الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثاني مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام]
المبحث الثاني
مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام إن الله جل شأنه وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها إليهم بذلك، فلو عملوا على خلاف السماحة والسهولة لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم، ألا ترى إلى قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7](1) فقد أخبرت الآية - كما يقول الإمام الشاطبي - أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله، وزينه في قلوبنا بذلك، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه (2) .
فالتيسير صفة عامة للشريعة الإسلامية في أحكامها الأصلية، وكذا في أحكامها الطارئة عند الأعذار، فلا توجد فيها مشقة غير معتادة (3) ؛ لأن " الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه "(4) .
(1) سورة الحجرات / الآية 7.
(2)
انظر: الموافقات 2 / 136.
(3)
قلنا غير معتادة؛ لأن المشقة المعتادة والمألوفة لا تخلو منها الأحكام في الغالب، بل وما سمي التكليف تكليفا إلا لوجود المشقة فيه، كما قال الإمام الشاطبي في المرجع السابق 2 / 121.
(4)
المصدر نفسه 2 / 121.
لكن ليس معنى اليسر والسماحة في الدين ترك العمل والتكاسل عن الطاعات والعبادات، كما ليس معنى التشديد فيه الأخذ بالأكمل فيها، كلا بل المراد الالتزام بالتوسط فيها، بلا إفراط ولا تفريط.
نعم، هذا هو المنهج الوسط، وهو صراط الله المستقيم، فلا ميل إلى جانب الإفراط والتعمق والتشديد على النفس وعلى الآخرين، ولا إلى جانب التيسير الشديد والتساهل الذي يصل إلى حد التحلل والانسلاخ من الأحكام.
وكما نقل الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن بعض السلف:
" إن دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه "(1) .
وفي هذا الصدد أيضا كلام جميل للإمام الشاطبي حيث قال - رحمه الله تعالى -: " فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع، أو متوقع في طرف آخر.
فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين.
وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجي والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم
(1) مدارج السالكين 2 / 392؛ وانظر أيضا مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 268.
يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه "اهـ (1) .
(1) الموافقات 2 / 167 - 168.