المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌منازلة الفرنج لبندر المخا - تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر = تاريخ طبق الحلوى وصحاف المن والسلوى

[الوزير الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌قصَّة الْحَوَادِث

- ‌فتح بَغْدَاد

- ‌وقْعَة نقِيل الشيم

- ‌حِصَار ذِي مرمر

- ‌خلَافَة الإِمَام الْأَعْظَم المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ

- ‌فتح بِلَاد الْأَمِير حُسَيْن صَاحب عدن

- ‌وُفُود الْأَخْبَار بوصول جنود عثمانية إِلَى مَكَّة واليمن

- ‌التَّجْهِيز على حُسَيْن باشا صَاحب الْبَصْرَة

- ‌قصَّة يهود الْيمن ودعواهم تحول لملك إِلَيْهِم لعنة الله عَلَيْهِم

- ‌تجلي حُسَيْن باشا عَن الْبَصْرَة بعد عَجزه عَن عَسَاكِر السلطنة

- ‌قصَّة الشريف حمود بن عبد الله والأروام

- ‌الْجُزْء الثَّانِي من طبق الْحَلْوَى وصحاف الْمَنّ والسلوى

- ‌وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌منازلة الفرنج لبندر المخا

- ‌وَدخلت سنة إثنتين وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌وَدخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌وَدخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌وَدخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف فِي ثَالِث محرم حصلت عِنْد الإِمَام أَخْبَار مَكَّة وفيهَا أَن سَعْدا وَأحمد إبني زيد تحيزا إِلَى بِلَاد نجد الْعليا وبركات عَاد من بدر إِلَى مَكَّة صحبته بن مضيان بعد أَن ألبسهُ خلعة الْأمان واستطرق أَصْحَاب الْعمانِي هَذَا الْعَام جَزِيرَة سقطرى وَقتلُوا من أَهلهَا

- ‌تجهيز السُّلْطَان على الْيمن

- ‌كَرَامَة للشَّيْخ الصفي أَحْمد بن علوان أَيْضا

- ‌الدولة المهدوية وَمَا شجر فِي أَثْنَائِهَا

- ‌وَدخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌معركة الصلبة

- ‌خُرُوج الإِمَام من الْغِرَاس مترحلا إِلَى جِهَات شهارة

- ‌حَرْب الأبرق

الفصل: ‌منازلة الفرنج لبندر المخا

بسم الله الرحمن الرحيم

‌وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف

سعد فِيهَا الْحَال وطاب الْعَيْش وَطَالَ فَإِن المعصرات حركت غرابيلها وأعادت الأَرْض سرابيلها فدر الضَّرع ونما الزَّرْع وَكَانَت الشدَّة قد أَتَت على الطارف والتلد وأذهلت الْوَالِد عَن الْوَلَد

‌منازلة الفرنج لبندر المخا

وَفِي غرَّة محرم وصل البرتقال كَذَا إِلَى بَاب المخا فِي سَبْعَة أخشاب مَا بَين برشة وغراب وأذنوا حَاكم المخاء السَّيِّد الْحسن بن المطهر أَن بقلوبهم الوجد عَلَيْهِ مَالا يمحوه الاسْتِغْفَار وَلَا تطفي سعيره الْبحار لِأَنَّهُ لما وَقع بجماعتهم الْعمانِي سلك مَعَهم مَسْلَك التواني وأشعروه أَنهم لَهُ قاصدون وَعَلِيهِ لعدم الْوَفَاء واجدون وَمَا كَرهُوا أَن يطاردهم فِي الْبَحْر الزخار فيظهروا لَهُ الْهَرَب والانكسار ثمَّ ينعطفوا عَلَيْهِ وَقد توَسط لججا وخاض ثبجا فيهلكوه وَمن مَعَه دفْعَة وَاحِدَة ثمَّ يرجِعوا للبندر غنيمَة بَارِدَة وَمَا زَالُوا هُنَاكَ وَقد أخذُوا

