المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[ما وقع من الحوادث سنة 658] - النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة - جـ ٧

[ابن تغري بردي]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء السابع]

- ‌[تتمة ما وقع من الحوادث سنة 648]

- ‌ذكر ولاية الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 649]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 650]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 651]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 652]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 653]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 654]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 655]

- ‌ذكر سلطنة الملك المنصور علىّ بن أيبك التّركمانى على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 656]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 657]

- ‌ذكر سلطنة الملك المظفّر قطز على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 658]

- ‌[ذكر قضاة الشافعيّة]

- ‌ذكر القضاة الحنفيّة

- ‌ذكر القضاة المالكيّة

- ‌ذكر قضاة الحنابلة

- ‌فتوحاته رحمه الله

- ‌ذكر مرض الملك الظاهر ووفاته

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 659]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 660]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 661]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 662]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 663]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 664]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 665]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 666]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 667]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 668]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 669]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 670]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 671]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 672]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 673]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 674]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 675]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 676]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 677]

- ‌ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 679]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 680]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 681]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 682]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 683]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 684]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 685]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 686]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 687]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 688]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 689]

- ‌استدراكات على بعض تعليقات وردت فى الجزءين الرابع والخامس من هذا الكتاب، لحضرة الأستاذ محمد رمزى بك

- ‌قنطرة عبد العزيز بن مروان

- ‌بستان الخشاب

- ‌أرض الطبّالة

- ‌استدراكات على الجزء السادس من النجوم الزاهرة

الفصل: ‌[ما وقع من الحوادث سنة 658]

تذكر ما قلت لك فى الوقت الفلانىّ؟ قلت: نعم، قال: والله حالما عاد الملك الناصر من قطيا دخلت الديار المصريّة أعطانى إمرة خمسين فارسا كما قال، لا زائد على ذلك. قال: وحكى لى عزّ «1» الدين محمد بن أبى الهيجاء ما معناه: أنّ سيف الدين بلغاق حدّثه أنّ الأمير بدر الدين بكتوت الأتابكىّ، حكى لى قال: كنت أنا والملك المظفّر قطز والملك الظاهر بيبرس- رحمهما الله تعالى- فى حال الصّبا كثيرا ما نكون مجتمعين فى ركوبنا وغير ذلك، فاتّفق أن رأينا منجّما فى بعض الطريق بالديار المصريّة، فقال له الملك المظفّر قطز: أبصر نجمى، فضرب بالرّمل وحسب وقال: أنت تملك هذه البلاد وتكسر التّتار، فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر بيبرس: أبصر نجمى، فقال: وأنت أيضا تملك الديار المصريّة وغيرها، فتزايد استهزاؤنا به، ثم قالا لى، لا بدّ أن تبصر نجمك، فقلت له: أبصر لى نجمى، فحسب وقال: أنت تخلص لك إمرة مائة فارس، يعطيك هذا، وأشار إلى الملك الظاهر، فاتّفق أن وقع الأمر كما قال، ولم يخرم منه شىء. وهذا من عجيب الاتّفاق. انتهت ترجمة الملك المظفّر قطز. ويأتى ذكر حوادثه على عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

[ما وقع من الحوادث سنة 658]

السنة التى حكم فيها الملك المظفّر قطز على الديار المصريّة، وهى سنة ثمان وخمسين وستمائة على أنّه حكم من سنة سبع شهرين وقتل قبل انقضاء السنة أيضا بشهرين.

فيها كانت كاثنة التّتار مع الملك المظفّر قطز وغيره، حسب ما تقدّم ذكره من أنّهم ملكوا حلب والشام ثم رحلوا عنها.

ص: 89

وفيها غلت الأسعار بالبلاد الشاميّة.

وفيها توفّى الملك السعيد نجم الدين إيلغازى ابن الملك المنصور ناصر الدين أبى المظفّر أرتق بن أرسلان «1» بن نجم الدين إيلغازى ابن ألبى بن تمرتاش بن إيلغازى ابن أرتق، السلطان أبو الفتح صاحب ماردين. كان ملكا جليلا كبير القدر شجاعا جوادا حازما ممدّحا. مات فى ذى الحجّة، وملك ماردين بعده ابنه الملك المظفّر رحمه الله.

وفيها توفّى الملك المعظّم فخر الدين أبو المفاخر توران شاه ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، كان قد كبرت سنّه وصار كبير البيت الأيّوبىّ، وكانت نفسه لا تحدّثه بالوثوب على الأمر، فلذلك عاش عيشا رغدا وطال عمره. وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام يعظّمه ويحترمه ويثق به. وهو غير الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب. وقد تقدّم قتل هذاك فى كائنة دمياط، وعدّ أيضا من ملوك مصر. وتوران شاه هذا هو ابن عم الملك الكامل محمد جدّ توران شاه هذاك. وهو أيضا غير توران شاه ابن الملك الكامل محمد المعروف بأقسيس «2» . انتهى. ومولد توران شاه هذا بالقاهرة فى سنة سبع وسبعين وخمسمائة ومات فى شهر ربيع الأوّل من هذه السنة بحلب.

وفيها قتل الأمير كتبغانوين مقدّم عساكر التّتار الذي قتل فى الوقعة التى كانت بينه وبين المظفّر قطز بعين جالوت المقدّم ذكرها. كان كتبغانوين عظيما عند

ص: 90

التّتار يعتمدون على رأيه وشجاعته وتدبيره، وكان بطلا شجاعا مقداما خبيرا بالحروب وافتتاح الحصون والاستيلاء على الممالك، وهو الذي فتح معظم بلاد العجم والعراق.

وكان هولاكو ملك التتار يثق به ولا يخالفه فيما يشير إليه ويتبرّك برأيه. يحكى عنه عجائب فى حروبه، وكانت مقتلته فى يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان فى المصافّ على عين جالوت.

قلت: إلى سقر وبئس المصير، ولقد استراح الإسلام منه، فإنّه شرّ عصابة على الإسلام وأهله. ولله الحمد على هلاكه.

وفيها توفّى الملك المظفّر أبو المعالى ناصر الدين محمد ابن الملك المظفّر غازى بن أبى بكر «1» محمد العادل بن أيّوب صاحب ميّافارقين وتلك البلاد. ملكها فى سنة «2» خمس وأربعين وستمائة عقيب وفاة والده، [و] دام فى الملك سنين إلى أن جفل من التّتار بعد أن كان يداريهم سنين، وقدم على الملك الناصر صلاح الدين يوسف بدمشق واستنجده على التّتار فوعده الناصر بالنّجدة، وآخر الأمر أنّه رجع إلى بلاده، وحصره التّتار بها نحو سنتين حتّى استشهد بأيديهم- رحمه الله تعالى وعفا عنه-.

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى واستشهد بحلب خلائق لا يحصون؛ منهم، إبراهيم بن خليل الأدمىّ. والرئيس أبو طالب عبد الرحمن ابن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن العجمىّ، تحت عذاب التّتار. وبدمشق عبد الله ابن بركات بن إبراهيم [المعروف «3» بابن] الخشوعىّ فى صفر. والعماد عبد الحميد بن عبد الهادى المقدسىّ فى شهر ربيع الأوّل عن خمس وثمانين سنة. والملك المعظّم

ص: 91

توران شاه ابن السلطان صلاح الدين فى شهر ربيع الأوّل، وله إحدى وثمانون سنة.

