الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي سنة إحدى وثمانين قبض على الطائع، وسببه: أنه حبس رجلًا من خواص بهاء الدولة، فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع في الرواق متقلدًا سيفًا، فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض وجلس على كرسي، وتقدم أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع من سريره، وتكاثر الديلم، فلفوه في كساء وأصعد إلى دار السلطنة، وارتج البلد، ورجع بهاء الدولة، وكتب على الطائع أيمانًا بخلع نفسه، وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله ليحضر وهو بالبطيحة.
واستمر الطائع في دار القادر بالله مكرمًا محترمًا في أحسن حال؛ حتى إنه حمل إليه ليلة شمعة قد أوقد نصفها، فأنكر ذلك، فحملوا إليه غيرها إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين، وصلى عليه القادر بالله في داره وشيعه الأكابر والخدم، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة،
وكان شديد الانحراف على آل أبي طالب وسقطت الهيبة في أيامه جدًّا حتى هجاه الشعراء.
مات في أيام الطائع من الأعلام: ابن السني الحافظ، وابن عدي، والقفال الكبير، والسيرافي النحوي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو بكر الرازي الحنفي، وابن خالويه، والأزهري إمام اللغة، وأبو إبراهيم الفارابي صاحب ديوان الأدب، والرفاء الشاعر، وأبو زيد المروزي الشافعي، والداركي، وأبو بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبو الليث السمرقندي إمام الحنفية، وأبو علي الفارسي النحوي وابن الجلاب المالكي.
القادر بالله أبو العباس
1
القادر بالله: أبو العباس أحمد إبن إسحاق بن المقتدر.
ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأمه أمة واسمها تمنى، وقيل: دمنة.
بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان غائبًا، فقدم في عاشر رمضان، وجلس الغد جلوسًا عامًّا، وهنئ.
وأنشد بين يديه الشعراء، ومن ذلك قول الشريف الرضي:
شرف الخلافة يا بني العباس
…
اليوم جدده أبو العباس
ذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة
…
من ذلك الجبل العظيم الراسي
قال الخطيب: وكان القادر من الستر والديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعرف به كل أحد، مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد تفقه على العلامة أبي بشر الهروي الشافعي، وقد صنف كتابًا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث، بجامع المهدي، وبحضرة الناس، ترجمه ابن الصلاح في طبقات الشافعية.
1 تولى الخلافة 393هـ وحتى 422هـ.
وقال الذهبي: في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم، وحلف القادر وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة.
وفيها دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي إلى نفسه، وتلقب بالراشد بالله، وسلم عليه بالخلافة، فانزعج صاحب مصر، ثم ضعف أمر أبي الفتوح وعاد إلى طاعة العزيز العبيدي.
وفي سنة اثنتين وثمانين ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارًا بالكرخ وعمرها وسماها دار العلم، ووقفها على العلماء، ووقف بها كتبًا كثيرة.
وفي سنة أربع وثمانين عاد الحاج العراقي من الطريق، واعترضهم الأصيفر الأعرابي، ومنعهم الجواز، إلا برسمه، فعادوا ولم يحجوا، ولا حج أيضًا أهل الشام ولا اليمن، إنما حج أهل مصر.
وفي سنة سبع وثمانين مات السلطان فخر الدولة، وأقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالري وأعمالها، وهو ابن أربع سنين ولقبه القادر: مجد الدولة.
وقال الذهبي: ومن الأعجوبات هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتي سبع وثمانين وثمانٍ وثمانين: منصور بن نوح ملك ما وراء النهر، وفخر الدولة ملك الري والجبال، والعزيز العبيدي صاحب مصر، وفيهم يقول أبو منصور عبد الملك الثعالبي:
ألم ترَ مذ عامين أملاك عصرنا
…
يصيح بهم للموت والقتل صائح
فنوح بن منصور طوته يد الردى
…
على حسرات ضمنتها الجوانح
ويا بؤس منصور، ففي يوم سرخس
…
تمزق عنه ملكه وهو طائح
وفرق عنه الشمل بالسمل، واغتدى
…
أميرًا ضريرًا تعتريه الجوائح
وصاحب مصر قد مضى بسبيله
…
ووالي الجبال غيبته الضرائح
وصاحب جرجانية في ندامة
…
ترصده طرف من الحين طامح
وخوارزم شاه شاه وجه نعيمه
…
وعن له يوم من النحس طالح
وكان علا في الأرض يخطبها أبو
…
علي إلى أن طوحته الطوائح
وصاحب بست ذلك الضيغم الذي
…
براثنه للمشرقين مفاتح
أناخ به من صدمة الدهر كلكل
…
فلم تغن عنه والمقدر سافح
جيوش إذا أربت على عدد الحصى
…
تغص بها قيعانها والصحاصح
ودارت على صمصام دولة بويه
…
دوائر سوء سلبهن فوادح
وقد جاز والي الجوزجان قناطر الـ
…
ـحياة فوافته المنايا الطوامح
وذكر الذهبي أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست وثمانين، وفتحت له -زيادة على آبائه- حمص، وحماة، وحلب، وخطب له بالموصل، وباليمن، وضرب اسمه فيها على السكة والأعلام، وقام بالأمر بعده ابنه منصور ولقب: الحاكم بأمر الله.
وفي سنة تسعين ظهر بسجستان معدن ذهب، فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر.
وفي سنة ثلاث وتسعين أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضرب عنقه رحمه الله ولا رحم قاتله، ولا أستاذه الحاكم.