ص: 267

اللامة وركزوا الْأَعْلَام عَلامَة وَالسَّيِّد الْحسن عِنْد أَن علم أَن هَذَا حَادث لَا بُد فِيهِ من النّظر واستجماع الأهبة أَخذ يداجيهم ببذل المَال وَهُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك يَسْتَدْعِي الرِّجَال وَأخذ مِنْهُم صلح ثَمَانِيَة أَيَّام حَتَّى ينظر فِي أَمرهم وَكَانَ المخا قد انجفل عَنهُ أَكثر أَهله تخوفا على الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال مَعَ مَا كَانَ قد صدر من الفرنج من قَبِيح الْأَفْعَال فَإِنَّهُم انتهبوا قبل هَذَا الْوُصُول ثَلَاثَة أغربة الْغُرَاب الْخَارِج من عدن إِلَى المخا لصفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام وغرابين آخَرين خرجا إِلَى عدن وَلما استولوا على الأغربة خرقوا الْبَعْض مِنْهَا وَعند أَن وصلت غَارة زبيد وموزع وجحاف اجْتمع بالمخا نِصَاب وافر وسكنت بعد ذَلِك الخواطر وَلما علم الفرتقال كَذَا أَن المخا قد غص بالأبطال بَادر قدر ثَلَاث مائَة نفر إِلَى قلعة فضلي وفيهَا جمَاعَة من الْمُسلمين فنصبوا لَهُم السلاليم وأذاقوهم الْعَذَاب الْأَلِيم وَكَانَ قد هرب مِنْهُم من لم يثبت فِي مَوَاقِف الصدام وَلَا يصده عَن شنار الفضيحة احتشام فَأَما الَّذين ثبتوا فَهَلَك مِنْهُم بِالسُّيُوفِ نفوس وَالْبَاقُونَ مارسوا أحوالا فِيهَا تَعب وبؤس إِلَى أَن لحقهم غوث المخا بغارة شعواء وألوية تذْهب باللأواء فرمت بنادقهم مَا فِي بطونها إِلَى ظُهُورهمْ وَرووا صدا سيوفهم من بحور نحورهم وَبعد أَن أذاقوا أَرْوَاحهم الْأَمريْنِ واحتزوا من رؤوسهم نَحْو الْعشْرين دفت ببقيتهم أَجْنِحَة غربانهم حَتَّى حطوا فِي وكر بَقِيَّة إخْوَانهمْ وَكَانُوا قد أرسو فِي الْبَحْر سفينهم وهيأوا هُنَاكَ كمينهم فَاجْتمعُوا كعصابة الرَّأْس وعادوا فِي ثَانِي يومهم للمراس وطمعوا فِي دُخُول البندر وانتهابه فأرسلوا عَلَيْهِ صواعق المدافع من بَابه وراموا تحريقه من جَانب غير حُصَيْن فانتبه لَهُم رصد ذَلِك الْمحل من الْمُسلمين

ص: 268

ووقعوا من جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال على خراب جَانب من قصر الْإِمَارَة وَقتل شخص وَاحِد من السيارة وَلم يستحسن الَّذين فِي البندر أَن يخوضوا لَهُم اللهام لأَنهم أحذق فِيهِ بمواقع الصدام وَلما استعصى عَلَيْهِم مَا سلكوه واحتقروا غَايَة مَا أدركوه رجعت بهم ظُهُور الأخشاب على متن الخضم الْعباب وَمَا زَالُوا أَرْبَعَة أشهر يتيهون فِي الموج ويستشقون فَوْج الْغرَّة من كل أوج حَتَّى قطع الأياس يافوخ فسادهم وجرهم الغيظ بأنوفهم إِلَى بِلَادهمْ وَأُولَئِكَ القاصدون لقلعة فضلي كَانُوا بعد الوقيعة قد أضاعوا لواءهم لما دهمهم من الرعب وَرَاءَهُمْ فوصل بِهِ إِلَى صنعاء مَأْمُور الإِمَام وركز فِي أعلا خَان جليل بمشهد الْخَاص وَالْعَام

