الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع
منهجي في التحقيق
إذا كانت ثمرة تحقيق المخطوطات هي: إظهارها مطبوعةً، مضبوطةً، خالية نصوصها من التصحيف والتحريف، مخدومةً في حلةٍ قشيبةٍ، تُيسر سبل الانتفاع بها، وذلك على الصورة التي أرادها مؤلفوها، أو أقرب ما يكون إلى ذلك، فقد بذلت ما في وسعي في تحقيق كتاب "بهجة المحافل"، وضاعفت الجهد في خدمته خدمة تليق بمكانته ومكانة أصله، على النحو التالي:
1 -
لم أعتمد أصلًا واحدًا في تحقيق نص الكتاب، بل سلكت طريقة النص المختار، وذلك بأن أجمع في المتن من النسخ كلها ما أعتقد أنه صحيح، مع الإشارة إلى ما وقع في باقي النسخ في حاشية التحقيق.
2 -
ولم أقم بإثبات كل الفروق بين النسخ، بل أثبت ما هو جدير بالإثبات -في نظري-، وأهملت غير ذلك من الفروق، والتي تنشأ في الغالب عن أخطاء ظاهرة للنساخ، مما يعلم بداهةً أنه من كيس الناسخ لسهوه، أو لجهله، أو غير ذلك.
3 -
لم يثبت اللقاني متن الشمائل في كتابه فقمت بإثباته معتمدا في
ذلك على الطبعة التي بتحقيق الأخ الشيخ ماهر الفحل حفظه الله.
وهذا سبب ما سيلحظه القارئ من اختلافات بين متن الشمائل وشرح اللقاني خاصة في صيغ الأداء وسياق اسم الراوي في الإسناد، فسبب ذلك أن اللقاني لم يثبت متن الشمائل من النسخة التي اعتمدها هو في شرحه.
4 -
أثبتُّ في النص كل ما يعين على تجليته وإيضاحه، من تقسيمه إلى فقرات، مع تحديد بداية الأسطر ونهايتها، ووضع علامات الترقيم من فواصل، واستفهام، وغيرهما، وتحديد الجمل الاعتراضية، وغير ذلك مما يخدم النص ويعين على فهمه.
5 -
قمت بتوثيق نصوص الكتاب من المصادر الأصلية التي نقل منها المصنف قدر الطاقة.
6 -
كما قمت بتوثيق ما رأيت أنه بحاجة إلى توثيق من مادة الكتاب.
7 -
استدركت على المصنف ما فاته من تراجم رجال الشمائل.
8 -
صححت أوهام المصنف الواقعة في الكتاب كأوهامه في تعيين الرواة وغير ذلك.
9 -
علقتُ على ما رأيت أنه بحاجة إلى تعليق مما يعين على فهم الكتاب.
10 -
قدمت الكتاب بمقدمةٍ ترجمت فيها للمصنف، وتكلمت على منهجه في الكتاب وأوهامه فيه وغير ذلك من المباحث التي تعد مدخلا
جيدا لمن رام حسن الاستفادة من العمل.
11 -
قمت بصناعة الفهارس اللازمة، التي تقرب مادة الكتاب، وتعين الباحث على الوقوف على بغيته من مباحث الكتاب، وقد استفدت في إعدادها من الفهارس المثبتة في طبعة دار الغرب لكتاب الشمائل، وقد جاءت الفهارس على النحو التالي:
-فهرس أطراف الأحاديث.
-فهرس مسانيد الصحابة.
-فهرس مسانيد النساء الصحابيات.
-فهرس المراسيل وأقوال التابعين.
-فهرس رجال أسانيد الشمائل.
صور من النسخ الخطية
اللوحة الأولى من النسخة (أ)
اللوحة الأخيرة من النسخة (أ)
اللوحة الأولى من النسخة (ب)
اللوحة الأخيرة من النسخة (ب)
اللوحة الأولى من النسخة (جـ)
اللوحة الأخيرة من النسخة (جـ)
لوحة من النسخة (د)
لوحة من النسخة (د)
النص المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الفقير الحقير أبو الإمداد الفاني، إبراهيم المالكي اللقاني:
الحمد لله الذي اصْطَفَى لنقل السُّنَّةِ المحمَّديَّة رجالاً، وقَلَّدَهُم أمانة نَقْدِها، فأوْسَعَوا في مضمار السبق للتعديل والتجريح مَجَالاً، لا يخشون في الله لَوْمَة لائم، فهم ليوث الحق زُيِّنُوا بالعمائم، أحمدُهُ وأشكُرُه وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تزحزح قائلها عن النار، وتمحو اسمه من ديوان الأشقياء إلى ديوان الأتقياء الأخيار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المختار، الشاهد برسالته الأشجار والأحجار، وعجم الوحوش في الصحاري والقفار، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته المهاجرين والأنصار، صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار.