وفي سنة أربع وتسعين قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين، وكتب له من شيراز العهد، فلم ينظر في القضاء؛ لامتناع القادر من الإذن له.
وفي سنة خمس وتسعين قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبرًا، وأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب.
وفيها أمر بقتل الكلاب، وأبطل الفقاع والمولوخيا، ونهى عن السمك الذي لا قشر له، وقتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه.
وفي سنة ست وتسعين أمر الناس بمصر والحرمين إذا ذكر الحاكم أن يقوموا ويسجدوا في السوق، وفي مواضع الاجتماع.
وفي سنة ثمانٍ وتسعين وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، وكاد الشيخ أبو حامد الإسفرائيني يقتل يها، وصاح الرافضة ببغداد: يا حاكم، يا منصور فأحفظ القادر من ذلك، وأنفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة فانكسر الروافض.
وفيها هدم الحاكم بيعة قمامة التي بالمقدس، وأمر بهدم جميع الكنائس التي بمصر، وأمر النصارى بأن تحمل في أعناقهم الصلبان طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال بالمصري، واليهود أن يحملوا في أعناقهم قرم الخشب في زنة الصلبان، وأن يلبسوا العمائم السود، فأسلم طائفة منهم، ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع والكنائس وأذن لمن أسلم أن يعود إلى دينه لكونه مكرهًا.
وفي سنة تسع وتسعين عزل أبو عمرو قاضي البصرة، وولي القضاء أبو الحسن بن أبي الشوارب، فقال العصفري الشاعر:
عندي حديث طريف
…
بمثله يتغنى
عن قاضيين: يعزى
…
هذا، وهذا يهنى
وذا يقول: جبرنا
…
وذا يقول: استرحنا
ويكذبان جميعًا
…
ومن يصدق منا
وفيها وهي سلطان بني أمية بالأندلس، وانخرم نظامهم.
وفي سنة أربعمائة نقصت دجلة نقصانًا لم يعهد، واكتريت لأجل جزائر ظهرت، ولم يكن قبل ذلك قط.
وفي سنة اثنتين نهى الحاكم عن بيع الرطب، وحرقه، وعن بيع العنب، وأباد كثيرًا من الكروم.
وفي سنة أربع منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلًا ونهارًا، واستمر ذلك إلى أن مات.
وفي سنة إحدى عشرة قتل الحاكم لعنه الله بحلوان -قرية بمصر- وقام بعده ابنه علي، ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله، وتضعضعت دولتهم في أيامه؛ فخرجت عنهم حلب وأكثر الشام.
وفي سنة اثنتين وعشرين توفي القادر بالله ليلة الاثنين عشر من ذي الحجة، عن سبع وثمانين سنة، ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر.
وممن مات في أيامه من الأعلام: أبو أحمد العسكري الأديب، والرماني النحوي، وأبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية، وأبو عبيد الله المرزباني، والصاحب ابن عباد -وهو وزير مؤيد الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب من الوزراء- والدارقطني الحافظ المشهور، وابن شاهين، وأبو بكر الأودني إمام الشافعية، ويوسف بن السيرافي، وابن زولاق المصري، وأبن أبي زيد المالكي شيخ المالكية، وأبو طالب المكي صاحب: قوت القلوب، وابن بطة الحنبلي، وابن سمعون الواعظ، والخطابي، والحاتمي اللغوي، والأدفوي أبو بكر، وزاهر السرخسي شيخ الشافعية، وابن غلبون المقرئ، والكشميهني راوي الصحيح، والمعافي بن زكريا النهرواني، وابن خويز منداد، وابن جني، والجوهري صاحب: الصحاح، وابن فارس صاحب: المجمل، وابن منده الحافظ، والإسماعيلي شيخ الشافعية، وأصبغ بن الفرج شيخ المالكية، وبديع الزمان أول من عمل المقامات، وابن لال، وابن أبي زمنين، وأبو حيان التوحيدي، والوأواء الشاعر، والهروي صاحب: الغريبين وأبو الفتح البستي الشاعر، والحليمي شيخ الشافعية، وابن الفارض، وأبو الحسن القابسي، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو الطيب الصعلوكي، وابن الأكفاني، وابن نباتة صاحب الخطب، والصيمري شيخ الشافعية، والحاكم صاحب المستدرك، وابن كج، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني، وابن فورك، والشريف الرضي، وأبو بكر الرازي صاحب الألقاب، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وابن مردويه، وهبة الله بن سلامة الضرير المفسر، وأبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، وابن البواب صاحب الحظ، وعبد الجبار المعتزلي، والمحاملي إمام الشافعية، وأبو بكر القفال شيخ الشافعية، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، واللالكائي، وابن الفخار عالم الأندلس، وعلي بن عيسى الربعي النحوي، وخلائق آخرون.
قال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية: إبو إسحاق الإسفرائيني، ورأس المعتزلة: القاضي عبد الجبار، ورأس الرافضة: الشيخ المقتدر، ورأس الكرامية: محمد بن الهيضم، ورأس القراء: أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدثين: الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس الصوفية: أبو عبد الرحمن السلمي، ورأس الشعراء: أبو عمر بن دراج، ورأس المجودين: ابن البواب، ورأس الملوك: السلطان محمود بن سبكتكين.
قلت: ويضم إلى هذا رأس الزنادقة: الحاكم بأمر الله، ورأس اللغويين الجوهري،