المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فتح بلاد الأمير حسين صاحب عدن - تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر = تاريخ طبق الحلوى وصحاف المن والسلوى

[الوزير الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌قصَّة الْحَوَادِث

- ‌فتح بَغْدَاد

- ‌وقْعَة نقِيل الشيم

- ‌حِصَار ذِي مرمر

- ‌خلَافَة الإِمَام الْأَعْظَم المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ

- ‌فتح بِلَاد الْأَمِير حُسَيْن صَاحب عدن

- ‌وُفُود الْأَخْبَار بوصول جنود عثمانية إِلَى مَكَّة واليمن

- ‌التَّجْهِيز على حُسَيْن باشا صَاحب الْبَصْرَة

- ‌قصَّة يهود الْيمن ودعواهم تحول لملك إِلَيْهِم لعنة الله عَلَيْهِم

- ‌تجلي حُسَيْن باشا عَن الْبَصْرَة بعد عَجزه عَن عَسَاكِر السلطنة

- ‌قصَّة الشريف حمود بن عبد الله والأروام

- ‌الْجُزْء الثَّانِي من طبق الْحَلْوَى وصحاف الْمَنّ والسلوى

- ‌وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌منازلة الفرنج لبندر المخا

- ‌وَدخلت سنة إثنتين وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌وَدخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌وَدخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌وَدخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف فِي ثَالِث محرم حصلت عِنْد الإِمَام أَخْبَار مَكَّة وفيهَا أَن سَعْدا وَأحمد إبني زيد تحيزا إِلَى بِلَاد نجد الْعليا وبركات عَاد من بدر إِلَى مَكَّة صحبته بن مضيان بعد أَن ألبسهُ خلعة الْأمان واستطرق أَصْحَاب الْعمانِي هَذَا الْعَام جَزِيرَة سقطرى وَقتلُوا من أَهلهَا

- ‌تجهيز السُّلْطَان على الْيمن

- ‌كَرَامَة للشَّيْخ الصفي أَحْمد بن علوان أَيْضا

- ‌الدولة المهدوية وَمَا شجر فِي أَثْنَائِهَا

- ‌وَدخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف

- ‌معركة الصلبة

- ‌خُرُوج الإِمَام من الْغِرَاس مترحلا إِلَى جِهَات شهارة

- ‌حَرْب الأبرق

الفصل: ‌فتح بلاد الأمير حسين صاحب عدن

بِلَاده وَكَانَ فِي أَيدي الفرنج وَمَا كَانَ يظنّ إستيلاءه عَلَيْهِ وَلكنه دب بالحيلة إِلَيْهِ بِأَن أنفذ إِلَيْهِ جماعات فِي قالب الدراويش فَلَمَّا علم أَنهم قد صَارُوا أنصابا لرتبة القلعة أَمرهم بِالْفَتْكِ بِمن فِيهَا بسكاكين معدة مَعَهم ففتكوا بِمن فِي القلعة عَن آخِرهم وَلما تَوَجَّهت إِلَى نظره أَمن التُّجَّار الَّذين يخرجُون من الْبَحْرين وَالْعراق إِلَى الْيمن وَهَذَا الْخَارِجِي لَهُ مَذْهَب لَيْسَ من الشَّرْع فِي شَيْء مثل التَّكْفِير بالمعصية وَعدم قبُول الشَّهَادَة بِمَا أدعاه الْمُدَّعِي إِذا لم يصدقها المدعا عَلَيْهِ وَإِذا أنْكرت الزَّوْجَة الزَّوْجِيَّة فرق بَينهَا وَبَين زَوجهَا بِمُجَرَّد دَعْوَاهَا وَكَذَا الْمَمْلُوك إِذا أدعا عدم الملكية وَهَذَا كُله رد لِلْقُرْآنِ وجنوح إِلَى شرعة الشَّيْطَان وَقد علم أَنهم من أهل الْبدع لَا يلْتَفت إِلَى أفعالهم وَلَا يجنح إِلَى أَقْوَالهم

وفيهَا مَاتَ عبد القيوم الرغيلي المنجم وفيهَا مَاتَ الشريف الرئيس هَاشم بن حَازِم بقطعته بَلَده زبيد وَلما مَاتَ وجد فِي وَصيته أَن خيله تكون بَيت مَال وَله تعلق بِالْعلمِ وَأَهله

‌فتح بِلَاد الْأَمِير حُسَيْن صَاحب عدن

وَفِي شَوَّال من هَذَا الْعَام سَار الإِمَام من ضوران إِلَى صنعاء فاستقر بهَا أَيَّامًا وجهز ابْن أَخِيه صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام على بِلَاد الْأَمِير الْحُسَيْن ابْن عبد الْقَادِر صَاحب عدن وَأبين وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى إنفصال الصفي عَنهُ بخاطر مقهور وَجَنَاح مكسور وَيذكر أَنه فِي أثْنَاء ذَلِك الْمقَام أطلع من سيرة الْمَذْكُور على مَا يقبح من الْأُمُور فأسرها لهَذَا الْوَقْت وزحزحه عَن ذَلِك التخت وَلما وصل الصفي إِلَى تِلْكَ الديار شب على الْأَمِير سعير النَّار وأحاطت ببلاده أجناده وَضَاقَتْ بهَا أغواره وأنجاده فاقتدح الْأَمِير زندا وَلم يتْرك من الجلاد جهدا وأصدق أَصْحَابه السَّيْف فِي عَسْكَر الصفي حَتَّى أفرد

ص: 106

لَهُم مَقْبرَة تعرف الْآن بمقبرة أَحْمد بن الْحس ثمَّ أَن الصفي شدّ لَهُ شدَّة الهصور وأحاطت بِهِ أجناده إحاطت السُّور فَكَانَت الْهَزِيمَة فِيهِ وَفِي حزبه وَخرج عَن مَمْلَكَته مصاحبا لكربه وَاسْتولى صفي الْإِسْلَام على ذخائره وخزنته وَملك تخته وَاسْتولى على بقعته وَهُوَ لَجأ بعد ذَلِك إِلَى يافع بعد أَن علم أَن لَيْسَ لَهُ عَاصِم وَلَا نَافِع ثمَّ أَن الصفي قرر وُلَاة على الْبِلَاد بعد أَن كمل لَهُ المرام وَتمّ لَهُ المُرَاد وَعَاد إِلَى صنعاء حَضْرَة الإِمَام وَقد وَقع على الرِّكَاز وظفر بالمرام وَلما شَارف الدُّخُول وَقع بَين مُعَسْكَره وَأهل كوكبان مَا لَا يزَال بَين الْعَسْكَر من المنافسة على البيارق فَوَقع بعض خصام وترام بالبنادق وَذهب من عَسْكَر كوكبان ثَلَاثَة أَنْفَار وَلما وافى حَضْرَة الإِمَام قر نظره وطاب من الصفي خَبره وَخَبره

وَفِي شعْبَان هَذَا الْعَام أَو الَّذِي قبله كَانَ رخص الأسعار وتفجر الْأَنْهَار وصفاء الْأَحْوَال ونمو الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال وَفِيه كَانَ بِمَكَّة المشرفة السَّيْل الرَّابِع والزجر الْعَظِيم الفاجع طَاف حرم الله من أمواجه بِكُل كثيب مهيل وتخلل الْكَعْبَة المشرفة وَصعد جدارها حَتَّى حَاذَى الْقَنَادِيل وأخرب جَانِبي الْبَيْت الْمَعْمُور وأزاح تِلْكَ المحاس وزحزح تِلْكَ الستور وَفِيه قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الجحافي

(أَتَى السَّيْل مجتازا بِمَكَّة موهنا

فطهرها واجتاح مِنْهَا أباطيلا)

(وَمَا قصد الضّر الشنيع وَإِنَّمَا

أَرَادَ من الْبَيْت الْمُعظم تقبيلا)

(يَقُولُونَ أرخ كَونه قلت فاحسبوا

سَمِعت بِأَن المآء لَاقَى القناديلا (

ص: 107

وللحافظ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحميمي

(إِن شِئْت تَدْرِي لطيف صنع

قضى بِهِ الله فِي بناه)

(فِي حرم الْأَمْن حَيْثُ يعْطى

لطَالب الْأَمر مَا رجاه)

(إِذْ طَاف بِالْبَيْتِ طائف المَاء

وخر إِذْ ذَاك جانباه)

(بِشَهْر شعْبَان جَاءَ سيل

فَذَاك تَارِيخ مَا ترَاهُ)

وَفِي هَذَا الْعَام مَاتَ السَّيِّد الْعَلامَة الأديب صَلَاح بن عبد الْخَالِق الجحافي وَكَانَ ذَا دراية بأصول الْفِقْه والنحو شَاعِرًا محاضرا وَله شرح على تكمله الْأَحْكَام وَمن شعره القصيدة الَّتِي نقم فِيهَا على الهر لما أكل الْحمام وجرعها كأس الْحمام

(يَا هر فِي غير حفظ الْوَاحِد الصَّمد

أحثثت سيرك عَن دَاري وَعَن بلدي)

(وَقد نزلت فأحسنا جوارك لم

نبخل عَلَيْك بِمَا تحويه ذَات يَد)

(رَجَوْت أَنَّك تكفيني أذية مَا

فِي الْبَيْت من جرذ عَاد وَمن خلد)

(فَلم ترعها بِشَيْء بل عَمَدت إِلَى

حمامة ضعفت فِي الْبَطْش وَالْجَلد)

(ضَعِيفَة لم تكن تَدْرِي بفتكك يَا

أعق مَا خلق الرَّحْمَن من ولد)

(أبديت رعشة منهوك فحين دنت

فعلت مَا يفعل الضرغام ذُو اللبد)

(أما نظرت إِلَى أطواقها وَلها

تلون الدّرّ فَوق الْجيد ذِي الْجيد)

ص: 108

(أعضضت نابك جيدا لَو علمت بِمَا

حوى لما عثت فِيهِ غير متئد)

(كَأَنَّهُ خَارِجا من جنب صفحته

سفود شرب نسوه عِنْد مفتاد)

(وَحين رَابَك مَا فِي النَّفس من جزع

رحلت غَضْبَان لم تعطف وَلم تعد)

(وَلم تطف بِفنَاء الدارقط وَسوى

فِي الْأَرْبَعَاء لأجل اللَّحْم والأحد)

(هَذَا جَزَاء امرىء غذاك نعْمَته

بالمخض تكشف عِنْد رغوه الزّبد)

(فَالْآن ثَبت إِلَى بيداء بلقعة

أَو مهمة فِي أقاصي الأَرْض منجرد)

(وَحقّ من قَالَ أَن الطير آمِنَة

فِي وَكرها فِي أداني الأَرْض والبعد)

(وَالْمُؤمن العائذات الطير تمسحها

ركبان مَكَّة بَين الغيل والسند)

(لَو أَنَّهَا علمت هَذَا إِذا لنجت

فالطير تنجو من الشؤبوب ذِي الْبرد)

ص: 109

(وَقد رضيت بِأَن الفار يفْسد فِي

دَاري وَيسْعَى لضري سعي مُجْتَهد)

(فخلنا غير مأسوف عَلَيْك وَلَا

بَرحت مَا عِشْت فِي هم وَفِي نكد)

(فَمَا أَقُول لنَفْسي فِيك مبتئسا

إِحْدَى يَدي أصابتني وَلم تزد)

(كلا كَمَا خلف من بعد صَاحبه

هَذَا أخي حِين أَدْعُوهُ وَذَا ولد)

(بل سَوف أنْشد تسكيتا لخاطرها

لله يبقي على الْأَيَّام ذُو حيد)

وَلما اطلع السَّيِّد الإِمَام الْحسن بن أَحْمد الْجلَال على هَذَا العتاب نَاب عَن الهر فِي لطيف الْجَواب فَقَالَ

(سَمِعت عتبك والتأنيب يَا سندي

فهاج لي حسرة أَوْهَى بهَا جلدي)

(وصرت أعجب من دعواك أَنَّك لم

تبخل على بِمَا تحويه ذَات يَد)

(إِذْ تِلْكَ دَعْوَى وَلَا برهَان يصحبها

وَمثل ذَاك لأهل الْحق لم يفد)

(فَمَا أَقُول كَمَا قُلْتُمْ إِلَيّ جَفا

يَا هر فِي غير حفظ الْوَاحِد الصَّمد)

(لكنني مظهر مَا كنت أستره

كَيْلا لخلي كَمَا قد كال لم أَزْد)

(خدمتكم غير وان فِي منافعكم

وَلَا لأعدائكم أبقيت من سبد)

(وبالخصاصة أرضي فِي محبتكم

مَالِي سوى قِطْعَة فِي الْوَعْد من كبد)

(دَلِيله قَوْلكُم مَا جِئْت قطّ سوى

فِي الْأَرْبَعَاء لأجل اللَّحْم والأحد)

(على م تهضم قدري بَين أظْهركُم

وصغح رَأْسِي من شيخ وَمن ولد)

(أَقُول للنَّفس أَن الرب سطوته

كالدهر لَا عَارِف رضيها وَلَا تحد)

(حَتَّى غَدا دابكم كفران منفعتي

لنظمك الزُّور قولا غير مُعْتَقد)

ص: 110

(لَكِن وَمن لَك بِالْحرِّ الشكُور لمن

يُولى الصنايع لَا يعدوه حفظ يَد)

(فَقلت للنَّفس أَرض الله وَاسِعَة

وكل موت وَلَا موت على الكمد)

(وخدمة الْمَرْء مولى لَيْسَ يعرفهَا

وَلَا يقر بهَا من أعظم النكد)

(وَلَا يُقيم على ضيم يُرَاد بِهِ

سوى الأذلين غير الْحَيّ والوتد)