والشمس محمد بن عبد الهادى أخو العماد بقرية ساوية «1» [من عمل نابلس] شهيدا. وقاضى القضاة صدر الدين أحمد ابن شمس «2» الدين أبى البركات يحيى بن هبة الله بن سنىّ الدولة ببعلبكّ، وقد قارب السبعين «3» فى جمادى الآخرة. وأبو الكرم لاحق بن عبد المنعم الأرتاحىّ «4» بالقاهرة، وله خمس وثمانون سنة. والحافظ المفيد محبّ الدين عبد الله بن أحمد المقدسىّ. والفقيه الكبير أبو عبد الله محمد بن أبى الحسين [أحمد «5» ] بن عبد الله اليونينىّ «6» فى رمضان، وله سبع وثمانون سنة فى المحرّم «7» . والحافظ البليغ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى بكر القضاعىّ البلنسىّ «8» الكاتب المعروف بالأبّار بتونس مقتولا. والملك الكامل الشهيد ناصر الدين محمد ابن المظفّر شهاب الدين غازى بن العادل. والملك المظفّر الشهيد سيف الدين فطز فى ذى القعدة، فتكوا به فى الرمل. وصاحب الصّبيبة الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل، قتل صبرا يوم عين جالوت بأمر الملك المظفّر. وفى آخرها صاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيلغازى بن أرتق. والملك كتبغانوين رأس التّتار يوم عين

ص: 92

جالوت، قتله آقوش «1» الشّمسىّ. وحسام «2» الدين محمد بن أبى علىّ الهذبانىّ نائب السلطنة بمصر. والأمير مجير الدين إبراهيم [بن أبى «3» بكر] بن أبى زكرى بنابلس شهيدا بعد أن قتل جماعة.

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وست عشرة إصبعا.

مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا.

ص: 93

ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ «1» على مصر

السلطان الملك القاهر ثم الظاهر ركن الدين أبو الفتوح «2» بيبرس بن عبد الله البندقدارىّ الصالحىّ النّجمىّ الأيّوبىّ التّركىّ، سلطان الديار المصريّة والبلاد الشاميّة والأقطار الحجازيّة، وهو الرابع من ملوك الترك. مولده فى حدود العشرين وستمائة بصحراء القبجاق «3» تخمينا والقبجاق قبيلة عظيمة فى التّرك، وهو (بكسر القاف «4» وسكون الباء ثانية الحروف وفتح الجيم ثم ألف وقاف ساكنة)، وبيبرس (بكسر الباء الموحدة ثانية الحروف وسكون الياء المثناة من تحتها ثم فتح الباء الموحدة وسكون الراء والسين المهملتين) ومعناه باللغة التركيّة: أمير فهد. انتهى.

قلت: أخذ بيبرس المذكور من بلاده وأبيع بدمشق للعماد الصائغ. ثم اشتراه الأمير علاء الدين أيدكين الصالحى البندقدارىّ وبه سمّى البندقدارىّ.

قلت: والعجيب أن علاء الدين أيدكين البندقدارىّ المذكور عاش حتّى صار من جملة أمراء الظاهر بيبرس هذا. على ما سيأتى ذكره مفصّلا- إن شاء الله تعالى- حكى شيخ الشيوخ شرف الدين عبد «5» العزيز الأنصارىّ الحموىّ قال:

ص: 94

كان الأمير علاء الدين البندقدارىّ الصالحىّ لمّا قبض عليه وأحضر إلى حماة واعتقل بجامع قلعتها اتّفق حضور ركن الدين بيبرس مع تاجر، وكان الملك «1» المنصور (يعنى «2» صاحب حماة) إذ ذاك صبيا وكان إذا أراد شراء رقيق تبصره الصاحبة والدته، فأحضر بيبرس هذا مع آخر فرأتهما من وراء السّتر فأمرت بشراء خشداشه، وقالت: هذا الأسمر لا يكون بينك وبينه معاملة فإنّ فى عينيه شرّا لائحا فردّتهما جميعا؛ فطلب البندقدارىّ الغلامين يعنى بيبرس ورفيقه فاشتراهما وهو معتقل، ثم أفرج عنه فسار إلى مصر؛ وآل أمر ركن الدين إلى ما آل.

وقال الذهبىّ: اشتراه الأمير علاء الدين البندقدارىّ الصالحىّ فطلع بطلا شجاعا نجيبا لا ينبغى [أن] يكون إلّا عند ملك، فأخذه الملك الصالح منه. وقيل: بقى بيبرس المذكور فى ملك البندقدارىّ حتى صادره أستاذه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأخذ بيبرس هذا فيما أخذه منه فى المصادرة فى شهر شوّال سنة أربع وأربعين وستمائة.

قلت: وهذا القول هو المشهور.

ولمّا اشتراه الملك الصالح أعتقه وجعله من جملة مماليكه، وقدّمه على طائفة الجمداريّة لما رأى من فطنته وذكائه؛ وحضر مع أستاذه الملك الصالح واقعة دمياط.

وقال الشيخ عزّ الدين عمر بن علىّ بن إبراهيم بن شدّاد: أخبرنى الأمير بدر الدين بيسرى «3» الشّمسىّ أنّ مولد الملك الظاهر بأرض القبجاق سنة خمس وعشرين وستمائة

ص: 95

تقريبا. وسبب انتقاله من وطنه إلى البلاد أنّ التّتار لمّا أزمعوا على قصد بلادهم سنة تسع وثلاثين وستمائة، وبلغهم ذلك، كاتبوا أنس خان ملك أولاق «1» أن يعبروا بحر صوداق «2» إليه ليجيرهم من التّتار، فأجابهم إلى ذلك وأنزلهم واديا بين جبلين، وكان عبورهم إليه فى سنة أربعين وستمائة؛ فلما اطمأنّ بهم المقام غدر بهم وشنّ الغارة عليهم، فقتل منهم وسبى. قال بيسرى: وكنت أنا والملك الظاهر فيمن أسر؛ قال: وكان عمره إذ ذاك أربع عشرة سنة تقديرا، فبيع فيمن بيع وحمل إلى سيواس «3» ثمّ افترقنا واجتمعنا فى حلب فى خان ابن قليج ثم افترقنا؛ فاتّفق أن حمل إلى القاهرة فبيع على الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ وبقى فى يده إلى أن انتقل عنه بالقبض عليه فى جملة ما استرجعه الملك الصالح نجم الدين أيّوب منه، وذلك فى شوّال سنة أربع وأربعين وستمائة.

قلت: وهذا القول مطابق «4» لقولنا الذي ذكرناه. قال: ثم قدّمه الملك الصالح على طائفة الجمداريّة. انتهى.

وقال غيره: ولمّا مات الملك الصالح نجم الدين أيّوب وملك بعده ابنه الملك المعظّم توران شاه وقتل «5» وأجمعوا على الأمير عزّ الدين أيبك التّركمانىّ وولّوه الأتابكيّة،

ص: 96

ثم استقلّ بالملك وقتل الأمير فارس الدين أقطاى الجمدار، ركب الملك الظاهر بيبرس هذا والبحريّة وقصدوا قلعة الجبل؛ فلمّا لم ينالوا مقصودهم خرجوا من القاهرة مجاهرين بالعداوة للملك المعزّ أيبك التّركمانى ومهاجرين إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف [ابن الملك «1» العزيز محمد بن الظاهر غازى ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب] صاحب الشام. وهم: الملك الظاهر بيبرس هذا، وسيف الدين بلبان الرّشيدىّ، وعزّ الدين أزدمر السّيفىّ، وشمس الدين سنقر الرّومى، وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى الشّمسىّ، وسيف الدين قلاوون الألفى، وسيف الدين بلبان المستعرب وغيرهم؛ فلمّا شارفوا دمشق سيّر إليهم الملك الناصر طيّب قلوبهم، فبعثوا فخر «2» الدين إياز المقرئ يستحلفه لهم فخلف الناصر لهم ودخلوا دمشق فى العشر الأخير من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وستمائة، فأكرمهم الملك الناصر صلاح الدين وأطلق للملك الظاهر بيبرس ثلاثين ألف درهم، وثلاثة قطر بغال وثلاثة قطر جمال وملبوسا، وفرّق فى بقيّة الجماعة الأموال والخلع على قدر مراتبهم. وكتب الملك المعزّ أيبك إلى الملك الناصر يحذّره منهم ويغريه بهم، فلم يصغ إليه الناصر، ودام على إحسانه إليهم. وكان عيّن الناصر لبيبرس إقطاعا بحلب، فطلب الملك الظاهر بيبرس من الملك الناصر أن يعوّضه عمّا كان له بحلب من الإقطاع بجينين «3» وزرعين «4» فأجابه الملك الناصر إلى

