة تزوّجها لمّا قدم غزّة وحالف الشّهرزوريّة قبل سلطنته، فلما تسلطن طلّقها.
وأمّا وزراؤه- لمّا تولى السلطنة استمرّ زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن الزّبير، ثم صرفه واستوزر الصاحب بهاء الدّين علىّ بن محمد بن سليم بن حنّا. وكان للملك الظاهر أربعة آلاف مملوك مشتريات أمراء وخاصّكيّة «4» وأصحاب وظائف.
وأمّا سيرته وأحكامه وشرف نفسه حكى: أنّ الأشرف صاحب حمص كتب إليه يستأذنه فى الحجّ، وفى ضمن الكتاب شهادة عليه أنّ جميع ما يملكه انتقل عنه إلى الملك الظاهر، فلم يأذن له الملك الظاهر فى تلك السنة غضبا منه لكونه كتب ذلك، واتّفق أنّ الأشرف مات بعد ذلك فتسلّم الملك الظاهر حصونه التى كانت بيده ولم يتعرّض للتركة، ومكّن ورثته من الموجود والأملاك، وكان شيئا كثيرا إلى الغاية، ودفع الملك الظاهر إليهم الشهادة وقد تجنّبوا التّركة لعلمهم بالشهادة.
ومنها أن شعرا «1» بانياس وهى إقليم يشتمل على أرض «2» كثيرة عاطلة بحكم استيلاء الفرنج على صفد، فلمّا افتتح صفد أفتاه بعض العلماء باستحقاق الشعرا فلم يرجع إلى الفتيا، وتقدّم أمره أنّ من كان له فيها ملك قديم فليتسلّمه.
وأمّا صدقاته فكان يتصدّق فى كلّ سنة بعشرة آلاف إردب قمح فى الفقراء والمساكين وأرباب الزوايا، وكان يرتّب لأيتام الأجناد ما يقوم بهم على كثرتهم، ووقف وقفا على تكفين أموات الغرباء بالقاهرة ومصر، ووقفا ليشترى به خبز ويفرّق فى فقراء المسلمين، وأصلح قبر خالد بن الوليد- رضى الله عنه- بحمص، ووقف وقفا على من هو راتب فيه من إمام ومؤذّن وغير ذلك، ووقف على قبر أبى عبيدة بن الجرّاح- رضى الله عنه- وقفا مثل ذلك، وأجرى على أهل الحرمين والحجاز وأهل بدر وغيرهم ما كان انقطع فى أيّام غيره من الملوك.
وأمّا عمائره: المدارس والجوامع والأسبلة والأربطة فكثيرة، وغالبها معروفة به، وكان يخرج كلّ سنة جملة مستكثرة يستفكّ بها من حبسه القاضى من المقلّين، وكان يرتّب فى أوّل شهر رمضان بمصر والقاهرة مطابخ لأنواع الأطعمة، وتفرّق على الفقراء والمساكين.
وأمّا حرمته ومهابته، منها: أنّ يهوديا دفن بقلعة جعبر عند قصد التّتار لها مصاغا وذهبا وهرب بأهله إلى الشام واستوطن حماة، فلمّا أمن كتب إلى صاحب حماة يعرّفه ويسأله أن يسيّر معه من يحفظه ليأخذ خبيئته ويدفع لبيت المال نصفه، فطالع صاحب حماة الملك الظاهر بذلك، فردّ عليه الجواب أنّه يوجّهه مع رجلين ليقضى حاجته؛ فلّما توجهوا مع اليهودىّ ووصلوا إلى الفرات امتنع من كان معه من العبور فعبر اليهودىّ وحده، فلمّا وصل وأخذ فى الحفر هو وابنه وإذا بطائفة من العرب على رأسه، فسألوه عن حاله فأخبرهم، فأرادوا قتله وأخذ المال، فأخرج لهم كتاب الملك الظاهر مطلقا إلى من عساه يقف عليه، فلمّا رأوا المرسوم كفّوا عنه وساعدوه حتّى استخلص ماله. ثم توجّهوا به إلى حماة وسلّموه إلى صاحب حماة، وأخذوا خطّه بذلك.
