الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ما وقع من الحوادث سنة 650]
السنة الثالثة من ولاية الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ على مصر، وهى سنة خمسين وستّمائة.
فيها وصلت التّتار إلى الجزيرة ونهبوا ديار بكر وميّافارقين، وجاءوا إلى رأس «1» عين وسروج «2» وغيرها، وقتلوا زيادة على عشرة آلاف إنسان، وصادفوا قافلة خرجت من حرّان «3» تقصد بغداد، فأخذوا منها أموالا عظيمة: منها ستّمائة حمل سكّر مصرىّ وستّمائة ألف دينار، قاله أبو المظفّر فى مرآة الزمان، قال: وقتلوا الشيوخ والعجائز وساقوا من النساء والصّبيان ما أرادوا، ثم رجعوا إلى خلاط «4» . وقطع أهل الشرق الفرات وخاض الناس فى القتلى من دنيسر «5» إلى الفرات. قال بعض التّجار:
عددت على جسر بين حرّان ورأس عين فى مكان واحد ثلثمائة وثمانين قتيلا من المسلمين؛ ثم قتل ملك التّتار كشلوخان.
وفيها حجّ بالناس من بغداد بعد أن كان بطل الحجّ منذ عشر سنين من سنة مات الخليفة المستنصر.
وفيها قدم الشيخ نجم «6» الدين البادرانىّ رسولا من الخليفة وأصلح بين المعزّ أيبك صاحب الترجمة وبين الناصر يوسف، وقد تقدّم ذلك، وكان كلّ واحد من الطائفتين قد سئم وضرس «7» من الحرب، وسكنت الفتنة بين الملوك واستراح الناس.
وفيها توفّى العلّامة رضىّ الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علىّ القرشىّ العدوىّ العمرىّ الصاغانىّ «1» الأصل الهندىّ اللاهورىّ «2» المولد البغدادىّ الوفاة المحدّث الفقيه الحنفىّ اللغوىّ الإمام صاحب التصانيف، ولد بمنية لاهور فى عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة ونشأ بغزنة «3» ، ودخل بغداد فسمع الكثير فى عدّة بلاد ورحل. وكان إليه المنتهى فى علم العربية واللغة، وصنّف كتاب «مجمع البحرين» فى اللغة، اثنا عشر مجلّدا، وكتاب «العباب الزاخر» فى اللّغة أيضا عشرون مجلدا، وأشياء غير ذلك. قال الحافظ «4» الدّمياطى: وكان شيخا صدوقا صالحا صموتا عن فضول الكلام إماما فى اللّغة والفقه والحديث؛ قرأت عليه يوم الأربعاء وتوفّى ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان، وحضرت دفنه بداره بالحريم «5» الطاهرىّ ببغداد. ثم ترجمه الدمياطى ترجمة طويلة وأثنى على علمه وفضله ودينه.