(فجد جدي وَلَا زَاد وَلَا سغب

وَلَيْسَ إِلَّا بِهِ الْإِمْضَاء إِلَى الْأَبَد)

(وَقد تصبرت حَتَّى لات مصطبر

فَالْآن أجهد حَتَّى لات مُجْتَهد)

(حَتَّى عَمَدت ولي فِي ذَاك مأربة

إِلَى الْحَمَامَة ذَات الْمنطق الغرد)

(لَا ذهب الْجُوع إِذا نفذت فأركم

وتعلموا سطوتي فيهم بِلَا عدد)

(إِذْ تِلْكَ تشبههم بل هِيَ أَحَق كَمَا

قد قلت تنجو من الشؤبوب ذِي الْبرد)

(وَلَو رعيت حقوقي مِنْك أجمعها

وَحقّ مثلي حق هَين المدد)

(مَا إِن أتيت بِشَيْء أَنْت تكرههُ

إِذا فَلَا رفعت سَوْطِي إِلَى يَد)

(هَا أَن تا عذره إِن لم تكن نَفَعت

فَإِن صَاحبهَا قد تاه فِي الْبَلَد)

(بعد السَّلَام عَلَيْكُم مَا غشى جرذ

ثمَّ الصَّلَاة على الْهَادِي إِلَى الرشد)

وَقد أورد ابْن خلكان والدميري فِي حَيَاة الْحَيَوَان قصيدة نَفسهَا هَذَا النَّفس فِي غير الْوَزْن

(يَا هر فارقتنا وَلم تعد

وَكنت عِنْدِي بمنزل الْوَلَد)

وَهِي لأبي بكر بن الْحُسَيْن بن العلاف الْمقري

وفيهَا توفّي السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن شمس الدّين جحاف وَكَانَ ذَا دراية بالْمَنْطق وعلوم الْعَرَبيَّة خاملا زاهدا وَهُوَ خَال الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل

ص: 111

ابْن الْقَاسِم أَقَامَ أعواما بِمَسْجِد الْأَخْضَر من صنعاء وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَلَاح الشَّرْقِي القاسمي بِبَلَدِهِ معمرة رَأس جبل الأهنوم وقبر هُنَالك وَكَانَ مفتيا بِصَنْعَاء وَله شرح على الأزهار نقل فِيهِ أَكثر الدَّلِيل وَلَا يخلوا عَن الْفَائِدَة وَله الشرحان على الأساس وَشرح البسامة الصُّغْرَى فِي ثَلَاثَة جُلُود بلغ فِيهِ إِلَى آخر دولة الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم

وفيهَا خرج أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام بِأَمْر عَمه الإِمَام إِلَى بِلَاد ملاحا من أَطْرَاف بِلَاد خولان فأخرب فِيهَا الْبَعْض وَقطع شَيْئا من أعنابها وَكَانَ الطاغوت قد فشى فيهم وتقلبوا على الْحُقُوق الْوَاجِبَة وصرفوها فِيمَن يُرِيدُونَ وَسَائِر بِلَاد خولان كَانُوا قد أهموا بذلك فَلَمَّا أوقع بهم الصفي حذر الْكل

وفيهَا مَاتَ القَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد السلَفِي وَكَانَ لَهُ معرفَة تَامَّة بِعلم الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول وَكَانَ نَاقِلا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم يتلوه سفرا وحضرا ولي مخلاف حراز مُدَّة ثمَّ عرض لَهُ أخر مدَّته ألم استعطاش فَترك الْولَايَة وطلع صنعاء وَسكن بداره ببير العزب حَتَّى توفّي آخر هَذَا الْعَام وَجمع من الْكتب النفيسة فِي الحَدِيث وَسَائِر الْفُنُون وَله إجَازَة فِي الحَدِيث من بعض عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة وقبر بخزيمة وَمن مآثره الْبناء بِمقدم مَسْجِد قَرْيَة الْقَابِل بوادي ظهر

وفيهَا أَمر عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بعمارة مشْهد على قبر الإِمَام الْأَعْظَم أَبى الْفَتْح الديلمي شَرْقي ذمار بِنَجْد الجاح طرف قاع القعودين فَأمرت زَوجته

ص: 112

الشَّرِيفَة الدهماء بنت الْمُؤَيد بِاللَّه بِبِنَاء سمسرة هُنَالك للمسافرين فَكَانَ تتميما للمقصد الأول جزى الله الْمُحْسِنِينَ خيرا

حَرَكَة السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي لما قد كَانَ قدمه من الدعْوَة وَدخلت سنة سِتّ وَخمسين وَألف فِيهَا أعلن السَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بدعوته ودعا النَّاس إِلَى بيعَته وَهُوَ من الْعلم بمَكَان وَمن المنصب بِحَيْثُ لَا يخْتَلف إثنان

(من آل يحيى مساميح قساور فِي

الهيجاء سنع الْأَسَامِي مسبلي أزر)

وَله هُنَاكَ أَتبَاع وَأَعْوَان قد حل مِنْهُم مَحل الرّوح من الْأَبدَان فَهُوَ أنفس عِنْدهم من الزمرد الْأَخْضَر وأعز على خواطرهم من الكبريت الْأَحْمَر يودعون دراري فَتَاوَاهُ أصداف قُلُوبهم ويحملون أثقال جذابه على عيونهم فضلا عَن جنُوبهم كَلَامه أندى على قُلُوبهم من الْقطر ومفاكهته ألطف على خواطرهم من مغازلة النَّهر بعيون الزهر فبمجرد أَن يُشِير يأتمرون وعَلى تقلب أنفاسه يميلون وَلما استفاض هَذَا الْخَبَر وشاع وَكَاد أَن يتَعَدَّى أمره إِلَى غَيره من الْبِقَاع بَادر الإِمَام إِلَى من يقوم بكفايته من الْأَعْلَام فَوجه كِفَايَة هَذَا المهم وَدفع هَذَا الملم إِلَى السَّيِّد الْعَلامَة الْمِقْدَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي جَيش كثير وزي كَبِير وجأش مربوط وعزم بِأَكْنَافِ المجرة مَنُوط وَلما تخَلّل بِلَاده

ص: 113

وأوردها أجناده استوثق عَلَيْهِ من الْجِهَات وسلك فِي اسباب قنصه كل الطرقات فَهَيَّأَ الله أَسبَاب الصّلاح ونادي مُنَادِي الظفر حَيّ على الْفَلاح وانقلب بِهِ عز الْإِسْلَام إِلَى حَضْرَة عَمه الإِمَام وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِصَنْعَاء المحروسة بِاللَّه سبحانه وتعالى وَلما نجز أمره وأشرق بِحَضْرَة الإِمَام بدره جمع الْأَعْيَان بديوان الْقصر الدَّاخِل وواجه لَهُ على كرْسِي الباشا ثمَّ تقدم إِلَيْهِ السَّيِّد مُؤديا لبيعته ملاطفا للحضرة بِمَا حَضَره من لطيف الْمقَال وَجَمِيل الْحَال ثمَّ طلب الرُّخْصَة من الإِمَام فِي الْعَزْم إِلَى الشَّام والعودة إِلَى مَحل حشمه والأرحام فأنعم عَلَيْهِ بذلك الْمطلب وساعده إِلَى مَا أحب وَلما وصل الصارم إِلَى عيان واتصل بِبِلَاد سُفْيَان اتّفق بِهِ الْقُضَاة من العنوس وَغَيرهم مِمَّن يلمح إِلَيْهِ ويعول فِي الْمُهِمَّات عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاضَ إِلَيْهِم أَن فِي نَفسه غير قَلِيل فَأَنَّهُ إِنَّمَا تخلص بذلك القيل وَلم تكن بيعَته عَن إعتقاد صَحِيح وللتقية فِيهَا مسرح فسيح فَلم يحصل مِنْهُم على مَا يشفي الْفُؤَاد وَلَا ظفر مِنْهُم بِبَعْض المُرَاد فنفذ إِلَى بعض الشَّام وأفاض عَلَيْهِم ذَلِك الْكَلَام فَقَالُوا لَهُ الْأَمر إِلَيْك فانهض وَلَا بَأْس عَلَيْك فَأَعَادَ ذَلِك النداء حَتَّى عَاد الْأَمر كَمَا بدى وشرعت قضاياه وَالْأَحْكَام تُفْضِي إِلَى طَرِيق الإنتظام ووفدت الأراجيف إِلَى صنعاء وأصغى لَهَا كل من يمِيل إِلَيْهِ سمعا فَفَزعَ الإِمَام إِلَى ابْن أَخِيه الْمِقْدَام الهصور فِي مَوَاطِن الصدام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام وَعقد لَهُ البنود وحشد لَهُ الْجنُود فَتوجه تلقا مَدين ذَلِك الْمَطْلُوب وانفصل فِي أبهى زِيّ وأبهج أسلوب وَحين ضربت فِي بوصان خيامه ونصبت فِي ذَلِك الْمَكَان أَعْلَامه تفرق شَمل أَصْحَاب الصارم وَعَلمُوا أَنه لَا قدرَة لَهُم على ذَلِك الضبارم وَلما تكدرت عَلَيْهِ الْحِيَاض أنحاز إِلَى أَطْرَاف بِلَاد قِرَاض

ص: 114

ووطن نَفسه على الإضراب والإعراض وَقد مَالَتْ وُجُوه أماله وَأنْشد لِسَان حَاله

(هُوَ الْحَظ خُذْهُ إِن أردْت مُسلما

وَلَا تطلب التَّعْلِيل فَالْأَمْر مُبْهَم)

وَكَانَ من أمارته على الْيَأْس فحرر بِهِجْرَة باقم من بِلَاد قِرَاض هَذِه الرسَالَة ولفظها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الْحَمد لله مُدبر الْأُمُور على مُقْتَضى إِرَادَته كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن الْمُتَصَرف فِي مصَالح خلقه على مر الدهور بلطيف حكمته من غير موازر وَلَا ثَان المملك الْملك من عبيده من ملكه فِي الْكتاب مسطور فِي سالف أزليته فَأَنِّي لغيره سُلْطَان وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْهدى والنور الْمَبْعُوث لإعلاء كَلمته فِي الْأنس والجان وعَلى اله المطهرين أحسن طهُور من الشَّيْطَان والمنزهين عَن مَعْصِيَته فهم لأهل الأَرْض أَمَان وَبعد فَليعلم من على البسيطة من أداني الأَرْض وأقاصيها من أتهم بغورها وأنجد بصياصيها أَن الدَّاعِي إِلَى الله بالمغفرة وراجيها إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن عز الدّين ثبته الله على قَوَاعِد الشَّرِيعَة ومبانيها يَقُول لما ظَهرت الدعْوَة المتوكلية ظُهُور الشَّمْس عقيب ليل الْفِتَن خار فِيهَا ذَوُو الْأَلْبَاب ودان لَهَا ذَوُو الْعُقُول وخضعت لَهَا خضوع الذَّلِيل غلب الرّقاب ورفعها الْمُسلمُونَ معزين لَهَا ومكرمين وذهبوا إِلَيْهَا ثبات وعزين ووكل بهَا قوم لَيْسُوا بهَا بكافرين حَتَّى صَارَت مَاضِيَة لشأنها قَاطِعَة بعنانها قائلة بلسانها دَعونِي أجوب الأَرْض فِي طلب الْعلَا وَعقد الْمُسلمُونَ أَفْوَاجًا وَمَا ذَاك إِلَّا أَن متحملها ينبوع الْعلم الفوار وغيث الْفَضَائِل المداراة وزبرقان الْفلك الدوار وطراز الْمَعَالِي والفخار

ص: 115

حذف ن أردْت مُسلما

وَلَا تطلب التَّعْلِيل فَالْأَمْر مُبْهَم)

وَكَانَ من أمارته على الْيَأْس فحرر بِهِجْرَة باقم من بِلَاد قِرَاض هَذِه الرسَالَة ولفظها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الْحَمد لله مُدبر الْأُمُور على مُقْتَضى إِرَادَته كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن الْمُتَصَرف فِي مصَالح خلقه على مر الدهور بلطيف حكمته من غير موازر وَلَا ثَان المملك الْملك من عبيده من ملكه فِي الْكتاب مسطور فِي سالف أزليته فَأَنِّي لغيره سُلْطَان وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْهدى والنور الْمَبْعُوث لإعلاء كَلمته فِي الْأنس والجان وعَلى اله المطهرين أحسن طهُور من الشَّيْطَان والمنزهين عَن مَعْصِيَته فهم لأهل الأَرْض أَمَان وَبعد فَليعلم من على البسيطة من أداني الأَرْض وأقاصيها من أتهم بغورها وأنجد بصياصيها أَن الدَّاعِي إِلَى الله بالمغفرة وراجيها إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن عز الدّين ثبته الله على قَوَاعِد الشَّرِيعَة ومبانيها يَقُول لما ظَهرت الدعْوَة المتوكلية ظُهُور الشَّمْس عقيب ليل الْفِتَن خار فِيهَا ذَوُو الْأَلْبَاب ودان لَهَا ذَوُو الْعُقُول وخضعت لَهَا خضوع الذَّلِيل غلب الرّقاب ورفعها الْمُسلمُونَ معزين لَهَا ومكرمين وذهبوا إِلَيْهَا ثبات وعزين ووكل بهَا قوم لَيْسُوا بهَا بكافرين حَتَّى صَارَت مَاضِيَة لشأنها قَاطِعَة بعنانها قائلة بلسانها دَعونِي أجوب الأَرْض فِي طلب الْعلَا وَعقد الْمُسلمُونَ أَفْوَاجًا وَمَا ذَاك إِلَّا أَن متحملها ينبوع الْعلم الفوار وغيث الْفَضَائِل المداراة وزبرقان الْفلك الدوار وطراز الْمَعَالِي والفخار