ومنها: أنّ جماعة من التّجّار خرجوا من بلاد العجم قاصدين مصر، فلمّا مرّوا بسيس منعهم صاحبها من العبور، وكتب إلى أبغا ملك التّتار، فأمره أبغا بالحوطة عليهم وإرسالهم إليه، وبلغ الملك الظاهر خبرهم، فكتب إلى نائب حلب بأن يكتب إلى نائب سيس، إن هو تعرّض لهم بشىء يساوى درهما واحدا أخذت «1» عوضه مرارا، فكتب إليه نائب حلب بذلك فأطلقهم، وصانع أبغا بن هولاكو
على ذلك بأموال جليلة حتّى لا يخالف مرسوم الظاهر، وهو تحت حكم غيره لا تحت حكم الظاهر.
ومنها: أن تواقيعه التى كانت بأيدى التّجار المتردّدين إلى بلاد القبجاق [بإعفائهم «1» من الصادر والوارد] كان يعمل بها حيث حلّوا من مملكة بركة خان ومنكوتمر وبلاد فارس وكرمان.
ومنها: أنّه أعطى بعض التّجّار مالا ليشترى به مماليك وجوارى من التّرك فشرهت نفس التاجر فى المال فدخل به قراقوم «2» من بلاد التّرك واستوطنها، فوقع الملك الظاهر على خبره، فبعث إلى منكوتمر فى أمره فأحضروه إليه تحت الحوطة إلى مصر. وله أشياء كثيرة من ذلك.
وكان الملك الظاهر يحبّ أن يطّلع على أحوال أمرائه وأعيان دولته حتى لم يخف عليه من أحوالهم شىء. وكان يقرّب أرباب الكمالات من كلّ فنّ وعلم. وكان يميل إلى التاريخ وأهله ميلا زائدا ويقول: سماع التاريخ أعظم من التجارب.
وكانت ترد عليه الأخبار وهو بالقاهرة بحركة العدوّ، فيأمر العسكر بالخروج وهم زيادة على ثلاثين ألف فارس، فلا يبيت منهم فارس فى بيته، وإذا خرج من القاهرة لا يمكّن من العود «3» إليها ثانيا.
قلت: كان الملك الظاهر- رحمه الله يسير على قاعدة ملوك التّتار وغالب أحكام چنكز خان من أمر «اليسق والتّورا» ، واليسق: هو الترتيب، والتّورا:
المذهب باللغة التركية؛ وأصل لفظة اليسق: سى يسا، وهى لفظة مركبة من كلمتين صدر الكلمة: سى بالعجمى، وعجزها يسا بالتركىّ، لأنّ سى بالعجمى ثلاثة، ويسا بالمغلىّ الترتيب، فكأنّه قال: التراتيب الثلاثة. وسبب هذه الكلمة أنّ چنكز خان ملك المغل كان قسّم ممالكه فى أولاده الثلاثة، وجعلها ثلاثة أقسام، وأوصاهم بوصايا لم يخرجوا عنها التّرك إلى يومنا هذا، مع كثرتهم واختلاف أديانهم، فصاروا يقولون: سى يسا (يعنى التراتيب الثلاثة التى رتّبها چنكز خان)، وقد أوضحنا هذا فى غير هذا الكتاب «1» بأوسع من هذا. انتهى. فصارت التّرك يقولون:«سى يسا» فثقل ذلك على العامّة فحرّفوها على عادة تحاريفهم، وقالوا: سياسة. ثم إنّ الترك أيضا حذفوا صدر الكلمة، فقالوا: يسا مدّة طويلة، ثم قالوا: يسق، واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا. انتهى.
