المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين] - بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو - جـ ١

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌[خطة البحث]

- ‌ المحور الأولالوسطية والاعتدال في القرآن والسنة

- ‌مفهوم الوسطية والاعتدال

- ‌[أدلة الوسطية في القرآن والسنة]

- ‌[مقدمة]

- ‌[مدخل الإسلام وسط بين الأديان]

- ‌[أدلة الوسطية من القرآن العظيم والسنة النبوية]

- ‌[أولا الأدلة من القرآن العظيم]

- ‌[ثانيا الأدلة من السنة]

- ‌[الخاتمة]

- ‌[مظاهر الوسطية في الإسلام]

- ‌[مظاهر الوسطية في الجانب الفردي]

- ‌[مظاهر الوسطية في الجانب الاجتماعي والإنساني]

- ‌[تفاوت الشرائع]

- ‌[المحور الثاني دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره]

- ‌[مفهوم السماحة واليسر في الكتاب والسنة وأدلتها]

- ‌[مقدمة]

- ‌[المبحث الأول معنى اليسر والسماحة]

- ‌[المبحث الثاني مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام]

- ‌[المبحث الثالث أدلة اليسر والسماحة في الكتاب والسنة]

- ‌[أولا من القرآن الكريم]

- ‌[ثانيا من السنة النبوية المطهرة]

- ‌[المبحث الرابع دلالات النصوص المذكورة وما شابهها]

- ‌[المصادر والمراجع]

- ‌[سماحة الإسلام في التعامل مع المخالف]

- ‌[مقدمة]

- ‌[من مظاهر سماحة الإسلام]

- ‌[أولا تكريم بني آدم]

- ‌[ثانيا محبة الخير للناس]

- ‌[ثالثا العدل والإنصاف]

- ‌[رابعا تحريم الظلم]

- ‌[خامسا الرحمة والتيسير]

- ‌[سادسا التوضيح والتبيين]

- ‌[سابعا الالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين]

- ‌[ثامنا فتح باب الحوار لبيان الحق وتثبيته]

- ‌[تاسعا الصبر]

- ‌[عاشرا علاقة المسلمين مع غير المسلمين]

- ‌[خاتمة]

- ‌[سماحة الشريعة في التعامل مع الواقع للدول والأفراد]

- ‌[تقديم]

- ‌[اليسر ورفع الحرج منطق الإسلام في التعامل مع الواقع]

- ‌[التعامل مع واقع الأفراد في إطار سماحة الإسلام]

- ‌[التعامل مع واقع الدولة في إطار سماحة الإسلام]

- ‌[المحور الثالث الغلو مظاهره وأسبابه]

- ‌[مفهوم الغلو في الكتاب والسنة]

- ‌[مقدمة البحث]

- ‌[معنى الغلو في اللغة والشرع]

- ‌[حقيقة الغلو]

- ‌[الفرق بين التمسك بالنصوص الشرعية والالتزام بها والغلو]

- ‌[الغلو في الدين بدعة حرمها الإسلام]

- ‌[النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين]

- ‌[مظاهر‌‌ الغلو في الاعتقادوالعمل والحكم على الناس]

- ‌ الغلو في الاعتقاد

- ‌[فصل في الغلو في العمل]

- ‌[فصل في الغلو في الحكم على الناس]

- ‌[أسباب الغلو العلمية والمنهجية وعلاجها]

- ‌[مقدمة]

- ‌[أسباب غلو الخوارج العلمية]

- ‌[أولا الجهل بالقرآن]

- ‌[ثانيا الجهل بالسنة]

الفصل: ‌[النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين]

[النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين]

النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالتحذير من سلوك الضالين والمغضوب عليهم، وسبيل المبتدعين المغالين في دين الله غير الحق، قال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112](1) . فالله سبحانه وتعالى يأمر بالاستقامة التي هي (الاعتدال) ، ويعقب سبحانه بالنهي عن الطغيان، مما يفيد أن الله تعالى يريد منا الاستقامة، كما هو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بدون غلو ولا مبالغة ولا تشديد يحيل هذا الدين من يسر إلى عسر، وهي الوسطية التي جاء بها الإسلام بين الغلو والتفريط، ولا يمكن أن تسير في ركابها إلا في اتباع سبيل السلف الصالح رضوان الله عليهم.

يقول الإمام ابن قيم الجوزية: " فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين؛ فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له: هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد "(2) .

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مصير الغالي وعاقبته، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم أن مآل من غلا في دينه (إلى الهلاك) . ففي صحيح مسلم (3) وفي سنن أبي

(1) سورة هود، الآية:(112) .

