الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
12 -
(بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَوَانِي الْحَوْضِ)
[2444]
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ البخاري (حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الْوُحَاظِيُّ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ الْحِمْصِيُّ صَدُوقٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ) الْأَنْصَارِيُّ الشَّامِيُّ أَخُو عَمْرٍو ثِقَةٌ مِنَ السابعة (عن العباس) هو بن سَالِمٍ اللَّخْمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ثِقَةٌ (عَنْ أَبِي سَلَّامٍ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (الْحُبْشِيِّ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى حَبَشٍ حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ كَذَا فِي الْمُغْنِي لِصَاحِبِ مَجْمَعِ الْبِحَارِ وَاسْمُهُ مَمْطُورٌ الْأَسْوَدُ ثِقَةٌ يُرْسِلُ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (فَحُمِلْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى الْبَرِيدِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْبَرِيدُ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ يُرَادُ بِهَا فِي الأصل البغل وأصلها بريد دم أَيْ مَحْذُوفُ الذَّنَبِ لِأَنَّ بِغَالَ الْبَرِيدِ كَانَتْ مَحْذُوفَةَ الْأَذْنَابِ كَالْعَلَامَةِ لَهَا فَأُعْرِبَتْ وَخُفِّفَتْ ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد انْتَهَى
قُلْتُ وَالْمُرَادُ هُنَا مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ (فَأَحْبَبْتُ أَنْ تُشَافِهَنِي بِهِ) أَيْ تُحَدِّثَنِي بِهِ مُشَافَهَةً وَأَسْمَعَهُ مِنْكَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ (قَالَ حَوْضِي مِنْ عَدَنٍ) بِفَتْحَتَيْنِ بَلَدٌ مَشْهُورٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فِي أَوَاخِرِ سَوَاحِلِ الْيَمَنِ وَأَوَائِلِ سَوَاحِلِ الْهِنْدِ وَهِيَ تُسَامِتُ صَنْعَاءَ وَصَنْعَاءُ فِي جِهَةِ الْجِبَالِ (إِلَى عُمَانَ الْبَلْقَاءِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ لَا بِفَتْحِهَا وَشَدِّ الْمِيمِ فَإِنَّهَا قَرْيَةٌ بِالشَّامِ وَقِيلَ بَلْ هِيَ الْمُرَادَةُ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ
وَقَالَ الْحَافِظُ عَمَّانُ هَذِهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلْأَكْثَرِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا وَتُنْسَبُ إِلَى الْبَلْقَاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا وَالْبَلْقَاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ وَبِالْمَدِّ بَلَدٌ معروفة من فلسطين (وأحلى من العسل) أي الذمنه
(وَأَكْوَابُهُ) جَمْعُ كُوبٍ وَهُوَ الْكُوزُ الَّذِي لَا عُرْوَةَ لَهُ عَلَى مَا فِي الشُّرُوحِ أَوْ لَا خُرْطُومَ
عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ عَدَدُ أَكْوَابِهِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ (أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَوْضِ (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ) الْمُرَادُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم سَيِّدُهُمْ (الشُّعْثُ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بضم وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ أَشْعَثَ بِالْمُثَلَّثَةِ أَيِ المتفرقوا الشعر (رؤوسا) تَمْيِيزٌ (الدُّنْسُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَقَدْ يُسَكَّنُ الدُّنْسُ وَهُوَ الْوَسَخُ (الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيِ الَّذِينَ لَا يَتَزَوَّجُونَ (الْمُتَنَعِّمَاتِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ التَّنَعُّمِ وَقِيلَ هُوَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْكَافِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَوْ خَطَبُوا الْمُتَنَعِّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ لَمْ يُجَابُوا (وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْأُولَى الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ سُدَّةٍ وَهِيَ بَابُ الدَّارِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدْخَلَ يُسَدُّ بِهِ
وَالْمَعْنَى لَوْ دَقُّوا الْأَبْوَابَ وَاسْتَأْذَنُوا الدُّخُولَ لَمْ يُفْتَحْ لَهُمْ وَلَمْ يُؤْذَنْ (قَالَ عُمَرُ) أَيِ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ (لَكِنِّي نَكَحْتُ الْمُتَنَعِّمَاتِ) وَفِي رِوَايَةِ بن مَاجَهْ قَالَ فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ ثُمَّ قَالَ لَكِنِّي قَدْ نَكَحْتُ إِلَخْ وَقَدْ كَانَ نَكَحَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهِيَ بِنْتُ الْخَلِيفَةِ وَجَدُّهَا خَلِيفَةٌ وَهُوَ مَرْوَانُ وَإِخْوَتُهَا أَرْبَعَةٌ سُلَيْمَانُ وَيَزِيدُ وَهِشَامُ وَوَلِيدُ خُلَفَاءُ وَزَوْجُهَا خَلِيفَةٌ فَهَذَا مِنَ الْغَرَائِبِ وَفِيهَا قَالَ الشَّاعِرُ بِنْتُ الْخَلِيفَةِ جَدُّهَا خَلِيفَةٌ زَوْجُ الْخَلِيفَةِ أُخْتُ الْخَلَائِفِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
[2445]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) البصري ثقة
حَافِظٌ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ (أَخْبَرَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الأزدي أَوِ الْكِنْدِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ) أَيْ كَمْ عَدَدُهَا (فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مُصْحِيَةٍ) أَيْ لَا غَيْمَ فِيهَا وَلَا سَحَابَ مِنْ أَصْحَتِ السَّمَاءُ أَيِ انْكَشَفَ عَنْهَا الْغَيْمُ (لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ) أَيْ مِنَ الظَّمَأِ وَقَوْلُهُ آخِرَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَهَذَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ قَالَ الْعَيْنِيُّ قَوْلُهُ آخِرَ مَا عليهم بالرفع والنصب فالنصب على الطرف وَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ دُخُولِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ الرَّفْعُ أَجْوَدُ انْتَهَى (عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْدِيرِ مَسَافَةِ الْحَوْضِ عَلَى اخْتِلَافِ الْعَرْضِ وَالطُّولِ (مَا بَيْنَ عُمَانَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا اللَّفْظِ وَعُمَانُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بَلَدٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرَيْنِ انْتَهَى (إِلَى أَيْلَةَ) قَالَ الْحَافِظُ أَيْلَةُ مَدِينَةٌ كَانَتْ عَامِرَةً وَهِيَ بِطَرَفِ بَحْرِ الْقُلْزُمِ مِنْ طَرَفِ الشَّامِ وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ يَمُرُّ بِهَا الْحَاجُّ مِنْ مِصْرَ فَتَكُونُ شِمَالَيْهِمْ وَيَمُرُّ بِهَا الْحَاجُّ مِنْ غَزَّةَ فَتَكُونُ أَمَامَهُمْ انْتَهَى
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ مَسَافَةِ الْحَوْضِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ مِنْ عَدَنَ إِلَى عُمَانِ الْبَلْقَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا مَا بَيْنَ عُمَانَ إِلَى أَيْلَةَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ
قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَا لَفْظُهُ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَقَارِبَةٌ لِأَنَّهَا كُلَّهَا نَحْوُ شَهْرٍ أَوْ تَزِيدُ أَوْ تَنْقُصُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى التَّحْدِيدُ بِمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ فَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَا بَيْنَ عَدَنَ وَعُمَانِ الْبَلْقَاءِ وَذَكَرَ رِوَايَاتٍ أُخْرَى ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسَافَاتُ مُتَقَارِبَةٌ وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى نَحْوِ نِصْفِ شَهْرٍ أَوْ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ تَنْقُصُ وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ مسلم في حديث بن
عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وأذرع
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَسَأَلْتُهُ قال قريتان بالشام بينهما ميسرة ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
ثُمَّ قَالَ وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَقَالَ عِيَاضٌ هَذَا مِنَ اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فَيُعَدُّ اضْطِرَابًا مِنَ الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَضْرِبُ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَثَلًا لِبُعْدِ أَقْطَارِ الْحَوْضِ وَسَعَتِهِ بِمَا يَسْنَحُ مِنَ الْعِبَارَةِ وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ يبعد مَا بَيْنَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ لَا عَلَى إِرَادَةِ الْمَسَافَةِ الْمُحَقَّقَةِ قَالَ فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى
انْتَهَى مُلَخَّصًا وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ وَالتَّقْدِيرِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَقَارَبُ وَأَمَّا هَذَا الِاخْتِلَافُ الْمُتَبَاعِدُ الَّذِي يَزِيدُ تَارَةً عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَنْقُصُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فلا
قال القرطبي من بَعْضُ الْقَاصِرِينَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي قَدْرِ الْحَوْضِ اضطرب أو ليس كَذَلِكَ ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَزَادَ وَلَيْسَ اخْتِلَافًا بَلْ كُلُّهَا تُفِيدُ أَنَّهُ كَبِيرٌ مُتَّسِعٌ مُتَبَاعِدُ الْجَوَانِبِ ثُمَّ قَالَ وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ لِلْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْجِهَةِ
فَيُخَاطِبُ كُلَّ قَوْمٍ بِالْجِهَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا
وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْمَسَافَةِ الْيَسِيرَةِ ثُمَّ أَعْلَمَ بِالْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ فَأَخْبَرَ بِهَا كَأَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِاتِّسَاعِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَطْوَلِهَا مَسَافَةً وَجَمَعَ غَيْرُهُ بَيْنَ الِاخْتِلَافَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِاخْتِلَافِ السَّيْرِ الْبَطِيءِ وَهُوَ سَيْرُ الْأَثْقَالِ وَالسَّيْرِ السَّرِيعِ وَهُوَ بِسَيْرِ الرَّاكِبِ الْمُخِفِّ وَيُحْمَلُ رِوَايَةُ أَقَلِّهَا وَهُوَ الثَّلَاثُ عَلَى سَيْرِ الْبَرِيدِ فَقَدْ عُهِدَ مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ مَسَافَةَ الشَّهْرِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ كَانَ نَادِرًا جِدًّا وَفِي هَذَا الْجَوَابِ عَنِ الْمَسَافَةِ الْأَخِيرَةِ نَظَرٌ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ مُسَلَّمٌ وَهُوَ أَوْلَى مَا يُجْمَعُ بِهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْحَافِظُ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَارْجِعْ إِلَى الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي برزة الأسلمي وبن عَمْرٍو وَحَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ وَالْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ) أما حديث حذيفة فأخرجه بن مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فأخرجه الطبراني وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ وَأَمَّا حديث بن عمر فأخرجه أحمد والشيخان وأما حديث بن وَهْبٍ وَحَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أخرجهما
(باب)[2446] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يونس) اليربوعي الكوفي ثقة من الحادية عشر
قَوْلُهُ (وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ) أَيِ الْجَمَاعَةُ (حَتَّى مَرُّوا بسور عَظِيمٍ) أَيْ أَشْخَاصٍ كَثِيرِينَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ السَّوَادُ الشَّخْصُ وَالْمَالُ الْكَثِيرُ وَمِنَ الْبَلْدَةِ قُرَاهَا وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَمِنَ النَّاسِ عَامَّتُهُمْ (قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ) أَيْ سَتَرَ طَرْفَ السَّمَاءِ بِكَثْرَتِهِ (مِنْ ذَا الْجَانِبِ وَمِنْ ذَا الْجَانِبِ) أَيْ مِنَ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ (وَسِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ سَبْعُونَ أَلْفًا) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله يَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِكَ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فِي جُمْلَتِهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا وَيُؤَيِّدُ هَذَا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا انْتَهَى
قُلْتُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ (فَدَخَلَ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ حُجُرَاتِ أَزْوَاجِهِ (وَلَمْ يَسْأَلُوهُ) أَيْ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ (وَلَمْ يُفَسِّرْ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (لَهُمْ) أَيْ مَنْ هُمْ (فَقَالُوا نَحْنُ هُمْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ (وَقَالَ قَائِلُونَ هُمْ أَبْنَاءُ الَّذِينَ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ
وَالْإِسْلَامِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَأَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا في الاسلام فإنا ولدنا في الجاهلية (فخرج النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِي رِوَايَةِ للبخاري فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ (فَقَامَ عُكَّاشَةُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ وَتَخْفِيفٍ على ما في القاموس والمعنى (بن مِحْصَنٍ) بِكَسْرِ مِيمٍ وَفَتْحِ صَادٍ (فَقَالَ أَنَا منهم يا رسول قَالَ نَعَمْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ
قَالَ الْحَافِظُ وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ سَأَلَ الدُّعَاءَ أَوَّلًا فَدَعَا لَهُ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ قِيلَ أُجِبْتَ انْتَهَى (ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (فَقَالَ سَبَقَكَ بها) أي بهذه المسألة
قال بن بَطَّالٍ مَعْنَى قَوْلِهِ سَبَقَكَ أَيْ إِلَى إِحْرَازِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهِيَ التَّوَكُّلُ وَعَدَمُ التَّطَيُّرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتَ مِنْهُمْ أَوْ لَسْتَ عَلَى أَخْلَاقِهِمْ تَلَطُّفًا بِأَصْحَابِهِ وَحُسْنَ أدبه معهم وقال بن الْجَوْزِيِّ يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَوَّلَ سَأَلَ عَنْ صِدْقِ قَلْبٍ فَأُجِيبَ وَأَمَّا الثَّانِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ حَسْمُ الْمَادَّةِ فَلَوْ قَالَ الثَّانِي نَعَمْ لَأَوْشَكَ أَنْ يَقُومَ ثَالِثٌ وَرَابِعٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَصْلُحُ لِذَلِكَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ كَانَ مُنَافِقًا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّحَابَةِ عَدَمُ النِّفَاقِ فَلَا يَثْبُتُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَيَقِينٍ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ
وَكَيْفَ يَصْدُرُ ذَلِكَ من منافق وإلى هذا جنح بن تَيْمِيَّةَ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُ يُجَابُ فِي عُكَّاشَةَ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآخَرِ
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ سَاعَةَ إِجَابَةٍ عَلِمَهَا صلى الله عليه وسلم واتفق أن الرجل قال بعد ما انْقَضَتْ وَيُبَيِّنُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ جَلَسُوا سَاعَةً يَتَحَدَّثُونَ
وَفِي رِوَايَةِ بن إِسْحَاقَ بَعْدَ قَوْلِهِ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ وَبَرَدَتِ الدَّعْوَةُ أَيِ انْقَضَى وَقْتُهَا انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن بن مسعود وأبي هريرة) أما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
13 -
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْيُحْمِدِيُّ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَبُو خِدَاشٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرَهُ مُعْجَمَةٌ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّامِنَةِ
[2447]
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ أَيْنَ الصَّلَاةُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قِيلَ الصَّلَاةُ
قَالَ الْحَافِظُ أَيْ قِيلَ له الصلاة هي شيء مما كان عَلَى عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا السَّلْبُ الْعَامُّ فَأَجَابَ بأنهم غيروها أيضا بأن أخرجوها عن الوقت (قال أو لم تَصْنَعُوا فِي صَلَاتِكُمْ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ) أَيِ التَّقْصِيرَ فِي مُحَافَظَتِهَا وَأَوْقَاتِهَا قَالَ الْحَافِظُ وَرَوَى بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ سَبَبَ قَوْلِ أَنَسٍ هَذَا الْقَوْلَ فَأَخْرَجَ فِي تَرْجَمَةِ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعُرْيَانِ الْحَارِثِيِّ سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ قَالَ كُنَّا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخَّرَ الْحَجَّاجُ الصَّلَاةَ فَقَامَ أَنَسٌ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَنَهَاهُ إِخْوَانُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنْهُ فَخَرَجَ فَرَكِبَ دَابَّتَهُ فَقَالَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ وَاَللَّهِ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ عَلَى عهدالنبي صلى الله عليه وسلم إِلَّا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَجُلٌ فَالصَّلَاةُ يَا أَبَا حَمْزَةَ قَالَ قَدْ جَعَلْتُمُ الظُّهْرَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ أَفَتِلْكَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأخرجه بن أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ مُخْتَصَرًا انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[2448]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ) ثُمَّ الْبَصْرِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (حَدَّثَنِي زَيْدٌ الْخَثْعَمِيُّ) أَوِ السلمي هو بن عَطِيَّةَ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى له الترمذي وَاحِدًا مَتْنَهُ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى الْحَدِيثَ وَقَالَ غَرِيبٌ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ) هِيَ صَحَابِيَّةٌ تَزَوَّجَهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ
ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَوَلَدَتْ لَهُمْ وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِأُمِّهَا مَاتَتْ بَعْدَ عَلِيٍّ قَوْلُهُ (بِئْسَ الْعَبْدُ) لَمْ يَقُلْ بِئْسَ الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْءُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ الْآتِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَبْدِيَّةِ وَلَا نُعُوتِ الْعُبُودِيَّةِ (عَبْدٌ تَخَيَّلَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ تَخَيَّلَ فِي نَفْسِهِ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (وَاخْتَالَ) أَيْ تَكَبَّرَ (وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ) بِحَذْفِ الْيَاءِ مُرَاعَاةً لِلْفَاصِلَةِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْمَنْقُوصِ الْمُعَرَّفِ وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ المتعال أَيْ نَسِيَ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَالِيَ لَيْسَتْ إِلَّا لَهُ (وَبِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ) بِالْجِيمِ أَيْ جَبَرَ الْخَلْقَ عَلَى هَوَاهُ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ
وَقَالَ القارىء أي قهر على المظلومين وفي القاموس بجبر وَجَبَرَهُ عَلَى الْأَمْرِ أَكْرَهَهُ كَأَجْبَرَهُ انْتَهَى فَالتَّجَبُّرُ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ مَعَ تَضَمُّنِ مَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالْإِكْرَاهِ (وَاعْتَدَى) أَيْ فِي تَجَبُّرٍ فَمَنْ خَالَفَهُ قَهَرَهُ بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى) أَيِ الْقَهَّارَ الَّذِي فَوْقَ عِبَادِهِ الْغَالِبَ عَلَى أمره (عبد سهى) أَيْ غَفَلَ عَنِ الْحَقِّ وَالطَّاعَةِ بِاسْتِغْرَاقِهِ فِي الأماني وجمع الحطام (ولهى) أَيِ اشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ (وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ) الْمُرَادُ أَنَّهُ نَسِيَ الْمَوْتَ بِعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ (وَالْبِلَى) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَفَتُّتُ الْأَعْضَاءِ وَتَشَتُّتُ الْأَجْزَاءِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ رَمِيمًا وَرُفَاتًا بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا مِنَ الْعُتُوِّ أَيْ أَفْسَدَ (وَطَغَى) مِنَ الطُّغْيَانِ أَيْ تَجَاوَزَ عَنِ الْحَدِّ وَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَأَتَى بِهِمَا تَأْكِيدًا وَالثَّانِي تَفْسِيرٌ أَوْ أَتَى بِهِ لِلْفَاصِلَةِ وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ
قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ نَسِيَ ابْتِدَاءَ خَلْقِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ نُطْفَةً وَانْتِهَاءَ حَالِهِ الَّذِي يؤول إِلَيْهِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهُ تُرَابًا أَيْ مَنْ كَانَ ذلك ابتداؤه ويكون انتهاءه هَذَا جَدِيرٌ بِأَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا بَيْنَهُمَا
وَقِيلَ أَيْ نَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمَعَادَ وَمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ بَعْدَ حَشْرِ الْأَجْسَادِ (عَبْدٌ يَخْتِلُ) بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ يَطْلُبُ (الدُّنْيَا بِالدِّينِ) أَيْ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ مِنْ خَتَلَهُ إِذَا خَدَعَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
وَالْمَعْنَى يَخْدَعُ أَهْلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الصُّلَحَاءِ لِيَعْتَقِدُوا فِيهِ وَيَنَالَ مِنْهُمْ مَالًا أَوْ جَاهًا مِنْ خَتَلَ الذِّئْبُ الصَّيْدَ خَدَعَهُ وَخَفِيَ لَهُ
قَالَ الْقَاضِي خَتَلَ الصَّائِدُ إِذَا مَشَى لِلصَّيْدِ قَلِيلًا قَلِيلًا لِئَلَّا يُحِسَّ بِهِ شَبَّهَ فِعْلَ مَنْ يُرَى وَرِعًا وَدَيِّنًا لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى الْمُطَالَبِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِخَتْلِ الذِّئْبِ الصَّائِدِ (عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ) أَيْ يُفْسِدُهُ (بِالشُّبُهَاتِ) بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحِ الثَّانِيَةِ أَيْ يَتَشَبَّثُ بِالشُّبُهَاتِ وَيَتَأَوَّلُ الْمُحَرَّمَاتِ
(بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمِعَ) أَيْ لَهُ طَمَعٌ أَوْ ذُو طَمَعٍ أَوْ وُصِفَ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً وَلَوْ قُرِئَ بِإِضَافَةِ الْعَبْدِ لَاسْتَقَامَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ (يَقُودُهُ) أَيْ يَسْحَبُهُ الطَّمَعُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ) أَيْ يُضِلُّهُ هَوَى النَّفْسِ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رُغَبٌ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ الرَّغَبُ بِضَمِّ الرَّاءِ وفتحها مصدر رغب على حد طمع القاموس رغب فيه رغبا ويضم ورغبته أَرَادَهُ وَالرُّغْبُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ كَثْرَةُ الْأَكْلِ وَكَثْرَةُ النَّهَمِ فِعْلُهُ كَكَرُمَ انْتَهَى وَالْمُرَادُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا انْتَهَى
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الرَّغَبُ شُؤْمٌ أَيِ الشِّرَّةُ وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا وَقِيلَ سَعَةُ الْأَمَلِ وَطَلَبُ الْكَثِيرِ (يُذِلُّهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الذَّالِ أَيْ يُذِلُّهُ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا وَتَهَافُتٌ عَلَيْهَا وَإِضَافَةُ الْعَبْدِ إِلَيْهِ لِلْإِهَانَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هذا الوجه) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ مُظْلِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حِمَارٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ طَلْحَةَ الرَّقِّيِّ (وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) فِي سَنَدِهِ هَاشِمُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِيهِ أَيْضًا زَيْدٌ الْخَثْعَمِيُّ وَهُوَ بن عَطِيَّةَ مَجْهُولٌ
[2449]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدِ بن أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ) أَبُو الْيَقْظَانِ الْكُوفِيُّ الثَّوْرِيُّ سكن بغداد صدوق يخطىء وَكَانَ عَابِدًا مِنَ الثَّامِنَةِ (أَخْبَرَنَا أَبُو الْجَارُودِ الْأَعْمَى) الْكُوفِيُّ رَافِضِيٌّ كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ مِنَ السَّابِعَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي إِطْعَامِ الْجَائِعِ
قَوْلُهُ (أَيُّمَا مُؤْمِنٍ) مَا زَائِدَةٌ وَأَيُّ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ (أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ) أَيْ مُؤْمِنًا جَائِعًا (أَطْعَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ثِمَارَهَا أَفْضَلُ أَطْعِمَتِهَا (سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ) بِفَتْحَتَيْنِ مَقْصُورٌ أَوْ قَدْ يُمَدُّ أَيْ عَطِشٌ (سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ
الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ) أَيْ يَسْقِيهِ مِنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ الَّتِي خَتَمَ عَلَيْهِ بِمِسْكٍ جَزَاءً وِفَاقًا إِذِ الجزاء من جنس العمل
قال القارىء وَالرَّحِيقُ صَفْوَةُ الْخَمْرِ وَالشَّرَابُ الْخَالِصُ الَّذِي لَا غِشَّ فِيهِ وَالْمَخْتُومُ هُوَ الْمَصُونُ الَّذِي لَمْ يُبْتَذَلْ لِأَجْلِ خِتَامِهِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ غَيْرُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفَاسَتِهِ انْتَهَى (وَأَيُّمَا مؤمن كسا) أي أليس (عَلَى عُرْيٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ عَلَى حَالَةِ عُرْيٍ أَوْ لِأَجْلِ عُرْيٍ أَوْ لِدَفْعِ عُرْيٍ وَهُوَ يَشْمَلُ عُرْيَ الْعَوْرَةِ وَسَائِرَ الْأَعْضَاءِ (كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ أَخْضَرَ أَيْ مِنَ الثِّيَابِ الْخُضْرِ فِيهَا مِنْ بَابِ إِقَامَةِ الصِّفَةِ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا أَحْسَنُ الْأَلْوَانِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُخَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ أَعْلَى وَإِلَّا فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ ثِيَابِهَا وَأَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ مِنْ ثِمَارِهَا وَخَمْرِهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ أَبُو الجاورد الْأَعْمَى وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ آخَرَ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو خَالِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المعروف بالدلاني وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى
[2450]
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) اسْمُهُ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُسْلِمٍ اللَّيْثِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَغْدَادِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ ثِقَةٌ ثبت من التاسعة (أخبرنا أَبُو عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ صَدُوقٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (أَخْبَرَنَا أَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ التَّمِيمِيُّ) الرُّهَاوِيُّ ضَعِيفٌ مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ (حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ فَيْرُوزَ) الرُّهَاوِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا حَدِيثَ مَنْ خَافَ أَدْلَجَ
قَوْلُهُ (مَنْ خَافَ) أَيِ الْبَيَاتَ وَالْإِغَارَةَ مِنَ الْعَدُوِّ وَقْتَ السَّحَرِ (أَدْلَجَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنْ سَارَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَبِالتَّشْدِيدِ مِنْ آخِرِهِ (وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ) أَيْ وَصَلَ إِلَى الْمَطْلَبِ
قَالَ
الطِّيبِيُّ رحمه الله هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِسَالِكِ الْآخِرَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ عَلَى طَرِيقِهِ وَالنَّفْسَ وَأَمَانِيَّهُ الْكَاذِبَةَ أَعْوَانُهُ فَإِنْ تَيَقَّظَ فِي مَسِيرِهِ وَأَخْلَصَ النِّيَّةَ فِي عَمَلِهِ أَمِنَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَيْدِهِ وَمِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِأَعْوَانِهِ ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى أَنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ الْآخِرَةِ صَعْبٌ وَتَحْصِيلَ الْآخِرَةِ مُتَعَسِّرٌ لَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى سَعْيٍ فَقَالَ (أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ) أَيْ مِنْ مَتَاعِهِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ (غَالِيَةٌ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ رَفِيعَةُ الْقَدْرِ (أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) يَعْنِي ثَمَنُهَا الْأَعْمَالُ الْبَاقِيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أملا وَبِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأموالهم بأن لهم الجنة
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ أَبُو فَرْوَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ لَكِنْ نُوزِعَ
[2451]
15 قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) الدِّمَشْقِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السادسة
ومنهم من قال هو بن رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الْمَاضِي كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فَرَّقَ الْبُخَارِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ وَهُمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَاحِدٌ قَالَ الْمِزِّيُّ وَالصَّوَابُ مَا صَنَعَ الْبُخَارِيُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) هُوَ الدِّمَشْقِيُّ (وَعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ) الْكِلَابِيُّ وَقِيلَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ أَبُو يحيى الشامي ثقة مقرىء من الثالثة (عن عطية السعدي) هو بن عروة أو بن سعد أو بن عَمْرٍو صَحَابِيٌّ نَزَلَ الشَّامَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَرَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ
قَوْلُهُ (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ) أَيْ لَا يَصِلُ كَوْنُهُ (مِنَ الْمُتَّقِينَ) الْمُتَّقِي فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَاهُ فَاتَّقَى والوقاية فرط الصيانة وفي الشريعة الذي بقي نَفْسَهُ تَعَاطِيَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ وَقِيلَ التَّقْوَى عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ الْأُولَى التَّقْوَى عَنِ الْعَذَابِ الْمُخَلِّدِ بِالتَّبَرِّي مِنَ الشرك كقوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى
فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَاهُ فَاتَّقَى وَالْوِقَايَةُ فَرْطُ الصيانة وفي
وَالثَّانِيَةُ التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤَثِّمُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ حَتَّى الصَّغَائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ وَهُوَ التَّعَارُفُ بِالتَّقْوَى فِي الشَّرْعِ وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا
وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الْحَقِّ وَيُقْبِلَ بِشَرَاشِرِهِ إِلَى اللَّهِ وَهِيَ التَّقْوَى الْحَقِيقِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تقاته وَالْحَدِيثُ وَإِنِ اسْتُشْهِدَ بِهِ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ (حَتَّى يَدَعَ) أَيْ يَتْرُكَ (حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ) مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيمَا فِيهِ بَأْسٌ
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفُ يَبْلُغُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ يَتْرُكَ فُضُولَ الْحَلَالِ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الحرام
قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ
6 -
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ الْعَامِرِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَلَاءِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ (عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وفتح السين مصغرا هو بن الرَّبِيعِ بْنِ صَيْفِيٍّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ التَّمِيمِيُّ يُعْرَفُ بِحَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بَعْدَ عَلِيٍّ
[2452]
قَوْلُهُ (لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ) أَيْ فِي حَالِ غَيْبَتِكُمْ عَنِّي (كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي) أَيْ مِنْ صَفَاءِ الْقَلْبِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ (لَأَظَلَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) جَمْعُ جَنَاحٍ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَصَافَحْتُكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ صِفَةِ الجنة ونعيمها
[2453]
17 قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ الْبَاهِلِيُّ أَوِ الْمَازِنِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عن القعقاع) هو بن حَكِيمٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) هُوَ السَّمَّانُ
قَوْلُهُ (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ حِرْصًا عَلَى الشَّيْءِ وَنَشَاطًا وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ (وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ وَهَنًا وَضَعْفًا وَسُكُونًا (فَإِنْ) شَرْطِيَّةٌ (صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أَيْ جَعَلَ صَاحِبُ الشِّرَّةِ عَمَلَهُ مُتَوَسِّطًا وَتَجَنَّبَ طَرَفَيْ إِفْرَاطِ الشِّرَّةِ وَتَفْرِيطِ الْفَتْرَةِ (فَأَرْجُوهُ) أَيْ أَرْجُو الْفَلَاحَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَى الْوَسَطِ وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدُومُهَا (وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ) أَيِ اجْتَهَدَ وَبَالَغَ فِي العمل ليصير مشهورا بالعبادة والزهد وصار مَشْهُورًا مُشَارًا إِلَيْهِ (فَلَا تَعُدُّوهُ) أَيْ لَا تعتدوا به ولا تحسبوا مِنَ الصَّالِحِينَ لِكَوْنِهِ مُرَائِيًا وَلَمْ يَقُلْ فَلَا تَرْجُوهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَدَارُكُ مَا فَرَّطَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صحيح غريب) وأخرجه البيهقي عن بن عُمَرَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ
قَوْلُهُ (أَنَّهُ قَالَ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ مِنْهُ فِي أَخْلَاقِهِ وَمَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ (أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ) أَيْ يُشِيرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِهِمْ (فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا) فَيَقُولُونَ هَذَا فُلَانٌ الْعَابِدُ أَوِ الْعَالِمُ وَيُطْرُونَ فِي مَدْحِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ لَهُ (إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ) أَيْ حَفِظَهُ بِحَيْثُ صَارَ لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى قَهْرِ نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَنْفِرُهُ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُشَارُ إِلَيْهِ فِي دِينٍ لِكَوْنِهِ أَحْدَثَ بِدْعَةً فَيُشَارُ إِلَيْهِ بِهَا وَفِي دُنْيَا لِكَوْنِهِ أَحْدَثَ مُنْكَرًا غَيْرَ مُتَعَارَفٍ بَيْنَهُمْ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ
وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مُتَّهَمٌ
8 -
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْقَطَّانُ (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ (عَنْ أَبِيهِ) اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ (عَنْ أَبِي يَعْلَى) اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ يَعْلَى الثَّوْرِيُّ بِالْمُثَلَّثَةِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ) بضم المعجمة وفتح المثلثة بن عَائِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو يَزِيدَ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ عَابِدٌ مُخَضْرَمٌ مِنَ الثَّانِيَةِ قال له بن مَسْعُودٍ لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَأَحَبَّكَ
[2454]
قَوْلُهُ (خَطَّ لَنَا) أَيْ لِلصَّحَابَةِ (خَطًّا مُرَبَّعًا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله الْمُرَادُ بِالْخَطِّ الرَّسْمُ وَالشَّكْلُ (وَخَطَّ فِي وَسَطِ الْخَطِّ) أَيْ وَسَطَ الْمُرَبَّعِ (خَطًّا) أَيْ آخَرَ (وَخَطَّ خَارِجًا مِنَ الْخَطِّ) أَيِ الْمُرَبَّعِ (خَطًّا) أَيْ آخَرَ (وَحَوْلَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ) أَيْ حَوْلَ الْخَطِّ الَّذِي فِي وَسَطِ الْمُرَبَّعِ (خُطُوطًا) أَيْ صِغَارًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَقَالَ هَذَا بن آدَمَ) أَيْ هَذَا الْخَطُّ الْمُصَوَّرُ مَجْمُوعَةً مِثَالُ بن آدَمَ (وَهَذَا) أَيِ الْخَطُّ الْمُرَبَّعُ (أَجَلُهُ) أَيْ مُدَّةُ أَجَلِهِ (مُحِيطٌ بِهِ) أَيْ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ وَالْفِرَارُ مِنْهُ
(وَهَذِهِ الْخُطُوطُ) أَيِ الصِّغَارُ (عُرُوضُهُ) أَيِ الْآفَاتُ والعاهات من المرض والجوع والعطش وغيره (إِنْ نَجَا مِنْهُ يَنْهَشُهُ هَذَا) أَيْ إِنْ تَجَاوَزَ عَنْهُ الْعَرَضُ يَلْدَغُهُ هَذَا الْعَرَضُ الْآخَرُ وَعَبَّرَ عَنْ عُرُوضِ الْآفَةِ بِالنَّهْشِ وَهُوَ لَدْغُ ذَاتِ السُّمِّ مُبَالَغَةً فِي الْإِصَابَةِ وَتَأَلُّمِ الْإِنْسَانِ بِهَا (وَالْخَطُّ الْخَارِجُ) أَيْ عَنِ الْمُرَبَّعِ (الْأَمَلُ) أَيْ مَأْمُولُهُ وَمَرْجُوُّهُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ هَذَا خَطَأً مِنْهُ لِأَنَّ أَمَلَهُ طَوِيلٌ لَا يَفْرَغُ مِنْهُ وَأَجَلُهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَضِّ عَلَى قَصْرِ الْأَمَلِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَغْتَةِ الْأَجَلِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[2455]
قَوْلُهُ (يَهْرَمُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ يَشِيبُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَالْمَعْنَى يَضْعُفُ (وَيَشِبُّ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يَنْمُو وَيَقْوَى (مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَخْلَاقِهِ فَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْهَرَمَ كِبَرُ السِّنِّ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَشَبَّ شَبَابًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ (الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ) أَيْ جَمْعِهِ وَمَنْعِهِ (وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ) أَيْ طُولِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله قَوْلُهُ تَشِبُّ اسْتِعَارَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ لِلْمَالِ مُحْتَكِمٌ فِي ذَلِكَ مِثْلَ إِحْكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْحِرْصِ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ
وَقَالَ غَيْرُهُ الْحِكْمَةُ فِي التَّخْصِيصِ بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى بن آدَمَ نَفْسُهُ فَهُوَ رَاغِبٌ فِي بَقَائِهَا فَأَحَبَّ لِذَلِكَ طُولَ الْعُمُرِ وَأَحَبَّ الْمَالَ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي دَوَامِ الصِّحَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا غَالِبًا طُولُ الْعُمُرِ فَكُلَّمَا أَحَسَّ بِقُرْبِ نَفَادِ ذَلِكَ اشْتَدَّ حُبُّهُ وَرَغْبَتُهُ فِي دَوَامِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
[2456]
قوله (مثل بن آدَمَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ
9 -
[2457] قَوْلُهُ (عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبُيِّ بْنِ كَعْبٍ) الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَبُو بَطْنٍ لِعِظَمِ بَطْنِهِ ثِقَةٌ يُقَالُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الثَّانِيَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَبُو الْمُنْذِرِ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ وَيُكَنَّى أَبَا الطُّفَيْلِ أَيْضًا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ
قَوْلُهُ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أَرَادَ بِهِ النَّائِمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يُنَبِّهُهُمْ عَنِ النَّوْمِ لِيَشْتَغِلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّهَجُّدِ (جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الرَّاجِفَةُ النَّفْخَةُ الْأُولَى الَّتِي يَمُوتُ لَهَا الْخَلَائِقُ
وَالرَّادِفَةُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَحْيَوْنَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَصْلُ الرَّجْفِ الْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ انْتَهَى
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إلى قوله تعالى يوم ترجف الراجفة وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَارَبَ وُقُوعُهَا فَاسْتَعِدُّوا لِتَهْوِيلِ أَمْرِهَا جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ أَيْ مَا فِيهِ مِنَ الشَّدَائِدِ الْكَائِنَةِ فِي حَالَةِ النَّزْعِ وَالْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ (جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ) التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ (إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ) أَيْ أُرِيدَ إكثارها
قاله القارىء وَلَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّأْوِيلِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي) أَيْ بَدَلَ دعائي الذي أدعو به لنفسي قاله القارىء
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ مَعْنَاهُ أُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ دُعَائِي صَلَاةً عَلَيْكَ (قَالَ مَا شِئْتَ) أَيِ اجْعَلْ مِقْدَارَ مَشِيئَتِكَ (قُلْتُ الرُّبُعَ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُسَكَّنُ أَيْ أَجْعَلُ رُبُعَ أَوْقَاتِ دُعَائِي لِنَفْسِي مَصْرُوفًا
لِلصَّلَاةِ عَلَيْكَ (فَقُلْتُ ثُلُثَيْ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ النُّونِ وَفِي بَعْضهَا فَالثُّلُثَيْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا) أَيْ أَصْرِفُ بِصَلَاتِي عَلَيْكَ جَمِيعَ الزَّمَنِ الَّذِي كُنْتُ أَدْعُو فِيهِ لِنَفْسِي (قَالَ إِذًا) بِالتَّنْوِينِ (تُكْفَى) مُخَاطَبٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (هَمَّكَ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وهو منصوب على أنه مفعول ثان مكتفي فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْمَرْفُوعُ بِمَا لَمْ يُسَمَّ (فَاعِلُهُ وَهُوَ أَنْتَ وَالْهَمُّ مَا يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَعْنِي إِذَا صَرَفْتَ جَمِيعَ أَزْمَانِ دُعَائِكَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيَّ أُعْطِيتَ مَرَامَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَوَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ قَالَ إِذًا يَكْفِيكَ اللَّهُ تبارك وتعالى مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ
قَالَ المنذري وإسناد هذه جيد انتهى
قال القارىء وَلِلْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ إِنِّي أُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ بَدَلَ أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي أَيْ بَدَلَ صَلَاتِي مِنَ اللَّيْلِ انْتَهَى
0 -
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ) بْنِ أَبِي أُمِّيَّةَ الطَّنَافِسِيُّ الْكُوفِيُّ الْأَحْدَبُ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (عَنْ أَبَانِ بْنِ إِسْحَاقَ) الْأَسَدِيِّ النَّحْوِيِّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ تَكَلَّمَ فِيهِ الْأَزْدِيُّ بِلَا حُجَّةٍ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ أَبِي حَازِمٍ الْبَجَلِيِّ الْأَحْمَسِيِّ الْكُوفِيِّ ضَعِيفٌ أَفْرَطَ فيه بن حِبَّانَ
[2458]
قَوْلُهُ (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) أي حياء ثابتا ولازما صَادِقًا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ وَقِيلَ أَيِ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (قُلْنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي) لَمْ يَقُولُوا حَقَّ الْحَيَاءِ اعْتِرَافًا بِالْعَجْزِ عَنْهُ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ عَلَى تَوْفِيقِنَا بِهِ (قَالَ لَيْسَ ذَاكَ) أَيْ لَيْسَ حَقَّ الْحَيَاءِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ أَنْ يَحْفَظَ جَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَمَّا لَا يَرْضَى (وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ
أَيْ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ بِأَنْ لَا تَسْجُدَ لِغَيْرِهِ وَلَا تُصَلِّيَ لِلرِّيَاءِ وَلَا تَخْضَعَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا تَرْفَعَهُ تَكَبُّرًا (وَمَا وَعَى) أَيْ جَمَعَهُ الرَّأْسُ مِنَ اللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ عَمَّا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ (وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ) أَيْ عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ (وَمَا حَوَى) أَيْ مَا اتَّصَلَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مِنَ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ وَحِفْظُهَا بِأَنْ لَا تَسْتَعْمِلَهَا فِي الْمَعَاصِي بَلْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى) بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ بَلِيَ الشَّيْءُ إِذَا صَارَ خَلَقًا مُتَفَتِّتًا يَعْنِي تَتَذَكَّرَ صَيْرُورَتَكَ في القبر عظاما بالية (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا) فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى لِلْأَقْوِيَاءِ قاله القارىء
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّهُمَا ضَرَّتَانِ فَمَتَى أَرْضَيْتَ إِحْدَاهُمَا أَغْضَبْتَ الْأُخْرَى (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ قَالَ الْحَاكِمُ صحيح وأقره الذهبي انتهى
وفي إسناده التِّرْمِذِيِّ الصَّبَّاحُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ
قَالَ الْعُقَيْلِيُّ فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ
رَفَعَ حَدِيثَيْنِ هُمَا مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنِ) بْنِ أَوْسٍ الْوَاسِطِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الْبَزَّارُ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبَتٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبِ) بْنِ صُهَيْبٍ الزُّبَيْدِيِّ بِضَمِّ الزَّايِ الْحِمْصِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ) بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ مَاتَ بِالشَّامِّ قَبْلَ السِّتِّينَ أو بعدها وهو بن أَخِي حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ
[2459]
قَوْلُهُ (الْكَيِّسُ) أَيِ الْعَاقِلُ الْمُتَبَصِّرُ فِي الْأُمُورِ النَّاظِرُ فِي الْعَوَاقِبِ (مَنْ دَانَ نَفْسَهُ) أَيْ حَاسَبَهَا وَأَذَلَّهَا وَاسْتَعْبَدَهَا وَقَهَرَهَا حَتَّى صَارَتْ مُطِيعَةً مُنْقَادَةً (وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ) قَبْلَ نُزُولِهِ لِيَصِيرَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَالْمَوْتُ عَاقِبَةُ أَمْرِ الدُّنْيَا فَالْكَيِّسُ مَنْ أَبْصَرَ الْعَاقِبَةَ (وَالْعَاجِزُ) الْمُقَصِّرُ فِي الْأُمُورِ (مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا) مِنَ الْإِتْبَاعِ أَيْ جَعَلَهَا تَابِعَةً لِهَوَاهَا فَلَمْ يَكُفَّهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَلَمْ يَمْنَعْهَا عَنْ مُقَارَنَةِ الْمُحَرَّمَاتِ (وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ فَهُوَ مَعَ تَفْرِيطِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَاتِّبَاعِ شَهَوَاتِهِ لَا يَعْتَذِرُ بَلْ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله وَالْعَاجِزُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَعَمِلَ مَا أَمَرَتْهُ بِهِ نَفْسُهُ فَصَارَ عَاجِزًا لِنَفْسِهِ فَأَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَأَعْطَاهَا مَا اشْتَهَتْهُ قُوبِلَ الْكَيِّسُ بِالْعَاجِزِ وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْكَيِّسِ السَّفِيهُ الرَّأْيِ وَلِلْعَاجِزِ الْقَادِرُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْقَادِرُ وَالْعَاجِزَ هُوَ السَّفِيهُ وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ أَيْ يُذْنِبُ وَيَتَمَنَّى الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حسن) وأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ وَرَدَّهُ الذَّهَبِيُّ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (حَاسِبُوا) بِكَسْرِ السِّينِ أَمْرٌ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ (قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَتَزَيَّنُوا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتَعِدُّوا وَتَهَيَّئُوا (لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ) أَيْ يَوْمَ تُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ لِلْحِسَابِ (وَإِنَّمَا يَخِفُّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ بضرب أَيْ يَصِيرُ خَفِيفًا وَيَسِيرًا (وَيُرْوَى عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ الْجَزَرِيُّ أَبُو أَيُّوبَ أَصْلُهُ كُوفِيٌّ نَزَلَ الرَّقَّةَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ وَلِيَ الْجَزِيرَةَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ يُرْسِلُ مِنَ الرَّابِعَةِ
21 -
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَدَّوَيْهِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَدُّوَيْهِ بِمِيمٍ وَتَثْقِيلٍ الْقُرَشِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التِّرْمِذِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرْنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ) بْنِ كَثِيرٍ (الْعُرَنِيُّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ قَاضِي هَمْدَانَ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ مِنَ التَّاسِعَةِ (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ الْعِجْلِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ عَطِيَّةَ) هُوَ الْعَوْفِيُّ
[2460]
قَوْلُهُ (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصَلَّاهُ) وَفِي الْمِشْكَاةِ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِصَلَاةٍ قَالَ القارىء وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ مُقْتَضَى الْمَقَامِ أَنَّهَا صَلَاةُ جِنَازَةٍ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام إذا رأى جنازة رؤيت عَلَيْهِ كَآبَةٌ أَيْ حُزْنٌ شَدِيدٌ وَأَقَلَّ الْكَلَامَ (فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ) أَيْ يَضْحَكُونَ مِنَ الْكَشْرِ وَهُوَ ظُهُورُ الْأَسْنَانِ لِلضَّحِكِ
فَفِي الْقَامُوسِ كَشَرَ عَنْ أَسْنَانِهِ أَبْدَى يَكُونُ فِي الضَّحِكِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى (قَالَ أَمَا) بِالتَّخَفِيفِ لِيُنَبِّهَ عَلَى نَوْمِ الْغَفْلَةِ الْبَاعِثِ عَلَى الضَّحِكِ وَالْمُكَالَمَةِ (إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ هَذَمَ بِالْمُعْجَمَةِ قَطَعَ وَأَكَلَ بِسُرْعَةٍ وَبِالْمُهْمَلَةِ نَقَضَ الْبِنَاءَ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى لَوْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ ذِكْرِ قَاطِعِ اللَّذَّاتِ (لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى) أَيْ مِنَ الضَّحِكِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ (فَأَكْثِرُوا مِنْ ذكر هاذم اللذات الموت) بالجر تفسير لهاذم اللَّذَّاتِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ وَبِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَعْنِي وَبِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ الْمَوْتُ ثُمَّ إِنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ وَجْهَ حِكْمَةِ الْأَمْرِ بِإِكْثَارِ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَأَسْبَابِهِ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ) أَيْ وَقْتٌ وَزَمَانٌ (فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ) فَاَلَّذِي يَسْكُنُنِي غَرِيبٌ (وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ) فَمَنْ حَلَّ بِي وَحِيدٌ (وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ) فَمَنْ ضَمَمْتُهُ أَكَلَهُ التُّرَابُ وَالدُّودُ إِلَّا مَنِ اسْتُثْنِيَ مِمَّنْ نُصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْلَى وَلَا يُدَوِّدُ فِي قَبْرِهِ فَالْمُرَادُ بَيْتٌ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ (فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) أَيِ الْمُطِيعُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ فِي مُقَابِلِهِ (قَالَ لَهُ الْقَبْرُ) أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ (مَرْحَبًا وَأَهْلًا) أَيْ