ص: 97

ذلك؛ فتوجّه بيبرس إليها وعاد، فاستشعر بيبرس من الملك الناصر بالغدر فتوجّه بمن معه ومن تبعه من خشداشيته إلى الكرك، واجتمعوا بصاحب الكرك الملك المغيث «1» عمر بن العادل أبى بكر بن الكامل محمد، فجهّز الملك المغيث عسكره مع بيبرس المذكور، وعدّة من كان جهّزه معه ستّمائة فارس، وخرج من عسكر مصر جماعة لملتقاه؛ فأراد بيبرس كبسهم فوجدهم على أهبة، ثم واقع المصريّين فانكسر ولم ينج منهم إلّا القليل، فالذى نجا من الأعيان: بيبرس وبيليك «2» الخازندار، وأسر بلبان الرّشيدى. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه فى ترجمة المعزّ مجملا، ولكن نذكره هنا مفصّلا.

وعاد بيبرس هذا إلى الكرك وأقام بها، فتواترت عليه كتب المصريّين يحرّضونه على قصد الديار المصريّة، وجاءه جماعة كثيرة من عسكر الملك الناصر. فأخذ بيبرس يطمع الملك المغيث صاحب الكرك فى ملك مصر، ولا زال به حتّى ركب معه بعسكره ونزل غزّة، وندب الملك المعزّ أيبك عسكرا لقتالهم، وقدّم على العسكر المصرىّ مملوكه الأمير قطز والأمير أقطاى المستعرب، وساروا وهرب من عسكر مصر إلى بيبرس والمغيث الأمير عزّ الدين أيبك الرومىّ، والأمير بلبان الكافورىّ «3» والأمير سنقر شاه العزيرى، والأمير أيبك الخواشى «4» ، والأمير بدر الدين برخان «5» ، والأمير بغدى، وأيبك الحموىّ، وجمال الدين هارون القيمرىّ والجميع أمراء، واجتمعوا الجميع مع بيبرس والملك المغيث بعزّة، فقويت شوكتهما بهؤلاء، وساروا الجميع إلى الصالحيّة،

ص: 98

ولقوا عسكر مصر يوم الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين، فاستظهر عسكر بيبرس والمغيث أوّلا، ثم عادت الكسرة عليهم لثبات قطز المعزّىّ، وهرب الملك المغيث ولحقه بيبرس، وأسر من عسكر بيبرس عزّ الدين أيبك الرومىّ، وركن الدين منكورس «1» الصّيرفىّ، وبلبان الكافورىّ وعزّ الدين أيبك الحموىّ، وبدر الدين بلغان الأشرفى، وجمال الدين هارون القيمرىّ، وسنقر شاه العزيزىّ، وبهاء «2» الدين أيدغدى الإسكندرانىّ، وبدر الدين برخان، وبغدى، وبيليك الخازندار «3» الظاهرىّ فضربت [أعناق «4» ] الجميع صبرا، ما خلا الخازندار [فإنّ جمال «5» الدين] الجوكندارى «6» شفع فيه، وخيّروه بين المقام والذّهاب فاختار الذّهاب إلى أستاذه، فأطلق وتوجّه إلى أستاذه، ولمّا أن وصل الملك المغيث إلى الكرك حصل بينه وبين ركن الدين بيبرس هذا وحشة؛ وأراد المغيث القبض عليه بعد أمور صدرت، فأحسّ بيبرس بذلك وهرب وعاد إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، بعد أن استحلفه على أن يعطيه خبز مائة فارس من جملتها قصبة نابلس، وجينين «7» وزرعين «8» فأجاب إلى نابلس لا غير. وكان قدومه على الناصر فى شهر رجب سنة سبع وخمسين وستّمائة، ومعه الجماعة الذين

ص: 99

حلف لهم الملك الناصر أيضا وهم: بيسرى الشّمسىّ وأيتمش «1» السّعدىّ وطيبرس «2» الوزيرىّ وآقوش الرومىّ الدّوادار «3» ، وكشتغدى «4» الشّمسىّ ولاجين الدّرفيل، وأيدغمش الحلبىّ «5» وكشتغدىّ الشرقى «6» وأيبك السيخى «7» وبيبرس خاص ترك الصغير، وبلبان المهرانىّ، وسنجر الباشقردى «8» وسنجر الهمامىّ، وأرسلان الناصرىّ ويكنى الخوارزمىّ، وسيف الدين طمان [الشّقيرى «9» ] ، وأيبك العلائىّ، ولاچين الشّقيرىّ، وبلبان الأقسيسىّ، وعلم الدين سلطان الإلدكزىّ، فأكرمهم الملك الناصر، ووفّى لهم بما حلف، وداموا على ذلك حتّى قبض الأمير قطز على ابن أستاذه الملك المنصور علىّ، وتسلطن وتلقّب بالملك المظفّر قطز، شرع بيبرس يحرّض الملك الناصر على التوجّه إلى الديار المصريّة ليملكها، فلم يجبه، فكلّمه بيبرس فى أن يقدّمه على أربعة آلاف فارس، أو يقدّم عليهم غيره، ويتوجّه بها إلى شطّ الفرات يمنع التّتار من العبور إلى الشام، فلم يمكّنه ابن «10» عمّه الملك الصالح إسماعيل لباطن كان له مع التّتار، قاتله الله! فاستمرّ بيبرس عند الناصر إلى سنة ثمان وخمسين فارقه بمن معه

ص: 100

وقصد الشّهرزوريّة «1» وتزوّج منهم؛ ثم أرسل إلى الملك المظّفر قطز من استحلفه له، فحلف قطز. ودخل بيبرس إلى القاهرة فى يوم السبت الثانى والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين، فركب الملك المظفّر قطز للقائه وأنزله فى دار الوزارة وأقطعه قصبة قليوب «2» ، فلم تطل مدّته بالقاهرة وتهيّأ الملك المظفّر قطز لقتال التّتار، وسيّر بيبرس هذا فى عسكر أمامه كالجاليش «3» ليتجسّس أخبار التّتار؛ فكان أوّل ما وقعت عينه عليهم ناوشهم بالقتال، فلما انقضت الوقعة بعين جالوت تبعهم بيبرس هذا، يقتل من وجده منهم، إلى حمص؛ ثم عاد فوافى الملك المظفّر قطز بدمشق، وكان وعده بنيابة حلب، فأعطاها قطز لصاحب الموصل، فحقد عليه بيبرس فى الباطن، واتّفق على قتله مع جماعة لمّا عاد الملك المظّفر إلى نحو الديار المصريّة. والذين اتّفقوا معه: بلبان الرّشيدىّ، وبهادر المعزّى، وبكتوت الجوكندار المعزىّ، وبيدغان الرّكنىّ، وبلبان الهارونىّ، وأنص الأصبهانىّ، واتّفقوا الجميع مع بيبرس على قتل الملك المظفّر قطز؛ وساروا معه نحو الديار المصريّة إلى أن وصل الملك المظفّر قطز إلى القصير «4» ، وبقى بينه وبين الصالحيّة مرحلة، ورحل العسكر طالبا الصالحيّة، وضرب دهليز السلطان بها، واتّفق عند القصير أن ثارت أرنب فساق المظفّر قطز، وساق هؤلاء المتّفقون على