وَكَانَ الإِمَام قد أرسل وَلَده عَليّ بن أَمِير الْمُؤمنِينَ مدَدا لمن فِي المخا من المرابطين وَتوجه إِلَيْهِم أَيْضا صفي الْإِسْلَام وَفِي صحبته عز الْإِسْلَام ولد الإِمَام فَلم يصل عَليّ إِلَى عدن إِلَّا وَقد انطفت نيران الْفِتَن وَأما الصفي أَحْمد وَولد الإِمَام فعادا من ضوران بعد حِين وَالْعود أَحْمد وَهَؤُلَاء الفرنج طوائف مُخْتَلفَة ومذاهب غير مؤتلفة إنقريز ولونده وفرنصيص وفرتقال والفرتقال هم أهل القضا والقضايا وَالْبَاقُونَ لَهُم كالرعايا وَقد ذكر المَسْعُودِيّ فِي مروج الذَّهَب أَن فرنج الْهِنْد أصيلون فِيهِ من قبل الْإِسْلَام وَذكر القطب الْمَكِّيّ فِي تَارِيخ بني عُثْمَان أَن طَائِفَة الفرنج فِي الْهِنْد خَرجُوا فِي الْقرن التَّاسِع وضروا فِي سواحل الْيمن وَكَانَ خُرُوجهمْ من وَرَاء الْقَمَر بِضَم الْقَاف

ص: 269

من خلف بَحر الْحَبَشَة استطرقوا من أصل بَحر الْمغرب من بِلَادهمْ بَحر الْحَبَشَة ثمَّ بَحر الْهِنْد إِلَى هَذَا الْمحل الَّذِي سكنوه فِي الْهِنْد وَلَهُم قلعة فِي الْهِنْد تسمى كوَّة بِضَم الْكَاف هِيَ مَحل سلطانهم

وَفِي صغر أَو ربيع عِنْد رُجُوع الفرنج من بَاب المندب وافقوا جمَاعَة من تجار الْحَصَا وعمان فِي مرسا بروم مَا بَين الشحر وأحور وَفِيهِمْ من عَسْكَر الْعمانِي نَحْو ثَلَاث مائَة نفر فألجأوهم إِلَى الْهَرَب إِلَى بروم بعد أَن انْكَسَرَ غرابهم المشئوم وَتركُوا لَهُم مركبهم بتفاريقه فَلم يتَمَكَّن الفرنج من غير تحريقه كَذَا لِأَن الْعَسْكَر الْعمانِي رما عَلَيْهِ فَمَا جسرت الفرنج تصل إِلَيْهِ وَلم يذهب مَا لمرماه غير وَاحِد من العمانيين

وَفِي هَذِه الْأَيَّام وَردت الْأَخْبَار عَن حسن باشا أَنه سَار هَذَا الْعَام الْمَاضِي من جدة إِلَى مَكَّة لِلْحَجِّ ورام فِي الْبَاطِن أَن يكون هُوَ زعيم الْبَلَد الْحَرَام وَضَابِط قانونها بيد الْحل والإبرام فَوجدَ لِوَاء السَّعَادَة فِي يَمِين سعد وَلم يتصدر لشَيْء مِمَّا أضمر بعد وَكَانَ قد أرسل إِلَى أَمِير الْحَاج الآغا فرحان وَأَشْعرهُ أَن يدْخل مَكَّة بِأَصْحَابِهِ فِي قالب الْأَفْرَاد وَأَن دُخُولهمْ بلامة سِلَاحهمْ مِمَّا يجر إِلَى فَسَاد فَمَا حرك الآغا لكَلَامه رَأْسا وَلَا رأى من مُخَالفَته بَأْسا ورد عَلَيْهِ أَن سَعْدا هُوَ حَاكم هَذِه الأقطار بقائم السَّيْف البتار وَمَا أَمر بِهِ فَهُوَ الْمُخْتَار فَلَمَّا قضى منسك الْحَج عَاد إِلَى جدة

وَفِي صفر سَار عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد إِلَى عيان وطالب مَشَايِخ برط بِمَا أَخَذُوهُ فِي الْعَام الْمَاضِي على مارة الطَّرِيق إِلَى صعدة فَسَلُوا لَهُ أعواضا بِبَعْض مَا انتهبوه

وَفِي ربيع الأول ظهر نور عَظِيم فِي مَسْجِد النهرين من صنعاء وَاسْتمرّ ضوئه دَاخل الْمَسْجِد من صبح يَوْمه إِلَى الْعَصْر وتواثب عَلَيْهِ عوام الْبَلَد يكتحلون مِنْهُ وَأهل الْمحل يَقُولُونَ هَذَا الْمَسْجِد مبروك عَلَيْهِ ونقلت هَذِه الْأَيَّام

