الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر أبو الحسن بن زرقويه عن إسماعيل الخطبي قال: وجه إلى الراضي ليلة الفطر، فجئت إليه، فقال يا إسماعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس، فما الذي أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقت ساعة ثم قلت: قل يا أمير المؤمنين: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [النمل: 19] فقال لي: حسبك، ثم تبعني خادم فأعطاني أربعمائة دينار.
مات في أيامه من الأعلام: نفطويه، وابن مجاهد المقرئ، وابن كأس الحنفي، وابن أبي حاتم، ومبرمان، وابن عبد ربه صاحب العقد، والإصطخري شيخ الشافعية، وابن شنبوذ، وأبو بكر الأنباري.
المتقي لله أبو إسحاق
1
المتقي لله: أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل.
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأمه أمة اسمها خلوب، وقيل: زهرة، ولم يغير شيئًا قط، ولا تسرى على جاريته التي كانت له، وكان كثير الصوم والتعبد، ولم يشرب نبيذًا قط، وكان يقول: لا أريد نديمًا غير المصحف، ولم يكون له سوى الاسم، والتدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم.
وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصور، وكانت تاج بغداد، ومأثرة بني العباس، وهي من بناء المنصور، وارتفاعها ثمانون ذراعًا وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعًا في عشرين ذراعًا، وعليها تمثال فارس بيده رمح فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجيًّا يظهر من تلك الجهة، فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد.
وفي هذه السنة قبل بجكم التركي، فولي إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي، وأخذ المتقي حواصل بجكم التي كانت ببغداد، وهي زيادة على ألف ألف دينار، وفي هذا العام ظهر ابن رائق، فقاتل كورتكين ببغداد، فهزم كورتكين واختفى، وولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه.
وفي سنة ثلاثين كان الغلاء ببغداد، فبلغ كر الحنطة ثلاثمائة وستة عشر دينارًا واشتد القحط وأكلو الميتات، وكان قحطًا لم يرَ ببغداد مثله أبدًا.
وفيها خرج أبو الحسن علي بن محمد اليزيدي، فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق، فهزما وهربا إلى الموصل، ونهبت بغداد ودار الخلافة، فلما وصل الخليفة إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان، وأخاه الحسن، وقتل ابن رائق غيلة، فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان، ولقبه ناصر الدولة، وخلع على أخيه ولقبه سيف الدولة وعاد إلى بغداد وهما معه، فهرب اليزيد إلى واسط، ثم ورد الخبر في ذي القعدة أن اليزيدي يريد بغداد، فاضطرب الناس، وهرب وجوه أهل بغداد، وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة، وسار سيف الدولة لقتال اليزيدي، فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن،
1 تولى الخلافة سنة 329هـ، وحتى333هـ.
وهزم اليزيدي، فعاد بالويل إلى واسط، فساق سيف الدولة إلى واسط، فانهزم اليزيدي إلى البصرة.
وفي سنة إحدى وثلاثين وصلت الروم إلى أرزن، وميافارقين، ونصيبين، فقتلوا سبوا، ثم طلبوا منديلًا في كنيسة الرها، يزعمون أن المسيح مسح به وجهه، فارتسمت صورته فيه على أنهم يطلقون جميع من سبوا، فأرسل إليهم وأطلقوا الأسرى.
وفيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة، فهرب في البريد يريد بغداد، ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفًا لهرب أخيه، وسار من واسط تورون فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل فدخل تورون بغداد في رمضان فخلع عليه المتقي، وولاه أمير الأمراء، ثم وقعت الوحشة بين المتقي، وتورون، فأرسل تورون أبا جعفر بن شيرزاد، من واسط إلى بغداد، فحكم عليها وأمر ونهى، فكاتب المتقي بن حمدان بالقدوم عليه، فقدم في جيش عظيم، واستتر ابن شيرزاد، فسار المتقي بأهله إلى تكريت، وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال تورون، فالتقيا بعكبرا، فانهزم ابن حمدان والمتقي إلى الموصل، ثم تلاقوا مرة أخرى، فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين، فكتب الخليفة إلى الإخشيد صاحب مصر أن يحضر إليه، ثم بان له من بني حمدان الملل والضجر، فراسل الخليفة تورون في الصلح، فأجاب وبالغ في الإيمان، ثم حضر الإخشيد إلى المتقي وهو بالرقة وقد بلغه مصالحة تورون، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم، فالله الله في نفسك، سر معي إلى مصر فهي لك، وتأمن على نفسك، فلم يقبل، فرجع الإخشيد إلى بلاده، وخرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع المحرم سنة ثلاث وثلاثين، وخرج للقائه تورون، فالتقيا بين الأنبار وهيت، فترجل تورون وقبّل الأرض، فأمره المتقي بالركوب، فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له، فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه، ثم كحل الخليفة وأدخل بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب، وأحضر تورون عبد الله بن المكتفي وبايعه بالخلافة، ولقب المستكفي بالله، ثم بايعه المتقي المسمول، وأشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من المحرم -وقيل: من صفر- ولما كحل قال القاهر:
صرت وإبراهيم شيخ عمى
…
لابد للشيخين من مصدر
ما دام تورون له امرأة
…
مطاعة فالميل في المجمر
ولم يحل الحول على تورون حتى مات، وأما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية فسجن بها، فأقام بالسجن خمسًا وعشرين سنة إلى أن مات في شعبان سنة سبع وخمسين.
وفي أيام المتقي كان ابن حمدي اللص ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر، فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع، ويأخذ الأموال، وكان أسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسطه وذلك سنة اثنتين وثلاثين.
مات في أيام المتقي من الأعلام: أبو يعقوب النهرجوري أحد أصحاب الجنيد، والقاضي أبو عبد الله المحاملي، وأبو بكر الفرغاني الصوفي، والحافظ أبو العباس بن عقدة، وابن