ص: 101

قتله معه، فلمّا أبعدوا ولم يبق مع المظفّر غيرهم، تقدّم إليه ركن الدين بيبرس وشفع عنده فى إنسان فأجابه المظفّر، فأهوى بيبرس ليقبّل يده فقبض عليها، وحمل أنص «1» عليه وقد أشغل بيبرس يده وضربه أنص بالسيف، وحمل الباقون عليه ورموه عن فرسه ورشقوه بالنّشّاب إلى أن مات، ثم حملوا على العسكر وهم شاهرون سيوفهم حتّى وصلوا إلى الدّهليز السلطانىّ، فنزلوا ودخلوه والأتابك على باب الدهليز فأحبروه بما فعلوا، فقال فارس الدين الأتابك: من قتله منكم؟

فقال بيبرس: أنا؛ فقال: ياخوند، اجلس فى مرتبة السلطنة فجلس؛ واستدعيت العساكر للحلف، وكان القاضى برهان الدين قد وصل إلى العسكر متلقّيا للملك المظفّر قطز، فاستدعى وحلّف العسكر للملك الظاهر بيبرس، وتمّ أمره فى السلطنة وأطاعته العساكر؛ ثم ركب وساق فى جماعة من أصحابه حتّى وصل إلى قلعة الجبل فدخلها من غير ممانع، واستقرّ ملكه. وكانت البلد قد زيّنت للملك المظفّر فاستمرّت الزينة، وكان الذي ركب معه من الصالحيّة إلى القلعة وهم خواصّه من خشداشيته، وهم: فارس الدين الأتابك، وبيسرى، وقلاوون الألفىّ، وبيليك الخازندار، وبلبان الرشيدىّ؛ ثم فى يوم الأحد سابع عشر ذى القعدة وهو صبيحة قتل المظفّر قطز؛ وهو أوّل يوم من سلطنة الظاهر بيبرس جلس بالإيوان من قلعة الجبل.

قلت: ولم يذكر أحد من المؤرّخين لبسه خلعة السلطنة الخليفتى «2» ، ولعلّه اكتفى بالمبايعة والحلف. انتهى.

ولمّا جلس الظاهر بالإيوان رسم أن يكتب إلى الأقطار بسلطنته؛ فأوّل من بدأ به الملك الأشرف صاحب حمص، ثم الملك المنصور صاحب حماة؛ ثم الأمير

ص: 102

مظفّر الدين «1» صاحب صهيون «2» ثم إلى الإسماعيليّة، ثم إلى [الملك السعيد المظفّر علاء «3» الدين علىّ بن لؤلؤ] صاحب الموصل الذي صار نائب السلطنة بحلب، ثم إلى من فى بلاد الشام يعرّفهم بما جرى ثم أفرج عمّن بالحبوس من أصحاب الجرائم؛ واقرّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزّبير «4» على الوزارة، وتقدّم بالإفراج عن الأجناد المحبوسين والإنعام عليهم، وزيادة من رأى استحقاقه من الأمراء وخلع عليهم، وسيّر الأمير جمال الدين آقوش المحمّدى بتواقيع للامير سنجر الحلبى نائب دمشق، فتوجّه إليه فوجده قد تسلطن بدمشق ودعا لنفسه، وحلّف الأمراء، وتلقّب بالملك المجاهد؛ فعظم ذلك على الملك الظاهر بيبرس وأخذ فى إصلاح أمره معه والإحسان إلى خشداشيته البحريّة الصالحيّة؛ وأمّر أعيانهم. ثم إنّه أخرج الملك المنصور نور الدين عليّا ابن الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ وأمّه وأخاه ناصر الدين قاقان من مصر إلى بلاد الأشكرى «5» ، وكانوا معتقلين بقلعة الجبل.

وكان بيبرس لمّا تسلطن لقّب نفسه الملك القاهر، فقال الوزير زين الدين يعقوب بن الزّبير، وكان فاضلا فى الأدب والترسّل وعلم التاريخ، فأشار بتغيير هذا اللّقب، وقال: ما لقّب به أحد فأفلح: لقّب به القاهر «6» بن المعتضد، فلم تطل مدّته

ص: 103

وخلع من الخلافة وسمل، ولقّب به القاهر «1» ابن صاحب الموصل فسمّ، فأبطل بيبرس اللّقب الأوّل، وتلقّب بالملك الظاهر.

وأمّا أمر دمشق ففى العشر الأخير من ذى القعدة أمر الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ الذي تسلطن بدمشق بتجديد عمارة [قلعة «2» ] دمشق، وزفّت بالمغانى والطبول والبوقات، وفرحت أهل دمشق بذلك، وحضر كبراء الدولة وخلع على الصّناع والنقباء، وعمل «3» الناس فى البناء حتّى النساء؛ وكان يوم الشروع فى تجديدها يوما مشهودا، ثم فى اليوم الأوّل من العشر الأوّل من ذى الحجّة دعا الأمير علم الدين سنجر الحلبى الناس بدمشق إلى الحلف له بالسلطنة فأجابوه، وحضر الجند والأكابر وحلفو له ولقّب بالملك المجاهد، وخطب له على المنابر، وضربت السّكّة باسمه؛ وكاتب الملك المنصور صاحب حماة ليحلف له فامتنع، وقال: أنا مع من يملك الديار المصريّة كائنا من كان.

ولمّا صحّ عند التّتار قتل الملك المظفّر قطز- رحمه الله تعالى- وكان النائب ابن صاحب الموصل أساء السيرة فى الجند والرعيّة، فاجتمع رأى الأمراء والجند بحلب على قبضه وإخراجه من حلب، وتحالفوا على ذلك، وعيّنوا للقيام بالأمر الأمير حسام الدين الجوكندارىّ العزيزىّ، فبينا هم على ذلك وردت عليهم بطاقة نائب البيرة «4» يخبر أنّ التّتار قاربوا البيرة لمحاصرتها، واستصرخ بهم لينجدوه بعسكر، وكان التّتار قد هدموا أبراج البيرة وأسوارها، وهى مكشوفة من جميع

ص: 104

جهاتها، فجرّد الملك السعيد ابن صاحب الموصل الذي هو نائب حلب عسكره إليها، وقدّم عليهم الأمير سابق الدين أمير مجلس الناصرىّ، فحضر الأمراء عنده، وقالوا له: هذا العسكر الذي جرّدته لا يمكنه ردّ العدوّ، ونخاف أن يحصل النّشوب بيننا وبين العدوّ، وعسكرنا قليل فيصل العدوّ إلى حلب، ويكون ذلك سببا لخروجنا منها فلم يقبل منهم، فخرجوا من عنده وهم غضبانون، وسار العسكر المذكور إلى البيرة فى قلّة. فلّما وصلوا إلى عمق البيرة صادفوا التتار بجموعهم، فاقتتلوا قتالا شديدا وقصد سابق الدين البيرة، فتبعه التّتار وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة، وما سلم منهم إلّا القليل؛ وورد هذا الخبر لحلب فجفل أهل حلب إلى جهة القبلة ولم يبق بها إلّا القليل، وندم الملك السعيد نائب حلب على مخالفة الأمراء، وقوى بذلك غضبهم عليه وقاطعوه، ووقعت بطاقة نائب البيرة، فيها: أنّ التّتار توجّهوا إلى ناحية منبج «1» ، فخرج نائب حلب وضرب دهليزه بباب إله «2» شرقىّ حلب، وبعد يومين وصل الأمير عزّ الدين أزدمر الدّاودار العزيزىّ، وكان قطز قد جعله نائبا باللّاذقيّة «3» وجبلة «4» ، فقصده خشداشيته بحلب؛ فلمّا قرب ركبت العزيزيّة والناصرية والتقوا به، فأخبرهم بأنّ الملك المظفّر قطز قتل، وأنّ ركن الدين بيبرس ملك الديار المصريّة، وأنّ سنجر الحلبىّ خطب لنفسه بدمشق، ونحن أيضا نعمل بعمل أولئك، ونقيم واحدا من الجماعة ونقبض على هذا (يعنى على