(2)

مدارج السالكين، ج (2 / 517) .

(3)

ج (4 / 2055) في كتاب العلم: باب هلك المتنطعون.

ص: 188

داود (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قالها ثلاثا، وما ذلك إلا لخطورة (التَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ) الذي هو الغلو في الدين والتطرف فيه. قال النووي في شرح مسلم (2)«هلك المتنطعون» ، أي: المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم ".

وقد جاء في أحاديث أُخَر: أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله تعالى - كما في الحديث عند أبي يعلى في مسنده وفي إسناده ضعف وهو صالح للشواهد والمتابعات -. وقال محقق المسند: إسناده حسن: «لا تشددوا علي أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم» (3) .

إن من الحقائق التي تظهر لكل من تتبع تاريخ دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام أن الأمم تتفاوت في مقدار الاستجابة، وتتفاوت درجات المدعوين في سلوك طريق الحق: فمن الناس المتمسك بالحق، المستقيم على طريقه. ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله. ومنهم الغالي الذي تجاوز حدود الله. وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم في أمته متوافرون، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من سلوك طرق

(1) رقم 4608.

(2)

ج (16 / 220) .

(3)

ج (6 / رقم 3694) .

ص: 189

المغضوب عليهم والضالين، المضيعين لحدود الله، والمجاوزين لها، وجاءت داعية إلى الاستقامة بأساليب عدة أجملها فيما يلي:

1 -

تعليم المسلمين أن يدعوا الله أن يسلمهم من كلا الانحرافين، وتشريع ذلك لهم في كل صلاة مرات متعددة. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم. . كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين (1) .

2 -

التحذير من تعدي الحدود، والأمر بلزومها {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة، المأمور بها، وغير المأمور بها (2) وتعديها هو تجاوزها، وعدم الوقوف عليها (3) . وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان، إذ إن مجمل ما يريده تحقيق أحد الانحرافين الغلو أو التقصير فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين

(1) ابن تيمية، الفتاوى، ج1، ص 65.

(2)

ينظر ابن تيمية، الفتاوى، ج3، ص 362.

(3)

ينظر الطبري، جامع البيان، ج2، ص 517.

ص: 190

جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد. وهذا بتجاوزه الحد (1) .

3 -

الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر، وعدم الغلو والزيادة. {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112] فالله سبحانه يأمر بالاستقامة التي هي الاعتدال، والمضي على المنهج دون انحراف، ويعقب بالنهي عن الطغيان مما يفيد أن الله سبحانه يريد الاستقامة كما أمر بدون غلو ولا مبالغة تحيل هذا الدين من يسر إلى عسر (2) .

4 -

النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص. {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171]

(1) ابن القيم، مدارج السالكين، ج2، ص 517.

(2)

ينظر، سيد قطب، في ظلال القرآن، ج4، ص 1931.

ص: 191

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] أي: يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم فتتجاوزوا الحق، فإن قولكم بأن عيسى ابن الله قول منكم على الله بغير الحق، ولا ترفعوه إلى مقام الألوهية فتجعلوه ربا وإلها (1) . " والغلو في النصارى كثير فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله "(2) . ومن هذا الغلو جاءت معظم الانحرافات في الديانة النصرانية (3) . ومن ذلك غلوهم بابتداع رهبانية تعبدوا الله بها، وهي لم تكتب عليهم، ولم يؤمروا بها {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] ولم يكن الغلو قاصرا على النصارى، بل هو موجود في اليهود، ولكن الخطاب في الآيتين قصد به النصارى خاصة؛ والسياق يدل على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والنصارى أكثر غلوا في

(1) ينظر الطبري، جامع البيان، ج6، ص 34، والقرطبي الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص 21، وأبي السعود، إرشاد العقل السليم، ج1، ص 821، وابن جزي، التسهيل، ج1، ص 165.

(2)

سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تيسير العزيز الحميد، ص 265.

(3)

ينظر سيد قطب، في ظلال القرآن ج2، ص 496.

ص: 192

الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن (1) . وهذه النصوص وإن تعلقت بأهل الكتاب ابتداء فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتجنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة (2) .

5 -

نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغلو، وذلك لئلا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومع النهي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم عواقب الغلو وآثاره، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع: (هَلُمَّ الْقُطْ لِي الْحَصَى) فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: (نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ) » (3) .