وَجَدْتَ مَكَانًا رَحْبًا وَوَجَدْتَ أَهْلًا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ (أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنْ كُنْتَ) أَيْ إِنَّهُ كُنْتَ فَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثْقَلَةِ وَاللَّامُ فَارِقَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِنْ النَّافِيَةِ فِي قَوْلِهِ (لَأَحَبَّ) وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَأَفْضَلَ (مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ (فَإِذَا) بِسُكُونِ الذَّالِ أَيْ فَحِينَ (وُلِّيتُكَ) مِنَ التَّوْلِيَةِ مجهولا أو من الولاية مظلوما أي صرت قادر حَاكِمًا عَلَيْكَ (الْيَوْمَ) أَيْ هَذَا الْوَقْتَ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ (وَصِرْتَ إِلَيَّ) أَيْ صِرْتَ إِلَيَّ وَوُلِّيتُكَ وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي (فَسَتَرَى) أَيْ سَتُبْصِرُ أَوْ تَعْلَمُ (صَنِيعِي بِكَ) مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْكَ بِالتَّوْسِيعِ عَلَيْكَ (فَيَتَّسِعُ) أَيْ فَيَصِيرُ الْقَبْرُ وَسِيعًا (لَهُ) أَيْ لِلْمُؤْمِنِ (مَدَّ بَصَرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ مَا يَمْتَدُّ إِلَيْهِ بَصَرُهُ وَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ سَبْعِينَ ذراعا لأن المراد بها التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ (وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ لِيَأْتِيَهُ مِنْ رَوْحِهَا وَنَسِيمِهَا وَيَشَمَّ مِنْ طِيبِهَا وَتَقَرَّ عَيْنُهُ بِمَا يَرَى فِيهَا مِنْ حُورِهَا وَقُصُورِهَا وَأَنْهَارِهَا وَأَشْجَارِهَا وَأَثْمَارِهَا (وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ) أَيِ الْفَاسِقُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ وَهُوَ الْفَاسِقُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ سَابِقًا وَلِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ الْقَبْرِ لَهُ بِكَوْنِهِ أَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كمن كان فاسقا الْآيَةَ (أَوِ الْكَافِرُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي لَا لِلتَّنْوِيعِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ وَالسُّكُوتِ عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِ الْفَاسِقِ سَتْرًا عَلَيْهِ أَوْ لِيَكُونَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَا لِإِثْبَاتِ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ المنزلتين كما توهمت المعتزلة كذا قال القارىء وَجَعَلَ الْمُنَاوِيُّ كَلِمَةَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ حَيْثُ قَالَ وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَيِ الْمُؤْمِنُ الْفَاسِقُ أَوِ الْكَافِرُ أَيْ بِأَيِّ كُفْرٍ كَانَ انْتَهَى
(قَالَ فَيَلْتَئِمُ) أَيْ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَنْضَمُّ الْقَبْرُ (وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ) أَيْ يَدْخُلَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ (قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ أَشَارَ (بِأَصَابِعِهِ) أَيْ مِنَ الْيَدَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ (فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا) وَهُوَ أَصَابِعُ الْيَدِ الْيُمْنَى (فِي جَوْفِ بَعْضٍ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَضْيِيقَ الْقَبْرِ وَاخْتِلَافَ الْأَضْلَاعِ حَقِيقِيٌّ لَا أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ ضِيقِ الْحَالِ وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ مبالغة
فِي أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَرْبَابِ النُّقْصَانِ حَتَّى جَعَلُوا عَذَابَ الْقَبْرِ رُوحَانِيَّا لَا جُسْمَانِيًّا وَالصَّوَابُ أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ وَنَعِيمَهَا مُتَعَلِّقَانِ بِهِمَا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (وَيُقَيِّضُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ يُسَلِّطُ اللَّهُ وَيُوَكِّلُ (لَهُ) أَيْ بِخُصُوصِهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ (سَبْعِينَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَبْعُونَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ يُقَيِّضُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (تِنِّينًا) بِكَسْرِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْأُولَى مَكْسُورَةً أَيْ حَيَّةً عَظِيمَةً (لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَنَفَّسَ (مَا أَنْبَتَتْ) أَيِ الْأَرْضُ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْإِنْبَاتِ أَوِ النَّبَاتَاتِ (مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) أَيْ مُدَّةَ بَقَائِهَا (فَيَنْهَشْنَهُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَلْدَغْنَهُ وَفِي القاموس نهسة كَمَنَعَهُ نَهَسَهُ وَلَسَعَهُ وَعَضَّهُ أَوْ أَخَذَهُ بِأَضْرَاسِهِ وَبِالسِّينِ أَخَذَهُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ (وَيَخْدِشْنَهُ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ يَجْرَحْنَهُ (حَتَّى يُفْضَى) بِضَمٍّ فَسُكُونِ فَاءٍ فَفَتْحِ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ يُوصَلُ (بِهِ) أَيْ بِالْكَافِرِ إِلَى الْحِسَابِ أَيْ وَثُمَّ إِلَى الْعِقَابِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُحَاسَبُ (قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ) أَيْ بُسْتَانٌ (مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) جَمْعُ رَوْضَةٍ (أَوْ حُفْرَةٌ) فِي الْقَامُوسِ الْحُفْرَةُ بِالضَّمِّ وَالْحَفِيرَةُ الْمُحْتَفَرُ وَالْحَفَرُ مُحَرَّكَةً الْبِئْرُ الْمُوَسَّعَةُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيِّ وَهُوَ وَاهٍ
2 -
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بْنُ هَمَّامِ بْنِ نَافِعٍ الْحِمْيَرِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصَّنْعَانِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ
مُصَنِّفٌ شَهِيرٌ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَتَغَيَّرَ وَكَانَ يَتَشَيَّعُ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) الْمَدَنِيِّ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ ثِقَةٌ مِنَ الثالثة
[2461]
قوله (فإذا هو متكىء عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ) بِفَتْحِ رَاءٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وفي الصحيحين على رمال حصير
قال الجوزي فِي النِّهَايَةِ الرِّمَالُ مَا رُمِلَ أَيْ نُسِجَ يُقَالُ رَمَلَ الْحَصِيرَ
وَأَرْمَلَهُ فَهُوَ مَرْمُولٌ وَمُرْمَلٌ وَرَمَّلْتُ مُشَدَّدٌ لِلتَّكْثِيرِ
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَنَظِيرُهُ الْحُطَامُ وَالرُّكَامُ لِمَا حُطِّمَ وَرُكِمَ وَقَالَ غَيْرُهُ الرِّمَالُ جَمْعُ رَمْلٍ بِمَعْنَى مَرْمُولٍ كَخَلْقِ اللَّهِ بِمَعْنَى مَخْلُوقِهِ
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ السَّرِيرُ قَدْ نُسِجَ وَجْهُهُ بِالسَّعَفِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى السَّرِيرِ وِطَاءٌ سِوَى الْحَصِيرِ ذَكَرَهُ الطيبي
قال القارىء لَكِنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ بِرِمَالِ الْحَصِيرِ شَرِيطَ السَّرِيرِ بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُضْطَجِعٌ عَلَى مَنْسُوجٍ مِنْ حَصِيرٍ (فَرَأَيْتُ أَثَرَهُ فِي جَنْبِهِ) أَيْ مِنْ بَدَنِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَشْفِهِ مِنْ ثَوْبِهِ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
3 -
[2462] قَوْلُهُ (أخبرنا عبد الله) هو بن المبارك (عن معمر) هو بن راشد (ويونس) هو بن يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ بَدْوِيٌّ وَيُقَالُ لَهُ عُمَرُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ
قَوْلُهُ (بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ) اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالٍ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَشَهِدَ بَدْرًا مَشْهُورٌ مَاتَ شَهِيدًا بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ
قَوْلُهُ (فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْبَحْرَانِ أَوِ الْبَحْرَيْنِ بَلَدٌ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْبَحْرَانِ بَلَدٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَعُمَانَ (فَوَافَوْا) مِنَ الْمُوَافَاةِ أَيْ أَتَوْا يُقَالُ وَافَيْتُ
الْقَوْمَ أَتَيْتُهُمْ كَأَوْفَيْتُهُمْ (فَأَبْشِرُوا) بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ (وَأَمِّلُوا) مِنَ التَّأْمِيلِ مِنَ الْأَمَلِ وَهُوَ الرَّجَاءُ (مَا يَسُرُّكُمْ) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ أَمِّلُوا (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) بِنَصْبِ الْفَقْرِ أَيْ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أَيْ مَا الْفَقْرُ أَخْشَاهُ عَلَيْكُمْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ وَخَصَّ بَعْضُهُمْ جَوَازَ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ فَائِدَةُ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ هُنَا الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِ الْفَقْرِ (فَتَنَافَسُوهَا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ عَطْفٌ عَلَى تُبْسَطَ
مِنْ نَافَسْتُ فِي الشَّيْءِ أَيْ رَغِبْتُ فِيهِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُنَافَسَةَ وَالتَّنَافُسَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ النَّفِيسِ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وَالْمَعْنَى فَتَخْتَارُوهَا أَنْتُمْ وَتَرْغَبُوا فِيهَا غَايَةَ الرَّغْبَةِ (كَمَا تَنَافَسُوهَا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ كَمَا رَغِبَ فِيهَا مَنْ قَبْلَكُمْ (فَتُهْلِكَكُمْ) أَيِ الدُّنْيَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2463]
24 (قَوْلُهُ عَنْ عروة بن الزبير وبن الْمُسَيَّبِ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ) بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى المكي بن أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَحِبَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً ثُمَّ عَاشَ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ أَوْ بَعْدَهَا وَكَانَ عَالِمًا بِالنَّسَبِ
قَوْلُهُ (إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) أَنَّثَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الْمُرَادَ الدُّنْيَا شَبَّهَهُ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَحِرْصِ النُّفُوسِ عَلَيْهِ بِالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْمُسْتَلَذَّةِ فَإِنَّ الْأَخْضَرَ مَرْغُوبٌ عَلَى انْفِرَادِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَابِسِ وَالْحُلْوَ مَرْغُوبٌ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَامِضِ
فَالْإِعْجَابُ بِهِمَا إِذَا اجْتَمَعَا أَشَدُّ (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) أَيْ بِغَيْرِ شَرَهٍ وَلَا إِلْحَاحٍ أَيْ مَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِذِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعْطِي أَيْ بِسَخَاوَةِ نَفْسِ الْمُعْطِي أَيِ انْشِرَاحِهِ بِمَا يُعْطِيهِ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ (وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) أَيْ بِطَمَعٍ أَوْ حِرْصٍ أَوْ تَطَلُّعٍ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِذِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعْطِي أَيْ بِكَرَاهِيَتِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ بِالْإِعْطَاءِ كَذَا قِيلَ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ (وَكَانَ) أَيِ السَّائِلُ الْآخِذُ الصَّدَقَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْبَرَكَةِ وَكَثْرَةِ الشَّرَهِ وَالنَّهِمَةِ (كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أَيِ الَّذِي يُسَمِّي جُوعَهُ كَذَّابًا لِأَنَّهُ مِنْ عِلَّةٍ بِهِ وَسَقَمٍ فَكُلَّمَا أَكَلَ ازْدَادَ سَقَمًا وَلَمْ يُحْدِثْ شِبَعًا (وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) الْمُرَادُ مِنَ الْيَدِ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَمِنَ الْيَدِ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ
وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْيَدِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى
فَعِنْدَ الطبراني بإسناد صحيح عن حكم بْنِ حِزَامٍ مَرْفُوعًا يَدُ اللَّهِ فَوْقَ يَدِ الْمُعْطِي وَيَدُ الْمُعْطِي فَوْقَ يَدِ الْمُعْطَى وَيَدُ الْمُعْطَى أَسْفَلُ الْأَيْدِي
وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ الجزامي مرفوعا مثله
ولأبي داود وبن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى
وَلِأَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ الْيَدُ الْمُعْطِيَةُ هِيَ الْعُلْيَا وَالسَّائِلَةُ هِيَ السُّفْلَى
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ الْمُعْطِيَةُ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (لَا أَرْزَأُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ لَا أُنْقِصُ مَالَهُ بِالطَّلَبِ مِنْهُ (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا) قَالَ الْحَافِظُ إِنَّمَا امْتَنَعَ حَكِيمٌ مِنْ أَخْذِ الْعَطَاءِ مَعَ أَنَّهُ حَقُّهُ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَيَعْتَادَ الْأَخْذَ فَيَتَجَاوَزُ بِهِ نَفْسُهُ إِلَى مَا لَا يريده فقطعهما عَنْ ذَلِكَ وَتَرَكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لا يريبه وإنما أَشْهَدَ عَلَيْهِ عُمَرَ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَنْسُبَهُ أَحَدٌ لَمْ يَعْرِفَ بَاطِنَ الْأَمْرِ إِلَى مَنْعِ حَكِيمٍ مِنْ حَقِّهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
5 -
[2464] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو صَفْوَانَ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ عَنْ (يُونُسَ) بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَمَنَاقِبُهُ شَهِيرَةٌ وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالضَّرَّاءِ إِلَخْ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ الضَّرَّاءُ حَالَةٌ تَضُرُّ وَالسَّرَّاءُ ضِدُّهَا بِنَاءَانِ لِلْمُؤَنَّثِ لَا مُذَكَّرَ لَهُمَا أَيِ اخْتُبِرْنَا بِالْفَقْرِ وَالشِّدَّةِ وَالْعَذَابِ فَصَبَرْنَا عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَتْنَا الدُّنْيَا وَالسَّعَةُ وَالرَّاحَةُ بَطِرْنَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَّا يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّ فَإِنَّهُ أَيْضًا ثِقَةٌ لَكِنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهْمًا قَلِيلًا
[2465]
قَوْلُهُ (عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ السعدي البصري صدوق سيء الْحِفْظِ وَكَانَ عَابِدًا مُجَاهِدًا
قَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ السَّابِعَةِ (وَهُوَ الرِّقَاشِيُّ) بِتَخْفِيفِ الْقَافِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ الْقَاصُّ بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ زَاهِدٌ ضَعِيفٌ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَتْ (هَمَّهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَتْ أَيْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ
وَفِي الْمِشْكَاةِ مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الْآخِرَةِ (جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ) أَيْ جَعَلَهُ قَانِعًا بالكفاف والكفاية كيلا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ (وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا) أَيْ مَا
قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا (وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا (وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ) وَفِي الْمِشْكَاةِ وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا (جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ) أَيْ جِنْسَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ المحسوس مَنْصُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ (وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُجْتَمَعَةَ
قَالَ الطِّيبِيُّ يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِ
وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا اجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِ فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ (وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) أَيْ وَهُوَ رَاغِمٌ فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ
وَالْحَدِيثُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ وَفِي سَنَدِهِ يَزِيدُ الرِّقَاشِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَلَى مَا قَالَ الْحَافِظُ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَزِيدُ قَدْ وُثِّقَ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمُتَابَعَاتِ
وَقَالَ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْآخِرَةَ جَعَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى الغنا فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَنَزَعَ الْفَقْرَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ فَلَا يُصْبِحُ إِلَّا غَنِيًّا وَلَا يُمْسِي إِلَّا غَنِيًّا
وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَلَا يُصْبِحُ إِلَّا فَقِيرًا وَلَا يُمْسِي إِلَّا فَقِيرًا
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَذَكَرَ لَفْظَ الطَّبَرَانِيِّ فِي بَابِ الِاقْتِصَادِ
[2466]