قلت: والملك الظاهر هذا هو الذي ابتدأ فى دولته بأرباب الوظائف من الأمراء والأجناد، وإن كان بعضها قبله فلم تكن على هذه الصّيغة أبدا؛ وأمثّل لذلك مثلا فيقاس عليه، وهو أنّ الدّوادار كان قديما لا يباشره إلا متعمّم يحمل الدّواة ويحفظها. وأمير مجلس «2» هو الذي كان يحرس مجلس قعود السلطان وفرشه.
والحاجب «3» هو البوّاب الآن، لكونه يحجب الناس عن الدخول؛ وقس على هذا.
فجاء الملك الظاهر جدّد جماعة كثيرة من الأمراء والجند ورتّبهم فى وظائف:
كالدّوادار والخازندار «1» وأمير آخور والسّراخور «2» والسّقاة والجمداريّة «3» والحجّاب ورءوس النّوب «4» وأمير سلاح وأمير مجلس وأمير شكار «5» .
فأمّا موضوع أمير سلاح فى أيّام الملك الظاهر فهو الذي كان يتحدّث على السّلاح داريّة، ويناول السلطان آلة الحرب والسّلاح فى يوم القتال وغيره، مثل يوم الأضحى وما أشبهه. ولم يكن إذ ذاك فى هذه المرتبة (أعنى الجلوس رأس ميسرة السلطان) ، وإنّما هذا الجلوس كان إذ ذاك مختصّا بأطابك «6» . ثم بعده فى الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون برأس نوبة الأمراء كما سيأتى ذكره فى محلّه. وتأييد ذلك يأتى فى أوّل ترجمة الملك الظاهر برقوق، فإنّ برقوق نقل أمير سلاح قطلوبغا «7»
الكوكائىّ إلى حجوبيّة الحجّاب. وأمير مجلس كان موضوعها فى الدولة الظاهريّة بيبرس يتحدّث على الأطبّاء والكحّالين والمجبّرين، وكانت وظيفة جليلة أكبر قدرا من أمير سلاح.
وأمّا الدّواداريّة فكانت وظيفة سافلة. كان الذي يليها أوّلا غير جندى، وكانت نوعا من أنواع المباشرة، فجعلها الملك الظاهر بيبرس على هذه الهيئة، غير أنّه كان الذي يليها أمير عشرة. ومعنى دوادار باللغة العجمية: ماسك الدّواة، فإنّ لفظة «دار» بالعجمىّ: ماسك، لا ما يفهمه عوامّ المصرييّن أنّ دارا هى الدار التى يسكن فيها، كما يقولون فى حقّ الزّمام: زمام الآدر؛ وصوابه زمام دار. وأوّل من أحدث هذه الوظيفة ملوك السّلجوقيّة. والجمدار، الجمى هى البقجة باللغة العجمية، ودار تقدّم الكلام عليه، فكأنّه قال: ماسك البقجة التى للقماش. وقس على هذا فى كلّ لفظ يكون فيه دار من الوظائف.
وأمّا رأس نوبة فهى عظيمة عند التّتار، ويسمّون الذي يليها «يسوول» بتفخيم السين. والملك الظاهر أوّل من أحدثها فى مملكة مصر. والأمير آخور أيضا وظيفة عظيمة؛ والمغل تسمى الذي يليها «آق طشى» . وأمير آخور لفظ مركب من فارسى وعربى، فأمير معروف وآخور هو اسم المذود بالعجمىّ، فكأنّه يقول:
أمير المذود الذي يأكل فيه الفرس. وكذلك السلاخورى وغيره؛ مما أحدثها «1» الملك الظاهر أيضا.
وأمّا الحجوبيّة فوظيفة جليلة فى الدولة التركيّة، وليس هى الوظيفة التى كان يليها حجبة الخلفاء، فأولئك كانوا حجبة يحجبون الناس عن الدخول على الخليفة، ليس من شأنهم الحكم بين الناس والأمر والنهى؛ وهى ممّا جدده الملك
الظاهر بيبرس، لكنها عظمت فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون حتّى عادلت النّيابة «1» .
