الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العباسية: كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل، زاهرة بفعل الخيرات، وكان على قدم العبادة قبل إفضاء الأمر إليه، وكان أول أمره متشاغلًا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن، ولم ير -مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم- خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت.
وقال ابن الجوزي: في أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبقَ له منازع قبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان، والسلطان نور الدين محمود صاحب الشام، وكان جوادًا، كريمًا، مُحِبًّا للحديث وسماعه، معتنيًا بالعلم مكرمًا لأهله.
قال ابن السمعاني: حدثنا أبو منصور الجواليقي، حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، حدثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني، حدثنا المخلص، حدثنا إسماعيل الوراق، حدثنا حفص بن عمرو الربالي، حدثنا أبو سحيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزداد الأمراء إلا شدة، ولا الناس إلا شحًّا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
ولما أعاد المقتفي الإمام أبو منصور الجواليقي النحوي ليجعله إمامًا يصلي به دخل عليه، فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله -وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائمًا- فقال: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيًّا أو يهوديًّا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة، لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان، فقال المقتفي: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه.
وممن مات في أيام المقتفي من الأعلام: ابن الأبرش النحوي، ويونس بن مغيث، وجمال الإسلام بن المسلم الشافعي، وأبو القاسم الأصفهاني صاحب الترغيب وابن برجان، والمازري المالكي صاحب كتاب المعلم بفوائد مسلم، والزمخشري والرشاطي صاحب الأنساب والجواليقي -وهو إمامه- وابن عطية صاحب التفسير، وأبو السعادات بن الشجري، والإمام أبو بكر بن العربي، وناصح الدين الأرجاني الشاعر، والقاضي عياض، والحافظ أبو الوليد بن الدباغ، وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري، وابن علام الفرس المقرئ، والرفاء الشاعر، والشهرستاني صاحب الملل والنحل، والقيسراني الشاعر، ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وأبو الفضل بن ناصر الحافظ، وأبو الكرم الشهرزوري المقرئ، والوأواء الشاعر، وابن الجلاء إمام الشافعية. وخلائق آخرون.
المستنجد بالله أبو المظفر
1
المستنجد بالله: أبو المظفر يوسف بن المقتفي.
1 تولى الخلافة 555هـ إلى 566هـ.
ولد سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وأمه أم ولد كرجية اسمها طاوس، خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين.
وبويع له يوم موت أبيه، وكان موصوفًا بالعدل والرفق، أطلق من المكوس شيئًا كثيرًا بحيث لم يترك بالعراق مكسًا، وكان شديدًا على المفسدين، سجن رجلًا كان يسعى بالناس مدة، فحضره رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره عن الناس.
قال ابن الجوزي: كان المستنجد موصوفًا بالفهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب، وغير ذلك.
من شعره:
عيرتني بالشيب وهو وقار
…
ليتها عيرت بما هو عار
إن تكن شابت الذوائب
…
فالليالي تزينها الأقمار
وله في بخيل:
وباخل أشعل في بيته
…
تكرمة منه لنا شمعه
فما جرت من عينها دمعه
…
حتى جرت من عينه دمعة
وفيه في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين:
صفت نعمتان خصتاك وعمتا
…
بذكرهما حتى القيامة تذكر
جودك والدنيا إليك فقيرة
…
وجودك والمعروف في الناس منكر
فلو رام يا يحيى مكانك جعفر
…
ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر
ولم أر من ينوي لك السوء يا
…
أبا المظفر إلا كنت أنت المظفر
مات في ثمانٍ من ربيع الآخرة سنة ست وستين.
وكان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر، وقام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد.
وفي سنة اثنتين وستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس إلى مصر، فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين، فاستنجد صاحبها بالفرنج، فدخلوا من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدين إلى الصعيد، ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه، وقتل من الفرنج ألوفًا، ثم جبا أسد الدين خراج الصعيد، وقصد الفرنج الإسكندرية، وقد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب -وهو ابن أخي أسدالدين- فحاصروها أربعة أشهر، فتوجه أسد الدين إليهم، فرحلوا عنها، فرجع إلى الشام.