ص: 105

نائب حلب) ونقتصر على حلب وبلادها مملكة أستاذنا وابن أستاذنا فأجابوه إلى ذلك وتقرّر بينهم: أنّه حال دخولهم إلى المخيّم يمضى إليه الأمراء: حسام الدين الجوكندارى، وبكتمر الساقى وأزدمر الدّوادار؛ وكان الملك السعيد نائب حلب نازلا بباب لا فى بيت القاضى، وهو فوق سطحه والعساكر حوله، فعند ما طلعوا إليه وحضروا عنده على السطح شرعت أعوانهم فى نهب وطاقه «1» فسمع الضّجة فاعتقد أنّ التّتار قد كبست العسكر، ثم شاهد نهب العزيزيّة والناصريّة لوطاقه، ووثب الأمراء الذين عنده ليقبضوا عليه، فطلب منهم الأمان على نفسه فأمّنوه وشرطوا عليه أن يسلّم إليهم جميع ما حصّله من الأموال، ثم نزلوا به إلى الدار وقصدوا الخزانة، فما وجدوا فيها طائلا فهدّدوه، وقالوا له: أين الأموال التى حصّلتها؟ وطلبوا قتله، فقام إلى ساحة بستان فى الدار المذكورة وحفر وأخرج الأموال، وهى تزيد على أربعين ألف «2» دينار، ففرّقت على الأمراء على قدر منازلهم، ثمّ رسموا عليه جماعة من الجند وسيّروه إلى قلعة «3» حبسوه بها. ثمّ بعد أيّام قلائل دهم العدوّ حلب، فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندارى المقدّم على عسكر حلب بمن معه إلى جهة دمشق، ودخلت التّتار حلب وأخرجوا من كان فيها إلى ظاهر حلب، ووضعوا السيف فيهم، فقتل بعضهم وفرّ بعضهم، ونزل العسكر الحلبىّ بظاهر حماة، فقام الملك المنصور بضيافتهم، ثمّ تقدّم التّتار إلى حماة، فلمّا قاربوا منها رحل صاحبها الملك المنصور ومعه الجوكندارى بعساكر حلب إلى حمص، ونزل التّتار على حماة فامتنعت عليهم، فاندفعوا من حماة طالبين العسكر، وجفل

ص: 106

الناس بين أيدهم، وخاف أهل دمشق خوفا شديدا، وأقاموا الجميع على حمص حتّى قدم إليهم التّتار فى أوائل المحرّم من سنة تسع وخمسين وستمائة، وكانوا فى ستّة «1» آلاف فارس، فخرج إليهم الملك المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص والجوكندارىّ العزيزىّ بعساكر حلب، وحملوا عليهم حملة رجل واحد فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب الأمير بيدرا مقدّم التّتار فى نفر يسير، وكانت الوقعة عند قبر «2» خالد بن الوليد- رضى الله عنه- ثم عاد التتار إلى حلب وفعلوا بأهلها تلك الأفعال القبيحة على عادتهم.

وأمّا الملك الظاهر بيبرس صاحب الترجمة فإنّه كاتب أمراء دمشق يستميلهم إليه ويحضّهم على منابذة الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ والقبض عليه، فأجابوه إلى ذلك وخرجوا من دمشق منابذين لسنجر، وفيهم: الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ (أعنى أستاذ الملك الظاهر بيبرس المذكور) الذي قدّمنا من ذكره أنّ الملك الصالح نجم الدين أيّوب اشتراه منه. انتهى. والأمير بهاء الدين بغدى فتبعهم الحلبىّ بمن بقى معه من أصحابه، فحاربوه فهزموه وألجئوه إلى قلعة دمشق فأغلقها دونهم؛ وذلك فى يوم السبت حادى عشر صفر من السنة. ثم خرج الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ تلك الليلة من القلعة وقصد بعلبك، فدخل قلعتها ومعه قريب عشرين نفرا من مماليكه؛ فدخل الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ دمشق، واستولى عليها وحكم فيها نيابة عن الملك الظاهر بيبرس؛ ثم جهّز عسكرا

ص: 107

إلى بعلبكّ لحصار الحلبىّ وعليهم الأمير بدر الدين محمد بن «1» رحال وكان من الشّجعان، وأمير آخر، فحال وصولهما إلى بعلبكّ دخلا المدينة ونزلا بالمدرسة النّوريّة، وكان الحلبىّ لمّا وصلها جعل عنده طائفة كبيرة من أهل محلّه مقدّمهم على بن «2» عبور، فسيّر إليهم الأمير بدر الدين بن رحال وأفسدهم، فتدلّوا من القلعة ليلا ونزلوا إليه، فعند ذلك تردّدت المراسلات بين الحلبىّ وعلاء الدين البندقدارىّ حتّى استقرّ الحال على نزول الحلبىّ وتوجّهه إلى الملك الظاهر بيبرس بمصر، فخرج الحلبىّ من قلعة بعلبكّ راكبا [حصانه «3» و] فى وسطه عدّته وفى قرابه «4» قوسان وهو كالأسد، فجاء حتّى بعد عن القلعة، قدّم له بغلة فتحوّل إليها وقلع العدّة وركبها، وسار حتّى وصل إلى دمشق وسار منها إلى مصر، فأدخل على الملك ليلا بقلعة الجبل، فقام إليه واعتنقه وأدنى مجلسه منه وعاتبه عتابا لطيفا؛ ثم خلع عليه ورسم له بخيل وبغال وجمال وقماش وغير ذلك.

ثم التفت الملك الظاهر إلى إصلاح مملكته فخلع «5» على الصاحب بهاء الدين على بن «6» حنّا وزير شجرة الدّرّ بالوزارة، وذلك فى شهر ربيع الاوّل من سنة تسع وخمسين، وهى أوّل ولايته للوزر. ثمّ حضر عند الظاهر شخص وأنهى إليه أنّ الأمير عزّ الدين الصّقلىّ «7» يريد الوثوب على السلطان، واتّفق معه الأمير علم الدين سنجر الغتمىّ وبهادر [المعزّىّ «8» ] والشجاع بكتوت فقبض الملك الظاهر عليهم.

ص: 108

ثم تسلّم الملك الظاهر الكرك من نوّاب الملك المغيث فى هذه السنة. ثم قبض على الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفىّ بدمشق وحمل إلى القاهرة وحبس بقلعة الجبل إلى أن مات.

ثم جهّز الملك الظاهر عسكرا لخروج التّتار من حلب فساروا إليها وأخرجوهم منها على أقبح وجه، كلّ ذلك والدنيا بلا خليفة من سنة ستّ وخمسين وستمائة.

ففى هذه السنة كان وصول المستنصر بالله الخليفة إلى مصر وبايعه الملك الظاهر بيبرس، وهو أبو القاسم أحمد، كان محبوسا ببغداد مع جماعة من بنى العبّاس فى حبس الخليفة المستعصم، فلمّا ملكت التّتار بغداد أطلقوهم، فخرج المستنصر هذا إلى عرب العراق، واختلط بهم إلى أن سمع بسلطنة الملك الظاهر بيبرس، وفد عليه مع جماعة من بنى مهارش، وهم عشرة أمراء مقدّمهم ابن قسا وشرف «1» الدين ابن مهنّا، وكان وصول المستنصر إلى القاهرة فى ثامن شهر رجب من سنة تسع وخمسين وستمائة؛ فركب السلطان للقائه ومعه الوزير بهاء الدين بن حنّا وقاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعزّ والشهود والرؤساء والقرّاء والمؤذّنون واليهود بالتوراة والنصارى بالإنجيل فى يوم الخميس؛ فدخل من باب النّصر وشقّ القاهرة، وكان لدخوله يوم مشهود.

