الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[اليسر ورفع الحرج منطق الإسلام في التعامل مع الواقع]
اليسر ورفع الحرج منطق الإسلام في التعامل مع الواقع اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون الحياة الإنسانية على النمط الذي تجلت فيه واقعا عبر القرون المتتابعة وسطا بين الحياة الملائكية المتجردة من جواذب الحياة، والحياة الشيطانية المرتدة إلى أسفل سافلين، فالحياة الإنسانية تتنازعها جواذب متقابلة:
* إنسانية روحية كغريزة التدين وحب الخالق، وحب الفضائل، ومقت الرذائل.
* وحيوانية مادية متمثلة بالغرائز الشهوانية كحب التملك والشهرة والجنس ونحوها.
وحركة الحياة البشرية فردية أو حضارية هي استجابة لهذه الغرائز بما تتضمنه من قيم وأعراف وتشريعات وتصرفات.
وقد أنزل الله شريعته للإنسان من أجل أن يضبط حركته في الحياة عبر تنظيم تلك الغرائز - مادية وإنسانية - لا بكبتها والضغط عليها، ولا بإفلاتها، وإنما بفتح المجالس لها لتؤدي دورها وفق ما تحتاجه الطبيعة الإنسانية كي تنال سعادتها في حياتها، ومن ثم فلاحها في ما بعد الحياة، ولأن تحقيق ((المصالح الإنسانية)) هي غاية التشريع الإسلامي، لذلك فإنك لا تجد في الشريعة أمرا إلا وهو رحمة وتيسير وتسهيل، ولا نهيا إلا وهو عن عنت وضنك وحرج وبؤس.
يقول تبارك وتعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] البقرة 185.
وقال سبحانه رابطا تيسير شريعته بواقع الإنسان المتسم بالضعف:
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] النساء 28.
ويبين تعالى أن الإسلام بما شرعه الله فيه من عبادات ومناهج سلوكية لا يهدف بل ولا يتجه إلى إرهاق الإنسان في حركته الدنيوية، وإنما إلى إضفاء طابع السمو، والطهر عليها حتى لو اضطر واقع الإنسان أن يكون هذا الطهر رمزيا فإن الشريعة تتنزل له، يقول سبحانه بعد تشريع التيمم بالتراب للمسلم إذا لم يجد الماء:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] المائدة 6.
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تفيض ببيان تيسير الله لعباده ورعايته لوسعهم أي للإطار الواقعي الذي يعيشون فيه حيث يبين صلى الله عليه وسلم أن الخروج
عن هذا المبدأ نأي عن طبيعة دين الإسلام ومجانفة لهديه هو عليه الصلاة والسلام.
يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (1) .
وقال فيما رواه البخاري: «إِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا» (2) .
وقال فيما رواه أحمد وصححه ابن حجر والسيوطي: «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ - قَالَهَا ثَلَاثًا» (3) .
ويبين صلى الله عليه وسلم في حديث - رواه الترمذي - النسبية المتلازمة بين تدين الإنسان وواقعه الذي يعيشه حيث يدان الإنسان في حدود ما يسمح له به الواقع من إمكانات الاستقامة على منهج الله يقول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا» (4) .
وواضح من هذا الحديث أن الاعتبار في نسبية التدين من 90% إلى 10% ليس هو الشريعة فالشريعة بكمالها ثابتة لا تغير فيها، وليس الكينونة الإنسانية بما هي مادة وروح متضمنان للنزعات الفطرية لأنها أيضا ثابتة، ولكن الاعتبار إنما هو للواقع المتغير من وضع إيجابي موات اقتضى المطالبة بما لا يقل عن 90% إلى وضع مترد ضاغط لا يتيح للإنسان ما يتجاوز 10% وهو ما يقبل منه عند الله.
(1) رواه البخاري تعليقا؛ كتاب الإيمان؛ الدين يسر؛ ووصله أحمد في المسند (1 / 236) من حديث ابن عباس بلفظ مقارب.
(2)
رواه البخاري؛ كتاب الإيمان؛ باب الدين يسر.
(3)
رواه أحمد في المسند 4 / 338 وصححه السيوطي في الأشباه وابن حجر في الفتح 1 / 94.
(4)
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ - انظر الكلام عنه في عارضة الأحوذي بشرح الترمذي لابن العربي 6 / 121.
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يؤكد على أصحابه أهمية تمثل التيسير والسماحة في أشخاصهم: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (1) .
وبأن تكون حركتهم الدعوية والتطبيقية تيسيرا وسماحة ورحمة: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (2) .
ليس فقط في دائرة التعامل مع المسلمين كما يتصور ذلك بعض من يضيق قيم الإسلام ويحد من عموميتها، ولكنه مع كل الناس، ولذلك وجه صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى حينما بعثهما إلى اليمن:«ادْعُوا النَّاسَ وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا» (3) .