وبعد: فهذا تعليق لطيف وهيكل (1) شريف، أَتَعَرَّضُ فيه للتعريف برواة «الشمائل» ، رجاء أن يكون لي عند الله بواسطة خدمته صلى الله عليه وسلم من أجل الوسائل، اقتصرت فيه على أدنى ما يَحْصُل به التعريف، أعجلني فيه قصد الاختصار للتَّخفيف، لكني فيه مع كساد البضاعة معذور، وبعين الفروسية في مضمار الحفظ غير منظور، ولو كنت أعلم أني سُبِقْتُ إليه على هذا الكتاب، ما تَطَفَّلْتُ على موائد الكمال واللباب، وربما تَعَرَّضْتُ فيه للأصل وإن لم أُعَدُّ لذلك من الأهل، وسميته «بهجة
(1) في (ب): شكل. والهيكل: الضخم من كل شيء. «تاج العروس» : (31/ 143).
المحافل وأجمل الوسائل بالتعريف برواة الشمائل».
فأقول: وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
المسألة الأولى: قال بعض علمائنا: قال النووي: شيوخ الإنسان في العلم آباء في الدين، ووصلة بينه وبين رَبِّ العالمين، فَيَقْبُحُ به جهلهم، وكيف لا يَقْبُحُ جهل الإنسان وهم الوَصْلَةُ بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبِبِرِّهم، وذِكْرِ مآثرهم، والثناء عليهم، والشكر لهم انتهى.
إذا عَلِمْتَ هذا فلنا في هذا الكتاب أسانيد متنوعة، ومشايخ عدة من أجلهم وأفضلهم عالم وقته بلا نزاع، ومحدث عصره من غير دفاع، العلامة الرحلة أبو النجا سالم السَّنْهُوري (1)، بَلَّ الله بالرحمة ثراه، وجعل الجنة مثواه، وأخبرنا به مراراً.
قال: حدثنا به الشيخ نجم الدين الغَيْطي (2) بقراءتي عليه، قال: أخبرنا به شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري (3)، قال: أخبرنا به أبو الفتح ابن أبي بكر بن الحسين المدني مشافهةً (4)، عن الحافظَيْن أبي الفضل
(1) ترجمته في «خلاصة الأثر» : (2/ 204)، ولم يكثر اللقاني عن أحدٍ كما أكثر عنه. وانظر مقدمة تحقيقنا على «قضاء الوطر»:(1/ 72).
(2)
ترجمته في «شذرات الذهب» : (8/ 406).
(3)
ترجمته في «الضوء اللامع» : (3/ 234) و «شذرات الذهب» : (8/ 134) وغيرها كثير.
(4)
انظر: «ذيل التقييد» : (ص444).
العراقي (1) وأبي الحسن (2) الهيثمي (3) سماعاً قالا: أخبرنا به أبو (4) محمد بن إسماعيل بن الخباز، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن القيم (5)(ح) وأنبأني عالياً العِزّ أبو محمد الحنفي (6)، عن الصلاح ابن أبي عمر (7) وغيره، قالوا -وكذا ابن القيم-: أخبرنا به الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري (8) سماعاً، أخبرنا به أبو اليُمْن (9) زيد بن الحسن الكندي، وقال ابن الخباز: أخبرنا به عبد الله بن محمد بن عبد الله حُضوراً، وأبو العباس أحمد بن
(1) ترجمته في «إنباء الغمر» : (5/ 170) و «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة: (4/ 33) و «شذرات الذهب» : (7/ 55).
(2)
في (أ) و (ب): الحسين. خطأ.
(3)
ترجمته في «ذيل طبقات الحفاظ» : (ص246).
(4)
كذا في (أ) و (ب)، ولعله حشو، فهو محمد بن إسماعيل بن الخباز، مسند دمشق. انظر:«ذيل التقييد» : (ص153).
(5)
انظر: «فهرس الفهارس» : (2/ 256).