ص: 116

(عليم رست للْعلم فِي بَحر صَدره

جبال جبال الأَرْض فِي جنبها قف)

ذَلِك فاتح الارتاج وذروة التَّاج الْمولى أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله رب الْعَالمين إِسْمَاعِيل بن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَعِنْدَ أَن اختصه الله بالخصائص الجليلة ودأبت الْمصلحَة فِي مُخَالفَة مثله قَليلَة وَكَانَ الله قد أَمر بالوفاق وَرغب فِيهِ وحث عَلَيْهِ وَقَالَ إِن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين مَا تدعوهم إِلَيْهِ سلمت مَا كنت تحملته من الأعباء الثَّقِيلَة تَسْلِيم رَاض لَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا حِيلَة ووليه وَابْن الإِمَام الْمَذْكُور المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل إِلَى قَوْله فَليعلم من وقف على مكتوبي هَذَا مَا التزمته من أَحْكَام الطَّاعَة للْإِمَام وَأَن مَا تقدم مني من مقتضيات النّظر الَّذِي اعتقدت فِيهِ الْمُطَابقَة لمراد الْملك العلام فَإِن كنت فِي ذَلِك مُوَافقا لمراد الله فقد مضى بِمَا فِيهِ من الْأجر وَإِلَّا فَأَنا أسْتَغْفر الله وأسأله حسن الْعَاقِبَة وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر وَالْإِنْسَان مَحل الْخَطَأ وَالنِّسْيَان والكريم مَحل الْمُسَامحَة والغفران وَقد ألزمت نَفسِي طَريقَة الإقتصاد والتمسك بالوفاق وأوقفتها فِي حلبة السباق على قَصَبَة الْمُصَلِّين وجذبتها عَن شأو السباق إِلَى قَوْله فَعلمت بِمَا كنت جهلته قبل الدُّخُول فِيهِ وأيقنت الْخُرُوج مِنْهُ إِن الله وَله الْحَمد قد خفف عني الأصر وَاخْتَارَ لي مَا أخْتَار وَمن سبقت مِنْهُ أساة إِلَيّ وَظن أَنِّي بهَا قمين فَأَنا اسْتغْفر الله لَهُ وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَجل من لَا عيب فِيهِ وَعلا عَن كل قوم ذميم وَقل مَا يسلم من الْحَسَد جَسَد

(إِلَّا لَا أُبَالِي من رماني بريبة

إِذا كنت عِنْد الله غير مريب)

{رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين} وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم حررت هَذِه الرسَالَة فِي يَوْم الْجُمُعَة من شهر جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَخمسين وَألف

ص: 116

وَكتب القَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن يحيى حَابِس على هَذِه الرسَالَة إسمه وحرر فِيهَا لمزيد التَّأْكِيد رسمه وَالسَّيِّد صارم الدّين قد كَانَ يذكر سبق دَعوته فَسَيَأْتِي فِي حوادث سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ مَا يُضَاف إِلَى هَذَا الْكَلَام وَالْحمل فِيهِ على السَّلامَة من شعار أهل الْإِسْلَام

وفيهَا توفّي الْأَمِير الْمِقْدَام الْهَادِي بن المطهر بن الشويع بِصَنْعَاء الْيمن وَكَانَ إِلَيْهِ ولَايَة نهم فِي ذَلِك الزَّمن وَالسَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَامر بشهارة وَكَانَ مَعَ مَا عرف بِهِ من محَاسِن الْأَوْصَاف خَالِيا عَن عرفان فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَله خطب نافعة ومواعظ وزاعة وَالسَّيِّد زين العابدين العيدروس الشَّافِعِي وَكَانَ ذَا عرفان بِمذهب الشَّافِعِي وَله رسائل ومسائل

وفيهَا اتّفق بَين أهل صنعاء وَبَين أهل برط خصام أفْضى الى قتل رجلَيْنِ من برط وَخَرجُوا عَن صنعاء هاربين إِلَى فَوق مصلى الْعِيد ثمَّ أَن الإِمَام عطف عَلَيْهِم وَأحسن بالْقَوْل وَالْفِعْل إِلَيْهِم وفيهَا سَار الإِمَام الى شهارة وفيهَا أَمر أَن لَا توخذ زَكَاة السوائم إِلَّا من النّصاب التَّام فَفعل ذَلِك فِي بعض الْجِهَات دون بعض وفيهَا أَمر الإِمَام بِقطع شَجَرَة فِي بِلَاد عذر أعتقد فِيهَا الْعَوام ورشحوها بالتعظيم والتكليم وَالنُّذُور على حد ترشيح الْأَصْنَام وكادت أَن تصير كشجرة ذَات أنواط الَّتِي كَانَت فِي وَقت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 117

وفيهَا نزلت بِجَامِع صنعاء الْكَبِير صَاعِقَة من آيَات القاهر الْقَدِير فَأخذت جانبا من المنارة الشرقية فِي وَسطهَا وَفتحت بَابا فِي عرضهَا ونفذت إِلَى آخر الْمُؤخر فأهلكت رجلَيْنِ كَانَا فِي الصَّلَاة وفيهَا فِي شهر ذِي الْحجَّة وَقعت زَلْزَلَة بِصَنْعَاء وَغَيرهَا {وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا}

وَدخلت سنة سبع وَخمسين وَألف وفيهَا وَفد على الإِمَام رَسُول ملك النَّصَارَى بِالْحَبَشَةِ وَكَانَ قد أرسل الى الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه عَام اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَوجه صحبته هَدِيَّة من الرَّقِيق والزباد وَسلَاح الْحَبَشَة وَضمن كِتَابيه جَمِيعًا إستدعا رَسُول من الإِمَام لإفاضة مَا فِي نَفسه من الْكَلَام فطمع الإِمَام فِي إِسْلَامه وَأنس إِلَى ظَاهر كَلَامه وأنفذ إِلَيْهِ القَاضِي الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الحميمي صُحْبَة رَسُوله فوصل إِلَيْهِ بعد مشاق هائلة ومسافة طائلة وانعكس ذَلِك الأمل وَبَطل ذَلِك الْعَمَل وَلم يستفد القَاضِي غير عجايب رَوَاهَا وفزعات اشْتَمَل عَلَيْهِ مُؤَلفه واحتواها وفيهَا أَو الَّتِي تَلِيهَا أَمر مُتَوَلِّي عدن بِالْأَخْذِ على جمَاعَة من يافع وتجريعهم من الْمَوْت مَا هُوَ أَمر من السم الناقع بِضَرْب أَعْنَاقهم وإخراجهم عَن قيد الْحَيَاة بإطلاقهم لخلل وَقع فِي الطَّرِيق وَمنع للمارة وتعويق

وفيهَا مَاتَ بالظفير السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن عَليّ بن صَلَاح العبالي وَكَانَ مبرزا فِي الْأَصْلَيْنِ والنحو والمنطق ترَتّب على الشَّيْخ الْعَلامَة لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وَهُوَ صهر الإِمَام الْقَاسِم وَكَانَ مِمَّن تَأَخّر عَن بيعَة السَّيِّد صفي الدّين

ص: 118

أَحْمد بن الْقَاسِم وحث على مُفَاوَضَة أَخِيه إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم فَلم يساعد إِلَى مَا اخْتَار وقبضت بيعَته على وَجه الْإِجْبَار وفيهَا أرسل الإِمَام ولد أَخِيه الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه إِلَى جِهَات صعدة وَكَانَت قد نجم بهَا الْخلَل وَنزع فِيهَا الخطل فَلَمَّا اسْتَقر أصلح ذَلِك الْفساد وَحمد عَاقِبَة الْمعَاد

وفيهَا ارتحل عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام عَن الْيمن الْأَسْفَل وذمار إِلَى محروس صنعاء فوصلها فِي ملك جسيم وَقدر عَظِيم وابهة مَشْهُودَة وجيوش محشودة وَلما اسْتَقر فِي برج طالعه الْأَغَر سكن فِي دَار مَسْجِد الْأَزْهَر وانتقل فِي سَائِر الأبراج تنقل الْبَدْر وَمد يَده إِلَى الْحل وَالْعقد وَالنَّهْي وَالْأَمر وابتهجت بمقدمه السعيد بَلْدَة سَام وانتظمت اسْمه الشريف خطب الْجُمُعَة مَعَ أسم الإِمَام وفيهَا أَمر الإِمَام بِإِبَاحَة المراعي فِي الْأَمْلَاك وَأَن يزْجر عَن تحجرها الْملاك

وَدخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وفيهَا حصل فِي الْبَحْر زِيَادَة وازدلاف وَظهر أَثَره بِصَنْعَاء وَمَا حوليها كالروضة والجراف وَظهر غيل الجراف بأيسر حفر وَجرى من أعلا السد بشعوب واستدام وانتفع بِهِ أهل الجراف النَّفْع التَّام واستراح النَّاس عَن المساني باستطلاع الْعُيُون الغوارات ومعاناة الدوالي والخطارات والساعي فِي اسْتِخْرَاج هَذَا النَّهر واستنباطه من

ص: 119

عُيُون الْبَحْر عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام وَهُوَ أساس قديم ونهر غزير عَظِيم دَفَنته الدولة الطاهرية مَعَ دفن غيول صنعاء وَتعقبه فِي هَذِه الْأَيَّام إستنباط غيل آخر لعَلي بن الإِمَام استخرجه بأقرب عمل وجره إِلَى مناظر الحشيشية فقاها عَن كمل وفاض إِلَى الرَّوْضَة الْغناء وانساب فِي حدائق ذَلِك المغنى

وفيهَا وَقع خلاف الشَّيْخ يحيى روكان بجهاته من بِلَاد خولان وَرفع عُمَّال الْأَمَام ورام الإستبداد بالإمارة وَالْأَحْكَام فتدارك الإِمَام ضَرَره وأطفى بالتجهيز شرره وللشيخ هَذَا صولات وَله فِي جَانب الْإِقْدَام فعلات وَسَيَأْتِي من حَدِيثه مَا هُوَ أَزِيد من هَذَا

وفيهَا توفّي الْفَقِيه النَّحْوِيّ مُحَمَّد بن عبد الله الآنسي وفيهَا أَو فِي غَيرهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْمُفْتِي التعزي بِمَدِينَة تعز وَكَانَ إِمَام التدريس هُنَاكَ بالفقه والْحَدِيث وَإِلَيْهِ رئاسة الْفتيا وفيهَا وَقعت بَين الإِمَام وعلماء الْعَصْر مطارحات واتصلت بَينه وَبينهمْ مراجعات مِنْهَا مَا هُوَ فِي التَّكْفِير بالإلزام الَّذِي يذهب إِلَيْهِ الإِمَام وَوضع فِي ذَلِك رِسَالَة مطبوعة القَاضِي الذكي الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن عَليّ المحيرسي وفيهَا مَا يدل على قُوَّة بادرته ورسوخ قدمه فِي الْفَهم وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي شَأْن التَّأْدِيب الَّذِي يعم أهل الْبَلَد وَسَببه خَاص وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي شَأْن المكوس والمجابي وَمِنْهَا مَا هُوَ فِيمَا يتَعَلَّق بِالزَّكَاةِ وَعند الإِمَام فِي هَذِه أعذار وَهُوَ مَا هُوَ فِيهِ من التشرع على قدم اسْتِقْرَار وَلَكِن المطارحات مَا زَالَت بَين المخلوقين حَتَّى وَقعت بَين الْأَنْبِيَاء المعصومين كَمَا اتّفق بَين آدم ومُوسَى فِي حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ مَا بالك

ص: 120

أخرجتنا ونفسك من الْجنَّة إِلَى آخر مَا فِيهِ وَلما سَأَلَهُ بعض أَقَاربه عَن هَذِه المطالب الشهرية بِبِلَاد الْيمن الْأَسْفَل وَسبب أَخذهَا كَانَ من جملَة جَوَابه أَن مَذْهَب أهل الْعدْل أَن المجيرة والمشبهة كفار وان الْكفَّار إِذا استولوا على أَرض ملكوها وَلَو كَانَت من أَرَاضِي الْمُسلمين وَأهل الْعدْل وَأَنه يدْخل فِي حكمهم من والاهم واعتزى إِلَيْهِم وَلَو كَانَ معتقده يُخَالف معتقدهم وَأَن الْبَلَد الَّتِي تظهر فِيهَا كلمة الْكفْر بِغَيْر جوَار كفرية وَلَو سكنها من لَا يعْتَقد الْكفْر وَلَا يَقُول بهَا أَهله ثمَّ قَالَ هَذِه الْأُصُول مَعْلُومَة عندنَا بأدلتها القطعية ومدونة فِي كتب أَئِمَّتنَا وَلَا يُنكر ذَلِك عَنْهُم أحد مِمَّن لَهُ أدنى بَصِيرَة وَمَعْرِفَة بمصنفاتهم كالأزهار وَغَيره إِلَى أَن قَالَ فَإِذا استفتح الْأَمَام شَيْئا من الْبِلَاد الَّتِي تَحت أَيْديهم فَلهُ أَن يضع عَلَيْهَا مَا شَاءَ سَوَاء كَانَ أَهلهَا 54 مِمَّن هُوَ بَاقٍ على ذَلِك الْمَذْهَب أم لَا فالمقلد من النَّاس أَن أَرَادَ أَن يَكْتَفِي بالتقليد فَهَذِهِ الْأُمُور مَعْرُوفَة فِي المختصرات وَأَن أحب الْوُقُوف على الدَّلِيل فَفِي المبسوطات مَا يَكْفِي ويشفي