فلمّا كان يوم الاثنين ثالث عشر الشهر جلس السلطان الملك الظاهر والخليفة بالإيوان وأعيان الدولة بأجمعهم وقرئ نسب الخليفة، وشهد عند القاضى

ص: 109

بصحته فأسجل عليه بذلك وحكم به وبويع بالخلافة «1» ، وركب من يومه وشقّ القاهرة فى وجوه الدولة وأعيانها، وكان أوّل من بايعه قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعزّ عند ما ثبت نسبه عنده، ثم السلطان، ثم الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، ثم الأمراء والوزراء على مراتبهم. والمستنصر هذا هو الثامن والثلاثون من خلفاء بنى العباس- رضى الله عنهم- وهو المستنصر بالله أبو القاسم أحمد الأسمر ابن الظاهر بأمر الله محمد ابن الناصر لدين الله أحمد ابن المستضىء الحسن ابن الخليفة المستنجد بالله يوسف ابن الخليفة المقتفى لأمر الله محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد ابن الخليفة المقتدى بأمر الله عبد الله ابن الأمير محمد الذخيرة ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن الأمير طلحة الموفّق ابن الخليفة المتوكّل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة المهدى محمد ابن الخليفة أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ. وقد تقدم أنّ الناس كانوا بغير خليفة منذ قتل التّتار ابن أخيه الخليفة المستعصم بالله فى أوائل سنة ست وخمسين وستّمائة إلى يومنا هذا، فكانت مدة شغور الخلافة ثلاث سنين ونصفا والناس بلا خليفة. وكان المستنصر هذا جسيما وسيما شديد السّمرة عالى الهمّة

ص: 110

شديد القوّة وعنده شجاعة وإقدام، وهو أخو الخليفة المستنصر ولقّب بلقبه، وهذا لم تجربه العادة من أنّ خليفة يلقّب بلقب خليفة تقدّمه من أهل بيته.

وفى يوم الجمعة سابع عشر الشهر خرج الخليفة المستنصر بالله وعليه ثياب سود إلى الجامع بالقلعة وخطب خطبة بليغة ذكر فيها شرف بنى العبّاس، ثم صلّى على النّبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم فى مستهلّ شعبان من سنة تسع وخمسين المذكورة تقدّم الخليفة بتفصيل خلعة سوداء وبعمل طوق ذهب وقيد ذهب «1» وبكتابة تقليد بالسلطنة للملك الظاهر بيبرس ونصب خيمة ظاهر القاهرة. فلمّا كان يوم الاثنين رابعه ركب الخليفة والسلطان والوزير والقضاة والأمراء ووجوه الدولة إلى الخيمة ظاهر القاهرة بقبّة النصر «2» ، فألبس الخليفة السلطان الملك الظاهر بيبرس خلعة السلطنة بيده وطوّقه وقيّده، وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان رئيس الكتّاب منبرا نصب له فقرأ التقليد وهو من إنشائه وبخطّه. ثم ركب السلطان بالخلعة والطّوق والقيد ودخل من باب النّصر وقد زيّنت القاهرة له، وحمل الصاحب بهاء الدين التقليد على رأسه راكبا والأمراء يمشون بين يديه؛ فكان يوما يقصر اللسان عن وصفه. ونسخة التقليد:

«الحمد لله الذي أضفى «3» على الإسلام ملابس الشّرف، وأظهر بهجة درره، وكانت خافية، بما استحكم عليها من الصّدف، وشيّد ما وهى من علائه حتّى أنسى ذكر من

ص: 111

سلف، وقيّض لنصره ملوكا اتّفق عليهم «1» من اختلف، أحمده على نعمته التى رتعت «2» الأعين منها فى الرّوض الأنف، وألطافه «3» التى وقف الشكر عليها فليس له عنها منصرف؛ وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهّل من الأمور ما كان حزنا، وأشهد أنّ محمّدا عبده الذي جبر من الدّين وهنا، ورسوله الذي أظهر من المكارم فنونا لا فنّا، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الذين أصبحت مناقبهم باقية لا تفنى، وأصحابه الذين أحسنوا فى الدّين فاستحقّوا الزيادة بالحسنى. وبعد: فإنّ أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقّهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا فى تسطير مناقبه وبرّه، من سعى فأضحى سعيد «4» الجدّ متقدّما، ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد فى المكرمات إلّا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرم منه نارا وأجراه دما. ولمّا كانت هذه المناقب الشريفة مختصّة بالمقام العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ الظاهرىّ الرّكنىّ- شرّفه الله وأعلاه- ذكرها الديوان العزيز النّبوىّ الإمامىّ المستنصرىّ- أعزّ الله سلطانه- تنويها بشريف «5» قدره، واعترافا بصنعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره؛ وكيف لا وقد أقام الدولة العبّاسيّة بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، وأذهبت «6» ما كان لها من محاسن وإحسان؛ وعتب دهرها المسىء لها فأعتب، وأرضى عنها «7» زمنها وقد كان صال عليها صولة مغضب؛ فأعاده لها سلما بعد أن كان

ص: 112

[عليها «1» ] حربا، وصرف إليها اهتمامه فرجع كلّ متضايق من أمورها واسعا رحبا؛ ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوّا وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة فى [ثواب «2» ] الله ما لا يخفى؛ وأبدى من الاهتمام بأمر البيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسّك بحبله متمسّك لانقطع به قبل الوصول إليه؛ ولكن الله ادّخر هذه الحسنة ليثقل بها [فى «3» ] الميزان ثوابه، ويخفّف بها يوم القيامة حسابه، والسعيد من خفّف حسابه! فهذه منقبة أبى الله إلّا أن يخلّدها فى صحيفة صنعه، ومكرمة قضت «4» لهذا البيت الشريف بجمعه، بعد أن حصل الإياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع، ويعترف أنّه لولا اهتمامك لاتّسع الخرق على الراقع؛ وقد قلّدك الديار المصريّة والبلاد الشاميّة، والديار بكريّة، والحجازيّة واليمنيّة والفراتيّة؛ وما يتجدّد من الفتوحات غورا ونجدا؛ وفوّض أمر جندها ورعاياها إليك حين «5» أصبحت بالمكارم فردا» . ثم أخذ فى آخر التقليد «6» يذكر فضل الجهاد والرفق بالرعيّة وطوّل فى الكلام إلى الغاية. وهذا الذي ذكرناه من نسخة التقليد هو المراد.

ثم إنّ الملك الظاهر ولّى الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ «7» نيابة حلب لمّا بلغه أن البرنلى «8» تغلّب على حلب، وسيّر معه عسكرا فسار إليها الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ، ودخل إليها وملكها وخرج منها البرنلى وتوجّه إلى الرّقّة؛ ثم حشد وجمع العساكر وأخذ البيرة، ثمّ عاد إلى حلب وأخرج منها الحلبىّ بعد أمور ووقائع جرت بينهم.