(6)
في (أ) و (ب): العز [و] أبو محمد. وهو حشو، وانظر:«المنهل العذب الروي» : (ص36، 49).
(7)
ترجمته في «الدرر الكامنة» : (3/ 392).
(8)
«فهرس الفهارس» : (2/ 617).
(9)
في (أ) و (ب):أبو الحسن، والتصحيح من المصادر، وترجمته في «تذكرة الحفاظ»:(4/ 131).
عبد الدائم (1) إذناً، قالا: أخبرنا به الافتخار عبد المطلب بن الفضل الهاشمي (2)، زاد ابن عبد الدايم فقال: وأخبرنا به عبد الرحمن بن أبي الكرم (3)، قال الثلاثة: أخبرنا به أبو شجاع عمر بن محمد بن عبد الله البسطامي (4)،
زاد الافتخار فقال: وأخبرنا به أبو حفص عمر بن بن علي الكرابيسي (5)، وأبو علي الحسن بن بشير البلخي، وعبد الرحيم (6) بن النعمان الوَلْوَالجي، قال الأربعة: أخبرنا به أبو القاسم أحمد بن محمد البلخي (7)، أخبرنا به أبو القاسم علي بن أحمد بن علي الخزاعي، أخبرنا به أبو سعيد الهيثم بن كُليب الشاشي (8)، حدثنا به أبو عيسى الترمذي.
المسألة الثانية: ينبغي أن ننبه على المصنف بالتعريف، ليتصوره القاصر على وَجْهٍ لَطِيف.
(1) ترجمته في «تاريخ الإسلام» : (49/ 254).
(2)
ترجمته في «تاريخ الإسلام» : (44/ 301).
(3)
ترجمته في «تاريخ الإسلام» : (44/ 301).
(4)
ترجمته في «سير أعلام النبلاء» : (20/ 452) ..
(5)
انظر: «سير أعلام النبلاء» : (22/ 100) و «تاريخ الإسلام» : (44/ 302).
(6)
كذا في (أ) و (ب)، ويغلب على الظن أن يكون صوابه: عبد الرشيد بن النعمان، أبو الفتح الولوالجي. «تاريخ الإسلام»:(38/ 351).
(7)
كذا في (أ) و (ب)، ولعل صوابه: الخليلي، فهو المذكور في شيوخ عبد الرشيد بن النعمان.
(8)
ترجمته في «سير أعلام النبلاء» : (15/ 359).
فنقول: هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذي الضَّرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، في القديم والحديث، صَنَّفَ «الجامع» و «العِلَل» تصنيف رجل متقن.
قال ابن الأثير (1): وبه كان يضرب المثل، تلمذ للإمام الهمام سلطان المحدثين، محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في شيوخه مثل قتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجر وابن بَشَّار، وغيرهم، روى عنه: أبو العباس محمد بن أحمد بن مُحبُوب، وأبو سعيد الهيثم بن كُليب الشَّاشِي، وأبو ذر محمد بن إبراهيم، وأبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان، وأبو حامد أحمد بن عبد الله التاجر، وأبو الحسن (2) الوَذاري وغيرهم.
قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير (3): وأما ما ذكره بعض الناس من أنه لا يَصِحُّ سماع أحد في جامع الترمذي عن أبي عيسى ولا روايته عنه، فهذا باطل قاله من قاله؛ فإن الروايات للجامع عن هؤلاء الثقات منتشرة شائعة عنهم وعن جملة معروفين إلى المصنف.
وتوفي رحمه الله بقرية يقال لها بوغ من قرى ترمذ، وكان موته بعد موت أبي داود بنحو أربع سنين؛ لأن أبا داود مات يوم الجمعة سادس
(1)«اللباب» : (1/ 213).
(2)
في (أ) و (ب): الحسين. خطأ، والتصحيح من المصادر.
(3)
هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر، المتوفى سنة (708هـ). «الإحاطة في أخبار غرناطة»:(1/ 72) و «الدرر الكامنة» : (1/ 84).
عشر شوال بالبصرة، سنة خمس وسبعين ومائتين، ومات الترمذي ليلة الاثنين، لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رجب، سنة تسع وسبعين ومائتين.
وقال صاحب «التذكرة» (1): محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن موسى بن الضَّحَّاك السُّلَمي، أبو عيسى التِّرْمِذي الضَّرير، الحافظ العلَّامة، صاحب كتاب «الجامع» وغيره، طاف البلاد، وسمع خلقاً كثيراً من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم، روى عنه محمد بن المنذر شَكَّر، والهيثم بن كليب، وأبو العباس المحبوبي، وخلق.