وَفِي الْيَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر شهر جُمَادَى الْآخِرَة كَانَ قرَان المريخ وزحل فِي برج الجوزاء وفيهَا بدى للْإِمَام رَأْي سديد وانتقش بِصَحِيفَة خاطرة خاطر جَدِيد وَهُوَ أَن يَجْعَل لليمن شنارا وَيرْفَع لَهُ عِنْد الْقُلُوب صيتًا ومنارا بِأَن يَجْعَل أَمِيرا على حَاج الْيمن يَصْحَبهُ جَرِيدَة من الخيالة ويعسكر مَعَه جمَاعَة من أهل الأسلحة الرجالة ويستصحب أَمِير الْحَاج صله لأحقا فِي مَكَّة المشرفة وفيهَا للشريف حِصَّة وافرة فَفعل وَكَانَ قبل ذَلِك وَفِي مُدَّة أَخِيه الْمُؤَيد بِاللَّه

ص: 121

يعزم حَاج الْيمن بِغَيْر أَمِير وَإِنَّمَا كَانَ السَّيِّد مُحَمَّد بن صَلَاح صَاحب جازان وَأبي عَرِيش يصحب الْحَاج فِي بِلَاد الحرامية لحفظهم وَيعود من حلي وَقد اسْتمرّ هَذَا التأمير إِلَى وقتنا وفيهَا أَتَى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام بِرَجُل كَانَ يقطع الطَّرِيق بَين ذمار وَصَنْعَاء وَكَانَ قد اشْترك هُوَ وَآخر فِي قتل رجل وَأخذ مَاله فَأَفلَت الآخر وَجِيء بِهَذَا فَقتله وصلبه بِبَاب شعوب وَكَانَ لقَتله وَقع فِي قُلُوب المفسدين وسكنت بفعلته سُورَة الشَّيَاطِين

وَدخلت سنة تسع وَخمسين وَألف كَانَ دوران زحل ببرج السرطان فِيهَا جهز الإِمَام ابْن أَخِيه شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه إِلَى قبَّة خِيَار وَأمره بخراب بيُوت جمَاعَة من الأشرار فأوصل إِلَى أساسها الشَّمْس وَتركهَا كَأَن لم تغن بالْأَمْس وَعَاد إِلَى محروس شهارة وَعَلِيهِ من مخائل السَّعَادَة أَمارَة

وَدخلت سنة سِتِّينَ وَألف وفيهَا وصلت إعتراضات على الإِمَام من السَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي وتولا جوابها الإِمَام وَالسَّيِّد عماد الدّين يحيى بن أَحْمد الشرفي وَالْقَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال

وفيهَا أَو الَّتِي تَلِيهَا مَاتَ عَليّ باشا نَائِب السلطنة على الحسا بِالْمَدِينَةِ على مشرفها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَسبب مصيره إِلَى الْمَدِينَة أَن وَلَده عِيسَى باشا

ص: 122

ترشح فِي وَقت وَالِده وَلم يعلم بمضمر مقاصده فَلَمَّا قوي زنده وخفق بنده جنح إِلَى المروق وَمَال إِلَى العقوق وَكسر خاطر وَالِده بِالرَّفْع وخب فِي ميدان جَهله بِالرَّفْع والوضع فَاغْتَمَّ وَالِده لهَذِهِ الْقَضِيَّة 55 المكيفة ولجأ إِلَى الْمَدِينَة المقدسة والحجرة المشرفة وَاسْتقر بِهِ الْمقَام حَتَّى وَفد عَلَيْهِ الْحمام وَكَانَ من خَبره وَلَده أَن لاطف جناب السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد مُرَاد وتوسل برشيق الْوَسَائِل إِلَيْهِ فِيمَا أَرَادَ فوصله التشريف والخلعة إِلَى الحسا وترشف كؤوس الباشوية بعد أَبِيه واحتسا فَمَا كَانَ من الَّذين أَحْسنُوا فَلهم الْحسنى ولاحظ قَوْله عز وعَلى {وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ} {إحسانا}

وفيهَا مَاتَ الْأَمِير رَجَب الرُّومِي بِصَنْعَاء الْيمن وَهُوَ الَّذِي بَعثه السُّلْطَان زِيَادَة لحيدر باشا فرجح لَهُ مُوالَاة الْمُؤَيد بِاللَّه وأقطعه المخادر فشيد بهَا العماير واخترع فِيهَا عَجِيب المآثر وَمن عَجِيب مَا صنع لَهُ فِي دَاره دولاب من المطبخ إِلَى أَعلَى المناظر فَإِذا حضر وَقت الطَّعَام رفعت فِيهِ نفائسه العجيبة وأنواعه الغريبة فيصل إِلَى أعلا الدَّار بِلَا كلفة وَلَا إنتظار وَلما عرض لَهُ غَرَض إِلَى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن وصل إِلَيْهِ صنعاء فَقضى الْغَرَض الثَّانِي وَقطع عريق الْأَمَانِي وَدفن بحوطة قبَّة البكيرية

وفيهَا توفّي حَاكم صنعاء وعالمها القَاضِي صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي رَحمهَا لله وَأعَاد من بركاته كَانَ عَالما بالفقة مقررا الْقَوَاعِد الْمَذْهَب وَله فِي أصُول الدّين نمط الْأَصْحَاب وَغير ذَلِك من الْفَوَائِد قَرَأَ على وَالِده الإِمَام الْمُفْتِي

ص: 123

وَالْقَاضِي عبد الْهَادِي الثلائي والشكايذي وَاجْتمعَ لَهُ بِصَنْعَاء الْقَضَاء والخطابة وإمامة الْمَسْجِد الْجَامِع وَذكر عَنهُ أَنه لم يسْجد للسَّهْو مُدَّة صلواته وَكَانَ مَعَ اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ لَا يفتر عَن التدريس وَاخْتَارَ جَوَاز صرف الزَّكَاة إِلَى فُقَرَاء بني هَاشم والمصلحة إِلَى الْأَغْنِيَاء وَكَانَ قد دفن بجرية الرَّوْض فنقله صنوه إِلَى قرب الْمَسْجِد الَّذِي عمره فِي حَيَاته بضيعة المحاريق وقبره الأن مَشْهُور مزور تلوح عَلَيْهِ أَنْوَاع الصّلاح ويتهلل لرُؤْيَته الخاطر بالإنشراح وَقد انضمت إِلَيْهِ قُبُور جمَاعَة من أهلة رحمهم الله وفيهَا نسب إِلَى السَّيِّد الإِمَام الْحسن ابْن أَحْمد الْجلَال الجنوح إِلَى شَيْء من مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة وَطَرِيقَة ابْن حزم من الْعَمَل بالبرأة الْأَصْلِيَّة وَإِسْقَاط الإحتجاج بالأخبار الأحادية وَقصر التعويل على التواترية وأنكار حجية الْعُمُوم وَدَلِيل الْمَفْهُوم وتحلل الْمُتْعَة وَإِسْقَاط الْأَذْكَار فِي الصَّلَاة والاعتدال وَالْقَوْل بِأَن الْإِمَامَة لَا منصب لَهَا معِين بل هِيَ الْأَذْكَار فِي الصَّلَاة والاعتدال وَالْقَوْل بِأَن الْإِمَامَة لَا منصب لَهَا معِين بل هِيَ صَالِحَة فِي جَمِيع النَّاس مَعَ التَّقْوَى كَمَا يَقُوله 56 نشوان والخوارج وَتَحْلِيل

ص: 124

الزَّكَاة للأغنياء والهاشميين وَعدم وجوب الْجُمُعَة إِلَّا بِحُضُور الإِمَام الْأَعْظَم وَغير ذَلِك وَالله أعلم بِحَقِيقَة هَذِه النِّسْبَة فَقَط أطرق صَاحبهَا فِيمَا لَا يكون من كثير من النّسَب

وفيهَا أَيْضا ظهر من الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن عَليّ بن مطير الحكيمي من عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة مَا امتاز بِهِ عَن أهل مذْهبه مَعَ تَشْدِيد الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم على التَّقْلِيد والإلتزام من ذَلِك أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي إفتراق هَذِه الْأمة إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا فرقة أَحَادِيث بَاطِلَة وَعَن الصِّحَّة عاطلة لمخالفتها الْمَعْقُول والمقرر من الْأُصُول ومتواتر الْمَنْقُول كَقَوْلِه تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} فَصَارَت بعد هَلَاك أَكْثَرهَا شَرّ النَّاس لِأَن افتراقها زَاد على افْتِرَاق من قبلهَا بفرقتين كَمَا فِي لفظ الحَدِيث وَعَما ذكره جَوَاب لَا يَسعهُ مُخْتَصر الْخطاب

وَدخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف وفيهَا نجم خلاف يحيى روكان وَكَانَ بمساعدة جمَاعَة من أهل خولان وَمَعَ ذَلِك وَقع من السَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي إعتراض فِي سيرة الإِمَام وَهُوَ بالإنتصاب وَالْقِيَام وَذكر أَن دَعوته لَهَا التقدمة والإقدام فأنفذ إِلَيْهَا الإِمَام عسكرا وافرا وأجرى اليهما من التجييش خضما زاخرا فخمجت نَار ابْن روكان وَوصل السَّيِّد بِنَفسِهِ إِلَى الْأَمَام وأعتذر مِمَّا كَانَ وَلما وَقع الإئتلاف وارتفع الْخلاف أقطعه الإِمَام رغافة

ص: 125

وَمَا إِلَيْهَا من الفجاج وأسعفه بِقَضَاء كل مَا يحْتَاج فعزم وَقد ثلجت الصُّدُور وانتظمت الْأُمُور

وفيهَا خرج على الإِمَام السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الحيداني الْمَعْرُوف بالفوطي وَقَالَ أَنا إِمَام وَإِسْمَاعِيل إِمَام فَقَالَت لَهُ الأقدار صمى صمام لَا خلف وَلَا إِمَام فَخرج من بَيته إِلَى برط ثمَّ نزل مِنْهُ إِلَى الْجوف ثمَّ إِلَى بِلَاد خولان ثمَّ تجَاوز إِلَى بِلَاد المصعبين بِلَاد قايفه روى عَنهُ أَنه أظهر فِي سَفَره هَذَا أَنه الْمهْدي المنتظر وتكفير جَمِيع الْمُسلمين إِلَّا من اتّصف بِمذهب أبي الْجَارُود وَعند ذَلِك قَائِله أهل المصعبين حَتَّى عَاد إِلَى مَسْكَنه بخفى حنين بعد أَن نهبت كتبه وثيابه وانقطعت فِيمَا يروم أَسبَابه وَكَانَ صفي الْإِسْلَام أَحْمد ابْن الإِمَام قد تقدم بجنده إِلَى الْجِهَات الرداعية لتسكين قُلُوب الرّعية وتحذيرا لَهُم من الإغترار والميل إِلَى ضوء هَذِه النَّار فانحسم ضَرَره قبل أَن يصل إِلَيْهِ شرره 57 وَاسْتقر بعد ذَلِك فِي الْبُؤْس وَقتلت فِي صَحَائِف دَعوته نفوس فَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَكَانَ مِمَّا جرأه على ذَلِك أَنه ذكر لَهُ

ص: 126

أَن فِي الجفر اسْم مُحَمَّد بن عَليّ بحروف مقطعَة وَأَنه ذُو الدعوتين وَإِمَام البيعتين

وَفِي هَذِه الْمدَّة انْتقل الإِمَام إِلَى درب الْأَمِير بوادي أقرّ فسكن بِهِ بُرْهَة من الزَّمَان وَاسْتقر وَفِي هَذِه السّنة سَار أَحْمد بن الْحسن إِلَى أَطْرَاف بِلَاد الْجوف فتغلفل سيره فِي الرمل الأطول والكثيب الأهول وتوسط أَمَاكِن تَدور فِيهَا النواظر ويضل فِيهَا الخريت الماهر

(مهامة لم يملك الذِّئْب نَفسه

وَلَا حملت فِيهَا الْغُرَاب قوادمه)

فَهَلَك كثير م أَتْبَاعه لشدَّة الْحر وَعدم المَاء وضل عَنْهُم صوب الطَّرِيق لَوْلَا بعض أَشْرَاف الْجوف دلهم عَلَيْهَا وَهَذِه الْأَمَاكِن مُنْقَطِعَة الأنيس ويتصل بهَا الرّبع الخلي الْمُتَّصِل بِالْبَصْرَةِ رمله كَثِيرَة الثعالبين والأحناش

وفيهَا قتل الْأَمِير مصطفى نَائِب جده من قبل الباشا الَّذِي بِمصْر وَكَانَ النَّائِب بهَا قبل ولَايَته الْأَمِير قيطاس وَذكر أَن سَبَب قَتله معارضته لأمير مَكَّة الشريف زيد بن المحسن وَأَخذه بِحِصَّة من الانتباه على الْحرم وطرد أهل الرتب وتكسير آلَات الطَّرب فَكَانَ قَتله وَهُوَ متنزه فِي بَريَّة الطَّائِف وَأنكر أمره الشريف لعلمه أَنه لَا يخفى على السلطنة خَبره وَلَا ينطمس على صَاحب مصر أَثَره وَلما احْتَاجَت جده إِلَى تَجْدِيد النَّائِب أُعِيد أليها قيطاس فأظهر بهَا النجدة والبأس وَفَوق إِلَى الشريف سِهَام التعنيف ورماه بالغدر وَعدم الْوَفَاء وَنسب إِلَيْهِ قتل الْأَمِير مصطفى ثمَّ تجهز بعد ذَلِك عَلَيْهِ وَتوجه فِي عسكره إِلَيْهِ فَالْتَقَيَا خَارج الْحرم المجرم وَاشْتَدَّ بَينهمَا الجلاد وخطرت الصعاد ولمعت

