الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب المقارنة
وهو أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة، أو غير ذلك من المعاني في كلامه بوصل يخفي أثره ويدق موضعه، إلا عن الحاذق المدمن النظر في هذه الصناعة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى:" وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون " فإن هذه الآية الكريمة اقترن فيها التنكيت بتجنيس التغاير، أما التنكيت ففي قوله تعالى " على ظهورهم " والنكتة في ترجيح الحمل على الظهور دون الرؤوس كون الظهور أقوى للحمل، فأشار بها سبحانه إلى ثقل الأوزار، والتجنيس بين أوزارهم ويزرون، لأن الأولى اسم، والثانية فعل وأكثر ما يقع ذلك بالجمل الشرطية، كقول إدريس بن اليمان من شعراء المغرب طويل:
وكنت إذا استنزلت من جانب الرضا
…
نزلت نزول الغيث في البلد المحل
وإن هيج الأعداء منك حفيظة
…
وقعت وقوع النار في الحطب الجزل
فإن هذا الشاعر لاءم بين الاستعارة بقوله في صدر البيت الأول.
وكنت إذا استنزلت من جانب الرضا
وبين التشبيه بقوله في عجز البيت:
" نزلت نزول الغيث ": أي مثل نزول الغيث، أحسن ملاءمة، إذ جعل أول العجز فعلاً مضارعاً للفعل الذي في الصدر، ومصدر ذلك الفعل هو الذي لاءم بين القسمين في المعنى، فحصل بذلك التلاحم اللطيف، والاتصال الدقيق، وقارن بين الاستعارة والتشبيه أحسن مقارنة، وكذلك فعل في البيت الثاني حيث قال بعد ذكر تهييج الحفيظة: وقت وقوع النار، فهذا مثال ما اقترنت فيه الاستعارة بالتشبيه، وأما ما اقترنت فيه الاستعارة بالمبالغة فمثاله قول النابغة الذبياني طويل:
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه
…
وسيف أعيرته المنية قاطع
فإنه سمى الممدوح ربيعا استعارة لكونه يحيا به النبات والحيوان وسماه سيفاً لأنه تموت به الأقران، وفي ضمن كل استعارة منها مبالغة تامة أما الأولى منها فجارية على التحقيق بأن إحياء الربيع أعم من إحياء الكريم فجعل الكريم ربيعاً مبالغة ممكنة جارية على التحقيق، وأما الثانية فإنها أبلغ من الأولى حيث جعل سيفاً أعيرته المنية قاطعاً، فإنه لو عكس حتى يجعله مستعيراً للمنية كان ذلك بليغاً، والأول أبلغ فقد اقترن في هذا البيت المبالغة والتكميل، فإنه لما فرغ من صدر البيت ورأى نفسه قد مدح ممدوحه بمجرد الكرم وعلم أن المدح غير كامل، فكمله بالشجاعة فحصل في البيت تكميل مقترن بالمبالغة.
ومن أحسن ما سمعت في المقارنة قول أبي تمام طويل:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغراً
…
عدوك فاعلم أنني غير حامد
فإن هذا البيت وقعت فيه مقارنتان: إحداهما في ظاهره، والأخرى في باطنه، فوقع في ظاهره المبالغة مقترنة بالتكميل في قوله:" يحمدك عدوك صاغراً "، لأن حمد العدو مبالغة، وكونه صاغراً تكميل، وفي باطن البيت الافتنان مقترن بالإدماج، إلا أن الافتنان فيه مدمج في المبالغة، وذلك أنه لا يقدر على أن يجعل عدو الممدوح يمدحه صاغراً إلا بما يجيد فيه من المدائح التي تدعو استجادتها واستحسانها كل من يسمعها إلى حفظها واللهج بها من صديق وعدو، فيضطر العدو إلى أن يلهج بتلك المدائح المقولة فيه: وهو صغير عند نفسه وعند من يسمعها، يقول: ليس بعاقل من يعادي من يقال فيه مثل هذا فيصغر عند نفسه وعند غيره، ويهون مقداره، وفي ذلك افتخار للشاعر ومدح للممدوح، وهذان فنان: أحدهما مديح، والآخر افتخار، الأول ظاهر وهو المديح، والثاني باطن وهو الافتخار وحصل بسبب ذلك في البيت تعليق لطيف، وهو تعليق صحة مدح الشاعر على مدح عدو الممدوح له صاغراً، فإنه شرط على نفسه أنه ما لم يمدح ممدوحه عدوه فهو غير حامد له.
ومن أحسن ما سمعت في ذلك قول تميم بن مقبل طويل:
لدن غدوة حتى نزعنا عشية
…
وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف
وهذا مما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة، لأنه عبر عن الغروب بموت شطر الشمس في أول العجز، واستعار للشطر الثاني الدنف في آخر العجز، وهذا بليغ جداً، حيث أتت المقارنة فيه في قسم واحد.
والفرق بين المقارنة والتعليق والإدماج أنها في المعاني، وذانك في الفنون والمعاني معاً.
ومن المقارنة ما يقرنه الشاعر من شعره غيره بشعره، وهو عكس الإبداع والاستعانة، لأن الشاعر في هذين البابين يقدم شعر نفسه على شعر غيره وفي المقارنة يقدم شعر غيره على شعر نفسه، كما قال الرشيد هارون للجماز يوماً: أجز وابده، الملك لله وحده، فقال الجماز: وللخليفة بعده وللمحب إذا ما حبيبه بات عنده، وهذا شاهد القسم الثاني منها.
ومن المقارنة ما يقرنه الشاعر من شعر نفسه فيكون في فن، فإذا قرن البيت بآخر صار من فن غيره، وقد جاء من شواهد هذا القسم ما استشهدنا به في باب الهجاء في معرض المدح، وهو الذي قاله بعض الشعراء في بعض الأشراف وافر:
له حق وليس عليه حق
…
ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً
…
عليه لغيره وهو الرسول
فإن البيت الأول مدح محض، فلما اقترن بالثاني صار هجواً بحتاً، وهذا أوضح فرق بين المقارنة والتعليق والإدماج.