وفيها توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن سعد [ «6» بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله] الكاتب المقدسىّ نشأ بقاسيون على الخير والصلاح وقرأ النحو والعربيّة وسمع الحديث الكثير، وبرع فى الأدب. وكان ديّنا حسن الخط وكتب للملك الصالح إسماعيل وللملك الناصر داود. ومن شعره:
لنا بقدوم طلعتك الهناء
…
وللأعداء ويحهم الفناء
قدمت فكنت شبه الغيث وافى
…
بلادا قد أحلّ بها الظّماء
قلت: ويعجبنى فى هذا المعنى قول القائل ولم أدر لمن هو:
قدومك أشهى من زلال على ظما
…
وأحسن من نيل المنى فى المآرب
حكى الغيث وافى الأرض من بعد جدبها
…
وأطلع فيها النبت من كلّ جانب
وفيها توفّى الأمير الصاحب «1» جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عيسى بن إبراهيم ابن الحسين بن علىّ بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين «2» بن مطروح. كان أصله من صعيد «3» مصر، وولد به ونشأ هناك، ثم قدم القاهرة واشتغل وبرع فى الأدب والكتابة واتّصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيّوب. قال أبو المظفّر: كان فاضلا كيّسا شاعرا. ومن شعره لمّا فتح الناصر داود برج داود بالقدس، قال:
المسجد الأقصى له عادة
…
سارت فصارت «4» مثلا سائرا
إذا غدا للكفر مستوطنا
…
أن يبعث الله له ناصرا
فناصر طهّره أوّلا
…
وناصر طهّره آخرا
قال: وتوفى فى شعبان ودفن بسارية «5» بالقرافة وكانت له أخبار عظيمة، وكان قد دخل بين الخوارزميّة والصالح أيّوب، واستنابه أيّوب بالشام ولبس ثياب الجند وما كانت تليق به. ثمّ غضب عليه الصالح وأعرض عنه إلى أن مات، فأقام خاملا
إلى أن مات. وقد كان جوادا ذا مروءة متعصّبا سمحا حليما حسن الظنّ «1» بالفقراء عارفا فاضلا. انتهى كلام أبى المظفّر. قلت: وديوان شعره مشهور. ومن شعره القصيدة المشهورة:
هى رامة فخذوا يمين الوادى
…
وذروا السيوف تقرّ فى الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها
…
فلكم صرعن بها من الاساد
من كان منكم واثقا بفؤاده
…
فهناك ما أنا واثق بفؤادى
يا صاحبىّ ولى بجرعاء الحمى
…
قلب أسير ماله من فادى
سلبته منّى يوم بانوا مقلّة
…
مكحولة أجفانها بسواد
وبحىّ «2» من أنا فى هواه ميّت
…
عين على العشّاق بالمرصاد
وأغنّ مسكىّ اللّمى معسوله
…
لولا الرقيب بلغت منه مرادى
كيف السبيل إلى وصال محجّب
…
ما بين بيض ظبا وسمر صعاد
فى بيت شعر نازل من شعره
…
فالحسن منه عاكف فى بادى
حرسوا مهفهف قدّه بمثقّف
…
فتشابه الميّاس بالميّاد
قالت لنا ألف العذار بخدّه
…
فى ميم مبسمه شفاء الصادى
وهى أطول من ذلك اختصرتها خوف الإطالة. ويعجبنى قصيدة الجزّار «3» فى مدح ابن مطروح هذا. أذكر غزلها:
هو ذا الرّبع ولى نفس مشوقه
…
فاحبس الركب عسى «4» أقضى حقوقه
فقبيح بى فى شرع الهوى
…
بعد ذاك البرّ أن أرضى «5» عقوقه
لست أنسى فيه ليلات مضت
…
مع من أهوى وساعات أنيقة
ولئن أضحى مجازا بعدهم
…
فغرامى فيه ما زال حقيقة
يا صديقي والكريم الحرّ فى
…
مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه
ضع يدا منك على قلبى عسى
…
أن تهدّى بين جنبىّ خفوقه
فاض دمعى مذ رأى ربع الهوى
…
ولكم فاض وقد شام بروقه
نفد اللؤلؤ من أدمعه
…
فغدا ينثر فى التّرب عقيقه
قف [معى «1» ] واستوقف الركب فإن
…
لم يقف فاتركه يمضى «2» وطريقه
فهى أرض قلّما يلحقها
…
آمل والرّكب لم أعدم لحوقه
طالما استجليت فى أرجائها
…
من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الورد احمرارا خدّه
…
وتودّ الخمر لو تشبه ريقه
فبه الحسن خليق لم يزل
…
والمعالى بابن مطروح خليقه
وله بيتان ضمّنهما بيت المتنبّى الذي هو أوّل قصيدته، وهو:
تذكّرت ما بين العذيب وبارق
…
مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
فقال ابن مطروح مضمّنا:
إذا ما سقانى ريقه وهو باسم
…
تذكّرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرنى من قدّه ومدامعى
…
مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو البركات هبة الله ابن محمد بن الحسين [المعروف «3» بآ] بن الواعظ المقدسىّ ثم الإسكندرانىّ عن إحدى