فلمّا بلغ الملك الظاهر ذلك عزم على التوجّه إلى البلاد الشاميّة، وبرز من القاهرة

ص: 113

ومعه الخليفة المستنصر وأولاد صاحب الموصل، وكان خروجهم الجميع من القاهرة فى تاسع عشر شهر رمضان بعد أن رتّب السلطان الأمير «1» عزّ الدين أيدمر الحلبى نائب السلطنة بقلعة الجبل؛ والصاحب بهاء الدين بن حنّا مدبر الأمور، وخرج مع السلطان العساكر المصريّة وأقام ببركة الجبّ «2» إلى عيد الفطر؛ ثم سافر فى ثالث شوّال بعد ما عزل قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعزّ عن القضاء ببرهان الدين خضر السّنجارىّ، وسار السلطان حتّى دخل دمشق فى يوم الاثنين سابع ذى القعدة، وقدم عليه الملك الأشرف صاحب حمص فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف دينار وحملين ثيابا، وزاده على ما بيده من البلاد تلّ «3» باشر؛ ثم قدم عليه الملك المنصور صاحب حماة فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم وحملين ثيابا، وكتب له توقيعا ببلاده التى بيده؛ ثم جهّز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل صحبته بتجمّل زائد وبرك «4» يضاهى برك السلطان من الأطلاب والخيول والجمال وأرباب الوظائف من الكبير إلى الصغير؛ قيل: إنّ الذي غرمه السلطان الملك الظاهر على تجهيز الخليفة وأولاد صاحب الموصل فوق الألف ألف دينار عينا.

ثم جهّز السلطان الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ لنيابة السلطنة بحلب، وأيدكين هذا هو أستاذ الملك الظاهر بيبرس صاحب الترجمة المقدّم ذكره، فسبحان من يعزّ ويذلّ! وبعث السلطان مع البندقدارىّ عسكر المحاربة البرنلى وصحبته أيضا الأمير بلبان الرّشيدىّ فخرجا من دمشق فى منتصف ذى القعدة؛ فلمّا وصلا حماة خرج البرنلى وقصد حرّان فتبعه الرشيدىّ بالعساكر، ودخل علاء الدّين البندقدارىّ

ص: 114

إلى حلب؛ ثم عاد الرّشيدىّ إلى أنطاكية ثم رحل عنها بعد ما حاصرها مدّة لمّا بلغه عود الملك الظاهر إلى مصر.

وأمّا الخليفة فإنّه لمّا توجّه نحو العراق ومعه أولاد صاحب الموصل، وهم:

الملك «1» الصالح وولده علاء الدين «2» والملك «3» المجاهد سيف الدين صاحب الجزيرة، والملك المظفّر «4» علاء الدّين صاحب سنجار، والملك الكامل ناصر الدين محمد؛ فلمّا وصلوا صحبة الخليفة إلى الرّحبة وافوا عليها الأمير يزيد بن علىّ بن حديثة «5» أمير آل فضل وأخاه الأخرس فى أربعمائة فارس من العرب. وفارق الخليفة أولاد صاحب الموصل من الرّحبة؛ وكان الخليفة طلب منهم المسير معه فأبوا، وقالوا: ما معنا مرسوم بذلك، وأرسلوا معه من مماليك والدهم نحو ستّين نفرا فانضافوا إليه، ولحقهم الأمير عز الدين أيدكين «6» من حماة ومعه ثلاثون فارسا. ورحل الخليفة بمن معه من الرّحبة بعد ما أقام بها ثلاثة أيّام، ونزل مشهد علىّ- رضى الله عنه- ثم رحل إلى قائم «7» عنقه، ثم إلى عانة «8» فوافوا الإمام الحاكم بأمر الله العبّاسىّ على عانة من ناحية الشرق ومعه نحو سبعمائة فارس من التّركمان. وكان البرنلى قد جهّزه من حلب، فبعث الخليقة المستنصر بالله إليهم واستمالهم؛ فلمّا جاوزوا الفرات فارقوا الحاكم فبعث إليه المستنصر بالله يطلبه إليه ويؤمّنه على نفسه ويرغّب إليه فى اجتماع الكلمة،

ص: 115

فأجاب ورحل إليه، فوفّى إليه المستنصر وأنزله معه فى الدّهليز. وكان الحاكم لمّا نزل على عانة امتنع أهلها منه، وقالوا: قد بايع الملك الظاهر خليفة وهو واصل فما نسلّمها إلّا إليه؛ فلمّا وصل المستنصر بالله إليها نزل إليه نائبها وكريم الدين ناظرها وسلّماها إليه وحملا له إقامة، فأقطعها الخليفة للأمير ناصر الدين أغلمش «1» أخى الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ. ثم رحل الخليفة عنها إلى الحديثة ففتحها أهلها له، فجعلها خاصّا له، ثم رحل عنها ونزل على شطّ قرية الناووسة «2» ؛ ثم رحل عنها قاصدا هيت «3» ، ولمّا اتّصل مجىء الخليفة المستنصر بالله بقرابغا مقدّم عسكر التّتار بالعراق، وبهادر «4» علىّ الخوارزمىّ شحنة بغداد وخرج قرابغا بخمسة آلاف فارس من التّتار على الشطّ العراقى وقصد الأنبار، فدخلها إغارة؛ وقتل جميع من فيها، ثم ردفه الأمير بهادر علىّ الخوارزمىّ بمن بقى ببغداد من عساكر التّتار، وكان قد بعث ولده إلى هيت متشوّقا لما يرد من أخبار المستنصر، وقرّر معه أنّه إذا اتّصل به خبره بعث بالمراكب إلى الشطّ الآخر وأحرقها؛ فلمّا وصل الخليفة هيت أغلق أهلها الباب دونه، فنزل عليها وحاصرها حتّى فتحها، ودخلها فى التاسع والعشرين من ذى الحجّة، ونهب من فيها من اليهود والنّصارى؛ ثم رحل عنها ونزل الدور «5» وبعث طليعة من عسكره مقدّمها الأمير أسد الدين محمود ابن الملك المفضّل موسى، فبات تجاه الأنبار «6» تلك اللّيلة، وهى ليلة الأحد ثالث المحرّم من سنة ستين وستمائة؛ فلمّا رأى قرابغا

ص: 116

الطليعة أمر من معه من العساكر بالعبور إليها فى المخائض والمراكب ليلا، فلمّا أسفر الصبح أفرد قرابغا من معه من عسكر بغداد ناحية.

وأمّا الخليفة فإنّه رتّب اثنى عشر طلبا، وجعل التّركمان والعربان ميمنة وميسرة وباقى العساكر قلبا؛ ثم حمل بنفسه مبادرا وحمل من كان معه فى القلب فآنكسر بهادر، ووقع معظم عسكره فى الفرات؛ ثم خرج كمين من التّتار، فلمّا رآه التّركمان والعرب هربوا، وأحاط الكمين بعسكر الخليفة فصدق المسلمون الحملة، فأفرج لهم التّتار، فنجا الحاكم وشرف «1» الدين بن مهنّا وناصر الدين بن صيرم وبوزنا «2» وسيف الدين بلبان الشّمسى وأسد الدين محمود وجماعة من الجند نحو الخمسين نفرا، وقتل الشريف نجم الدين [جعفر «3» ] أستادار الخليفة، وفتح الدين بن الشهاب أحمد، وفارس الدين «4» [أحمد «5» ] بن أزدمر اليغمورىّ، ولم يوقع للخليفة المستنصر على خبر، فقيل إنّه: قتل فى الوقعة وعفّى أثره؛ وقيل: إنّه نجا مجروحا فى طائفة من العرب فمات عندهم؛ وقيل: سلم وأضمرته البلاد.

وأمّا السلطان الملك الظاهر بيبرس فإنّه لمّا عاد إلى مصر عاد بعده بلبان الرشيدىّ فى أثره وعاد البرنلى إلى حلب ودخلها وملكها، فجرّد إليه الملك الظاهر عسكرا ثانيا، عليهم الأمير شمس الدين سنقر الرومىّ، وأمره بالمسير إلى حلب؛ ثمّ إلى الموصل وكتب إلى الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة بدمشق وإلى الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ يأمرهما أن يكونا معه بعسكرهما حيث توجّه يتوجّه الجميع، فسار الجميع إلى جهة حلب، فخرج البرنلى من حلب وتسلّم نوّاب أيدكين

ص: 117

البندقدارىّ حلب. ثم جاء مرسوم السلطان بتوجّه البندقدارىّ إلى حلب، ويعود طبيرس إلى دمشق ويعود سنقر الرومىّ إلى مصر، فعاد الرومىّ إلى القاهرة. فلمّا اجتمع بالسلطان أوغر خاطره على طبيرس، فكان ذلك سببا للقبض على طبيرس المذكور وحبسه بالقاهرة مدّة سنين.