ص: 270

براهين للْوَلِيّ المقبور بسعوان الْمُسَمّى بفليح مِنْهَا أَن رجلا دهن بِشَيْء من سليط مَسْجده فَسَقَطت لحيته إِلَى يَده وَلم نجد لَهُ ذكرا فِي التأريخ اليمنية الْقَدِيمَة والحديثة وَهَذَا الْمقَام العامر الْبُنيان لَا يشاد إِلَّا على من لَهُ شَأْن

وَفِي هَذِه الْأَيَّام اسْتَقر صفي الْإِسْلَام أَحْمد بالغراس بعد طلوعه من ضوران حَضْرَة الإِمَام فتعقب ذَلِك وُصُول السلطانين الواحدي والعولقي إِلَى حَضْرَة شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن برداع ثمَّ إِلَى حَضْرَة الإِمَام فطالبهما بِحَدَث الْعَام الْمَاضِي وانتهاب الْقَافِلَة فأصلحا فِيهَا ثمَّ حصل التَّقَاصّ فِيمَا بَين أصحابهما فِي الْقَتْلَى الَّتِي ذهبت من بعد دُخُول الصفي الْمشرق فَزَاد لِلْوَاحِدِيِّ على العولقي قدر خَمْسَة عشر قَتِيلا فَأَما الْقَتْلَى الَّتِي من قبل فأغلق من دونهَا الْبَاب وَلم يجر فِيهَا قلم الْحساب وَكَانَ العولقي قد خرج فِي نَحْو ألف مقَاتل فَمَنعه السُّلْطَان صَالح الرصاص وَاخْتَارَ مِنْهُم مائَة نفر

وفيهَا وصل إِلَى حَضْرَة الصفي أَحْمد بن الْحسن قَاسم بن عَليّ شيخ ذِي مُحَمَّد كَذَا فِي أَرْبَعِينَ نَفرا وصحبته القَاضِي جمال الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الْعَنسِي ثمَّ نفذ بِمن مَعَه إِلَى حَضْرَة الإِمَام يستعفيه عَن دُخُول مُحَمَّد بن أَحْمد إِلَى بِلَاده

وَلم يسعده الإِمَام وَأَعَادَهُ بِمن مَعَه إِلَى الْبِلَاد بعد أَن أنعم عَلَيْهِم بالكسوة والأعذار وَفِي خلال وصولهم الحضرة وعودهم تعرض جمَاعَة من ذِي حُسَيْن لطريق خيوان فصادفوا بهَا شريفا وَولده من حوث فِي الْجَبَل الْأسود فرموهما فأصيب ولد السَّيِّد

ثمَّ إِن مُحَمَّد بن أَحْمد نقل مخيمه إِلَى بلد الحراب رَأس وَادي المراشي وَهِي بَاب برط وَطَرِيقه فاضطرب حَال أهل بر بَين الرِّضَا بِدُخُولِهِ وَالْكَرَاهَة ثمَّ إِن الصفي أَحْمد بن الْحسن لما استشعر توانى الْأُمُور دهمه من جنسه بالجمهور وَجَاءَت طَريقَة بطن الْجوف وتوسط أَمَاكِن لَا يَأْمَن فِيهَا إِلَّا

ص: 271

الْخَوْف حَتَّى سَار إِلَى معِين ثمَّ مِنْهُ إِلَى أبراد وَوَقع عسكره من بعض مواشي بني نوف على المُرَاد وَكَانَ بَنو نوف من دهمة وَاسْتقر فِي طرفه مِمَّا يَلِي بِلَاد برط قدر شهر لرأي رَآهُ وأحوال مُقْتَضَاهُ وَلم يخل عَن مشقة نَالَتْ من لَدَيْهِ لبعد القوافل والإمداد عَلَيْهِ ثمَّ طلع إِلَى برط وابتدأ بِبِلَاد ذِي حُسَيْن فَدَخلَهَا قهرا وَاسْتقر فِي بِلَاد رجوزة أَيَّامًا ونال من مَعَه التَّعَب بسب توعر الطّرق وَكَثْرَة هوَام تِلْكَ الْأَمَاكِن وأحناشها وَمَات بعض حَرِيم الصفي هُنَاكَ وَجُمْلَة من الْخَيل وَسَائِر الدَّوَابّ وَشرع الْحَال فِي الْفساد وَسَار عَن الأميرين جمَاعَة من الأجناد وَلم يبْق عِنْد الصفي غير خواصه