قال الترمذي: سمع مني محمد بن إسماعيل البخاري حديث عطية عن أبي سعيد «لا يحل لأحد يَجْنُبُ في هذا المسجد غيري وغيرك» قلت: وحدث هو عن مسلم بحديث «احصوا هلال شعبان لرمضان» .
وذكره ابن حبان في «الثقات» ، وقال: كان ممن جمع وصنَّفَ وحفظ وذاكر.
وقال أبو سعد الإدريسي: كان أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث صنف كتابه «الجامع» و «العلل» تصنيف رجل عالم متقن كان يضرب به المثل في الحفظ.
قال أبو العباس المُسْتَغْفِري: مات أبو عيسى بترمذ في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.
(1)(3/ 1579).
له ثلاثي واحد (1):
قال أبو عيسى الترمذي: ثنا إسماعيل بن موسى الفزاري: ثنا عمرو بن شاكر: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر» انتهى.
تنبيه: هو منسوب (2) إلى ترمذ، مدينة قديمة على طرف نهر بَلْخ، ويقال له: جيحون، خرج منها جماعة كثيرة من العلماء، والناس يختلفون -كما قاله ابن الأثير- في كيفية النسبة إليها، فبعضهم يقول: بفتح التاء ثالثة الحروف، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم، قال: والذي كنا نعرفه فيه قديماً كسر التاء والميم جميعاً، والذي يقوله المُتْقِنون وأهل المعرفة: ضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه.
قلت: الحق أن تلك الأوجه لغات ثابتة في تلك البلدة كما نبه عليه بعض الحفاظ، والمشهور من أهل هذه البلدة رجلان أحدهما هذا الإمام، وثانيهما أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الفقيه الشافعي الترمذي، روى ببغداد عن يحيى بن بُكير المصري، وغيره، وروى عنه عبد الباقي
(1) أي في «الجامع» .
(2)
«اللباب» : (1/ 213).
بن قانع، وكان ثقة زاهداً، مات في المحرم سنة خمس وتسعين (1) ومائتين، ومولده سنة مائتين.
المسألة الثالثة: أنه قال قائل: كيف تدخل الأحاديث التي فيها صفته الشريفة في الحديث وقد عَرَّفُوه بأنه ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً له، أو فعلاً له، أو تقريراً، وهي ليست واحداً منها؟ انتهى.
فقلنا: قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر: الأحاديث التي فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم داخلة في قسم المرفوع بالاتفاق، مع أنها ليست قولاً له صلى الله عليه وسلم ولا فعلاً ولا تقريراً، انتهى.
على أن العلامة شمس الدين الكرماني عرف الحديث بقوله (2): اعلم أن علم الحديث موضوعه ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه رسول الله، وحَدُّهُ هو: علمٌ يُعْرَفُ به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وأحواله، وغايته: هو الفوز بسعادة الدَّارَيْن، انتهى.
فزاد في التعريف «وأحواله» فإن قلت: هذا التعريف للحديث فكيف يجعله الكرماني تعريفاً لعلم الحديث؟
قلت: يقال له: الحديث، ويقال له: علم الحديث.
(1) في (أ): ستين، والتصحيح من المصادر.
(2)
مقدمة شرحه على البخاري: (1/ 12).
ولفظ شيخ الإسلام في «فتح الباقي» (1): والحديث -ويرادفه الخبر على الصحيح-: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قيل: أو إلى صحابي، أو إلى من دونه قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة ويُعَبَّر عن هذا بعلم الحديث رِوايةً، ويُحَدُّ بأنه: علمٌ يشتمل على نقل ذلك، وموضوعه: ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه نبي، وغايته الفوز بسعادة الدَّارَيْن، انتهى المراد منه، غايته: أن قَيْدَ الحيثية مُرَاعى، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال الجلال (2) في «القوت» (3): قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتاب «شروط الأئمة» (4) لم ينقل عن أحد من الأئمة الخمسة أنه قال شَرَطْتُ في كتابي هذا أن أُخْرِج على كذا، لكن لما سُبِرَت كُتُبَهم علم بذلك شرط كل واحد منهم، فشرط البخاري ومسلم: أن يُخْرِجَا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور.