ص: 127

الْحداد وَذهب من الْفَرِيقَيْنِ من وَفد اجله وَانْقطع من الدُّنْيَا أمله وَلما تفطن الْأَمِير قيطاس وتفرس الخسة نتيجة هَذَا الْقيَاس وَأَن الشريف إِذْ أَطَالَ الْحَرْب وتلاحم الطعْن وَالضَّرْب لَا بُد أَن يشرق بدره ويقهر نَصره فَيلْحق قيطاس بمصطفى ويؤول مِصْبَاح رئاسته إِلَى الإنطفاء وَقد يؤول الْحَال إِلَى الحاد فِي حرم الْمُصْطَفى رَجَعَ إِلَى بندر جده وَلبس برد رئاسته المستجدة

وَفِي ربيعها الأول مَاتَ القَاضِي الْعَلامَة حَاكم صعدة ومفتيها وَإِمَام جَامعهَا وخطيبه أَحْمد بن يحيى حَابِس الدواري وَكَانَ وعَاء من أوعية الْعلم وجادت يَده فِي فقه الزيدية وَله تَكْمِيل شرح الأزهار فِي جلدين والمقصد الْحسن فِي مسَائِل مهمة فِي الْفِقْه وَشرح الكافل وَشرح الثَّلَاثِينَ مسئلة وفيهَا مَاتَ القَاضِي الْعَلامَة الفقهي أَحْمد بن سعيد الهبل الْخَولَانِيّ بِمَدِينَة صنعاء كَانَت لَهُ فِي الْفِقْه على قَوَاعِد الْمَذْهَب الْيَد الطُّولى ودرس فِيهِ وشارك فِي غَيره وَكَانَ لَا يُفْتِي فِي الأوراق إِنَّمَا يُفْتِي بِلِسَانِهِ وقبر بمشهد السَّيِّد الْفَاضِل عبد الله الديلمي بالأبهر

وفيهَا مَاتَ الْفَقِيه النَّحْوِيّ شَارِح الملحمة عبد الحميد بن أَحْمد بن يحيى المعافا بالسودة بلدته وفيهَا توفّي بقرية حوث السَّيِّد فَخر الدّين عبد الله بن عَامر الَّذِي ذكرنَا فِيمَا مضى دَعوته وَكَانَ يعْتَمد مَذْهَب الْهَادِي عليه السلام وَكتبه وَله مؤلف سَمَّاهُ بالتصريح فِي الْمَذْهَب الصَّحِيح

وفيهَا أَو الَّتِي تَلِيهَا مَاتَ بِمَكَّة المشرفة الشَّيْخ الْمُحدث الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَليّ بن عَلان الْبكْرِيّ الصديقي نسبا بِمَكَّة المشرفة فاستفاد بهَا وَأفَاد ودرس فِي الْفُنُون

ص: 128

وَكَانَ عين وقته فِي الحَدِيث وَمن مؤلفاته شرح قَوَاعِد الْإِعْرَاب فِي جلد وَغير ذَلِك وَله فِي الحَدِيث أَسَانِيد عالية استفادها القَاضِي الْعَلامَة صَالح بن مُحَمَّد العياني عِنْد إِقَامَته بِمَكَّة المشرفة فَكَانَ الشَّيْخ جماعا للكتب محبا لَهَا وَلما مَاتَ تَفَرَّقت وَكثير مِنْهَا وصل الْيمن وفيهَا مَاتَ الْفَقِيه الْمُحدث الْفَاضِل عبد الْوَاحِد النزيلي بمحله من المحويت وَهُوَ شيخ الإِمَام مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمفضل فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَالسَّيِّد الْعَالم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن شرف الدّين الجحافي فِي صَحِيح مُسلم قَرَأَهُ عَلَيْهِ بحفاش

وفيهَا هبت ريح عَظِيمَة فِي بِلَاد ذمار فأخربت جانبا من دائر الْقصر وحملت شَيْئا من الْكلاب فِي الْهَوَاء وفيهَا وصل شمس الْإِسْلَام أَحْمد بن الإِمَام من بِلَاد صعدة الى شهارة حَضْرَة أَخِيه الإِمَام وزيارة أَهله ثمَّ تقدم الى صنعاء ليَأْخُذ بهَا عهدا وبمساكنه المألوفة وَبَعض أَوْلَاده الَّذين فِيهَا فَوجدَ معارفها قد تنكرت وَأَحْوَالهَا قد تَغَيَّرت فَلم يطب لَهُ الْمقَام وبادر بِالرُّجُوعِ إِلَى الشَّام

وفيهَا أَو الَّتِي تَلِيهَا توفّي القَاضِي الرئيس يحيى المخلافي كَانَ الْمَذْكُور فِي زمن مُحَمَّد باشا لَهُ قيام مَعَ الإِمَام الْقَاسِم آخر مدَّته ثمَّ لما وَقع صلح الباشا مُحَمَّد للْإِمَام سكن بجهته مواليا للْإِمَام ثمَّ نجم مِنْهُ الْخلاف على أَصْحَاب الإِمَام فِي أَيَّام الباشا حيدر بعد إنتقاض الصُّلْح وَوصل معينا للباشا بجنده حَتَّى بلغ محطة حَده وَكتب إِلَى الباشا يُؤذنهُ بوصوله وخلع طَاعَة الإِمَام وألب عَلَيْهِ مخلافه وَسَائِر

ص: 129

الْخيام وَلما فتحت صنعاء بالخط الْأَغْلَب وَخرج الباشا مِنْهَا خَائفًا يترقب أظهر القَاضِي الأسف وَاعْتذر عَمَّا سلف

وَدخلت سنة إثنتين وَسِتِّينَ وَألف لم يحدث فِيهَا مَا يتوجب رقمه وينظم إِلَى مَا مُضِيّ نظمه

وَدخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف

فِيهَا عَاد الشَّيْخ يحيى روكان الى الْخلاف وشق عصى الإئتلاف وَمنع أَرْبَاب الدولة عَن تَسْلِيم المطالب وَأقَام نَفسه مقَام هَالك فِي الإستبداد مطَالب فسير إِلَيْهِ الإِمَام ابْن أَخِيه عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام وَمَا زَالَ يروغ لَهُ من ساقين إِلَى أَن وضع الْحَدِيد مِنْهُ فِي السَّاقَيْن وَأرْسل بِهِ إِلَى حَضْرَة الإِمَام وتلبث أَيَّامًا لتقرير أَعمال الشَّام فَلَمَّا وصل إِلَى الحضرة أَمر الإِمَام بِرَفْع معلوماته السنوية وخراب دوره الشامية وَبعد أَيَّام جوز الإِمَام من حَاله الإنتظام فَأذن لَهُ بِالْعودِ إِلَى أَهله وَعين لَهُ مَعُونَة فِي عمَارَة الخراب وَإِصْلَاح الْأَسْبَاب

وفيهَا مَاتَ القَاضِي الْعَارِف مُحَمَّد السلَامِي بذمار وَكَانَ الْمدرس فِي تِلْكَ الديار فِي مثل التَّذْكِرَة وَالْبَيَان وَشرح الأزهار والمتصدر للفتيا للسائلين ولقصد الحكومات بَين المتخاصمين إِلَى أَن كف بَصَره وَضعف نظره وفيهَا مَاتَ حَاكم ذمار الفقهي يحيى الشبيبي وَكَانَ السَّبَب فِي عزل عبد الله بن الْقَاسِم لاستنكاره الْأَشْيَاء من أَحْوَاله وَمَا زَالَ عبد الله بن الْقَاسِم يعاود أَخَاهُ الإِمَام إِلَى أَمَاكِن سكونه وَلم يتم لَهُ إرجاع الْبِلَاد حَتَّى آل الْأَمر إِلَى سكونه بَيته بذمار إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله

ص: 130

الْقَبْض على البرتغال الإفرنج والفتك بهم وفيهَا وَقع فَسَاد ببحر القلزم وَذَلِكَ أَن جمَاعَة من الإفرنج الَّذين أسرهم السُّلْطَان فِي حَرْب مالطة كَانُوا تَحت الترسيم ببندر السويس فَهَرَبُوا من البندر وأظهروا كمين الشَّرّ وركبوا بَحر الْيمن يُرِيدُونَ النّفُوذ الى الفرنج الَّذين بِالْهِنْدِ ثمَّ اللحوق بديارهم من وَرَاء جبل الْحَبَشَة فصادفوا قريب القنفذة جلبة عامرة وسفينة الى جدة عابرة فطلبوهم الأزواد ثمَّ مدوا إِلَى مَا فِي أَيْديهم من الامداد وَلما امْتَنعُوا عَنْهُم أخذُوا سفينتهم غصبا وَأتوا على أخرهم قتلا ونهبا ثمَّ توجهوا فِي الْبَحْر سائرين وعَلى هيئتهم عابرين وَحين علم نَائِب اللِّحْيَة النَّقِيب سعيد المجربي ونائب المخاء السَّيِّد الرئيس مُحَمَّد بن أَحْمد أَخذ عَلَيْهِم الْمَوَارِد والمصادر ولزما عَلَيْهِم جَوَانِب الْبَحْر الزاخر وَلما انْتَشَر لِوَاء الْقِتَال طَوَوْا شراع الارتحال وحانت لحينهم ألآجال وقابلهم شُؤْم الفال وَقبض الأميران عَلَيْهِم وَتوجه الإدبار إِلَيْهِم وأدخلوا بندر المخا وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام الراخص لما سبقه من أدران الاثام فمالوا الى الحيف واختارو أَن يعْمل فيهم السَّيْف فَقتلُوا عَن أخرهم وهم زهاء سبعين ووسم بهم من ورائهم من الملاعين

وفيهَا ظهر نيزك فِي الْمشرق غير مستطيل وَللَّه غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض من دَقِيق وجليل وَتعقبه نجم خر من جِهَة الْمغرب الى جِهَة الْمشرق بعد الْعشَاء فَكَانَ لَهُ صَوت كالرعد الشَّديد وفيهَا سَار الإِمَام من السودة إِلَى ظفار دَاوُود

ص: 131

ولبث فِيهِ قدر ثَلَاثَة أشهر ثمَّ عَاد إِلَى السودة وفيهَا مَاتَ القَاضِي الْعَلامَة عبد الله بن أَحْمد الجربي كَانَ عَارِفًا بالفقه مدرسا فِيهِ مفتيا بِمَدِينَة صنعاء

وفيهَا وصل من بِلَاد الحسا وَقيل من الْحجاز شرح لعقيدة الإِمَام المتَوَكل على الله الَّتِي أَنْشَأَهَا وغالبه إعتراضات

وفيهَا أَو الَّتِي قبلهَا وصل حَضْرَة الإِمَام عَالم من الْبِلَاد المصرية يُقَال لَهُ حجازي بن عَليّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الْأَشْعَرِيّ فَأحْسن إِلَيْهِ وَشرح عقيدته شرحين وأهداهما للْإِمَام وفيهَا وصل إِلَى الإِمَام الشَّيْخ جَعْفَر الْوَاعِظ من عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة الخائضين فِي علومهم الظَّاهِرِيَّة والخفية والأصلية والفرعية فَأَقَامَ عِنْده أَيَّامًا واستملى عقيدته وطالت الْمُرَاجَعَة بَينه وَبَين القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن صَالح ابْن أبي الرِّجَال فِي مسئلة الرَّجَاء والشفاعة واحتد طبع كل مِنْهُمَا حَتَّى أَشَارَ الإِمَام إِلَى القَاضِي بتَخْفِيف الْمقَال والقرار فِي الْجِدَال وَلما وصل الْمَذْكُور إِلَى صنعاء اتّفق بَينه وَبَين عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بحث بِتِلْكَ المسئلة بِعَينهَا

وفيهَا وَردت الْأَخْبَار إِلَى الْيمن بوفاة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد خَان وَألقى مقاليد الْملك إِلَى ذِي الْقَهْر وَالسُّلْطَان فاتفق رَأْي الوزراء والأعيان والكبراء على أَن ينْتَصب فِي دست ملكه وَلَده السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ يَوْمئِذٍ بسن الْبلُوغ لكنه ثَابت الجاش كَامِل الحزم نبيه الْقدر وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أخوة يَوْمئِذٍ مُرَاد بن إِبْرَاهِيم وسليم بن إِبْرَاهِيم ضبطا تَحت قيد الترسيم وَأحمد بن إِبْرَاهِيم قَتله أَخُوهُ لأمر حدث مِنْهُ وَلما اجْتمع الْأَمر فِي يَد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أقبل على افتقاد ذَلِك الإقليم وجهز إِلَى طوائف الفرنج كل جَيش عَظِيم فاستفاد الممالك الفاخرة وافتتح الْبلدَانِ العامرة مِنْهَا مَدِينَة مالطة كَمَا يَأْتِي

ص: 132

وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْعَلامَة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحسن بن عَليّ بن دَاوُود بن الإِمَام بمحروس بندر المخا وقبر بحيس وَقيل مَاتَ مسموما وَكَانَ رَئِيسا كَامِلا وضرغاما باسلا حضر حروب صنعاء واليمن وزبيد وأبلا فِيهَا الْبلَاء الشَّديد وَأَبَان عَن شجاعة هائلة ورئاسة كَامِلَة ولاه شرف الْإِسْلَام الْحسن بن الإِمَام بعد فتح الْيمن الْأَسْفَل بِلَاد العدين فاستمر على ولايتها مدَّته وَمُدَّة الْمُؤَيد بِاللَّه وَاسْتمرّ الى مُدَّة المتَوَكل على الله ثمَّ زَاده بندر المخا وبلاد حيس وَمَا إِلَيْهَا من المخاليف فَكَانَ كَذَلِك حَتَّى مَاتَ وَكَانَ عَامل المخا قبله النَّقِيب سعيد بن ريحَان وَله شرح على كَافِيَة بن الْحَاجِب