والنهي هنا وإن كان سببه خاصا، فهو نهي عن كل غلو.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال "، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل: الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم، أي هدي من كان قبلنا

(1) اقتضاء الصراط المستقيم، ج1، ص 289، وينظر الطبري، جامع البيان، ج6، ص 24، وابن جزي، ج1، ص 165.

(2)

ينظر محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 60.

(3)

رواه أحمد (1 / 215، 347)، كتاب المناسك: باب قدر حصى الرمي، والحاكم (1 / 446) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والحديث صححه شيخ الإسلام ابن تيمية، الاقتضاء، ج1، ص 289، والنووي في المجموع (8 / 138) .

ص: 193

إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك (1) .

6 -

بيان مصير الغالي وعاقبته: حيث وردت أحاديث تبين مآل من غلا، وأنه صائر إلى الهلاك، بل يرد ذلك مكررا ثلاث مرات في حديث واحد؛ مما يفيد عظيم الأمر وخطره، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا (2) .

7 -

إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك المتنطعين، فقد أخرج مسلم في صحيحه ج4 / 2055 / عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قالها ثلاثا قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ج16 / 220 /: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. وأخرج أبو داود في سننه برقم 4904 / وأبو يعلى في مسنده رقم 3694 / وهو حديث حسن / عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ» . وهذا التشديد على النفس الذي هو نوع من أنواع الغلو، بينت السنة النبوية أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، وأنه

(1) نقلا عن الشيخ سليمان بن عبد الله، تيسير العزيز الحميد، ص 275، ولم أجده في كتابات شيخ الإسلام التي بين يدي، إلا نحوه في الاقتضاء، ج1، ص 289.

(2)

رواه مسلم (4 / 2055) كتاب العلم: باب هلك المتنطعون، وأبو داود (4608) كتاب السنة: باب في لزوم السنة، وأحمد (1 / 386) .

ص: 194

ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع عن الاستقامة على الدين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ [أَيْ يُغَالِبَ] الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ [أَيْ بِالتَّبْكِيرِ فِي الطَّاعَةِ] وَالرَّوْحَةِ [أَيِ الْعَوْدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ لِاسْتِعَادَةِ النَّشَاطِ عَلَى الطَّاعَةِ] وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» . أي الاستعداد للمتابعة، تشبيها بالمسافرين الذين يجددون نشاطهم واستعدادهم لمتابعة المسير، بلا تكلف ولا إرهاق، ولهذا جاء في رواية أخرى:«وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا» [أخرجه البخاري في صحيحه ج1 / 16 / والنسائي في سننه ج18 / 121] . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج1 / 94 /: " والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق، إلا عجز وانقطع فيغلب "، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث بالتسديد والمقاربة والتوسط، ليتحقق المقصود، ألا وهو الثبات على الدين بلا انقطاع ولا تخلف. فتبين بذلك أثر الغلو في الدين على الاستقامة عليه، فكان لا بد من نبذ الغلو لتحقيق الاستقامة على الحق والدين القويم. فالغلو والتفريط وما بينهما وسط. . قال الحسن البصري رحمه الله: إن دين الله وضع على القصد فدخل الشيطان فيه بالإفراط والتقصير فهما سبيلان إلى نار جهنم، وعنه: إن دين الله تعالى وضع دون الغلو وفوق التقصير (1) .

(1) نوادر الأصول في أحاديث الرسول ج: 1 ص: 167 أبو عبد الله الحكيم الترمذي 360 هـ ت / عبد الرحمن عميرة 1992م.

ص: 195

* * * وقال ابن عبد البر (1) قال سفيان بن حسين: أتدري ما السمت الصالح؟ ليس هو بحلق الشارب ولا تشمير الثوب، وإنما هو لزوم طريق القوم، إذا فعل ذلك، قيل قد أصاب السمت، وتدري ما الاقتصاد؟ هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير.

* * * والترهب التعبد وهو استعمال الرهبة، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة (2) .

* * * قال الطبري: وأرى أن الله تعالى ذِكْرُهُ إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها (3) . حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال سألت ميمونا عن الصلاة خلف الأمراء؟ فقال: صل معهم. حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: سألت ميمونا عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حروريا أزرقيا.

(1) التمهيد ج: 21 ص 68.

(2)

التعاريف ج: 1 ص 375.

(3)

تفسير الطبري ج: 2 ص: 6 / 7562.