وأمّا ما عدا ذلك من الوظائف فأحدثها الملك الناصر محمد بن قلاوون كما سيأتى بيانه فى تراجمه الثلاث من هذا الكتاب، بعد أن جدّد والده الملك المنصور قلاوون وظائف أخركما سيأتى ذكره أيضا فى ترجمته على ما شرطناه فى هذا الكتاب من أنّ كلّ من أحدث شيئا عزيناه له. وممّا أحدثه الملك الظاهر أيضا البريد فى سائر ممالكه، بحيث إنّه كان يصل إليه أخبار أطراف بلاده على اتّساع مملكته فى أقرب وقت.
وأمّا ما افتتحه من البلاد وصار إليه من أيدى المسلمين فعدّة بلاد وقلاع.
والذي افتتحه من أيدى الفرنج- خذلهم الله-: قيساريّة، وأرسوف، وصفد، وطبريّة، ويافا، والشّقيف، وأنطاكية، وبغراس، والقصير، وحصن الأكراد وعكّار «2» ، والقرين «3» ، وصافيثا، ومرقيّة. وناصفهم على المرقب وبانياس وبلاد أنطرطوس وعلى سائر ما بقى فى أيديهم من البلاد والحصون وغيرها. واستعاد من صاحب سيس دربساك، ودركوش، ورعبان «4» ، والمرزبان «5» وبلادا أخر. والذي
صار إليه من أيدى المسلمين: دمشق وبعلبك وعجلون وبصرى وصرخد والصّلت، وكانت هذه البلاد التى تغلّب عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبى بعد موت الملك المظفّر قطز، لما تسلطن بدمشق وتلقّب بالملك المجاهد. انتهى. وحمص، وتدمر، والرّحبة، ودلويا «1» ، وتلّ باشر، وهذه البلاد انتقلت إليه عن الملك الأشرف صاحب حمص فى سنة اثنتين وستين «2» وستمائة. وصهيون وبلاطنس، وبرزيه، وهذه منتقلة إليه عن الأمير سابق الدين سليمان بن سيف الدين أحمد وعمّه عزّ الدين.
وحصون الإسماعيلّية «3» وهى: الكهف، والقدموس، والمينقة «4» ، والعلّيقة، والخوابى «5» ، والرّصافة، ومصياف «6» ، والقليعة «7» . وأمّا انتقل إليه عن الملك المغيث ابن الملك العادل أبى بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب: الشّوبك، والكرك. وما انتقل إليه عن التّتار: بلاد حلب الشماليّة بأسرها، وشيزر، والبيرة.
وفتح الله على يديه بلاد «1» النّوبة، وفيها من البلاد ممّا يلى أسوان جزيرة بلاق «2» ؛ ويلى
هذه البلاد بلاد «1» العلى وجزيرة «2» ميكائيل؛ وفيها بلاد وجزائر الجنادل «3» وهى
أيضا بلاد، ولمّا فتحها أنعم بها على ابن عمّ المأخوذة منه، ثم ناصفه عليها، ووضع عليه عبيدا وجوارى وهجنا وبقرا، وعن كلّ بالغ من رعيّته دينارا فى كلّ سنة.
وكانت حدود مملكة الملك الظاهر من أقصى بلاد النّوبة إلى قاطع الفرات. ووفد عليه من التّتار زهاء عن ثلاثة آلاف فارس، فمنهم من أمره طبلخاناه، ومنهم من جعله أمير عشرة إلى عشرين، ومنهم من جعله من السّقاة، ثم جعل منهم سلحداريّة وجمداريّة ومنهم من أضافه إلى الأمراء.
وأمّا مبانيه فكثيرة منها ما هدمه التّتار من المعاقل والحصون. وعمّر بقلعة الجبل دار الذهب، وبرحبة «1» الحبارج قبّة عظيمة محمولة على اثنى عشر عمودا من الرخام الملوّن، وصور فيها سائر حاشيته وأمرائه على هيئتهم، وعمّر بالقلعة أيضا طبقتين مطلّتين على رحبة الجامع «2» وأنشأ برج «3» الزاوية المجاورة لباب القلعة «4» ، وأخرج منه
رواشن، وبنى عليه قبّة وزخرف سقفها، وأنشأ جواره طباقا للمماليك أيضا.