قَوْلُهُ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَائِدَةَ بْنِ نَشِيطٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ زَائِدَةُ بْنُ نَشِيطٍ الْكُوفِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ) بِمُوَحَّدَةٍ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ الْكُوفِيُّ اسْمُهُ هُرْمُزُ وَيُقَالُ هَرَمٌ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَفَدَ عَلَى عُمَرَ
وَقِيلَ حَدِيثُهُ عَنْهُ مُرْسَلٌ فَيَكُونُ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (إن الله يقول يا بن آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي) أَيْ تَفَرَّغْ عَنْ مُهِمَّاتِكَ لِطَاعَتِي (أَمْلَأْ صَدْرَكَ) أَيْ قَلْبَكَ (غِنًى) وَالْغِنَى إِنَّمَا هُوَ غِنَى الْقَلْبِ (وَأَسُدَّ فَقْرَكَ) أَيْ تفرغ عن مهماتك
لعبادتي أقض مهماتك وأغنيك عَنْ خَلْقِي وَإِنْ لَا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَتُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ
وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ أَيْ وإن لَمْ تَتَفَرَّغْ لِذَلِكَ وَاشْتَغَلْتَ بِغَيْرِي لَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ لِأَنَّ الْخَلْقَ فُقَرَاءُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَتَزِيدُ فَقْرًا عَلَى فَقْرِكَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجه وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَقَالَ الحاكم صحيح الاسناد وقال المناوي وأقروه
26 -
باب [2468] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ الضَّرِيرُ الْكُوفِيُّ عَمِيَ وَهُوَ صَغِيرٌ ثِقَةٌ أَحْفَظُ النَّاسِ لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَقَدْ يَهِمُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ وَقَدْ رمى بالإرجاء (عن عروة) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ
قَوْلُهُ (كَانَ لَنَا قِرَامٌ سِتْرٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ وَرُوِيَ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ وَهُوَ السِّتْرُ الرَّقِيقُ مِنْ صُوفٍ ذُو أَلْوَانٍ (فِيهِ تَمَاثِيلُ) جَمْعُ تِمْثَالٍ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُصَوَّرُ قِيلَ الْمُرَادُ صُورَةُ الْحَيَوَانِ (انْزِعِيهِ) أَيِ الْقِرَامَ (وَكَانَ لَنَا سَمْلُ قَطِيفَةٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ السَّمْلُ الْخَلِقُ مِنَ الثِّيَابِ وَقَدْ سَمَلَ الثَّوْبُ وَأَسْمَلَ وَالْقَطِيفَةُ هِيَ كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ انْتَهَى أَيْ كَانَ لَنَا كِسَاءٌ خَلِقٌ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
[2469]
قَوْلُهُ (كَانَتْ وِسَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَسْرِ الْوَاوِ
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْوِسَادُ الْمُتَّكَأُ وَالْمِخَدَّةُ كَالْوِسَادَةِ انْتَهَى (الَّتِي يَضْطَجِعُ عَلَيْهَا) هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوِسَادَةِ الْفِرَاشُ دُونَ الْمُتَّكَأِ وَالْمِخَدَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَدَمٍ وحشوه من ليف
ورواية بن مَاجَهْ كَانَ ضِجَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ (مِنْ أَدَمٍ) بِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ لِجَمْعِ الْأَدِيمِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ (حَشْوُهَا لِيفٌ) قَالَ فِي الصُّرَاحِ لِيفٌ بِالْكَسْرِ بوست درخت خرما ليفة يكي قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2470]
قَوْلُهُ (أَنَّهُمْ ذَبَحُوا) أَيْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ أَهْلُ الْبَيْتِ رضي الله عنهم وَهُوَ الظَّاهِرُ (مَا بَقِيَ مِنْهَا) عَلَى الِاسْتِفْهَامِ أَيْ شَيْءٌ بَقِيَ مِنَ الشَّاةِ (إِلَّا كَتِفَهَا) أَيِ الَّتِي لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا (قَالَ بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيْ مَا تَصَدَّقْتِ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ وَمَا بَقِيَ عِنْدَكِ فَهُوَ غَيْرُ بَاقٍ إشارة إلى قوله تعالى ما عندكم ينفذ وما عند الله باق
قَوْلُهُ (إِنْ كُنَّا) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (آلَ مُحَمَّدٍ) بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (نَمْكُثُ شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ) أَيْ لَا نَخْبِزُ وَلَا نَطْبُخُ فِيهِ شَيْئًا (إِنْ هُوَ) أَيِ الْمَأْكُولُ أَوِ الْمُتَنَاوَلُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2467]
قَوْلُهُ (وَعِنْدَنَا شَطْرٌ مِنْ شَعِيرٍ) قَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ هُنَا الْبَعْضُ وَالشَّطْرُ يُطْلَقُ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مَا قَارَبَهُ وَعَلَى الْجِهَةِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا وَيُقَالُ أَرَادَتْ نِصْفَ وَسْقٍ انْتَهَى (ثُمَّ قُلْتُ لِلْجَارِيَةِ كِيلِيهِ فَكَالَتْهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَكِلْتُهُ وَالْمُرَادُ أَمَرْتُ بِكَيْلِهِ وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ رِوَايَتَيْنِ
فَإِنْ قُلْتَ قَوْلُ عَائِشَةَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَنَا شَطْرٌ مِنْ شَعِيرٍ يُخَالِفُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيِّ مَا تَرَكَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا
قُلْنَا لَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ فَكَانَتْ بَقِيَّةَ نَفَقَتِهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا فَلَمْ يَتَّحِدِ الْمَوْرِدَانِ
فَإِنْ قُلْتَ قَوْلُ عَائِشَةَ فَلَوْ كُنَّا تَرَكْنَاهُ لَأَكَلْنَا مِنْهُ أَكْثَرَ من ذلك يخالف حديث المقدام بن معد يكرب كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ
قُلْنَا لَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْكَيْلَ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ أَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلِهَذَا الْقَصْدِ يُنْدَبُ وَأَمَّا الْكَيْلُ عِنْدَ الْإِنْفَاقِ فَقَدْ يَبْعَثُ عَلَيْهِ الشُّحُّ فَلِذَلِكَ كُرِهَ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَطْعِمُهُ فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي باب فضل الفقر 28 باب [2472] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ
قَوْلُهُ (لَقَدْ أُخِفْتُ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِخَافَةِ أَيْ هُدِّدْتُ وَتُوُعِّدْتُ بِالتَّعْذِيبِ وَالْقَتْلِ (فِي اللَّهِ) أَيْ فِي إِظْهَارِ دِينِهِ (وَمَا يُخَافُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مِثْلَ مَا أُخِفْتُ (أَحَدٌ) أَيْ غَيْرِي (وَلَقَدْ أُوذِيتُ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِيذَاءِ أَيْ بِالْفِعْلِ بَعْدَ التَّخْوِيفِ بِالْقَوْلِ (فِي اللَّهِ) أَيْ فِي إِظْهَارِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ (وَلَمْ يُؤْذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (أَحَدٌ) أَيْ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (وَلَقَدْ أَتَتْ) أَيْ مَضَتْ (ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ تَأْكِيدٌ لِلشُّمُولِ أَيْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مُتَوَاتِرَاتٍ لَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الزمان (ومالي) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي (يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ حَيَوَانٌ (إِلَّا شَيْءٌ) أَيْ قَلِيلٌ (يُوَارِيهِ) أَيْ يَسْتُرُهُ وَيُغَطِّيهِ (إِبْطُ بِلَالٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ وَهُوَ مَا تَحْتَ الْمَنْكِبِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ رَفِيقِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَا كَانَ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ بِقَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبْطِهِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي ضِيقِ مَعِيشَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ وَسَعَتِهَا فِي بَابِ مَعِيشَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح) وأخرجه بن ماجه وبن حِبَّانَ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ بإسناده صَحِيحٍ
قَوْلُهُ (وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ إِلَخْ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ قَوْلُهُ وَمَعَهُ بِلَالٌ أَفَادَ أَنَّ هَذَا الْخُرُوجَ غَيْرَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بِلَالٌ فِيهَا فَلَعَلَّ الْمُرَادَ خُرُوجُهُ صلى الله عليه وسلم هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ إِلَى الطَّائِفِ إِلَى عَبْدِ كُلَالٍ بِضَمِّ الْكَافِ مُخَفَّفًا رَئِيسِ أَهْلِ الطَّائِفِ لِيَحْمِيَهُ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَسَلَّطَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صِبْيَانَهُ فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْا كَعْبَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حارثه لا بلال انتهى
وكذا قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ
وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ وَمَعَهُ بِلَالٌ لا
يُنَافِي كَوْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَعَهُ أَيْضًا مَعَ احْتِمَالِ تَعَدُّدِ خُرُوجِهِ عليه الصلاة والسلام لَكِنْ أَفَادَ بِقَوْلِهِ مَعَهُ بِلَالٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْخُرُوجُ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بِلَالٌ حِينَئِذٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ) بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ مَوْلَى بني مَخْزُومٍ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ رَوَى عَنْ محمد بن كعب القرظي وغيره وعنه بن إِسْحَاقَ وَمَالِكٌ
[2473]
قَوْلُهُ (خَرَجْتُ فِي يَوْمٍ شَاتٍ) أَيْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ (وَقَدْ أَخَذْتُ إِهَابًا مَعْطُونًا) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ هُوَ الْمَتْنُ الْمُتَمَزِّقُ الشَّعْرِ مِنْ عَطِنَ الْجِلْدُ إِذَا تَمَزَّقَ شَعْرُهُ وَأَنْتَنَ فِي الدِّبَاغِ (فَجَوَّبْتُ وَسَطَهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْجَوْبُ الْخَرْقُ كَالِاجْتِيَابِ وَالْقَطْعِ وَجُبْتُ الْقَمِيصَ أَجُوبُهُ وَأُجِيبُهُ وَجَوَّبْتُهُ عَمِلْتُ لَهُ جَيْبًا انْتَهَى (فخزمته) أَيْ شَدَدْتُهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ حَزَمَهُ يَحْزِمُهُ شَدَّهُ (بِخُوصِ النَّخْلِ) الْخُوصُ بِالضَّمِّ وَرَقُ النَّخْلِ الْوَاحِدَةُ بِهَاءٍ وَالْخَوَّاصُ بَائِعُهُ
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ فِي بَابِ الْحَاءِ مَعَ الزَّايِ وَفِيهِ نَهْيٌ أَنْ يُصَلَّى بِغَيْرِ حِزَامٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُدَّ ثَوْبَهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَلَّمَا يَتَسَرْوَلَونَ وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ إِزَارٌ وَكَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا وَلَمْ يَتَلَبَّبْ أَوْ لَمْ يَشُدَّ وَسَطَهُ رُبَّمَا انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ (في ماله) فِي الْقَامُوسِ الْمَالُ مَا مَلَكْتُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُرَادُ هُنَا الْبُسْتَانُ وَالْحَائِطُ (وَهُوَ يَسْقِي بِبَكَرَةٍ) بِالْفَتْحِ هِيَ خَشَبَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ فِي وَسَطِهَا مَحَزٌّ يُسْتَسْقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ (مِنْ ثُلْمَةٍ) أَيْ فرجة وَالثُّلْمَةُ بِالضَّمِّ فُرْجَةُ الْمَكْسُورِ وَالْمَهْدُومِ (ثُمَّ جَرَعْتُ مِنَ الْمَاءِ) فِي الْقَامُوسِ الْجَرْعَةُ مُثَلَّثَةً مِنَ الْمَاءِ حَسْوَةٌ مِنْهُ أَوْ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحُ الِاسْمُ مِنْ جَرِعَ الْمَاءَ كَسَمِعَ وَمَنَعَ بَلَعَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ وَهُوَ شَيْخُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ
[2474]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِغُنْدَرٍ (عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم مصغرا
وعباس هذا هو بن فَرُّوخَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَآخِرَهُ مُعْجَمَةٌ الْبَصْرِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلٍّ بِلَامٍ ثَقِيلَةٍ وَالْمِيمُ مُثَلَّثَةٌ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ مُخَضْرَمٌ مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ ثِقَةٌ ثَبَتٌ عَابِدٌ وَالنَّهْدِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ
قَوْلُهُ (أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ) أَيِ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ جوع أي شديد قال القارىء وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي سَفَرٍ بَعِيدٍ
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ
قُلْتُ لَمْ أَجِدْ رِوَايَةً صَرِيحَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حديث صحيح) وأخرجه بن مَاجَهْ بِلَفْظِ إِنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ وَهُمْ سَبْعَةٌ قَالَ فَأَعْطَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ تَمَرَاتٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ تَمْرَةً وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
[2475]
قَوْلُهُ (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ)
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِبٍ أَمِيرُنَا أبو عبيدة بن الجراح نرصد غير قريش فأقمتا بالساحل نصف شهر
وقد ذكر بن سَعْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُمْ إِلَى حَيِّ جُهَيْنَةَ بِالْقَبَلِيَّةِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مِمَّا يَلِي سَاحِلَ الْبَحْرِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسُ لَيَالٍ وَأَنَّهُمُ انْصَرَفُوا وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا
قَالَ الْحَافِظُ هَذَا لَا يُغَايِرُ ظَاهِرُهُ مَا فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يَتَلَقَّوْنَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَيَقْصِدُونَ حَيًّا مِنْ جُهَيْنَةَ وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْعَ مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعثا إلى أرض جهينة فذكره الْقِصَّةَ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِجَابِرٍ رضي الله عنه (يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ) هَذَا كُنْيَةُ جَابِرٍ (وَأَيْنَ كَانَتْ تَقَعُ التَّمْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَقُلْتُ مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ
قَالَ الْحَافِظُ هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ (قَالَ لقد وجدنا فقدها) أي موثرا
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي هَذَا بَيَانُ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَالصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الْغَزْوِ مَعَ هذا الحال (فإذا نحن بحوت) هواسم جِنْسٍ لِجَمِيعِ السَّمَكِ وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا عَظُمَ مِنْهَا (قَدْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ) أَيْ رَمَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ (فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا أَحْبَبْنَا) مَا مَوْصُولَةٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَأَكَلَ مِنْهَا الْجَيْشُ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مَا لَفْظُهُ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ مَنْ رَوَى شَهْرًا هُوَ الْأَصْلُ وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَمَنْ رَوَى دُونَهُ لَمْ يَنْفِ الزِّيَادَةَ وَلَوْ نفاها قدم المثبث وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا حُكْمَ لَهُ
فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيَ الزِّيَادَةِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ كَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهُ فَوَجَبَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَنْ قَالَ نِصْفَ شَهْرٍ أَرَادَ أَكَلُوا مِنْهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ طَرِيًّا وَمَنْ قَالَ شَهْرًا أَرَادَ أَنَّهُمْ قَدَّدُوهُ فَأَكَلُوا مِنْهُ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ قَدِيدًا انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ الذي قال ثمان عشر ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ وَأَنَّ مَنْ قَالَ نِصْفَ شَهْرٍ أَلْغَى الْكَسْرَ الزَّائِدَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَنْ قَالَ شَهْرًا جَبَرَ الْكَسْرَ أَوْ ضَمَّ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ وِجْدَانِهِمُ الْحُوتَ إِلَيْهَا
قَالَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا وَهِيَ شَاذَّةٌ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مُطَوَّلًا وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ السَّمَكِ الطَّافِي قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا السَّمَكُ
الطَّافِي وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْبَحْرِ بِلَا سَبَبٍ فَمَذْهَبُنَا إِبَاحَتُهُ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَعَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَطَاوُسٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ دَلِيلُنَا قَوْلِهِ تَعَالَى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) قال بن عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ صَيْدُهُ مَا صِدْتُمُوهُ وَطَعَامُهُ مَا قَذَفَهُ
وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا وَبِحَدِيثِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَبِأَشْيَاءَ مَشْهُورَةٍ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ كَيْفَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ
وَقَدْ أَوْضَحْتُ ضَعْفَهُ وَحَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ
فَإِنْ قِيلَ لَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْعَنْبَرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُضْطَرِّينَ قُلْنَا الِاحْتِجَاجُ بِأَكْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
قُلْتُ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ هُوَ جَوَازُ أَكْلِ السَّمَكِ الطَّافِي وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِيهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2476]
قَوْلُهُ (إِنَّا لَجُلُوسٌ) أَيْ لَجَالِسُونَ (فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ (إِذْ طَلَعَ) أَيْ ظَهَرَ (مُصْعَبُ بْنُ عمير) بضم الميم وفتح العين وعمير بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا (مَا عَلَيْهِ) أَيْ لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ (إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ) أَيْ كِسَاءٌ مَخْلُوطُ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ (مَرْقُوعَةٌ أَيْ مُرَقَّعَةٌ (بِفَرْوٍ) أَيْ بِجِلْدٍ
قَالَ مَيْرُكُ هُوَ قُرَشِيٌّ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَرَكَ النِّعْمَةَ وَالْأَمْوَالَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ السَّاكِنِينَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ
وَقَالَ صَاحِبُ المشاة فِي الْإِكْمَالِ عَبْدَرِيٌّ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعث مُصْعَبًا بَعْدَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا (فَلَمَّا رَآهُ) أَيْ أَبْصَرَ مُصْعَبًا بِتِلْكَ الْحَالِ الصَّعْبَاءِ (بَكَى لِلَّذِي) أَيْ لِلْأَمْرِ الَّذِي (كَانَ فِيهِ) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَاَلَّذِي هُوَ فِيهِ) أَيْ وَلِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِحْنَةِ وَالْمَشَقَّةِ (الْيَوْمَ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ (كَيْفَ) أَيِ الْحَالُ (بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ) أَيْ ذَهَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ (فِي حُلَّةٍ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ
أَيْ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ (وَرَاحَ) أَيْ ذَهَبَ آخِرَ النَّهَارِ (فِي حُلَّةٍ) أَيْ أخرى من الأولى قال بن الْمَلَكِ أَيْ كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُكُمْ بِحَيْثُ يَلْبَسُ كُلٌّ مِنْكُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ حُلَّةً وَآخِرَهُ أُخْرَى مِنْ غَايَةِ التَّنَعُّمِ (وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ) أَيْ قَصْعَةٌ مِنْ مَطْعُومٍ (وَرُفِعَتْ أُخْرَى) أَيْ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُتْرَفِينَ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ أَصْنَافِ الْأَطْعِمَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَطْبَاقِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَنَعِّمِينَ (وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ جُدْرَانَهَا
وَالْمَعْنَى زَيَّنْتُمُوهَا بِالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ مِنْ فَرْطِ التَّنَعُّمِ (كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أن سترها من خصوصياتها لا متيازها (نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ) وَبَيَّنُوا سَبَبَ الْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ مُسْتَأْنَفًا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ (نَتَفَرَّغُ) أَيْ عَنِ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ (لِلْعِبَادَةِ) أَيْ بِأَنْفُسِنَا (وَنُكْفَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (الْمُؤْنَةَ) أَيْ بِخَدَمِنَا وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ
فَالْمَعْنَى نَدْفَعُ عَنَّا تَحْصِيلَ الْقُوتِ لِحُصُولِهِ بِأَسْبَابٍ مُهَيَّأَةٍ لَنَا فَنَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَبَرَّاتِ الْمَالِيَّةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا) أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْتُمْ (أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ) لِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ كَفَافٌ خَيْرٌ مِنَ الْغَنِيِّ
لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَشْتَغِلُ بِدُنْيَاهُ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِثْلُ مَنْ لَهُ كَفَافٌ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ الْمَالِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ قِصَّةِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ لَفْظَهُ بِتَمَامِهِ
قَوْلُهُ (وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ هَذَا هُوَ مَدِينِيٌّ إِلَخْ) الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ
هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُسَمَّيْنِ بِيَزِيدَ
فَالْأَوَّلُ يَزِيدُ بن زياد مديني المذكورفي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالثَّانِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنْ أَبْوَابِ الشَّهَادَاتِ وَالثَّالِثُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الْكُوفِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي بَابِ السِّوَاكِ وَالطِّيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
[2477]
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ ذَرِّ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ الْهَمْدَانِيُّ بِالسُّكُونِ الْمُرْهِبِيُّ أَبُو ذَرٍّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ رُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ)
الصُّفَّةُ مَكَانٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُظَلَّلٌ أُعِدَّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ فِيهِ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْلَ وَكَانُوا يَكْثُرُونَ فِيهِ وَيَقِلُّونَ بِحَسَبِ مَنْ يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسَافِرُ
وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فَزَادُوا عَلَى الْمِائَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
وَقَالَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَدِ اعْتَنَى بِجَمْعِ أَسْمَاءِ أَهْلِ الصُّفَّةِ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ
وَتَبِعَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فَزَادَ أَسْمَاءَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي أَوَائِلِ الْحِلْيَةِ فَسَرَدَ جَمِيعَ ذَلِكَ (لَا يَأْوُونَ عَلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ) وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الرِّقَاقِ بِلَفْظِ عَلَى قَالَ الْحَافِظُ فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ وَالْأَكْثَرُ إِلَى بَدَلَ عَلَى
قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَوَيْتُ مَنْزِلِي وَإِلَيْهِ أُوِيًّا بِالضَّمِّ وَيُكْسَرُ نَزَلْتُهُ بِنَفْسِي وَسَكَنْتُهُ وَأَوَيْتُهُ وَأَوَّيْتُهُ وَآوَيْتُهُ أَنْزَلْتُهُ
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَرَّةً مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ أَوْ كَمَا قَالَ
وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى قَسَمَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ بَيْنَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ وَالرَّجُلُ بِالرَّجُلَيْنِ حَتَّى ذَكَرَ عَشَرَةً الْحَدِيثَ
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصُّفَّةِ فَجَعَلَ يُوَجِّهُ الرَّجُلَ مَعَ الرَّجُلِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ حَتَّى بَقِيتُ فِي
أَرْبَعَةٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَامِسُنَا فَقَالَ انْطَلِقُوا بِنَا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ عَشِّينَا الْحَدِيثَ
(وَاَللَّهِ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ (إِنْ كُنْتُ) بِسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ) أَيْ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَجَرِ عَلَى بَطْنِهِ أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سُقُوطِهِ عَلَى الْأَرْضِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ
قَالَهُ الْحَافِظُ وَذَكَرَ رِوَايَاتٍ تَدُلُّ عَلَى خُرُورِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ
قُلْتُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَأَمَّا خُرُورُهُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَحَالَةٌ أُخْرَى لَهُ مِنَ الْجُوعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَأَشَدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ فَائِدَةُ شَدِّ الْحَجَرِ الْمُسَاعَدَةُ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالِانْتِصَابِ أَوِ الْمَنْعُ مِنْ كَثْرَةِ التَّحَلُّلِ مِنَ الْغِذَاءِ الَّذِي فِي الْبَطْنِ لِكَوْنِ الْحَجَرِ بِقَدْرِ الْبَطْنِ فَيَكُونُ الضَّعْفُ أَقَلَّ أَوْ لِتَقْلِيلِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ أَوْ لِأَنَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ إِلَى كَسْرِ النَّفْسِ (وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ فِيهِ) ضَمِيرُ طَرِيقِهِمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ كَانَ طَرِيقُ مَنَازِلِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ مُتَّحِدَةً (إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي) بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ أَيْ يَطْلُبَ مِنِّي أَنْ أَتْبَعَهُ لِيُطْعِمَنِي (فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ) أَيِ الِاسْتِتْبَاعَ (ثُمَّ مَرَّ عُمَرُ) قَالَ الْحَافِظُ لَعَلَّ الْعُذْرَ لِكُلٍّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حَمْلُ سُؤَالِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ فَهِمَا مَا أَرَادَهُ وَلَكِنْ لم يكن عندهما إذ ذلك مَا يُطْعِمَانِهِ
لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ أَنَّ عُمَرَ تَأَسَّفَ عَلَى عَدَمِ إِدْخَالِهِ أَبَا هُرَيْرَةَ دَارَهُ وَلَفْظُهُ فَلَقِيتُ عُمَرَ فَذَكَرْتُ لَهُ وَقُلْتُ لَهُ وَلِي اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ وَفِيهِ قَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُهُ إِذْ ذَاكَ فَيُرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا رَمَزَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ كِنَايَتِهِ بِذَلِكَ عَنْ طَلَبِ مَا يَأْكُلُ (فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي) زَادَ الْبُخَارِيُّ وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي
قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي
اسْتَدَلَّ أَبُو هُرَيْرَةَ بِتَبَسُّمِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ مَا بِهِ لِأَنَّ التَّبَسُّمَ تَارَةً يَكُونُ لِمَا يُعْجِبُ وَتَارَةً يَكُونُ لِإِينَاسِ مِنْ تَبَسَّمَ إِلَيْهِ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْحَالُ مُعْجِبَةً فَقَوِيَ الْحَمْلُ عَلَى الثَّانِي
وَقَوْلُهُ وَمَا فِي وَجْهِي كَأَنَّهُ عَرَفَ مِنْ حَالِ وَجْهِهِ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ احْتِيَاجِهِ إِلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ (وَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ (أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ (قَالَ الْحَقْ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ اتْبَعْ (فَوَجَدَ قَدَحًا) بِالْفَتْحِ فَإِنَّ الْقَدَحَ لَا يُكْسَرُ (فَسَاءَنِي ذَلِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فَادْعُهُمْ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَقُلْتُ) أَيْ فِي نَفْسِي (فَسَيَأْمُرُنِي) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (أَنْ أُدِيرَهُ عَلَيْهِمْ) وَكَأَنَّهُ عَرَفَ بِالْعَادَةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُلَازِمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيَخْدُمُهُ
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِسْكِينًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ وَكَانَ يَدُورُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُمَا دَارَ (مَا يُغْنِينِي) أَيْ عَنْ جُوعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَتَبَسَّمَ) وَفِي الْبُخَارِيِّ فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ
قَالَ الْحَافِظُ كَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَفَرَّسَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ مَا كَانَ وَقَعَ فِي تَوَهُّمِهِ أَنْ لَا يَفْضُلَ لَهُ مِنَ اللَّبَنِ شَيْءٌ فَلِذَلِكَ تَبَسَّمَ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ (فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى) أَيْ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ
مِنَ الْبَرَكَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي اللَّبَنِ الْمَذْكُورِ مَعَ قِلَّتِهِ حَتَّى رَوَى الْقَوْمَ كُلَّهُمْ وَأَفْضَلُوا وَسَمَّى فِي ابْتِدَاءِ الشُّرْبِ (وَشَرِبَ) أَيِ الْفَضْلَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَيِ الْبَقِيَّةَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ
[2478]
29 قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القرشي) أبو يحيى النمرقي بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا قَافٌ الرَّازِيُّ
مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مِنَ الثَّامِنَةِ (حَدَّثَنِي يحيى البكاء) بتشديد الكاف بن مسلم أو بن سليم مصغرا وهو بن خُلَيْدٍ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَحْيَى الْبَكَّاءِ الْحُدَّانِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مَوْلَاهُمْ ضَعِيفٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (تَجَشَّأَ رَجُلٌ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ يُخْرِجُ الْجُشَاءَ مِنْ صَدْرِهِ وَهُوَ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ عِنْدَ الشِّبَعِ وَقِيلَ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ الرَّجُلُ هُوَ وَهْبٌ أَبُو جُحَيْفَةَ السَّوَائِيُّ
رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَكَلْتُ ثَرِيدَةً مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَأَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَتَجَشَّأُ قُلْتُ قَدْ أَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ هَذَا بِقَوْلِهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَسَتَقِفُ عَلَى لَفْظِهِ وَمُخَرِّجِيهِ (فَقَالَ كُفَّ عَنَّا) أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنَ الْكَفِّ بِمَعْنَى الصَّرْفِ وَالدَّفْعِ وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ أقصر من جشائك (جشاءك) بضم الجيم ممدود أو النهي عَنِ الْجُشَاءِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الشِّبَعِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْجَالِبُ لَهُ (فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الشِّبَعُ بِالْفَتْحِ وَكَعِنَبٍ ضِدُّ الْجُوعِ وَشَبِعَ كَسَمِنَ خُبْزًا وَلَحْمًا مِنْهُمَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَيَحْيَى الْبَكَّاءُ وَهُمَا ضَعِيفَانِ كما عرفت
وأخرجه أيضا بن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِمَا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) قَالَ أَكَلْتُ ثَرِيدَةً مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلْتُ أَتَجَشَّأُ فَقَالَ يَا هَذَا كُفَّ عَنْ جُشَائِكَ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَلْ وَاهٍ جِدًّا فِيهِ فَهْدُ بْنُ عَوْفٍ وَعُمَرُ بْنُ مُوسَى لَكِنْ رَوَاهُ البزار بإسنادين
رواة أحدهما ثقات ورواه بن أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَزَادُوا فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَةَ مِلْءَ بَطْنِهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا كَانَ إِذَا تَغَدَّى لَا يَتَعَشَّى وَإِذَا تَعَشَّى لَا يَتَغَدَّى وَفِي رِوَايَةٍ لأبن أبي الدنيا قال أبو جعيفة فَمَا مَلَأْتُ بَطْنِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً انْتَهَى
0 -
[2479] قَوْلُهُ (يَا بُنَيَّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَشَدَّةِ الْيَاءِ (وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصَابَتْنَا السَّمَاءُ) الْجُمْلَتَانِ وَقَعَتَا حَالَيْنِ مُتَرَادِفَيْنِ أَوْ مُتَدَاخِلَيْنِ أَيْ لَوْ رَأَيْتُنَا حَالَ كَوْنِنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَالَ كَوْنِنَا قَدْ أَصَابَتْنَا السَّمَاءُ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ على جواز لبس الصوف قال بن بطال كره ملك لُبْسَ الصُّوفِ لِمَنْ يَجِدُ غَيْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ بِالزُّهْدِ لِأَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ أَوْلَى قَالَ وَلَمْ يَنْحَصِرِ لِلتَّوَاضُعِ فِي لُبْسِهِ بَلْ فِي الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ مَا هُوَ بِدُونِ ثَمَنِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَيْضًا نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ إِنَّمَا لِبَاسُنَا الصُّوفُ وَطَعَامُنَا الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ
1 -
باب [2481] قَوْلُهُ (مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ) أَيْ لُبْسَ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ الْمُرْتَفِعَةِ الْقِيمَةِ (تَوَاضُعًا لِلَّهِ) أَيْ لَا لِيُقَالَ إِنَّهُ مُتَوَاضِعٌ أَوْ زَاهِدٌ وَنَحْوُهُ وَالنَّاقِدُ بصير (دعاه الله يوم القيامة على روؤس الْخَلَائِقِ) أَيْ يُشَهِّرُهُ وَيُنَادِيهِ (مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ) أَيْ مِنْ أَيِّ حُلَلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ
وَفِي حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِيهِ قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم من تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ بِشْرٌ أَحْسَبُهُ قَالَ تَوَاضُعًا كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثٍ ولم يسم بن الصَّحَابِيِّ