ص: 196

حدثنا وكيع ثنا سفيان عن إبراهيم بن أبي حفصة قال: قلت لعلي بن حسين: إن أبا حمزة الثمالي وكان فيه غلو يقول: لا نصلي خلف الأئمة ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا، فقال علي بن حسين: بلى نصلي خلفهم ونناكحهم بالسنة. وعن وكيع عن سفيان عن الأعمش قال: كانوا يصلون خلف الأمراء ويحتسبون بها. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» (1) . وعن ابن أبي قماش عن ابن عائشة قال: ما أمر الله تعالى عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: فإما إلى غلو وإما إلى تقصير، فبأيهما ظفر قنع. وعن ابن يحيى قال حدثني بعض شيوخنا قال: قال علي بن غنام: كلا طرفي القصد مذموم، وأنشد أبو سليمان:

وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ

كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ (2)

قال الخطابي: والطريقة المثلى في هذا الباب، أن لا تمتنع من حق يلزمك للناس وإن لم يطالبوك به، وأن لا تنهمك لهم في باطل لا يجب

(1) رواه البزار في مسنده (كما في كشف الأستار برقم 74) وقال الهيثمي: فيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب. مجمع الزوائد (1 / 62) .

(2)

العزلة ج: 1 ص 97 / أبو سليمان الخطابي البستي 388 هـ المطبعة السلفية 1399 هـ.

ص: 197

عليك وإن دعوك إليه، فإن من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، ومن انحل في الباطل جمد عن الحق، فكن مع الناس في الخير، وكن بمعزل عنهم في الشر، وتوخ أن تكون فيهم شاهدا كغائب وعالما كجاهل. وعن مكحول عن حذيفة قال: قال رسول الله: «لِلسَّاعَةِ أَشْرَاطٌ، قِيلَ: وَمَا أَشْرَاطُهَا؟ قَالَ: غُلُوُّ أَهْلِ الْفِسْقِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَظُهُورُ أَهْلِ الْمُنْكَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرُوفِ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ: فَمَا تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: دَعْ وَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ» (1) .

عن جابر رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عَبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» . واختلف في إرساله ووصله، ورجح البخاري في تاريخه الإرسال، وأخرجه البيهقي أيضا والعسكري عن عمرو بن العاص رفعه لكن بلفظ:«فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا سَفَرًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» وزاد: «فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَمُوتَ أَبَدًا وَاحْذَرْ حَذَرًا تَخْشَى أَنْ تَمُوتَ غَدًا» وسنده ضعيف. وله شاهد عند العسكري عن علي رفعه: «إِنَّ دِينَكُمْ دِينٌ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا ظَهْرًا أَبْقَى وَلَا أَرْضًا قَطَعَ» وفي سنده الفرات بن السائب ضعيف. وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» وروى أحمد عن أنس

(1) قال أبو نعيم: غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث حمزة. حلية الأولياء ج: 5 ص: 187.

ص: 198

بلفظ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ» وليس فيه الترجمة، وروى الخطابي في العزلة عن ابن عائشة قال:«ما أمر الله عباده بما أمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو وإما إلى تقصير، فبأيهما ظفر قنع» . قال النووي: " المتنطعون، أي: المتعمقون المغالون والمجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (1) .

كما جاء في أحاديث أُخَر أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:«لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ» (2) . وهذا التشديد على النفس الذي هو ضرب من ضروب الغلو، بينت السنة أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَا يُشَادُّ (3) الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا،

(1) شرح مسلم، ج16، ص 220.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

يشاد الدين: أي يقاويه ويقاومه، ويكلف نفسه من العبادة فيه فوق طاقته، والمشادة المغالبة ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج2، ص 451، وينظر ابن حجر، فتح الباري ج1، ص 94.

ص: 199

واستعينوا بالغدوة (1) والروحة (2) وشيء من الدلجة» (3) وفي لفظ «والقصد القصد تبلغوا» (4) . قال الحافظ ابن حجر: " والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب "(5) . وحتى لا يقع ذلك جاء ختام الحديث آمرا بالتسديد والمقاربة والتسديد: العمل بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقها (6) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه،،

(1) الغدوة: المرة من الغدو، وهو سير أول النهار، نقيض الرواح، ابن الأثير النهاية في غريب الحديث، ج3، ص 346.

(2)

الروحة: المرة من الرواح، قال ابن الأثير: يقال راح القوم، وتروحوا إذا ساروا أي وقت كان، وقيل أصل الرواح أن يكون بعد الزوال. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج2، ص 273.

(3)

الدلجة: قال ابن الأثير وهو سير الليل النهاية في غريب الحديث، ج2، ص 129.

(4)

سبق تخريجه.

(5)

فتح الباري، ج1، ص 94.

(6)

ابن رجب، المحجة في سير الدلجة، ص 51.

ص: 200