ثم وصل إلى الديار المصريّة فى السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر «1» الإمام الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد ابن الأمير أبى علىّ الحسن ابن الأمير أبى بكر بن الحسن «2» بن علىّ القبّى «3» ابن الخليفة المسترشد بالله أبى منصور الفضل ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد العبّاسىّ.

قلت: ومن المستظهر يعرف نسبه من ترجمة المستنصر وغيره من أقاربه إلى العبّاس. ووصل صحبته شمس الدين صالح بن محمد بن أبى الرشيد الأسدىّ الحاكمىّ المعروف بابن البنّاء وأخوه محمد ونجم الدين محمد، واحتفل الملك الظاهر بيبرس بلقائه وأنزله بالبرج «4» الكبير داخل قلعة الجبل، ورتّب له ما يحتاج إليه، ووصل معه ولده. وبايعه بالخلافة فى يوم الخميس تاسع المحرّم من سنة إحدى وستين بقلعة الجبل. وكانت المسلمون بلا خليفة منذ استشهد الخليفة المستنصر بالله فى أوائل

ص: 118

السنة الحالية «1» ، وجلس السلطان بالإيوان لبيعته وحضر القضاة والأعيان وارباب الدولة، وقرئ نسبه على قاضى القضاة وشهد عنده جماعة بذلك، فأثبته ومدّ يده وبايعه بالخلافة، ثم بايعه السلطان ثم الوزير ثم الأعيان على طبقاتهم، وخطب له على المنابر، وكتب السلطان إلى الأقطار بذلك وأن يخطبوا باسمه، وأنزل إلى مناظر «2» الكبش فسكن بها إلى أن مات فى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة ودفن بجوار السيّدة نفيسة، وهو أوّل خليفة مات بالقاهرة من بنى العبّاس حسب ما يأتى ذكره- إن شاء الله تعالى- فى محلّه بأوسع من هذا.

وأمّا الملك الظاهر فإنّه تجهّز للسفر إلى البلاد الشاميّة، وخرج من الديار المصريّة فى يوم السبت سابع شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وستين وستمائة.

وفى هذه السّفرة قبض على الملك المغيث صاحب الكرك الذي كان معه تلك الأيّام على قتال المصريين وغيرهم، ولما قبض عليه الظاهر بعث به إلى قلعة الجبل صحبة الأمير آق سنقر «3» الفارقانىّ، فوصل به إلى القاهرة فى يوم الأحد خامس عشر

ص: 119

جمادى الآخرة، فكان ذلك آخر العهد به. ثمّ عاد الملك الظاهر إلى الديار المصريّة فى يوم السبت سادس عشر شهر رجب. ولمّا دخل إلى القاهرة قبض على الأمير بلبان الرشيدى وأيبك الدّمياطى وآقوش البرنلى.

ثم فى هذه السنة شرع الملك الظاهر فى عمارة المدرسة «1» الظاهريّة ببين القصرين، وتمّت فى أوائل سنة اثنتين وستين وستمائة. ورتّب فى تدريس الإيوان القبلىّ القاضى تقىّ الدين محمد بن الحسين «2» بن رزين الشافعى، وفى تدريس الإيوان الذي يواجهه القاضى مجد الدين عبد «3» الرحمن بن العديم، والحافظ شرف «4» الدين الدّمياطى لتدريس الحديث فى الإيوان الشرقىّ، والشيخ كمال الدين المحلّى «5» فى الإيوان [الذي] يقابله

ص: 120

لإقراء القرآن بالروايات والطرق؛ ثم رتّب جماعة يقرءون السبع بهذا الإيوان أيضا بعد صلاة الصبح، ووقف بها خزانة كتب، وبنى إلى جانبها مكتبا لتعلم الأيتام وأجرى عليهم الخبز فى كلّ يوم، وكسوة الفصلين وسقاية تعين على الطّهارة؛ وجلس للتدريس بهذه المدرسة يوم الأحد ثالث «1» عشر صفر من سنة اثنين وستين، وحضر الصاحب بهاء الدين بن حنّا، والأمير جمال الدين بن يغمور؛ والأمير جمال الدين أيدغدى العزيزىّ وغيرهم من الأعيان.

وفى سنة إحدى وستين أيضا تسلّم الأمير بيليك العلائىّ حمص بعد وفاة صاحبها الملك الأشرف الأيّوبى. ثم أمر الملك الظاهر أيضا بإنشاء خان فى القدس الشريف للسبيل، وفوّض بناءه ونظره إلى الأمير جمال الدين محمد بن نهار «2» ؛ ولمّا تمّ الخان المذكور أوقف عليه قيراطا ونصفا بالمطر «3» ، وثلث وربع قرية المشيرفة من بلد بصرى «4» ، ونصف قرية لبنى «5» ، يصرف ريع ذلك فى خبز وفلوس وإصلاح نعال من يرد عليه من المسافرين المشاة. وبنى له طاحونا وفرنا، واستمر ذلك كلّه.

ثم ولّى الملك الظاهر فى سنة ثلاث وستين وستمائة فى كلّ مذهب قاضيا مستقلّا بذاته، فصارت قضاة القضاة أربعة، وسبب «6» ذلك كثرة توقّف قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعزّ فى تنفيذ الأحكام، وكثرة الشكاوى منه بسبب ذلك. فلمّا كان يوم الاثنين ثانى عشر ذى الحجّة شكا «7» القاضى المذكور الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزىّ فى المجلس، وكان يكره القاضى تاج الدين

ص: 121

المذكور؛ فقال أيدغدى بحضرة السلطان: يا تاج الدين، نترك مذهب الشافعىّ لك، ونولّى معك من كلّ مذهب قاضيا، فمال الملك الظاهر إلى كلامه، وكان لأيدغدى منه محلّ عظيم؛ فولّى السلطان الشيخ صدر «1» الدين سليمان الحنفى قاضى قضاة الحنفيّة بالديار المصريّة، وكان للقضاة الحنفيّة أزيد من ثلثمائة سنة من أوّل الدولة الفاطميّة قد بطل حكمهم من ديار مصر استقلالا عند ما أبطل الفاطميّون القضاة من سائر المذاهب، وأقاموا قضاة الشّيعة بمصر. انتهى. وولىّ القاضى شرف «2» الدين عمر السّبكىّ المالكىّ قاضى قضاة المالكيّة. وولّى الشيخ شمس «3» الدين محمد ابن الشيخ العماد الحنبلى قاضى القضاة الحنابلة، وفوّض لكلّ واحد منهم أن يستنيب بالأعمال وغيرها؛ وأبقى على تاج الدين النّظر فى مال الأيتام، وكتب لهم التقاليد وخلع عليهم؛ ثم فعل ذلك ببلاد الشام كلّه.

قلت: وقد جمعت أسماء من ولى القضاء من المذاهب الأربعة من يوم رتّب الملك الظاهر بيبرس القضاة (أعنى من سنة ثلاث وستين وستمائة) إلى يومنا هذا على الترتيب على سبيل الاختصار لتكثر الفائدة فى هذا الكتاب، وإن كان يأتى ذكر غالبهم فى الوفيات فى حوادث الملوك على عادة هذا الكتاب، فذكرهم هنا جملة أرشق وأهون على من أراد ذلك، والله المستعان. فنقول:

ص: 122