وأنشأ «1» برحبة باب القلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، وكان فى موضعها حفير فعقد عليه ستة عشر عقدا، وأنشأ دورا كثيرة بظاهر القاهرة [ممّا يلى القلعة «2» وإصطبلات] برسم الأمراء، فإنّه كان يكره سكنى الأمير بالقاهرة مخافة من حواشيه على الرعيّة.
وأنشأ حمّاما «3» بسوق الخيل لولده الملك السعيد، وأنشأ الجسر «4» الأعظم والقنطرة التى على الخليج، وأظنّها قنطرة «5» السّباع، وأنشأ الميدان بالبورجى «6» ونقل إليه النخيل بالثمن الزائد من الديار المصريّة، فكانت أجرة نقله ستة عشر ألف دينار، وأنشأ به
المناظر والقاعات والبيوتات. وجدّد جامع «1» الأنور (أعنى جامع الظافر العبيدىّ) المعروف الآن بجامع الفاكهيّين والجامع «2» الأزهر، وبنى جامع «3» العافية بالحسينيّة وأنفق عليه فوق الألف ألف درهم، وأنشأ قريبا منه زاوية «4» الشيخ خضر وحمّاما وطاحونا وفرنا وعمّر بالمقياس «5» قبّة رفيعة [مزخرفة «6» ] ، وأنشأ عدّة جوامع بالديار المصريّة؛ وجدّد قلعة الجزيرة «7» ، وقلعة العمودين «8» ببرقة، وقلعة «9» السّويس، وعمّر جسرا بالقليوبيّة، والقناطر على
بحر «1» أبى المنجّا وقنطرة بمنية السّيرج «2» ، وقنطرتين «3» عند القصير على بحر إبراش بسبعة أبواب مثل قنطرة بحر أبى المنجّا، وأنشأ فى الجسر الذي يسلك فيه إلى دمياط ستّ عشرة قنطرة، وبنى على خليج الإسكندرية قريبا من قنطرتها [القديمة «4» ] قنطرة عظيمة بعقد واحد، وحفر خليج الإسكندرية «5» وكان قد ارتدم بالطّين، وحفر بحر أشموم «6» ، وكان قد عمى، وحفر ترعة «7» الصلاح وخورسخا «8» وحفر المحامدى والكافورى، وحفر فى ترعة أبى الفضل ألف قصبة، وحفر بحر «9» الصّمصام بالقليوبيّة، وحفر بحر «10» سردوس.
وتمّم عمارة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل منبره، وجعل بالضريح النّبوىّ درابزينا، وذهّب سقوفه وجدّدها وبيّض حيطانه؛ وجدّد البيمارستان بالمدينة النبويّة، ونقل إليه سائر المعاجين والأكحال والأشربة، وبعث إليه طبيبا [من الديار «1» المصريّة] .
وجدّد فى الخليل عليه السلام قبّته، ورمّ شعثه وأصلح أبوابه [وميضأته «2» ] وبيّضه وزاد فى راتبه. وجدّد بالقدس الشريف ما كان قد تهدّم من [قبّة «3» ] الصخرة، وجدّد قبّة السلسلة وزخرفها وأنشأ بها خانا للسبيل، نقل بابه من دهليز كان للخلفاء المصريّين بالقاهرة، وبنى به مسجدا وطاحونا وفرنا وبستانا. وبنى على قبر موسى عليه السلام قبّة ومسجدا، وهو عند الكثيب الأحمر قبلى أريحا «4» ووقف عليه وقفا. وجدّد بالكرك برجين كانا صغيرين فهدمهما وغيّرهما «5» . ووسّع عمارة مشهد جعفر «6» الطيّار- رضى الله عنه- ووقف عليه وقفا زيادة على وقفه على الزائرين له والوافدين عليه. وعمر جسرا بقرية دامية بالغور على نهر الشّريعة، ووقف عليه وقفا برسم ما عساه يتهدّم منه. وأنشأ جسورا كثيرة بالغور والساحل.
