المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القاعدة الرابعة: في الترجيح: - بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام = نهاية الوصول - جـ ٢

[مظفر الدين ابن الساعاتي]

الفصل: ‌القاعدة الرابعة: في الترجيح:

الصحابة رضي الله عنهم استفتوا وأفتوا مع الاشتهار والتكرر ولا منكر، وأيضا "أصحابي كالنجوم" واستدل بأن العامي يقصر عن الترجيح، وأجيب بأنه يظهر بالتسامع وكثرة المستفتين والمراجعة إليه. قالوا: قول المفتي للمقلد كالدليل للمجتهد فيرجح كما يرجح. قلنا: الفرق عسر الترجيح على العامي وتيسره للمجتهد.

‌القاعدة الرابعة: في الترجيح:

وأنه بعد التعارض ولا تعارض بالحقيقة في حجج الشرع، ولكن قد يتصور به،

ص: 685

فلذلك يجب دفعه ما أمكن. والمعارضة: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، ويشترط التساوي في الثبوت والقوة والمنافاة بين حكميهما مع اتحاد الوقت والمحل والجهة، فلا معارضة بين الكتاب وخبر الواحد، ولا بين المتواتر والواحد ولا امتناع بين الحل والحرمة والنفي والإثبات في زمانين في محل أو محلين في زمان أو بجهتين كالنهي عن البيع وقت النداء مع الجواز. والمخلص بيان فوت شرط من هذه، فإن اجتمعت تعذر الانفصال فإن كانا عامين حمل أحدهما على القيد والآخر على الإطلاق، أو أحدهما على الكل والآخر على البعض. أو خاصين فالقيد أو المجاز ما أمكن. أو خاصا وعاما بني العام على الخاص هنا إجماعا، دفعا للتعارض ثم الترجيح: فضل أحد المثلين

ص: 686

على الآخر وصفا واحترزنا بالوصف عن الترجيح بما يصلح علة بانفراده فلا يرجح النص بنص مثله ولا القياس بمثله ولا الكتاب بالخبر، ولا القياس بالنص، وإنما يرجح بقوة فيه كالمشهور أولى من الغريب، وعلى هذا لو جرح واحدا واحدة وآخر جراحات خطأ فمات فالدية نصفان ولا يترجح بالكثرة، لاستبداد كل جرحة بالعلية فلم يكن وصفا. ومثاله قوله في الشفيعين في الشقص الشائع في البيع بسهمين متفاوتين يستويان في الاستحقاق، لأن كل جزء من السهم علة لاستحقاق الجملة. والإجماع في ابني عم أحدهما زوج أن التعصيب لا يترجح بالزوجية. وعامة الصحابة رضي الله عنهم في ابني عم أحدهما أخ لأم أن

ص: 687

السدس له بالأخوة، والباقي بينهما بالتعصيب، ولم يرجحوا بالأخوة لانفرادها بعلية الاستحقاق، ولا يصلح وصفا لأنها أقرب من العمومة بخلاف الأخوة لأم حيث جعلت وصفا للأخوة من الأب لأن هذه الجهة تابعة. ومثال الترجيح وصفا: أن يكون أحد النصين محكما أو مفسرا أو محرما أو أن الراوي أفقه أو أضبط أو متنه عريا عن اللحن أو مسقطا لعقوبة أو موجبها فساد عبادة أو احتياطا فهو أولى مما يقابلها.

فصل:

ما به الترجيح: قوة الأثر وقوة الثبات على الحكم وكثرة الأصول. والعكس.

ص: 688

أما الأول: فلأن الأثر معنى الحجة، فإذا قوي قويت، كالاستحسان والقياس، والمشهور والغريب. ولا كذلك تفضيل الشاهد بالعدالة لأنها التقوى ولا وقوف على حدودها. ومثال ذلك في مسألة طول الحرة فقال الشافعي: إنه مانع من نكاح الأمة لإرقاق الماء مع الغنية عنه وأنه حرام. وقلنا: نكاح يملكه العبد إذا دفع إليه المولى مهرا صالحا للحرة والأمة وأطلقه فيهما. فيملكه الحر كسائر الأنكحة، وهذا قوي الأثر إذ الحرية من أسباب الشرف وتوسعة الحل والرق منصف وفي منع الحر توسعة بالرق وقلب للموضوع. وأما الإرقاق فضعيف الأثر لأنه دون التضييع الجائز بالعزل بإذن الحرة وضعيف الحال فإن نكاحها جائز مع سرية يستغني بها. ولقوله في إسلام أحد الزوجين: إنه سبب للفرقة عند انقضاء العدة، لا بنفسه وكذلك الردة. فسوى بينهما. وقلنا: الإسلام من أسباب العصمة حتى لو أسلم الآخر استقر نكاحهما وما هو سبب الفرقة لا يتوقف القرار عليه، وبقاء الآخر على أمره ليس مفرقا بالإجماع، لأنه غير طارٍ فوجبت الإضافة إلى فوت أغراض النكاح بالإباء عن الإسلام