وأما أبو داود والنسائي فَكُل من كتابيهما منقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الصحيح المخرَّج في الصحيحين.
الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حكى أبو عبد الله بن منده أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركها إذا صح الحديث
باتصال الإسناد من غير قَطْع ولا إرسال، فيكون هذا القسم من الصحيح إلا أن طريقه لا يكون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما بل طريقه طريق ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح لما بَيَّنَّا أنهما تركا كثيراً من الصحيح الذي حفظاه.
والقسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لرواية قوم لها واحتجاجهم بها، فأورداها وبَيَّنَا سَقَمَها لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يَجِدا له طريقاً غيره؛ لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال.
وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه -يعني «الجامع» - على أربعة أقسام:
قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق البخاري ومسلماً.
وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بينا في القسم الثاني لهما.
وقسم آخر كالقسم الثالث لهما أخرجه وأبان عن علته.
وقسم رابع أبان هو عنه، وقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثاً عمل به بعض الفقهاء.
فعلى هذا الأصل كل حديث احتجَّ به محتج أو عَمِلَ بموجبه عامل، أخرجه سواء صحَّ طريقه أم لم يصح، وقد أزاح عن نفسه، فإنه تَكَلَّم على كل حديثٍ بما فيه، وكان من طريقته أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأُخْرِجَ حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي أخر لم
يخرجوه من حديثه ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه أن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة، منهم الصحابي الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه، وقَلَّ ما يَسْلُكُ هذه الطريق إلا في أبواب معدودة، انتهى.
ولفظ الحازمي في «شروط الأئمة» (1): مذهب من يُخَرِّج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفي من روى عنهم وهم ثقات أيضاً، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات.
قال: وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم، فلنوضح ذلك بمثال وهو أن يُعْلَمَ أن أصحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مَزِيَّة على التي تليها.
فالأولى: حديثها في غاية الصحة، نحو مالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ويونس، وعقيل، ونحوهم، وهي غاية مقصد البخاري.
والثانية: شاركت الأولى في التثبت غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من لا يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، فكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهذه شرط مسلم،
(1)(ص150 - 155).
نحو الأوزاعي، والليث ابن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب.
والثالثة: جماعة لزموا الزهري كالطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح فَهُم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي، نحو سفيان بن حسين، وجعفر بن برقان وإسحاق بن يحيى الكلبي (1).
والرابعة: قوم شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري، لأنهم لم يصاحبوا الزهري كثيراً وهو شرط الترمذي.
قال: وفي الحقيقة شرط الترمذي أَبْلَغ من شرط أبي داود لأن الحديث إذا كان ضعيفاً، أو من حديث أهل الطبقة الرابعة فإنه يَتَبيَّن ضعفه ويُنَبِّهُ عليه فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صَحَّ عند الجماعة، ومن هذه الطبقة زمعة بن صالح (2)، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفي، والمثنى بن الصباح.
والخامسة: قوم من الضفعاء والمجهولين، لا يجوز لمن يُخَرِّج الحديث على الأبواب أن يخرج لهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فَمَن دونه، فأما عند الشيخين فلا كبحر بن كنير السَّقَّاء، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد
(1) كذا، وإنما أورد الحازميُّ إسحاق بن يحيى في الطبقة الرابعة.
(2)
كذا، وإنما أورد الحازمي زمعة بن صالح في الطبقة الثالثة.
المصلوب.
وقد يخرج البخاري أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبي داود عن مشاهير الرابعة، وذلك لأسباب تقتضيه.
وقال الذهبي في «الميزان» (1): انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما.
وقال أبو جعفر بن الزبير (2): أولى ما أُرْشِدُ إليه ما اتَّفَقَ المسلمون على اعتماده، وذلك الكتب: الخمسة، والموطأ الذي تَقَدَّمَهَا وضعاً ولم يتأخر عنها رتبة، وقد اختلفت مقاصدهم فيها، وللصحيحين فيها شَفُوف (3)، وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جليلة، ولأبي داود في حصْرِهِ أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسائل وأجلَّها انتهى.
(1) انظر: «تدريب الراوي» : (1/ 187) فقد غزاه السيوطي للذهبي، وزاد المصنف هنا «في الميزان» ، ولم أقف عليه فيه.
(2)
انظر: «تدريب الراوي» : (1/ 186).
(3)
الشَّفُوف: الربح والفضل. «تاج العروس» : (23/ 519).