وفيهَا أعَاد صفى الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وزار تربة النَّبِي عَلَيْهِ وعَلى آله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَيذكر أَنَّهَا فتحت لَهُ قبَّة جده بالعناية بعد أَن تشمس عَن فتحهَا أهل الْولَايَة وَالَّذِي ذكره لي الشَّيْخ مصطفى بن فتح الله الْحَمَوِيّ عِنْد وفوده إِلَى صنعاء أَن الصفي عرض على الآغا أَن يدْخلهُ الْقبَّة المنورة ليتملى بِتِلْكَ التربة المطهرة فَامْتنعَ وتعلل بأعذار فَلَمَّا أقنعه بالاياس عدل إِلَى شَفَاعَة الأكياس فَبعث إِلَيْهِ على وَجه الْخفية بجملة من الذَّهَب الْأَحْمَر فَانْقَلَبَ طبع الطواشي وَعَاد تشمسه إِلَى التلاشي وَأنْشد مِنْهُ لِسَان الْحَال ملاطفا للصفي بقول من قَالَ

(ونبئت ليلى أرْسلت بشفاعة

إِلَيّ فَهَلا نفس ليلى شفيعها)

ص: 133

(أأكرم من ليلى عَليّ فأبتغي

بِهِ المَال أم كنت أمرأ لَا أطيعها)

فَفتح لَهُ الْمقَام الْأَزْهَر وَقضي مِنْهُ جَمِيع الوطر وَكَانَ بعد أحيان انْتَبَهت للآغا عُيُون السُّلْطَان فزحلفوه عَن ذَلِك الْمقَام وجرعوه كؤوس الْحمام الشَّيْء بالشَّيْء يذكر

أَخْبرنِي سَيِّدي السَّيِّد المقامر غُصْن السِّيَادَة المورق وَروض الْمجد وَالْكَرم المؤنق الْحسن بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم حماه الله أَنه أَيَّام جواره الْقبَّة النَّبَوِيَّة وإقامته بِالْمَدِينَةِ المحمية حاول الولوج إِلَى حَضْرَة جده للتملي بِتِلْكَ الْبقْعَة الطاهرة والتشفي بآثار الْغرَّة الزاهرة فَامْتنعَ ذَلِك الآغا وتعدى بِمَنْعه عَن بَيت أَبِيه وبغا قَالَ فداخلني من الإكتئاب مَا قدم وَحدث وَاشْتَدَّ بِي الكرب وَعظم على الْخطب ثمَّ أَنِّي واجهت الحضرة النَّبَوِيَّة بِكَلَام مضمونه إِن كنت من أولادك يَا أَبَت فَلَا شَيْء يحول بيني وَبَيْنك من هولآء الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم خدمك وداخلتني مَعَ ذَلِك عِبْرَة وانكسار فَلم أشعر إِلَّا بالآغا يلاطفني فِي الْمقَال ويستدعيني إِلَى حَضْرَة الْكَمَال فبادرت بِالدُّخُولِ وقر خاطري بالمثول وأسرجت الْقَنَادِيل من أَيمن الدَّاخِل وظفرت من الْعِزّ المنيع والجاه الرفيع بطائل وَأنْشد لِسَان حَالي وَقد أسعفني سُؤَالِي

(ان يدن مني فلي فِي قربه نسب

أويناء عني فَفِي عرنينه شمم (

ثمَّ ظهر لَهُ من بعد أَنه انْكَسَرَ أحد الْقَنَادِيل وصرخ صراخا اذن الآغا بِمَا كشف لَهُ الغطا عَمَّا صدر مِنْهُ من الْخَطَأ

(كَرَامَة لم يحزها غَيره أبدا

وَلَا تبختر فِي أثوابها القشب)

وَفِي هَذِه الْمدَّة اسْتَقر عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بِصَنْعَاء وَتوجه إِلَيْهِ مُعظم السياسات والأوامر والنواهي فِيهَا وَفِيمَا حواليها من الْبِلَاد وضج لذَلِك الْعمَّال وَبَطل عَلَيْهِم أَكثر الْأَعْمَال لكَوْنهم يعلمُونَ مَا لَهُ من البسطة فِي الْبِلَاد وَقُوَّة الْيَد

ص: 134

فِي الإصدار والإيراد وفيهَا أَو الَّتِي بعْدهَا حولت المجزرة بِمَدِينَة صنعاء الى بَاب الْيمن وَجعل لذَلِك واستصلاحه سجل سعى فِيهِ الْفَقِيه مُحَمَّد أَفَنْدِي ورسمت فِيهِ أَعْيَان أهل صنعاء وَكَانَ محلهَا سوق الْحَطب

وَدخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف فِيهَا خطب بدر بن عمر الكثيري صَاحب حَضرمَوْت والشحر وظفار للْإِمَام فَقبض عَلَيْهِ ابْن أَخِيه بدر بن عبد الله بن عمر وكبرآء دولته وخلعوه عَن الْأَمر ووضعوه فِي الْحَدِيد وأطالوا لَهُ الزّجر والتهديد ونصبوا ابْن أَخِيه فِي دسته وأقاموه فِي تخته وَحين بلغ الإِمَام مَا صنعوه هم بالتجهيز عَلَيْهِم وَقدم الرسائل إِلَيْهِم وَفِي شهر رَجَب مِنْهَا سَار الإِمَام من السودة إِلَى مَدِينَة صنعاء فَلَمَّا وصل عمرَان تَلقاهُ الْأَمِير الخطير النَّاصِر صَاحب كوكبان واستدعاه إِلَى حصنه المنيع وسوحه الوسيع وأضافه بِمَا يتحمله مثله من الْمُلُوك الكرماء والسادة العظماء ثمَّ أَن الإِمَام سَار الى ثلاء وَطَاف قلعته الشامخة وقنته الباذخة وَهِي من شوامخ القنن ومصانع الْيمن وَلَا سِيمَا فِي نظر المطهر بن الإِمَام فَإِنَّهَا كَانَت أَعلَى من قاسيون وَأَعْلَى من شمام اتخذها وَكُنَّا من مصائد الصدام وحرزا من

ص: 135

مَكَائِد الأروام وطالما طلع بدر عزيمته مِنْهَا فانبلج واختلج سهم قَصده فِي خريطها ففلج وَلما انْقَضى مرام الإِمَام جرد الْعَزْم الى مَدِينَة سَام فَلبث بهَا إِلَى آخر شعْبَان ثمَّ سَار بخيله ورحل الى ضوران

وَدخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف عزت فِيهَا الأمطار وَارْتَفَعت من أجلهَا الأسعار سِيمَا فِي بِلَاد الصعدية وَمَا والاها من تِلْكَ الْبِلَاد الشامية

التَّجْهِيز على الشَّيْخ حُسَيْن الرصاص وَفِي صفرها أَمر الإِمَام بحشد الْجنُود وزف البنود إِلَى بني أَرض لإِصْلَاح فاسدها وتقويم مايدها فَاجْتمع لأَوْلَاد أخوته وأمير كوكبان زهاء عشرَة الآف من مقاتلة الرِّجَال وَألف عنان من الْخَيل وأكثرها لعز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام فأنفذ قبل ذَلِك رسائله إِلَى الشَّيْخ حُسَيْن الرصاص لِأَنَّهُ أول قفل لتِلْك الأقفاص وَإِلَيْهِ التَّصَرُّف فِي بِلَاد بني أَرض وَأما مَا يَليهَا كبلاد دثينة فَإلَى الهيثمي وَمن خَلفه العولقي وَمن خَلفه الواحدي وَمن خَلفه الفضلي وبلاد هَؤُلَاءِ تَحت رسمهم متصله

ص: 136

بحضرموت فَلَمَّا علم الرصاص بِمَا أجمع عَلَيْهِ الإِمَام شمخ بالعرنين وبرز بروز لَيْث العرين وحشد قبائل الْبِلَاد وحرض على التأهب فِي أغوارها والأنجاد وَرَأى أَن نُفُوذ العساكر إِلَى خَلفه دلَالَة على عَجزه وَآيَة على ضعفه فَرَكزَ نَفسه هدفا للحين وانتقش فِي رق تاموره قَول أَحْمد بن الْحُسَيْن

(غير أَن الْفَتى يلاقي المنايا

كالحات وَلَا يلاقي الهوانا)

(وَإِذا لم يكن من الْمَوْت بُد

فَمن الْعَجز أَن تكون جَبَانًا)

فترتب هُوَ والعولقي وعسكرهما بِنَجْد السّلف وجنحا بِبَقِيَّة السلاطين من أَمَام وَخلف وَكَانَ قَلِيل من أَصْحَاب الإِمَام قد نفذوا إِلَى الزهراء وَهِي مِمَّا غلب عَلَيْهِ الرصاص وَكَانَت فِي الأَصْل للقايفي ثمَّ تقدم جمَاعَة إِلَى قَرْيَة بِالْقربِ مِنْهَا تسمى بِذِي كريش وَلما سئم الرصاص من الإنتظار بَادر إِلَى ذِي كريش بِجَيْش جرار فَعدم التبصر بِرَأْيهِ والإستضاءة وبادر إِلَى أَمر كَانَ لَهُ فِيهِ أناءه ودارت بِهِ الدَّوَائِر وَزَالَ عَنهُ قَول الشَّاعِر

(قد يدْرك المتئاني بعض حَاجته

وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل)

فَإِن أُمَرَاء الإِمَام لما جَاءَتْهُم الْعُيُون بِمَا أزمع عَلَيْهِ الرصاص من ذَلِك الإنتهاز والإفتراص رموا بنفوسهم إِلَى نجد السّلف وَبَادرُوا إِلَيْهِ يَوْم الْخَمِيس رَابِع ربيع الآخر فَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة وانقض جمعهم بكرَة على الشَّيْخ وَمن إِلَيْهِ فقصد صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن مركزه وَهُوَ الْمقَام الأول والمركز الْمعدل فاشتجرت الرماح وَاشْتَدَّ الكفاح وَاخْتلفت الرصاص ونادى لِسَان الْحَال ولات حِين مناص وحزت الرؤس وتداعت إِلَى فنائها النُّفُوس وَلما حمى الْوَطِيس وهدرت الْأَبْطَال بشقائق العيس وَقد أبان الصفي عَن تحليق الْعقَاب وشجاعة حيدر فِي الْيَوْم الَّذِي إقتلع فِيهِ الْبَاب انخزل عَن الرصاص منصر

ص: 137

العولقي وَتَأَخر عَن دَائِرَة المركز للهول الَّذِي لقى وَتَبعهُ قبائل يافع بِمن بقى وَثَبت للكفاح الرصاص وَصَارَ وَقَومه دريه للرماح وهدفا للرصاص وَفِي أثْنَاء هَذَا الإلتحام عطف عَلَيْهِم من جَانب الْوَادي عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام فاتفق الفشل من الْجَانِبَيْنِ وركبتهم موجات الْبَحْرين وَأمر أَصْحَابه صفي الْإِسْلَام بترك الرَّمْي فاخترطوا السيوف وَأَقْبلُوا على الحتوف وَاخْتَلَطَ الْفَرِيقَانِ حَتَّى اغبر الدو وإصطدمت الهامات فِي الجو وانجلت المعركة عَن قتل حُسَيْن الرصاص ورسب فِي حبائل الإقتناص فَحمل رَأسه بعد قطعه بالحزام إِلَى أَن مثل بِهِ فِي حَضْرَة الإِمَام والذاهب من أَصْحَاب الصفي قدر سِتِّينَ نَفرا وَمن سَائِر الأجناد من الْجَانِبَيْنِ خلق كثير وَانْهَزَمَ صَالح الرصاص بحشمه وحريمه إِلَى الْبَيْضَاء وانتهبت العساكر مَا وجدته فِي الْبِلَاد من الأثاث والأسلحة والأمتعة ثمَّ واجه بعد ذَلِك صَالح الرصاص على بِلَاده وقبائله

وَلما انْقَضتْ هَذِه الملحمة تَوَجَّهت الدائرة على الْبِلَاد اليافعية فَأرْسل إِلَيْهِم أَوْلَاد الإِمَام وحرضوهم على الطَّاعَة والإئتمام فأصروا على قَبِيح أفعالهم وانحازوا جَمِيعًا إِلَى شَوَاهِق جبالهم فَسَار بعض الْجند إِلَى الْخلقَة وتبعهم عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام فاستقر بهَا يَوْمَيْنِ يظْهر الإلتماس ويجس أَحْوَال النَّاس وَقد كَانَ يصل إِلَى قريب جبل العر فيراه قد إمتلأ من قبائل يافع

وَفِي خلال هَذَا وصلت الْأَخْبَار بِأَن الشريف سَالم بن حُسَيْن الْحُسَيْنِي قادم من حَضرمَوْت بغارة إِلَى يافع فتجهز عَلَيْهِ السَّيِّد الْمِقْدَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام إِلَى دثينة فَقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق وَرمى جُنُوده بالتمزيق فَعَاد إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وأسنته فِي الصعاد وسيوفه فِي الأغماد وَفِي نَهَار الْإِثْنَيْنِ تَاسِع عشر جمادي