ص: 689

حقا لمن أسلم، وهذا ظاهر الأثر في اللعان والإيلاء والجب والعنة، ولا كذلك الردة، فإنها منافية لأنها سبب زوال العصمة. وأما الثاني: فلأن الأثر يزداد قوة بما هو أثر به من الكتاب والسنة والإجماع كقولنا: مسح فإنه أثبت في دلالة التخفيف من قولهم ركن في دلالة التكرار، فإن الركنية وصف عام في الوضوء والصلاة. ومن قضية الإكمال بالإطالة كالركوع والسجود وتخلف التكرار عن الركنية في المضمضة. أما أثر المسح في التخفيف فلازم كالتيمم والجبيرة والخف والجوب. وأما الثالث: فكالاشتهار في السنن وقد مر. وأما الرابع: فأضعفها لعدم تعلق حكم بالعدم لكنه إذا علق بوصف فعدم عند عدمه دل على صحته فصلح للترجيح كقولنا: مسح ينعكس بما ليس بمسح. ولا كذلك قولهم: ركن للتكرار للتخلف من المضمضمة.

ص: 690

وكقولنا في بيع الطعام بمثله: مبيع عين فلا يشترط قبضه أولى من قولهم: ما لان لو قوبل كل بجنسه حرم ربا الفضل، لأنا نعكس ببدل الصرف ورأس مال السلم لأنه دين بدين، ولا عكس لتعليلهم لأن بيع السلم لا يشمل أموال الربا ووجب فيه القبض تحرزا عن الكالئ بالكالئ.

فصل:

إذا تعارض ضربا ترجيحٍ أحدهما ذاتي والآخر حالي فالاعتبار للذاتي لسبقه كاجتهاد أمضي حكمه لا ينسخ بغيره. ولقيام الحال بالذات فلو اعتبرناه مضادا للذات نسخنا الأصل بالتبع. مثاله: ابن ابن الأخ لأبوين أو أب أحق من العم لرجحان الأول في ذات القرابة والثاني في حالها. وكذلك العمة لأم والخال لأب وأم أحق بالثلثين، والثلث للخال لرجحانها في الذات والخال في الحال. وابن الأخ لأب وأم أحق منه لأب لاستوائهما في الذات فرجح بالحال وهو قوة الاتصال وابن ابن الأخ لأب وأم لا يرث مع ابن الأخ لأب

ص: 691

للرجحان في الذات. وعلى هذا فرعنا مسألة صنعة الغاصب حيث ينقطع بها حق المالك لقيام الصنعة بذاتها وهلاك العين من وجه فترجحت الصنعة بالوجود. ولا يقال قائمة بالمصنوع باقية به لأنا نقول البقاء تابع للوجود فهو حال والوجود أسبق.

فصل:

ترجيح القياس بمثله

ص: 692

فاسد، لانفراده بالعلية، وبغلبة الأشباه، كقولهم: الأخ يشبه الولد بالمحرمية، وابن العم بسائر الوجوه، كوضع الزكاة وحل الحليلة وقبول الشهادة ووجوب القصاص فكان أولى، لأن كل مشبه، كالقياس، فكان كالأول.

وبالعموم كقولهم: الطعم أحق لأنه يعم القليل والكثير. قلنا:

ص: 693

الوصف فرع النص، والعام كالخاص عندنا، وعندكم الخاص يقضي على العام، فكيف ترجح العام الذي هو فرعه.

وبقلة الأوصاف، فاسد كقولهم: ذات وصف فكان أولى من ذات وصفين. قلنا: العلة فرع النص، والنص المختصر والمطول واحد. والقلة والكثرة صورة، والترجيح ليس إلا بالمعاني.

تم الكتاب. والحمد لله أولا، وآخرا، وظاهرا وباطنا. وصلواته على خيرته من خلقه، محمد النبي الأمي وآله وأصحابه الطاهرين. فرغت هذه المسودة في شهر المحرم، من سنة أربع وتسعين وستمائة، من يد مؤلفها: أحمد بن علي بن تغلب بن الساعاتي، المدرس للحنفية بالمدرسة المستنصرية، رحمة الله على منشئها. وهو يسأل الله تعالى أن ينفع به المحصلين، ويوقع له القبول في أنفس الطالبين، ويلحق مؤلفه بالعلماء الراسخين. ويثيبه عليه ثواب المهتدين، بمحمد وآله الطاهرين.

ص: 694