وَفِي هَذِه الْأَيَّام أخرب عز الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام بَيْتا هُنَالك كَانَ مجتمعا للْفَسَاد وَكَانَ عمره قرا جُمُعَة أَيَّام دُخُوله إِلَى هُنَالك بدولة سِنَان باشا

وفيهَا مَاتَ الْأَمِير مُحَمَّد كاشف ببرط وَكَانَ من أَعْيَان أَصْحَاب الصفي ومبدأ رئاسته مَعَ أَبِيه شرف الْإِسْلَام وَكَانَ قد نَاب على وصاب وَهُوَ الَّذِي خرج مَعَ الصفي إِلَى الْحَوَادِث فِي تِلْكَ القضايا والحوادث

وفيهَا شمر الهمة حَاكم المخا فِي عمَارَة القلاع المخاوية تَحَرُّزًا من فعلات الفرنج الملاعين مَعَ اعتيادهم للوصول فِي كل حِين وَفِي خَامِس عشر جُمَادَى الأولى خسف أَكثر جرم الْقَمَر فِي برج الْحمل وَغرب كاسفا

وَفِي يَوْم السبت ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى مَاتَ السَّيِّد الْعَارِف عَليّ بن يحيى ابْن أَحْمد بن الْمُنْتَصر الغرباني بظفير حجَّة وَكَانَ فِي سنّ الثَّمَانِينَ انْتقل جده الْمُنْتَصر إِلَى ظفير حجَّة فِي دولة الإِمَام شرف الدّين عليه السلام وَأَصله من غربان وَله هُنَاكَ دَار وأوطان وَقد ولي الْقَضَاء بُرْهَة فِي أَيَّام الْمُؤَيد بِاللَّه ثمَّ تَركه لحدة طبعه وَأخرجه أهل الظفير فِي بعض الْأَيَّام إِلَى حجَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ وَاعْتَزل فِي بَيته

ص: 272

وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل تركي إِلَى الحضرة وأوصل إِلَى الإِمَام هَدِيَّة من صَاحب الْحَبَشَة وطاقا فاخرا فَلبث بالحضرة قدر الشَّهْر وَصَرفه إِلَى بِلَاده بعد أَن عظم لَهُ الوفر

وفيهَا انتدب فَقِيه من بَين حَنش للتدليس على الْعَوام فتسمى بِعَبْد الله وَادّعى أَنه شرِيف وَكَانَ قد قَرَأَ فِي مُدَّة سَابِقَة على القَاضِي الْحسن الحيمي قِرَاءَة لم يحصل فِيهَا على طائل غير أَنه كَانَ يحسن الْإِنْشَاء ويخلب الْعُقُول من حسن بِمَا شَاءَ فوصل كحلان وَطَاف حجَّة وَتلك الْبلدَانِ والعوام تحفه على سَرِير التَّعْظِيم وتقسم بِرَأْسِهِ عِنْد كل أَمر عَظِيم فَصَاحب البخت من حقق أَوْصَافه ومرفوع الرُّتْبَة من انجر لَهُ بِالْإِضَافَة فَلَمَّا تخوف عَامل حجَّة السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الجحافي من تبالغ أَحْوَاله وَطول أذياله استدعاه إِلَى حَضرته وعجم عود نبعته فَوَجَدَهُ فِي زِيّ المدلسين الشطار وَلم ير عِنْده من الْمعرفَة إِلَّا مَا تَخْلُو عَنهُ الأغمار فَصَرفهُ عَن بِلَاده وَقطع بذلك مواد فَسَاده فَركب الْبَحْر وَسَار إِلَى حَضْرَة حسن باشا ثمَّ اسْتَقر بعد ذَلِك بِالطَّائِف وَمَا يعجزه أَن يتَمَسَّك بِشَيْء من تِلْكَ الْوَظَائِف