وأنشأ قلعة قاقون «1» وبنى بها جامعا ووقف عليه وقفا، وبنى على طريقها حوضا للسبيل. وجدّد جامع مدينة الرملة، وأصلح جامعا لبنى أميّة «2» ووقف عليه وقفا.
وعدّة جوامع ومساجد بالساحل.
وجدّد باشورة لقلعة صفد وأنشأها بالحجر الهرقلىّ، وعمّر لها «3» أبراجا وبدنات، وصنع بغلات مصفّحة دائر الباشورة بالحجر المنحوت، وأنشأ بالقلعة صهريجا كبيرا مدرّجا من أربع جهاته، وبنى عليه برجا زائد [الارتفاع «4» ] ، قيل إن ارتفاعه مائة ذراع، وبنى تحت البرج حمّاما، وصنع الكنيسة جامعا وأنشأ رباطا ثانيا، وبنى حمّاما ودارا لنائب السلطنة.
وكانت قلعة الصّبيبة قد أخربها التّتار، ولم يبقوا منها إلّا الآثار فجدّدها، وأنشأ لجامعها منارة، وبنى بها دارا لنائب السلطنة، وعمل جسرا يمشى عليه إلى القلعة.
وكان التّتار قد هدموا شراريف قلعة دمشق، ورءوس أبراجها، فجدّد ذلك كلّه، وبنى فوق برج الزاوية المطلّ على الميادين وسوق الخيل طارمة كبيرة، وجدّد منظرة على قائمة مستجدّة على البرج المجاور لباب النصر، وبيّض البحرة وجدّد دهان سقوفها: وبنى حمّاما «5» خارج باب النصر بدمشق، وجدّد ثلاثة إسطبلات على الشّرف الأعلى، وبنى القصر الأبلق بالميدان بدمشق وما حوله من العمائر. وجدّد مشهد زين العابدين رضى الله عنه بجامع دمشق، وأمر بترخيم الحائط الشمالى،
وتجديد باب البريد «1» وفرشه بالبلاط. ورمّ شعث مغارة الدم «2» . وجدّد المبانى التى هدموها التّتار من قلعة صرخد. وجدّد قبر نوح عليه السلام بالكرك. وجدّد أسوار حصن الأكراد، وعمّر قلعتها. وعمّر جوامع ومساجد بالساحل يطول الشرح فى ذكرها حذفتها خوف الإطالة.
وبنى فى أيامه بالديار المصريّة ما لم يبن فى أيام الخلفاء المصريّين، ولا ملوك بنى أيّوب من الأبنية والرّباع والخانات والقواسير والدّور والمساجد والحمّمات، من قريب مسجد التّبن «3» إلى أسوار القاهرة إلى الخليج وأرض «4» الطّبّالة، واتّصلت العمائر إلى باب المقسم «5» إلى اللّوق «6» إلى البورجى «7» ؛ ومن الشارع إلى الكبش «8»
وحدرة «1» ابن قميحة إلى تحت القلعة ومشهد «2» السيدة نفيسة رضى الله عنها إلى السّور القراقوشىّ «3» . وكلّ ذلك من كثرة عدله وإنصافه للرعيّة والنّظر فى أمورهم وإنصاف الضعيف من المستضعف والذّبّ عنهم من العدوّ المخذول رحمه الله وعفا عنه.
