الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب المواربة
براء مهملة
وهي من ورب العرق بفتح الواو والراء: إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء، فكأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه. وحقيقتها أن يقول المتكلم قولاً يتضمن ما ينكر عليه بسببه، لبعد ما يتخلص به منه، هذا إن فطن له وقت العمل وإلا ارتجل حين يجبه به ما يخلصه منه من جواب حاضر، أو حجة بالغة، أو تصحيف كلمة أو تحريفها، أو زيادة في الكلام أو نقص، أو نادرة معجبة، أو ظرفة مضحكة.
فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروري طويل:
فإن يك منكم كان مروان وابنه
…
وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب
…
ومنا أمير المؤمنين شبيب
فإنه لما بلغ الشعر هشاماً، وظفر به قال له: أنت القائل:
ومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال: لم أقل كذا وإنما قلت:
ومنا أمير المؤمنين شبيب
فتخلص بفتح الراء بعد ضمها، وهذا ألطف مواربة وقعت، ودونها قول نصيب طويل:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
…
فوا كمدي من ذا يهيم بها بعدي
وقيل له: اهتممت بمن يفعل بها بعدك، فقال: لم أقل كذا، وإنما قلت:
فوا كمدي ممن يهيم بها بعدي
فتخلص بإبدال كلمة من كلمة، فهذا وأشباهه يحتمل أن يكون الدخل وقع فيه للشاعر وقت العمل، ويحتمل ألا يكون وقع له، وارتجل التخلص عند سماعه، والذي لا يحتمل أن يكون فطن له حتى قيل له قول الأخطل طويل:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة
…
إلى الله منها المشتكى والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها
…
يكن عن قريش مستماز ومزحل
فقال له عبد الملك بن مروان: إلى أين يا بن اللخناء؟ فقال: إلى النار، فضحك منه، وسكت عنه، فتخلص بهذه النادرة.
وقد تكون المواربة من غير هذين النمطين، كقوله عليه السلام
للعباس بن مرداس حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم متقارب:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بني عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس
…
يفوقان مرداس في مجمع
وما أنا دون امرئ منهما
…
ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، اقطع لسانه عني، فقبض علي عليه السلام على يده وخرج به، فقال: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر.. فهذه أحسن مواربة سمعتها في كلام العرب، ثم مضى به إلى إبل الصدقة فقال: خذ ما أحببت أو كما قال.
ومن المواربة متصل ومنفصل، وقد أتينا بأمثلة القسمين، فالمتصل منها ما كان تخلصه في نفس الكلام، المنفصل ما كان التخلص فيه من كلام آخر، كالذي تقدم لعلي عليه السلام والأخطل.
ومن أوضح أمثلته قصة كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد أنشده طويل:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينة
…
أجاد المسدى نسجها فأذالها
فقال له عبد الملك: قول الأعشى في صاحبه خير من قولك هذا في حيث يقول كامل:
كنت المقدم غير لابس جنة
…
بالسيف تضرب معلماً أبطالا
فقال: الأعشى وصف صاحبه بالخرق، ووصفتك بالحزم.