وَفِي نصف جُمَادَى الأولى عَاد جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد بن أَمْلَح إِلَى صعدة وَخُرُوجه إِلَيْهَا كَانَ بِسَبَب مَا بلغه من دُخُول الأميرين إِلَى برط وَكَانَا قد أشعراه بزيارة بَلَده فَخرج لأخذ الأهبة وَلم يتم دخولهما فَإِن الإِمَام رجح توقفهما عَن الدُّخُول وَأَمرهمَا بالانصراف والقفول وَجَاءَت الْجنُود فِي الرُّجُوع من طَرِيق صعدة مائلين عَن طَرِيق وَادي السَّيْل والمراشي الَّتِي تخرج من عيان لصعوبتها وَقد دخل برط فِي الدولة العباسية ودخله عنْوَة إِمَام الْيمن الْهَادِي

ص: 273

عَلَيْهِ السَّلَام وَالْإِمَام أَحْمد بن سُلَيْمَان وَالْإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَالْإِمَام شرف الدّين عليهم السلام ودخله قرا جُمُعَة فِي دولة سِنَان باشا وَلما أجمع الصفي بالإرتحال بِمن مَعَه خَاطب أهل برط فِي شَأْن الدَّاعِي السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الغرباني فَأَجَابُوا أَن لَا سَبِيل إِلَى إِخْرَاجه وَضمن كبارهم صغارهم فِي حفظه وَأَن لَا يتَّفق مِنْهُ شَيْء مِمَّا يتشوش مِنْهُ الخاطر وحرر الدَّاعِي عقيب ذَلِك قصيدة إِلَى وَالِده وَهُوَ بِصَنْعَاء مِنْهَا:

(وعج ببني الْقَاسِم الأكرمين

وَمن لَهُم فِي العلى أوج)

(وأتحفهم بشريف السَّلَام

وعاتبهم إِن هم عرجوا)

(وَقل مالكم يَا بحور الحجا

أتيتم بِشَيْء بكم يسمجوا)

(جنودكم كلهَا أَقبلت

على رجل وَاحِد تزعج)

(وَلَيْسَ لَهُ ثروة لَا وَلَا

لَهُ ثمَّ أَوْس وَلَا خزرج)

(وَلم يأتكم مِنْهُ مَا تَكْرَهُونَ

سوا أَنه قَالَ ذَا المدرج)

(وَمَا قَالَ إِنِّي إِمَام وَلَا

الْإِمَامَة عَنْكُم لَهَا مخرج)

(وَلكنه قَالَ إِن كَانَ مَا

ذكرت هُوَ الْمنْهَج الأوهج)

(فهبوا إِلَيْهِ إِذا شِئْتُم

وَإِلَّا فَمَا شِئْتُم فانهجوا)

(ورد عَليّ إِذا شِئْتُم

مقالي إِن كَانَ يستسمج)

وَفِي هَذِه الْأَيَّام رَجَعَ مَنْدُوب شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن إِلَى حَضرمَوْت

ص: 274

وَلم يحصل على طائل مِمَّا دخل لأَجله وَقيل إِنَّه قتل من أَصْحَابه اثْنَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن أَبنَاء دولة تِلْكَ الْبِلَاد أنسوا إِلَى الاستبداد

وَفِي ثَانِي وَعشْرين من رَجَب وَقع قرَان المريخ وزحل ببرج الْحُوت

وَفِي هَذِه الْأَيَّام غزا الشَّيْخ الْجيد إِلَى أَطْرَاف بِلَاد دثينة فِي جمَاعَة فَقتلُوا نفرين من أَصْحَاب شرف الْإِسْلَام

وفيهَا وصل الْخَبَر أَن سيواجي ملك الرازبوت شاوره بعض أقَارِب سُلْطَان الْإِسْلَام أورنقزيب فِي أَن يكون من حزبه وَأَن يعضده على حزبه فَأَجَابَهُ إِلَى مَا دَعَاهُ واجتمعا على قصد بندر سورت فانتهباه وتشهرا بعد ذَلِك بِالْخِلَافِ وَهُوَ أقرب البنادر فِي سمك الْبَحْر إِلَى بنادر الْيمن والمسافة مَا بَينه وَبَين عدن عِنْد صَلَاح الرّيح مِقْدَار عشْرين يَوْمًا وَمِنْه إِلَى مَحل السُّلْطَان مِقْدَار الشَّهْرَيْنِ فِي الْبر ثمَّ أَن سيواجي بعد ذَلِك سعى فِي مصالحة السُّلْطَان فاصطلحا