ذكر ما كان ينوب دولته من الكلف- كانت عدّة العساكر بالديار المصريّة أيّام الملك الكامل محمد وولده الملك الصالح أيّوب عشرة آلاف فارس، فضاعفها أربعة أضعاف؛ وكان اولئك الذين كانوا قبله العشرة آلاف مقتصدين فى الملبوس والنفقات والعدد، وهؤلاء (أعنى عسكر الظاهر الأربعين ألفا) ، كانوا بالضدّ من ذلك؛ وكانت كلف ما يلوذ بهم من إقطاعهم، وهؤلاء كلفهم على الملك الظاهر؛ ولذلك تضاعفت الكلف فى أيّامه. فإنّه كان يصرف فى كلف مطبخ أستاذه الملك الصالح أيّوب ألّف رطل [لحم «4» ] بالمصرىّ خاصّة نفسه فى كلّ يوم؛
والمصروف فى مطبخ الملك الظاهر عشرة آلاف رطل كلّ يوم عنها وعن توابلها عشرون ألف درهم نقرة «1» ، ويصرف فى خزانة «2» الكسوة فى كل يوم عشرون ألف درهم، ويصرف فى الكلف الطارئة المتعلّقة بالرّسل والوفود فى كلّ يوم عشرون ألف درهم، ويصرف عن قرط دوابّه ودوابّ من يلوذ به فى كلّ سنة ثمانمائة ألف درهم، ويقوم بكلف الخيل والبغال والجمال والحمير من العلوفات خمس عشرة ألف عليقة فى اليوم، عنها ستمائة إردب؛ وما كان «3» يقوم به لمن أوجب نفقته وألزمها عليه تطحن وتحمل إلى المخابز المعدّة لعمل الجرايات خلا ما يصرف على أرباب الرواتب فى كلّ شهر عشرون ألف إردب؛ وذلك بالديار المصريّة خاصة. وهذا خلاف «4» الطوارئ التى كانت تفد عليه فما يمكن حصرها. وكلف أسفاره وتجديد السلاح فى كلّ قليل؛ وما كان عليه من الجوامك «5» والجرايات لمماليكه ولأرباب الخدم؛ فكان ديوانه يفى بذلك كلّه؛ ويحمل لحاصله جملة كبيرة فى السنة من الذهب.
وكان سبب ذلك أنه رفع أيدى الأقباط من غالب تعلّقاته فافتقر أكثرهم فى أيّامه؛ وباشروا الصنائع كالتجارة والبناية؛ ولا زال أمرهم على ذلك حتى تراجع فى أواخر الدولة الناصريّة محمد بن قلاوون. انتهت ترجمة الملك الظاهر بيبرس، رحمه الله تعالى.
ونذكر بعض أحواله، إن شاء الله تعالى، فى حوادث سنينه كما هو عادة هذا الكتاب على سبيل الاختصار. وقد أطلت فى ترجمته وهو مستحقّ لذلك، لأنّه فرع فاق أصله، كونه كان من جملة مماليك الملك الصالح نجم الدين أيّوب فزادت محاسنه عليه.
وأمّا من يأتى بعده فلا سبيل إليه. ويعجبنى فى هذا المعنى المقالة الثانية عشرة من قول الشيخ الإمام العالم العارف الرّبّانىّ شرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهانىّ المعروف بشوروة «1» رحمه الله فى كتابه الذي فى اللّغة وسمّاه «أطباق الذهب» يشتمل على مائة مقالة [واثنتين] أحسن فيها غاية الإحسان، وهى:
«ليس الشريف من تطاول وتكاثر «2» ، إنّما الشريف من تطوّل وآثر؛ وليس المحسن من روى القرآن، إنّما المحسن من أروى الظمآن؛ وليس البرّ إبانة الحروف بالإمالة والاشباع، لكنّ البرّ إغاثة الملهوف بالإنالة والإشباع؛ ولا خير فى زكأة «3» لا يسدى معروفا، ولا بركة فى لبنة «4» لا تروى «5» خروفا؛ فوا [ها]«6» لك، لمن تدّخر أموالك! أنفق ألفك، قبل أن يقسم خلفك؛ إنّ منازل الخلق سواسية، إلّا من له يد مواسية؛ فأرفعهم أنفعهم، وأسودهم أجودهم، وأفضلهم أبذلهم؛ وخير الناس من سقى ملواحا «7» ،