ص: 138

الْآخِرَة تقدم مُحَمَّد بن الْحُسَيْن إِلَى ذيل جبل العر لإستخراج يافع فَنزل جمَاعَة مِنْهُم إِلَى سفح الْجَبَل فاشتجر الْحَرْب بَينهم وقاتلوا بالبنادق فَقتل من عَسْكَر عز الْإِسْلَام نَحْو أَرْبَعَة عشر نَفرا وَأُصِيب بجراح قدر الثَّلَاثِينَ ثمَّ حملُوا على أهل العر بسفح الْجَبَل فهزموهم إِلَى أَعْلَاهُ واتصل الضَّرْب فِي أَعْقَابهم ثمَّ طلع عَسْكَر الإِمَام وخيله إِلَى أعلا الْجَبَل وَاخْتَلَطَ الْجَمِيع وَحصل الإستيلاء على رَأس جبل يافع وقفله الْجَامِع وَدخل الْجند إِلَى بِلَاد مرفد وَبَاتُوا بهَا وَكَانَ الْمُتَوَلِي لهَذِهِ الملحمة الْأُخْرَى فيهم السُّلْطَان عبد الله بن هرهرة وَمَعَهُ رايات الشَّيْخ الحبيب وَلَهُم فِيهِ إعتقاد عَظِيم وَهُوَ شرِيف من أَوْلَاد الشَّيْخ أبي بكر بن سَالم من آل باعلوي

وَلما علم يافع باستقرار عَسْكَر الإِمَام بمرفد إجتمعوا من كل أَوب يَوْم الثُّلَاثَاء الْعشْرين من جمادي الْآخِرَة وَأَحَاطُوا بمرفد وَرَأى عَسْكَر الإِمَام أَن الرَّأْي مَعَ كثرتهم أَن لَا يخرجُوا إِلَيْهِم فيتركون لَهُم سورتهم حَتَّى يفلوا شوكتهم وترجح لجَماعَة من الْعَسْكَر النُّزُول فَقتل مِنْهُم من قتل وَفِي خلال ذَلِك وصل صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن وَكَانَ بالبيضاء فَلَمَّا صَحَّ وُصُوله وَضربت هُنَاكَ طبوله ولوا الأدبار وَاسْتولى عَلَيْهِم الإدبار ثمَّ طلبُوا بعد ذَلِك الْأمان فبذل لَهُم وَدخلت الأجناد إِلَى الموسطة وَلما سكنت الزعازع وَصلح أَمر يافع عَاد الْأُمَرَاء الْأَعْلَام إِلَى حَضْرَة الْخَلِيفَة الإِمَام وَأمرُوا على الْبِلَاد السَّيِّد الرئيس شرف الدّين بن المطهر بن عبد الرَّحْمَن بن المطهر بن الإِمَام شرف الدّين وَكَانَ على أَوْلَاد الإِمَام أَن يتلبثوا فِي الْبِلَاد بالجنود وَأَن لَا يسرعوا بعد قَضَاء تِلْكَ المآرب إِلَى الْوُفُود

وَلما بلغ سُلْطَان حَضرمَوْت هَذَا النَّصْر الجسيم وَالْفَتْح الْعَظِيم أطلق عَمه من قيد الترسيم وأشعر الإِمَام بِالطَّاعَةِ وَإِثْبَات الْخطْبَة وَالْجَمَاعَة فَأرْسل إِلَيْهِ

ص: 139

الإِمَام الْأَمِير صَالح بن الْحُسَيْن الجوفي فَلَمَّا وصل هُنَاكَ وجد الْأَمر على حقيقتة وَعَاد الْأَمِير وَقد صلحت تِلْكَ الديار وَوجه إِلَى بدر بن عمر ولَايَة ظفار

وفيهَا عَاد الشَّيْخ روكان إِلَى عناده وحن إِلَى مَا أَلفه من فَسَاده فَجهز عَلَيْهِ الإِمَام من قَصده إِلَى عقر دياره وعطله عَن وساوسه وأوطاره وفر هَارِبا إِلَى شهارة مستشفعا بالحسين بن الْمُؤَيد بِاللَّه فَأَعْرض عَنهُ فَسَار إِلَى حَضْرَة الإِمَام ضوران فأنزله بدار الهوان وأذاقه لِبَاس النكث والعدوان

وفيهَا وفدت الْأَخْبَار أَن الباشا بِمصْر عزل الباشا الَّذِي بسواكن لأسباب جَارِيَة وأحوال متقاضية

وَفِي شهر ذِي الْحجَّة عرف أَوْلَاد الإِمَام عَاقِبَة الرَّأْي الَّذِي رَآهُ الْخَلِيفَة وَهُوَ أَن لَا يرتفعوا عَن بِلَاد يافع حَتَّى تَسْتَقِر الْقَوَاعِد وتعرف الْمَقَاصِد فَإِن ابْن الْعَفِيف تغلب على الْبِلَاد وطرد عَامل الإِمَام بِالسُّيُوفِ الْحداد وَأخرجه من الْجِهَة اللحجية ونسى هُوَ ويافع تِلْكَ الْقَضِيَّة وَخرج السَّيِّد شرف الدّين على قَدَمَيْهِ حافيا وَقتل بعض أَصْحَابه فَلَمَّا بلغ الإِمَام هَذَا الْخلَل وَمَا صنعه ابْن الْعَفِيف ويافع من قَبِيح الْعَمَل انتدب للدخول إِلَيْهِم وَلَده السَّيِّد الناسك مُحَمَّد بن المتَوَكل وَكَانَ يَوْمئِذٍ فِي سنّ الْبلُوغ لكنه من الرسوخ فِي سنّ الشُّيُوخ وبادر إِلَى الدُّخُول خشيَة من أَن ينجم خلاف الرصاص وَقد أنتهبت عقب هَذَا الْخلاف قافلة بِنَجْد السّلف فَسَار بِمن مَعَه حَتَّى دخل الْبَيْضَاء وَاسْتقر بهَا ثمَّ أحتث الإِمَام أَوْلَاد إخْوَته الْأَعْلَام فَسَارُوا جَمِيعًا ثمَّ تَتَابَعَت الأجناد إِلَى الْبَيْضَاء ثمَّ إِلَى بِلَاد الموسطة بِلَاد بن هرهرة لِأَنَّهُ لم يظْهر مِنْهُ شقَاق وَإِن كَانَ فِي الْبَاطِن مَعَ صَاحبه بالإتفاق

وفيهَا مَاتَ الشَّيْخ الْعَارِف أَحْمد القيرواني الْمَالِكِي المغربي وصل إِلَى صنعاء

ص: 140

فِي دولة الْمُؤَيد بِاللَّه ثمَّ سَار إِلَى مَكَّة لِلْحَجِّ ثمَّ بعد أَن اسْتَقر هُنَاكَ مُدَّة عَاد إِلَى الْيمن وَمَعَهُ كتبه لَا يفارقها فَقبض بِصَنْعَاء للتاريخ وَقبض كتبه القَاضِي الْحُسَيْن ابْن يحيى السحولي إِلَى أَن يظْهر وَارثه

وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْعَلامَة صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن يحيى بن الْهَادِي الجحافي الحبوري بِبَلَدِهِ حبور كَانَ متقنا وَذَا عناية بِالْحَدِيثِ وَله فِيهِ مستجازات من الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن مطير وَغَيره وَهِي مَجْمُوعَة عِنْدِي بِخَطِّهِ رحمه الله وَكَانَ حَاكم حبور وَإِمَام جَامعه وَله فِي الْفَرَائِض تأليف حسن خرج فِيهِ الْأَحَادِيث من أُصُولهَا وَكَانَ يرى رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الإفتتاح وَوضع الْكَفّ على الْكَفّ كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَأَعْلَى مَا وَقع لَهُ من طرق الحَدِيث مَا يرويهِ عَن الشَّيْخ الْعَلامَة عَليّ بن مُحَمَّد بن مطير عَن عَمه عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن مطير عَن القَاضِي زَكَرِيَّا عَن الشَّيْخ بن حجر الْعَسْقَلَانِي بأسانيده الْمَعْرُوفَة وَمن شعره

(وَإِذا أسبل الظلام رواقا

وهدا معشر بِهِ واستراحوا)

(فَأَنا رَافع الأكف إِلَى من

خطرة الْقلب عِنْده إِيضَاح)

(قَائِلا رب أَنْت تعلم بِالْحَال

فَفِيمَ السُّؤَال والإلحاح)

ص: 141

(ولعمري مَا يهدم الْيَأْس ظَنِّي

والإله المؤمل المستماح)

(لَو تكون السَّمَاء وَالْأَرْض رتقا

أَو تحول السيوف والأرماح)

(هَذِه سنة الْأَوَائِل من قبل

بهَا طَال مَا استراحوا وراحوا)

(كلما جَاءَهُم من الْيَأْس كأس

فَلهم فِي رحبائهم أقداح)

وفيهَا مَاتَ بِبِلَاد عذر السَّيِّد الْعَارِف حَاكم الشَّرِيعَة بهَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن المحرابي ويروى عَنهُ أَنه كَانَ يمِيل إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي

وَدخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف فِيهَا تحرّك جند الإِمَام إِلَى ابْن الْعَفِيف والناخبي فالتقاهما الشَّيْخَانِ وَمن مَعَهُمَا بِحَرب عوان وميل إِلَى الْخلاف والطغيان ورتبوا لَهُم الْأَحْزَاب فِي ظُهُور الهضاب وبطون الشعاب وَمَا زَالَ سعير الْحَرْب حامية وأحوال الْفَرِيقَيْنِ متكافئة إِلَى أَن جَادَتْ صولة أَصْحَاب الإِمَام وخفقت برِيح نَصره الْأَعْلَام فَانْهَزَمَ ابْن الْعَفِيف وَآل كَيْله إِلَى التطفيف ثمَّ هتف بالأمان والوصول فأسعف إِلَى مَا يَقُول وَوصل إِلَى الموسطة ثمَّ أرسل بِهِ من حِينه إِلَى حَضْرَة الإِمَام وَلما وافى الحضرة بضوران لم يلبث غير قَلِيل من الْأَيَّام وتجهز إِلَى ثغر الْحمام وَصلى عَلَيْهِ الإِمَام صَلَاة الْجِنَازَة وَحضر غسله وجهازه وَأما الناخبي فَإِنَّهُ قَاتل بعد صَاحبه بعض الْقِتَال وَذهب على يَدَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَاب الإِمَام من آنس وَغَيرهم ثمَّ دخل فِيمَا دخل فِيهِ الْعَفِيف فَأخذ لَهُ الْأمان ثمَّ ذكر عَن أهل آنس أَنهم غدروا بِهِ بِسَبَب مَا صنعه بأصحابهم فَقَتَلُوهُ

وَبعد هَذِه الملحمة الْأُخْرَى أذعن أهل يافع بِالطَّاعَةِ من حد العر إِلَى عدن وَهِي بِلَاد وَاسِعَة ذَات أرزاق نافعة وَوصل إِلَى الحضرة أَعْيَان الْمَشَايِخ كالشيخ عبد الله بن هرهرة وَغَيره وَلما وصل الشَّيْخ صَالح بن أَحْمد الرصاص إِلَى حَضْرَة الإِمَام خلع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يجر مِنْهُ خلاف فِي هَذَا الْحَرْب وَأَعَادَهُ إِلَى بِلَاده واستبقى ابْن هرهرة لَدَيْهِ ثمَّ ترجح للْإِمَام أَن يَأْمر الْأُمَرَاء الَّذين بيافع أَن يقبضوا السِّلَاح من أهل يافع ويوصلوه إِلَى حصن الدامغ فَقبض وَوصل بِهِ أهل يافع على ظُهُورهمْ وأودع خزانَة الْحصن ثمَّ

ص: 142

أرسل الإِمَام الشَّيْخ مُحَمَّد بن الْحَاج أَحْمد الْأَسدي إِلَى بِلَاد بيحان حَضْرَة الشريف طَالب بن حُسَيْن الجوفي الحمزي فَسَار إِلَيْهَا وَعَاد بالأمير إِلَى الحضرة وَجعل الإِمَام ولَايَة الْبَيْضَاء ويافع إِلَى ابْن أَخِيه شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن فاستمر عَلَيْهَا على الْوَجْه الْحسن وَاسْتقر بالبيضاء أَولا ثمَّ برداع وَجعله مُنْتَهى الإستقرار إِلَى أَن طَرَأَ من الشعار مَا هُوَ مَذْكُور

وَفِي شهر رَمَضَان مِنْهَا خسف الْقَمَر ببرج الجدي وفيهَا تَأَلُّبُ جمَاعَة من أهل صنعاء وصوفيتها على البانيان بِسَبَب تَغْيِير قانون البيع وَالشِّرَاء واستعلائهم فِي الْخَانَات على الْمُسلمين وَغير ذَلِك وعدوه من مفاسدهم وراموا إخراهم لَو تمّ لَهُم ذَلِك فَلَمَّا بلغ الإِمَام أنكر عَلَيْهِم مَا صنعوه وعرفهم أَنهم فِي جوارهم بإداء الْجِزْيَة وَأَن لَا بُد من برهَان شَرْعِي يسْتَند إِلَيْهِ فِي خرم الذِّمَّة وَيصِح السُّكُوت عَلَيْهِ ثمَّ أودع جمَاعَة مِنْهُم بعض الْحُصُون وأطلقهم بعد أَيَّام

وفيهَا هم الإِمَام أَن يُجهز على الْحَبَشَة بِسَبَب مَا اتّفق مِمَّا وَصفه القَاضِي الْحسن الحيمي وتحريضه للْإِمَام بالقصائد وَلم يتم لَهُ ذَلِك

وَفِي شهر شعْبَان ورمضان مِنْهَا إشتد ألم الخانوق بِصَنْعَاء حَتَّى خرج مِنْهَا لَيْلَة عيد الْفطر قدر ثَلَاثِينَ جَنَازَة وَللَّه الْأَمر