وفيهَا اتّفق بِصَنْعَاء أَن بَيْتا بزقاق الغول تسلط وتسلطن على أهلة الغول وأساء الْجوَار وأضر بالجار ومبدأ أمره أَن حَرِيم الْبَيْت تمنعن الحان فِي إِحْضَار شَيْء من الْأَطْعِمَة وتكرر مِنْهُنَّ ذَلِك فَحَضَرَ مَا أردنه على وفْق الاقتراح ثمَّ نَدم ذَلِك المشؤم على إِحْضَاره ذَلِك المطعوم فأفسد على أهل الْبَيْت عدَّة أَيَّام كلما هيأوه من الشَّرَاب وَالطَّعَام ثمَّ عمد إِلَى ملبوسهم الخطير فَفتهُ قطعا ثمَّ رَمَاه فِي البير وَمَا زَالَ يصابحهم ويماسيهم بمسيس الضَّرَر ويرميهم من جحيم تمرده بشرر حَتَّى أتلف مُعظم مَا مَعَهم من الْمَتَاع وأودع نفايسهم حَيْثُ الْإِتْلَاف والضياع

وَأَخْبرنِي أخي ومخدومي عُثْمَان بن عَليّ بَارك الله لي فِي عمره كَمَا شرفني

ص: 275

بِخِدْمَة أَثَره أَنه احْتَاجَ يَوْم أَيَّام طلبه بِصَنْعَاء المحمية بِاللَّه إِلَى بَيت ينْقل إِلَيْهِ أَهله من الجراف فَدلَّ على بَيت بحافة سوح السَّعَادَة من جوَار الإِمَام النَّاصِر صَلَاح الدّين عَادَتْ بركاته وَلما أَرَادَ النقلَة إِلَيْهِ أخبر أَن هَذَا الْبَيْت مُنْذُ أَيَّام يرْجم بِالْحِجَارَةِ السود تَخِر إِلَيْهِ فِي الْهَوَاء من جِهَة جبل نقم قَالَ فطفته فَرَأَيْت فِيهِ جملَة من الْأَحْجَار وَعَلِيهِ دَلَائِل الوحشة والإقفار ثمَّ شاهدت فِيهِ تِلْكَ الْأَحْوَال ورأيته يرْجم مثل قبر أبي رِغَال فنقلت أَهلِي إِلَيْهِ وتعوذت بِاللَّه وتوكلت عَلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْحَلَال ذهب عَنهُ ذَلِك الْحَال

وَفِي ذِي الْحجَّة أَمر عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام فِي صنعاء بالتسعير مِمَّا عدا القوتين لضرب من الصّلاح

وَفِي خَامِس عشر من ذِي الْقعدَة كَانَ تَحْويل السّنة الرومية عِنْد دُخُول الشَّمْس أول دَرَجَة فِي الْحمل والمريخ بالثور وزحل بالحوت وَالْمُشْتَرِي بالأسد وَالشَّمْس والزهرة وَعُطَارِد بِالْحملِ والجوزاء بِأول دَرَجَة من الْمِيزَان ثمَّ تدخل السنبلة

وَفِي هَذِه الْأَيَّام بعث صَاحب عمان إِلَى حَاكم المخا بألفي رَطْل من الرصاص مَعُونَة لَهُ فِي دفع الفرتقال كَذَا وفيهَا مَاتَ الشَّيْخ الْعَارِف المتصوف مُحَمَّد بن الشَّيْخ طَاهِر بن بَحر ببلدة المنصورية بتهامة وَكَانَ على طَريقَة وَالِده فِي إكرام الضَّيْف وَبسط الْأَخْلَاق

وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْفَاضِل إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْحَضْرَمِيّ بِبَلَدِهِ أكمة سلم مَا بَين الحيمة وحراز وَكَانَ استوطنها مُدَّة وتصدر لتلقي الْمَارَّة بِالْإِحْسَانِ والأخلاق الحسان وامتد إِلَيْهِ قبائل الْجِهَة بالنذور وَكَانَ لَا يدّخر عَن القصاد وَلَا عَن نَفسه شَيْئا مِنْهَا وَمن كراماته أَن بعض الْمَارَّة رأى بعض جواريه على مورد المَاء فخامره خاطره بِمَا لَا يَلِيق وَعرف الشَّيْخ فانحرف

ص: 276