ولعل من أبرز الإضاءات التي تبين هذه السمة السامية في الشريعة - أقصد التيسير ورفع الحرج - أن القرآن والسنة يغلبان دائما جانب الإباحة، ويحصران بالمقابل جانب التحريم بتفصيل أعداده لمحدوديته:
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] الأعراف 32.
{كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] البقرة 168.
وصيغ ((لا جناح عليكم)) ((أحل لكم)) ((فلا إثم عليه)) دائرة في هذا الإطار في مقابل الحصر للتحريم ((إنما حرم عليكم)) {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} [الأعراف: 33] الآية في الأعراف 33 {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] الأنعام 119.
(1) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي عليه الصلاة والسلام " يسروا ولا تعسروا ".
(2)
صحيح مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير.
(3)
صحيح مسلم في كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر.
وقد قال ابن تيمية رحمه الله: ((إن عامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهي عنه إنما هو الشرك والتحريم)) (1) .
على هذا الإطار المتين الذي جاءت به الشريعة قامت قواعد الحضارة الإسلامية التي ارتكزت على ((فقه الشريعة)) لدى أئمة العلم الراسخين الذين انطلقوا من هذه الغايات التي استهدفتها شريعة الله ليستمدوا - كما يقول عبد الوهاب خلاف - ((من نصوص الشريعة وروحها ومعقولها مبادئ تشريعية عامة تعتبر الدستور التشريعي الذي يبني عليه المشرع (المجتهد) تشريعه (الاجتهادي) والقاضي قضاءه.
وكل هذه المبادئ يمت بسبب صحيح إلى تحقيق مصالح الناس، وإقامة العدل بينهم، وتؤخذ منه أحكام الوقائع المختلفة في مختلف البيئات والعصور.
من هذه المبادئ الخاصة برفع الضرر التي أساسها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وهي: أن يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما، ودفع المضار مقدم على جلب المنافع، والضرورات تبيح المحظورات. . . . الخ.
ومنها المبادئ برفع الحرج التي أساسها قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78](الحج / 78)، ومنها: المشقة تجلب التيسير، ومنها المبادئ الخاصة بسد الذرائع، ومنها: ما يفضي إلى المحظور فهو محظور، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما أضر كثيره حرم
(1) مجموع الفتاوى 20 / 113 وانظر مرتكزات الخطاب الدعوي في التبليغ لعبد الله عبد الرحمن 94.
قليله. ومنها المبادئ الخاصة بالبراءة الأصلية التي أساسها قوله تعالى {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29](البقرة / 29)، ومنها: الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في الإنسان البراءة، وما يثبت باليقين لا يزول بالشك. . إلى غير ذلك من المبادئ التشريعية التي هي دستور الأحكام الشرعية)) (1) .
ولقد يبدو هذا التقرير المرتكز على نصوص من القرآن والسنة واضح المعاني فيما تدل عليه من يسر وسماحة وتخفيف ورفع حرج عن الحياة الإنسانية، وما توجه إليه المسلمين من طلب رعاية ذلك في كافة شئونهم، لكن الموازي لهذه الملحوظة المستدعي لتقرير هذا الواضح أن فئاما من شباب الإسلام المنتسبين للعلم أو للدعوة، أو المتحركين بغيرة إيمانية، ربما بسبب خلل في فقههم الشرعي، أو انفعال مفعم بضواغط العصر ومكر أهل الكيد للإسلام فيه، أو لتربية غير سوية، أو لغير ذلك من الأسباب - أنهم - انطبعوا في أحكامهم على الناس والواقع، وفي نظرتهم للأشياء، وفي تعاملهم بطابع مناقض لتلك السمة متسم بالغلظة وسوء الظن، ومقت الناس لعدم تحققهم بالصور المثالية التي يتراءونها والدعوة إلى بناء العلاقات، والتعامل على الرفض والمباعدة والتوجس من الآخرين، ثم هم يسعون لدعم مواقفهم ورؤاهم بما يوهم أنها منهج الإسلام وشريعته، مما يقتضي إيضاح الصورة السليمة، وتأكيد طابع الإسلام الحقيقي في هذا المجال.
ولكن ينبغي أن نؤكد هنا - حتى لا يشتط بنا هذا التطرف إلى تطرف مقابل - أن يسر الشريعة ورفعها للحرج لا يعني مباركة الواقع في كل تحولاته وفي مفاسده، كلا فالإسلام بناء عقدي وقيمي وتشريعي متميز
(1) عبد الوهاب خلاف بحث بعنوان (الإسلام والإصلاح الاجتماعي) منشور في مجلة وزارة الشؤون الاجتماعية بمصر، انظر أصول الفكر السياسي، محمد فتحي عثمان 61.
أنزله رب العالمين لتحقيق مصالح عباده، وهو أعلم بهم من أنفسهم، فإذا ما تصوروا أن في خلق أو معاملة مما يخالف شرع الله خيرا وصلاحا وأقبلوا على ذلك فإنهم ضالون تائهون، وشرع الله هو الحق، ولا يجوز للمسلم أن يواطئهم على ضلالهم ولا أن يرضى به.