وَفِي آخر رَمَضَان أنصب مطر الخريف فانتعمت الأَرْض وَوصل السَّيْل الْعَظِيم إِلَى بَاب الخَنْدَق بِصَنْعَاء فأخرب جانبا من عُقُود الدائر وبيوتا من السائلة ثمَّ تكَرر فأخرب بَقِيَّة الْعُقُود من الطَّرفَيْنِ وَدفن غيول السد المستخرجة وَخرج بعضه من بَاب السجة وَلَوْلَا إنكسار الخَنْدَق الْأَسْفَل لركب الْمَدِينَة وأخرب فِيهَا مَا شَاءَ من الْبيُوت

ص: 143

وفيهَا عبر مُحَمَّد سعيد رَسُول ملك الْهِنْد إِلَى صَاحب الرّوم يستصرخ بِهِ على سُلْطَان الْعَجم لما أَخذ عَلَيْهِ من أَطْرَاف بِلَاده وَمن الْجِهَة الجنوبية وَيطْلب مِنْهُ أَن يَشن عَلَيْهِ الغارات من الْجِهَة الشمالية العراقية فَيحصل بذلك التَّنْفِيس عَلَيْهِ فَاعْتَذر السُّلْطَان عَن ذَلِك صُحْبَة رَسُوله بِمَا بَينه وَبَين سُلْطَان الْعَجم من الصُّلْح الْمَعْقُود وَالْإِيمَان والعهود

وَفِي صفرها استراح إِمَام الزَّمَان عَن حَال الشَّيْخ يحيى بن روكان وَآل خِلَافه إِلَى وفَاق وترشف أفاوريق الْمَوْت بكأس دهاق وَكَانَ مَوته بِحَبْس الإِمَام بضوران

وفيهَا استدعي السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عَليّ الشَّامي بِسَبَب أَن وَلَده قتل مَمْلُوكا لَهُ فوصل إِلَى حَضْرَة الإِمَام وأوضح لَهُ حَال العَبْد الْمَقْتُول وَإِن قَتله كَانَ مدافعة وَبرهن على أَن الْمَذْكُور رمى وَلَده بِحجر عَظِيمَة من أَعلَى سطح لَو أَصَابَته لما كَاد ينجو مِنْهَا فعذر الإِمَام وَلَده

وَفِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفرها توفّي السَّيِّد الْمقَام صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِمَدِينَة صعدة وَكَانَ أكبر سنا من أَخِيه المتَوَكل على الله محبا للصدقات والمآثر الْحَسَنَة وَمِنْهَا الْحَسَنَة الْجَارِيَة والمنقبة الْعَالِيَة جَامع الرَّوْضَة وَوَقع على الْكَيْفِيَّة الَّتِي يقطع من شَاهدهَا أَنَّهَا بر مَوْصُول وَعمل متلقى بِالْقبُولِ حَتَّى قَالَ بَعضهم

(لَا تحسب الْجَامِع فِي رَوْضَة

وَإِنَّمَا الرَّوْضَة فِي الْجَامِع)

ووقف عَلَيْهِ مَا يقوم بِهِ من ذَلِك السمسرة بسوق الْعِنَب وَغَيرهَا وَمن مأثره سمسرة الأزرقين عمرها بِوَصِيَّة من زَوجته بنت المعافا وسمسرة ريدة

ص: 144

وَغير ذَلِك وَوجه الإِمَام ولَايَة صعدة لوَلَده جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد وَكَانَ رحمه الله قد أَشَارَ على الإِمَام بترك أَمريْن أَحدهمَا ترك الصر الَّذِي يصير إِلَى مَكَّة مَعَ أَمِير الْحَج وَالثَّانِي فتح يافع تفرسا من أَنه لَا يَنْضَبِط الْأَمْرَانِ فَكَانَ الْأَمر كَمَا حدس

وفيهَا وَقع بَين ذَوي مُحَمَّد وَذَوي حُسَيْن من برط أحن وقتال وَذهب فِيهِ من البطنين جمَاعَة وهم على رجل وَاحِد

وفيهَا أنشأ السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن الْجلَال رِسَالَة إستشكل فِيهَا التَّخْرِيج على يافع وأنجر كَلَامه إِلَى أَطْرَاف وَقد كتبت مِنْهَا بخطي وَيُمكن المناقشة لبَعض أطرافها وَقد كتب عَلَيْهَا بعض أهل وقته جَوَابا شغل فِيهِ القرطاس واستنتج من غير قِيَاس

(وَابْن اللَّبُون إِذا مَا لز فِي قرن

لم يسْتَطع صولة البزل القناعيس)

وفيهَا وصلت إِلَى الْيمن نُسْخَة من كتاب فتح المتعال فِي مدح النِّعَال للشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْمقري الْمَالِكِي التلمساني الأَصْل والمولد الفاسي الدَّار نزيل الْقَاهِرَة المحروسة وَكَانَ قد صنف قبله فِي ذَلِك بن عَسَاكِر والشيبي

ص: 145

وَفِي هَذِه السّنة خرج إِلَى الْيمن أَيْضا كتاب رَيْحَانَة الألبا وزهرة الْحَيَاة الدُّنْيَا وَقد ذكر هُوَ أَيْضا فِي النَّعْل الشريف مبحثا وَأورد جملَة من المقطعات المسمي وَأَحَدهمَا دوبيت وَهُوَ بِالدَّال الْمُهْملَة ود وَلَفظه فارسية مَعْنَاهَا اثْنَان بالعربي وَمِنْه مَا جَاءَ فِي حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي التمريك يَك وَالْعِنَب دودو ويك لَفْظَة فارسية لِمَعْنى وَاحِد فَالْمَعْنى من دوبيت بيتان وَضَبطه بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة تَصْحِيف وَمِمَّا وَقع لي فِيهِ

(أَي محرق مهجتي بنيران جفاك

قد عز بصبري كَمَا عز وفاك)

(لَا تطفي يَا نور عَيْني حرقي

إِلَّا أَن أرشفتني ثناياك وفاك)

وَقد سبق للشَّيْخ شهَاب الدّين الخفاجي ذكر فِي أول هَذَا الْمَكْتُوب وفيهَا وصل درويش من الْهِنْد إِلَى صنعاء بِحَدِيث من أكْرم غَرِيبا فِي غربته فَكَأَنَّمَا أكْرم سبعين نَبيا مُرْسلا وَمَا زَالَ يطرحه تجاه الْمُصَلِّين يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ زَاد فِيهِ بعد أَيَّام بعد قَوْله فِي غربته فِي بَيته وَهُوَ مِمَّا لَا أصل لَهُ وَلَا ذكره السنخاوي وَلَا سَيِّدي أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد فِي الْأَحَادِيث الدائرة على الْأَلْسِنَة وَلَا الديبع فِي تَمْيِيزه وَمَا عَلَيْهِ شَيْء من طلاوة الحَدِيث النَّبَوِيّ

وَدخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف فِي صفرها وصل السَّيِّد صارم الدّين

ص: 146

إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي إِلَى الحضرة المتوكلية ونال من التَّعْظِيم مَا هُوَ أَهله وَبعد مُضِيّ شَهْرَيْن أنفصل عَن الحضرة إِلَى حَضْرَة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن فَتَلقاهُ بالرحب والأنعام والتفضل الْعَام ثمَّ عَاد بِلَاده وَقد أقطعه الإِمَام جانبا من الْبِلَاد كَمَا سلف فاستقر فِي مَحَله وعمره بإحياء الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة وتفتيح غُضُون الْمسَائِل العلمية مَعَ حُضُور أَصْحَاب وَأَوْلَاد وأحباب أَجلهم قدرا وأسماهم سرا وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة التقي الْكَرِيم صفي الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم

وفيهَا وصل من قبائل بحدود الْبَصْرَة من بِلَاد الخميلي البديع مَا بَين الحساء والدواسر مَكْتُوب يذكرُونَ اشتياقهم الى أَن يتدوا لَهُم الإِمَام ويسلموا إِلَيْهِ واجبهم لما بَلغهُمْ من عدله وَلم يتم ذَلِك لبعد الديار والابدان وَكَون تِلْكَ الْجِهَة مِمَّا يضبطه نَائِب السُّلْطَان بن عُثْمَان وَهُوَ أقرب إِلَيْهِم وَأَشد فِي الوطئة عَلَيْهِم

وفيهَا جَاءَت الْأَخْبَار أَن جند السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم استولى على الْبَعْض من بِلَاد مالطة وَأسر عَالما من النَّصَارَى وَفِي رمضانها خسف الْقَمَر ببرج الجدي ورخصت الأسعار عقيب تِلْكَ الأمطار وَفِي ربيعها أرسل الإِمَام القَاضِي شرف الدّين الْحسن بن أَحْمد الحيمي الى أَمِير حَضرمَوْت فَسَار إِلَيْهَا ودخلها

وفيهَا أعَاد صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام حصن ذمرمر الى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْعِمَارَة وَحسن الْبَهْجَة والنظارة وأسكن أَهله فِيهِ وَفِي الْغِرَاس وَبَينهَا فِي الأفراح وتربية الْأَرْوَاح تقَارب وجناس وَلما استوطنهما سَيِّدي صَلَاح الْإِسْلَام صَلَاح بن أَحْمد بن عبد الله أَيَّام إِقَامَة وَالِده فِيهِ أثْنَاء الدولة المطهرية وعقب الْأَيَّام المتوكلية قَالَ فيهمَا

(لله أيامي بِذِي مرمر

وَطيب أوقاتي بسفح الْغِرَاس)

ص: 147

(وَالْجِنْس منضم إِلَى جنسه

وَأحسن النّظم نظام الجناس)

(والشمل مَجْمُوع بِمن ارتضى

والسر فِيهِ السِّرّ وَالنَّاس نَاس)

(وللصبا غُصْن إِذا هزه

نسيم أنفاس صبا الْوَصْل مَاس)

(وسفح حذان الى جَانِبي

غضران من تِلْكَ الربوع الاناس)

(ملاعب تجْرِي بهَا خَيْلنَا

فِي السّلم وَالْحَرب شَدِيد المراس)

(والشامخ الْفَرد لنا موئل

يمنعنا الله بِهِ كل باس)

(لَهُ من الزهر نطاق وَمن

جود غوادي المزن أبهى لِبَاس (

وَلَعَلَّه كَانَ مَعَه زَوجته ابْنة خَاله السَّيِّد الْعَلامَة جمال الدّين عَليّ بن أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله شرف الدّين فَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله والشمل مَجْمُوع بِمن ارتضى وَانْظُر الى رقة هَذَا النظام وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الإنسجام وَلَوْلَا كَرَاهَة مدح الْآبَاء لفتشت زهوره وسلسلت نهوره وَله من هَذَا النمط مَا يعلق بالأرواح ويسكن العصم سهول البطاح كَقَوْلِه

(ولي حبيب كَأَن الله صوره

من ناضر الزهر أَو من ذائب الْبرد)

(أَو أَنه صافي البلور أودع فِي

أحشائه الْورْد محمر الطباق ندي)

(إِذا تذكرت أَنِّي عَنهُ منتزح

ضممت صَدْرِي أشفاقا على كَبِدِي)

(وَإِن تذكرت أَرضًا قد أَقَامَ بهَا

قبلت من فرط أشواقي إِلَيْهِ يَدي)

(أهابه عِنْد أفراح اللِّقَاء فَأرى

فِي الظبي مَا يتقيه النَّاس فِي الْأسد)

ص: 148

(فَمن يبث إِلَيْهِ بعض مَا انطبقت

عَلَيْهِ أحشاي من وجد وَمن كمد)

قَوْله أَو أَنه صافي فِي البلور أودع فِي الخ جمع بَين مَذْهَب الْفراء فِي نصب الجزئين وَمذهب ربيعَة فِي الْوَقْف على الْمَنْصُوب بِالسُّكُونِ

وَفِي عصر يَوْم الْجُمُعَة ثامن شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة توفّي السَّيِّد الْعَالم الإِمَام صَاحب الْعُلُوم الَّتِى مِنْهَا بُلُوغ المرام شرح آيَات الْأَحْكَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام وَدفن بمقبرة الْبُسْتَان إِلَى جنب الْمَسْجِد فِي المشهد الَّذِي بناه على عَمه يحيى بن الإِمَام وَولد لَهُ قد كَانَ مَاتَ قبله بأيام وَكَانَت لَهُ فِي الْعُلُوم الْيَد الطُّولى وَمن مشايخه الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي وَالْقَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح الْعَنسِي والتفت آخر مدَّته إِلَى الْفِقْه وَكَانَ مَعَ ذَلِك يحب السّنة النَّبَوِيَّة ويعظم أَهلهَا وَمن مؤلفاته أَحَادِيث فِي صفة الْجنَّة وَكَانَ كثير المذاكرة كثير التَّوَاضُع والمؤآنسة والسماحة وألمه القولنج وَلما قَبضه الله إِلَى دَاره وَاخْتَارَ لَهُ حسن جواره عرض الإِمَام بِلَاده على صنوه السَّيِّد عماد الدّين يحيى بن الْحُسَيْن بن الْمَنْصُور فَمَال عَن ذَلِك وأعتل بِمَا الْتَزمهُ من الخمول والميل إِلَى مطالعة كتب الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول فعذره الإِمَام وَقرر وَلَده الصفي وَتَخْفِيف التَّكْلِيف من اللطف الْخَفي

وَفِي هَذَا الشَّهْر وصل القَاضِي الْحسن من الْجِهَات الشرقية والبلاد الحضرمية وَمَعَهُ من السُّلْطَان بدر بن عبد الله الكثيري هَدِيَّة سنية للْإِمَام

ص: 149