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَّانِ بْنِ فَائِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ بِزِيَادَةٍ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَقَالَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْحَاكِمُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ انْتَهَى
قُلْتُ لَيْسَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا قَوْلُ للترمذي حَدِيثٌ حَسَنٌ
[2482]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بِالْفَاءِ الْإِيَادِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ الْقُهُسْتَانِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْهَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ سَكَنَ الرَّيَّ ثُمَّ بَغْدَادَ وَوَلِيَ قَضَاءَ سِجِسْتَانَ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْأَوْهَامِ مِنَ التاسعة (عن إسرائيل) هو بن يُونُسَ الْكُوفِيُّ
قَوْلُهُ (النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فَيُؤَخِّرُ الْمُنْفَقَ عَلَيْهَا (إِلَّا الْبِنَاءَ) أَيْ إِلَّا النَّفَقَةَ فِي الْبِنَاءِ (فَلَا خَيْرَ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ فِيهِ فَلَا أَجْرَ فِيهِ وَهَذَا فِي بِنَاءٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قُرْبَةٌ أَوْ كَانَ فَوْقَ الْحَاجَةِ
قَوْلُهُ (هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ شَبِيبُ بْنُ بَشِيرٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ) قَالَ فِي التقريب شبيب بوزن طويل بن بشر أو بن بَشِيرٍ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ الْخَامِسَةِ
[2483]
قوله (أخبرنا شريك) هو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ (عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُغَرِّبٍ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ قَبْلهَا مُعْجَمَةٌ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ غَلِطَ مَنْ نَقَلَ عَنِ بن المدني أنه تركه
قوله (أتينا خبابا) بموحدين الأول مثقلة بن الأرث بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ التَّمِيمِيِّ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ
وَثَلَاثِينَ (وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْكَيُّ عِلَاجٌ مَعْرُوفٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ فَقِيلَ النَّهْيُ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْهُ
وَأَمَّا إِذَا اعْتُقِدَ أَنَّهُ سَبَبٌ وَأَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مِنْ قِبَلِ التَّوَكُّلِ وَهُوَ دَرَجَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْجَوَازِ انْتَهَى
ويُؤَيِّدُهُ خَبَرُ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (لَا تمنوا الموت) بحذف إحدى التائين أَيْ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِمَا فِيهِ مِنْ طَلَبِ إِزَالَةِ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ ولزيادة العمل (لتنميته) أَيْ لِأَسْتَرِيحَ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ الَّذِي مِنْ شَأْنِ الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ تَنْفِرَ مِنْهُ وَلَا تَصْبِرَ عَلَيْهِ (وَقَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ) أَيْ كُلِّهَا (إِلَّا التُّرَابَ) أَيْ إِلَّا النَّفَقَةَ فِي التُّرَابِ (أَوْ قَالَ فِي التُّرَابِ) شَكٌّ من الرواي أَيْ فِي نَفَقَتِهِ فِي الْبُنْيَانِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ أَوْ قَدْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
[2480]
قَوْلُهُ (حدثنا الجارود) هو بن مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ هَذَا هُوَ مَيْمُونُ الْأَعْوَرُ الْقَصَّابُ
مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ رَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ (عن إبراهيم) هو بن يزيد النخعي
قوله (البناء وكله وبال) أَيْ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْحَاجَةِ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ كَالْمَسْجِدِ (قُلْتُ أَرَأَيْتُ إِلَخْ) أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ بِنَاءٍ لَا بُدَّ مِنْهُ (قَالَ لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ) أَيْ لَا أَجْرَ لِصَاحِبِهِ وَلَا وِزْرَ عَلَيْهِ هَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا كُلُّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَسْجِدًا كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ إِلَّا مَسْجِدًا أَيْ أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا
بُنِيَ يُقْصَدُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ وَاسْتَثْنَى فِي خَبَرٍ آخَرَ مَا لَا بُدَّ منه لحاجة الانسان انتهى
2 -
باب [2484] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو الْعَلَاءِ) الْكُوفِيُّ الْخَفَّافُ
مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ ثم اختلط من الخامسة (حدثني حُصَيْنُ) بْنُ مَالِكٍ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ لَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي أَجْرِ مَنْ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا
قَوْلُهُ (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (لَحَقٌّ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ (أَنْ نَصِلَكَ) أَيْ نُعْطِيكَ (إِلَّا كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ) فَيَحْفَظُهُ اللَّهُ مِنْ مَكَارِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (مَا دَامَ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الثَّوْبِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ كَسَاهُ (خِرْقَةٌ) أَيْ قِطْعَةٌ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ يَعْنِي حَتَّى يَبْلَى وَقَالَ وَمَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ كَسَا ذِمِّيًّا لَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْوَعْدُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ طَهْمَانَ وَلَفْظُ الْحَاكِمِ مَنْ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا لَمْ يَزَلْ فِي سِتْرِ اللَّهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خَيْطٌ أَوْ سِلْكٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ انْتَهَى
قُلْتُ خالد بن طهمان اختلط في اخره عُمُرِهِ كَمَا عَرَفْتَ
قَوْلُهُ (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الّقَطَّانُ (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) بِضَمِّ الزاي العامري
الحوشي بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ الْبَصْرِيُّ قَاضِيهَا ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الثَّالِثَةِ مَاتَ فَجْأَةً [2485] فِي الصَّلَاةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ) بِالتَّخْفِيفِ الْإِسْرَائِيلِيِّ هُوَ أَبُو يُوسُفَ حَلِيفُ بَنِي الْخَزْرَجِ قِيلَ كَانَ اسْمُهُ الْحُسَيْنَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ مَشْهُورٌ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ (يَعْنِي الْمَدِينَةَ) هَذَا قَوْلُ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ) أَيْ ذَهَبُوا مُسْرِعِينَ إِلَيْهِ يُقَالُ جَفَلَ وَأَجْفَلَ وَانْجَفَلَ (فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الصُّرَاحِ اسْتَبَانَ الشَّيْءَ أَيْ ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ مِثْلُهُ وَاسْتَبَنْتُهُ أَنَا عَرَفْتُهُ وَتَبَيَّنْتُهُ أَنَا كَذَلِكَ انْتَهَى (لَيْسَ بِوَجْهِ كذاب) بالإضافة وينون أي يوجه ذِي كَذِبٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عِنْوَانُ الْبَاطِنِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خِطَابُ الْعَامِّ بِكَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ لِلْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخُلُقِ وَالْحَقِّ (أَفْشُوا السَّلَامَ) أَيْ أَظْهِرُوهُ وَأَكْثِرُوهُ عَلَى مَنْ تَعْرِفُونَهُ وَعَلَى مَنْ لَا تَعْرِفُونَهُ (وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ) أَيْ لِنَحْوِ الْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ (وَصَلُّوا) أَيْ بِاللَّيْلِ (وَالنَّاسُ نِيَامٌ) لِأَنَّهُ وَقْتُ الْغَفْلَةِ فَلِأَرْبَابِ الْحُضُورِ مَزِيدُ الْمَثُوبَةِ أَوْ لِبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) أَيْ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَلَائِكَتِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ أَوْ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وأخرجه بن ماجه والدرامي قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) هُوَ الطَّوِيلُ قَوْلُهُ [2487](لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ) أَيْ حِينَ جَاءَهَا أَوَّلَ قُدُومِهِ (أَتَاهُ المهاجرون) أي بعد ما قَامَ الْأَنْصَارُ بِخِدْمَتِهِمْ وَإِعْطَائِهِمْ أَنْصَافَ دُورِهِمْ وَبَسَاتِينِهِمْ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ طَلَّقَ أَحْسَنَ نِسَائِهِ لِيَتَزَوَّجَهَا بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بقوله والذين تبوءوا الدار والإيمان من قلبهم يحبون من هاجر إليهم ولا يحدون فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (فَقَالُوا) أَيِ الْمُهَاجِرُونَ (مَا رَأَيْنَا قَوْمًا
أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ) أَيْ مِنْ مَالٍ كَثِيرٍ (وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ) أَيْ مِنْ مَالٍ قَلِيلٍ (مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) أَيْ عِنْدَهُمْ وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَحْسَنُوا إِلَيْنَا سَوَاءٌ كَانُوا كَثِيرِي الْمَالِ أَوْ فَقِيرِي الْحَالِ
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله الْجَارَّانِ أَعْنِي مِنْ قَلِيلٍ وَمِنْ كَثِيرٍ مُتَعَلِّقَانِ بِالْبَذْلِ وَالْمُوَاسَاةِ وقوله من قوم صلة لا بذل وأحسن عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ وَقَوْمٌ هُوَ الْمُفَضَّلُ وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ الْأَنْصَارُ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ إِلَيْهِ لِيَدُلَّ التَّنْكِيرُ عَلَى التَّفْخِيمِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ إِجْرَاءِ الْأَوْصَافِ التَّالِيَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ لِأَنَّ التَّبْيِينَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ وَأَبْلَغُ (لَقَدْ كَفَوْنَا) مِنَ الْكِفَايَةِ (الْمُؤْنَةَ) أَيْ تَحَمَّلُوا عَنَّا مُؤْنَةَ الْخِدْمَةِ فِي عِمَارَةِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ وَغَيْرِهِمَا (وَأَشْرَكُونَا) أَيْ مِثْلَ الْإِخْوَانِ (فِي الْمَهْنَأِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَهَمْزٍ فِي آخِرِهِ مَا يَقُومُ بِالْكِفَايَةِ وَإِصْلَاحِ الْمَعِيشَةِ وَقِيلَ مَا يَأْتِيكَ بلا تعب قال بن الْمَلَكِ وَالْمَعْنَى أَشْرَكُونَا فِي ثِمَارِ نَخِيلِهِمْ وَكَفَوْنَا مُؤْنَةَ سَقْيِهَا وَإِصْلَاحِهَا وَأَعْطَوْنَا نِصْفَ ثِمَارِهِمْ وَقَالَ الْقَاضِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا أَشْرَكُوهُمْ فِيهِ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ (حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا) أَيِ الْأَنْصَارُ (بِالْأَجْرِ كُلِّهِ) أَيْ بِأَنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ أَجْرَ هِجْرَتِنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَجْرَ عِبَادَتِنَا كُلِّهَا مِنْ كَثْرَةِ إِحْسَانِهِمْ إِلَيْنَا (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا) أَيْ لَا يَذْهَبُونَ بِكُلِّ الْأَجْرِ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ فَلَكُمْ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ وَلَهُمْ أَجْرُ الْمُسَاعَدَةِ (مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ) أَيْ مَا دُمْتُمْ تَدْعُونَ لَهُمْ بِخَيْرٍ فَإِنَّ دُعَاءَكُمْ يَقُومُ بِحَسَنَاتِهِمْ إِلَيْكُمْ وَثَوَابَ حَسَنَاتِكُمْ رَاجِعٌ عَلَيْكُمْ
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله يَعْنِي إِذْ حَمَلُوا الْمَشَقَّةَ وَالتَّعَبَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَشْرَكُونَا فِي الرَّاحَةِ وَالْمَهْنَأِ فَقَدْ أَحْرَزُوا الْمَثُوبَاتِ فَكَيْفَ نُجَازِيهِمْ فَأَجَابَ لَا أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فَإِنَّكُمْ إِذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ شُكْرًا لِصَنِيعِهِمْ وَدُمْتُمْ عليه فقد جاز يتموه
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أبو داود والنسائي
3
ثِقَةٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (حَدَّثَنِي أَبِي) هُوَ مَعْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ نَضْلَةَ الْغِفَارِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ) أَيْ الله تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ لِأَنَّ الطُّعْمَ فِعْلٌ وَالصَّوْمَ كَفٌّ فَالطَّاعِمُ بِطُعْمِهِ يَأْتِي رَبَّهُ بِالشُّكْرِ وَالصَّائِمُ بِكَفِّهِ عَنِ الطُّعْمِ يَأْتِيهِ بِالصَّبْرِ
قَالَ القارىء أَقَلُّ شُكْرِهِ أَنْ يُسَمِّيَ إِذَا أَكَلَ وَيَحْمَدَ إِذَا فَرَغَ وَأَقَلُّ صَبْرِهِ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ
قَالَ الْمُظَهَّرُ هَذَا تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَجْرَ لَا فِي الْمِقْدَارِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ كَعَمْرٍو وَمَعْنَاهُ زَيْدٌ يُشْبِهُ عَمْرًا فِي بَعْضِ الخصال ولا يلزم الممائلة في جميعها فلا يلزم الممائلة فِي الْأَجْرِ أَيْضًا انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرُّوهُ
وَرَوَى أحمد وبن مَاجَهْ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ مَرْفُوعًا الطَّاعِمُ الشاكر له مثل أجر الصائم الصاب [2488] ر قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْدِيِّ) الْكُوفِيِّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَأَخْرَجَ لَهُ فِي صَحِيحِهِ هَذَا الْحَدِيثَ
قَوْلُهُ (بِمِنْ يُحَرَّمُ) بِضَمِّ الرَّاءِ (عَلَى النَّارِ) أَيْ يُمْنَعُ عَنْهَا (وَبِمَنْ تُحَرَّمُ عليه النار) قال القارىء زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ وَإِلَّا فَالْمَعْنَيَانِ مُتَلَازِمَانِ وَلَمَّا كَانَ مآلهما واحد اكْتَفَى بِالْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْمُعَوَّلُ وَالثَّانِي مُؤَكِّدٌ (عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ) أَيْ إِلَى النَّاسِ وَلَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ عَلَى (هَيِّنٍ) وَفِي الْمِشْكَاةِ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ
قال القارىء بتشديد التحتية فبهما أَيْ تُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ قِيلَ هُمَا يُطْلَقَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ بالتثقيل
والتخفيف وعلى غيره بالتشديد
وعن بن الْأَعْرَابِيِّ بِالتَّخْفِيفِ لِلْمَدْحِ وَبِالتَّشْدِيدِ لِلذَّمِّ ثُمَّ قَوْلُهُ هَيِّنٍ فَيْعِلٌ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَالسُّهُولَةُ فَعَيْنُهُ وَاوٌ فَأُبْدِلَتْ وَأُدْغِمَتْ انْتَهَى (سَهْلٍ) هُوَ ضِدُّ الصَّعْبِ أَيْ سَهْلِ الْخُلُقِ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ
[2489]
قَوْلُهُ (قَالَتْ كَانَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (يَكُونُ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ عَنْ شُعْبَةَ فِي بَابِ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ وَزَادَ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ
قَالَ الْحَافِظُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْهَاءِ فِيهِمَا وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيثِ بِالْخِدْمَةِ وَهِيَ مِنْ تَفْسِيرِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الْمَهْنَةُ بِالْفَتْحِ الْخِدْمَةُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ لَكِنْ فَسَّرَهَا صَاحِبُ الْمُحْكَمِ بِأَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ الْمِهْنَةُ الْحِذْقُ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَمَلُ وَقَدْ وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ مَا كَانَ إِلَّا بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يُفَلِّي ثَوْبَهُ وَيَحْلِبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ
ولأحمد وبن حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهَا يَخِيطُ ثَوْبَهُ ويخصف نعله وزاد بن حِبَّانَ وَيَرْفَعُ دَلْوَهُ وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَلَا رَأَيْتُهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا وَالْحَدِيثُ فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّكَبُّرِ وَخِدْمَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[2490]
35 قَوْلُهُ (لَا يَنْزِعُ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (لَمْ يُرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَمْ
يبصر (مقدما) بكسر الذال الْمُشَدَّدَةِ (رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ) أَيْ مُجَالِسٍ لَهُ قِيلَ أَيْ مَا كَانَ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسٍ تَكُونُ رَكِبَتَاهُ مُتَقَدِّمَتَيْنِ عَلَى رُكْبَتَيْ صَاحِبِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْجَبَابِرَةُ فِي مَجَالِسِهِمْ
وَقِيلَ مَا كَانَ يَرْفَعُ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ مَنْ يُجَالِسُهُ بل كان يخفضها تَعْظِيمًا لِجَلِيسِهِ
وَقَالُوا أَرَادَ بِالرُّكْبَتَيْنِ الرِّجْلَيْنِ وَتَقْدِيمُهُمَا مَدُّهُمَا وَبَسْطُهُمَا كَمَا يُقَالُ قَدَّمَ رِجْلًا وَأَخَّرَ أُخْرَى وَمَعْنَاهُ كَانَ صلى الله عليه وسلم لَا يَمُدُّ رِجْلَهُ عِنْدَ جَلِيسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ
قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ كَانَ لَا ينزع يده قيل نَزْعِ صَاحِبِهِ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ فِي إِكْرَامِ صَاحِبِهِ وَتَعْظِيمِهِ فَلَا يَبْدَأُ بِالْمُفَارَقَةِ عَنْهُ وَلَا يُهِينُهُ بِمَدِّ الرِّجْلَيْنِ إِلَيْهِ
6 -
[2491] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ السائب بن مالك أو بن زَيْدٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ
قَوْلُهُ (خَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي حُلَّةٍ) بِضَمِّ الحاء المهملة وتشديد اللام إزار ورداء بردأو غَيْرُهُ وَلَا يَكُونُ حُلَّةً إِلَّا مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَوْبٍ لَهُ بِطَانَةٌ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (يَخْتَالُ فِيهَا) مِنَ الِاخْتِيَالِ وَهُوَ التَّكَبُّرُ فِي الْمَشْيِ (فَأَخَذَتْهُ) أَيِ ابْتَلَعَتْهُ (فَهُوَ مُتَجَلْجِلٌ أَوْ قَالَ يَتَلَجْلَجُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ يَغُوصُ فِي الْأَرْضِ وَيَضْطَرِبُ فِي نُزُولِهِ فِيهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ بن عُمَرَ بِلَفْظِ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
[2492]
قَوْلُهُ (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ) أَيْ فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ (فِي صُوَرِ
الرِّجَالِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ
أَوْ مِنْ حَيْثِيَّةِ هَيْئَتِهِمْ مِنَ انْتِصَابِ الْقَامَةِ (يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ) أَيْ يَأْتِيهِمْ (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أَيْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي غَايَةٍ من المذلة والنقيصة يطأهم أَهْلُ الْحَشْرِ بِأَرْجُلِهِمْ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ
وَفِي النِّهَايَةِ الذَّرُّ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ وَاحِدُهَا ذَرَّةٌ (يُسَاقُونَ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ يُسْحَبُونَ وَيُجَرُّونَ (إِلَى سِجْنٍ) أَيْ مَكَانِ حَبْسٍ مُظْلِمٍ مَضِيقٍ مُنْقَطِعٍ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ (يُسَمَّى) أَيْ ذَلِكَ السِّجْنُ (بَوْلَسَ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ هُوَ بِفَتْحِ بَاءٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ لَامٍ
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ بُولَسُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ سِجْنُ جَهَنَّمَ وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ انْتَهَى (تَعْلُوهُمْ) أَيْ تُحِيطُ بِهِمْ وَتَغْشَاهُمْ كَالْمَاءِ يَعْلُو الْغَرِيقَ (نَارُ الْأَنْيَارِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا وَلَكِنْ هَكَذَا يُرْوَى فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارُ النِّيرَانِ فَجَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ وَأَصْلُهَا أَنْوَارٍ لِأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ كَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ انْتَهَى
قِيلَ إِنَّمَا جُمِعَ نَارٌ عَلَى أَنْيَارٍ وَهُوَ وَاوِيٌّ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِجَمْعِ النُّورِ
قَالَ الْقَاضِي وَإِضَافَةُ النَّارِ إِلَيْهَا لِلْمُبَالَغَةِ كَأَنَّ هَذِهِ النَّارَ لِفَرْطِ إِحْرَاقِهَا وَشِدَّةِ حَرِّهَا تَفْعَلُ بِسَائِرِ النِّيرَانِ مَا تَفْعَلُ النَّارُ بغيرها انتهى
قال القارىء أَوْ لِأَنَّهَا أَصْلُ نِيرَانِ الْعَالَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ انْتَهَى (وَيُسْقَوْنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْهُمْ مِنَ الصَّدِيدِ وَالْقُبْحِ وَالدَّمِ (طِينَةِ الْخَبَالِ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ وَالْخَبَالُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْفَسَادُ وَيَكُونُ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَبْدَانِ وَالْعُقُولِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ كَمَا فِي التَّرْغِيبِ وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يُجَاءُ بِالْجَبَّارِينَ والمتكبرين رجال في صور الذر يطأهم النَّاسُ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ يُذْهِبُ بِهِمْ إِلَى نَارِ الْأَنْيَارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا نَارُ الْأَنْيَارِ قَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ
(تَنْبِيهٌ) حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ عَلَى الْمَجَازِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ
أَيْ أذلاء مهانين يطأهم النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ وَإِنَّمَا مَنَعَنَا عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ حَتَّى إِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ غُرْلًا يُعَادُ مِنْهُمْ مَا انْفَصَلَ عَنْهُمْ مِنَ الْقُلْفَةِ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
قَالَ الْأَشْرَفُ إِنَّمَا قَالَ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَمْثَالَ الذر قطعا منه حمل قَوْلِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَدَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ لَا يُحْشَرُ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَتَحْقِيقًا لِإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ
وَقَالَ الْمُظَهَّرُ يَعْنِي صُوَرُهُمْ صُوَرُ الْإِنْسَانِ وَجُثَّتُهُمْ كَجُثَّةِ الذَّرِّ فِي الصِّغَرِ
قَالَ الطِّيبِيُّ لَفْظُ الْحَدِيثِ يُسَاعِدُ هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ تَشْبِيهٌ لَهُمْ بِالذَّرِّ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الشَّبَهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الشَّبَهِ الصِّغَرَ فِي الْجُثَّةِ وَأَنْ يَكُونَ الْحَقَارَةَ وَالصَّغَارَ فَقَوْلُهُ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ وَدَفْعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ خِلَافَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا تُعَادَ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مِثْلِ الذَّرِّ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَعَلَى هَذِهِ الْحَقَارَةِ مَلْزُومُ هَذَا التَّرْكِيبِ فَلَا يُنَافِي إِرَادَةَ الْجُثَّةِ مَعَ الْحَقَارَةِ
قُلْتُ الظَّاهِرُ هُوَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأجزاء حتى أنهم يحشرون غرلا
قال القارىء التَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُمْ عِنْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى أَكْمَلِ صُوَرِهِمْ وَجَمْعِ أَجْزَائِهِمُ الْمَعْدُومَةِ تَحْقِيقًا لِوَصْفِ الْإِعَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْجَزَاءِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إهانة وتذليلا لهم جزاءا وِفَاقًا أَوْ يَتَصَاغَرُونَ مِنَ الْهَيْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ الْحِسَابِ وَظُهُورِ أَثَرِ الْعُقُوبَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي لَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَصَارَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا انْتَهَى
[2493]
37 قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) هُوَ أَبُو عَبْدِ الرحمن المقرئ
قَوْلُهُ (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أَيْ كَفَّ عَنْ إِمْضَائِهِ (وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يُنْفِذَهُ) مِنَ التَّنْفِيذِ أَيْ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ وَإِنْفَاذِهِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (دعاه الله على رؤوس الْخَلَائِقِ) أَيْ شَهَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ وَيُقَالُ فِي حَقِّهِ هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا حُمِدَ الْكَظْمُ لِأَنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ وَالْكَاظِمِينَ الغيظ والعافين عن الناس
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود وبن مَاجَهْ
[2494]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) النَّيْسَابُورِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بْنِ أَبِي عَمْرٍو (الْغِفَارِيُّ) أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ مَتْرُوكٌ وَنَسَبَهُ بن حِبَّانَ إِلَى الْوَضْعِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (حَدَّثَنِي أَبِي) اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ الْمَدَنِيُّ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (نَشَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مِنَ النَّشْرِ ضِدُّ الطَّيِّ (كَنَفَهُ) بِكَافٍ وَنُونٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ وَهُوَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِجَعْلِهِ تَحْتَ ظِلِّ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ جَنَّتَهُ وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ (وَالشَّفَقَةُ على الوالدين) أي الأصلين وإن علوا (وإحسان إِلَى الْمَمْلُوكِ) أَيْ مَمْلُوكِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ وَكَذَا غَيْرُهُ بِنَحْوِ إِعَانَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ عِنْدَ سَيِّدِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَأَبُوهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ
[2495]
قَوْلُهُ (يَا عِبَادِي) قَالَ الطِّيبِيُّ الْخِطَابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِتَعَاقُبِ التَّقْوَى وَالْفُجُورِ فِيهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ الْمَلَائِكَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ مُدْرَجًا فِي الْجِنِّ لِشُمُولِ الِاجْتِنَانِ لَهُمْ وَتَوَجُّهُ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صُدُورِ الْفُجُورِ وَلَا عَلَى إِمْكَانِهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ) قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ وَصْفُهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الضَّلَالَةِ
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا بِمَا فِي طِبَاعِهِمْ لَضَلُّوا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ
وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ التَّوْحِيدُ وَالْمُرَادُ بِالضَّلَالَةِ جَهَالَةُ تَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَحُدُودِ الْإِسْلَامِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا (وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ) قِيلَ أَيْ كُلُّكُمْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الذَّنْبُ (إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ) أَيْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَيْ عَصَمْتُ وَحَفِظْتُ وَإِنَّمَا قَالَ عَافَيْتُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ مَرَضٌ ذَاتِيٌّ وَصِحَّتُهُ عِصْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُهُ مِنْهُ أَوْ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ بِالْفِعْلِ
وَذَنْبُ كُلٍّ بِحَسَبِ مَقَامِهِ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ (وَلَا أُبَالِي) أَيْ لَا أَكْتَرِثُ (وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ) يُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ وَالشُّمُولُ (وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ) تَأْكِيدٌ لِإِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ كَقَوْلِهِ (وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ) أَيْ شَبَابَكُمْ وَشُيُوخَكُمْ أَوْ عَالِمَكُمْ وَجَاهِلَكُمْ أَوْ مُطِيعَكُمْ وَعَاصِيَكُمْ
قَالَ الطِّيبِيُّ هُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الِاسْتِيعَابِ التَّامِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا في كتاب مبين وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِيعَابُ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلشُّمُولِ بَعْدَ تَأْكِيدِ الِاسْتِيعَابِ وَتَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ انْتَهَى (اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي) وَهُوَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم (مَا زَادَ ذَلِكَ) أَيِ الِاجْتِمَاعُ (اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قلب عبد
مِنْ عِبَادِي) وَهُوَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ (اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أَيْ أَرْضٍ وَاسِعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ (مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ مُشْتَهَاهُ وَجَمْعُهَا الْمُنَى وَالْأَمَانِيُّ يَعْنِي كل حاجة تخطر بباله (مانقص ذَلِكَ) أَيِ الْإِعْطَاءُ أَوْ قَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ (فَغَمَسَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَدْخَلَ (إِبْرَةً) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْمِخْيَطُ (ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ نقص ذلك عن مُلْكِي (بِأَنِّي جَوَادٌ) أَيْ كَثِيرُ الْجُودِ (وَاجِدٌ) هُوَ الَّذِي يَجِدُ مَا يَطْلُبُهُ وَيُرِيدُهُ وَهُوَ الْوَاجِدُ الْمُطْلَقُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ (مَاجِدٌ) هُوَ بِمَعْنَى الْمَجِيدِ كَالْعَالِمِ بِمَعْنَى الْعَلِيمِ مِنَ الْمَجْدِ وهو سعة الكرم (إنما أمري الشيء إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ أَمْرِي
وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ
قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي مَا أُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ لَا أَفْتَقِرُ إِلَى كَدٍّ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلٍ بَلْ يَكْفِي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به وكن مِنْ كَانَ التَّامَّةِ أَيِ احْدُثْ فَيَحْدُثُ
قَوْلُهُ (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ [2496] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الرَّازِيِّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الْقَاضِي أَصْلُهُ كُوفِيٌّ صَدُوقٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ سَعْدٍ مَوْلَى طَلْحَةَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ سَعْدٌ أَوْ سَعِيدٌ مَوْلَى طَلْحَةَ وَيُقَالُ طَلْحَةُ مَوْلَى سَعْدٍ مَجْهُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مرتين حتى عد سبع مرات) جزاءه مَحْذُوفٌ أَيْ لَمْ أُحَدِّثْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ أَحَدًا وَلَمْ أَذْكُرْهُ (كَانَ الْكِفْلُ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ اسْمُ رَجُلٍ (لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ) أَيْ لَا يَحْتَرِزُ وَلَا يَمْتَنِعُ (عَمِلَهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْكِفْلِ وَالْمَنْصُوبُ لِذَنْبٍ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ (أُرْعِدَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرْعَادِ أَيْ زُلْزِلَتْ واضطربت من خشية الله (أكرهتك) بحذف هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ (قَالَتْ لَا) أَيْ لَمْ تُكْرِهْنِي وَلَيْسَ ارْتِعَادِي وَبُكَائِي مِنْ إِكْرَاهِكَ (فَقَالَ أَتَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا) أَيْ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ (وَمَا فَعَلْتِهِ) أَيْ قَبْلَ هَذَا قَطُّ (فَهِيَ) أَيِ الدَّنَانِيرُ (لَكِ) أَيْ مِلْكٌ لَكِ يَعْنِي وَهَبْتُهَا لَكِ (وَقَالَ) أَيِ الْكِفْلُ (فَأَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ الْكِفْلُ في الصبح (مكتوب) كذا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِالرَّفْعِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ
فَإِنَّهُ خَبَرُ أَصْبَحَ أَوْ حَالٌ مِنْ ضميره
قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أكثر مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً يَقُولُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَغَيْرُهَا
وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (وَكَانَتْ جَدَّتُهُ سُرِّيَّةً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) قَالَ فِي القاموس السرية بالضم
الأمة التي نوأتها بَيْتًا مَنْسُوبٌ إِلَى السِّرِّ بِالْكَسْرِ لِلْجِمَاعِ مِنْ تَغْيِيرِ النِّسَبِ
وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ سُرِّيَّةٌ بِالضَّمِّ عَلَى فُعْلِيَّةٍ كنيزك فراشي وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّرِّ وَهُوَ الْجِمَاعُ وَإِنَّمَا ضُمَّتْ سِينُهُ لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ تَغَيَّرَتْ فِي النِّسْبَةِ كَدُهْرِيٍّ وَسُهْلِيٍّ بِالضَّمِّ فِيهِمَا مِنْ دَهْرٍ وَسَهْلٍ
قَالَ الْأَخْفَشُ إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّرُورِ لِأَنَّهُ يُسَرُّ بِهَا جَمْعُهَا سِرَارِي وَيُقَالُ مِنْهُ تَسَرَّرْتُ الْجَارِيَةَ وَتَسَرَّيْتُهَا كَمَا تَظَنَّنْتُ وَتَظَنَّيْتُ انْتَهَى
[2497]
38 قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ (عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيْمِيِّ أَبِي عَائِشَةَ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ ثَبَتٌ من الثانية (حدثنا عبد الله) هو بن مَسْعُودٍ
قَوْلُهُ (أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ذُنُوبُهُ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ أَيْ كَالْجِبَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كَذُبَابٍ أَيْ عَظِيمَةً ثَقِيلَةً (كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ) أَيْ قَاعِدٍ فِي أصله (يخاف أن يقع عليه)
قال بن أَبِي جَمْرَةَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مُنَوَّرٌ فَإِذَا رَأَى مِنْ نَفْسِهِ مَا يُخَالِفُ مَا يُنَوَّرُ بِهِ قَلْبُهُ عَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَالْحِكْمَةُ فِي التَّمْثِيلِ بِالْجَبَلِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ قَدْ يَحْصُلُ التَّسَبُّبُ إِلَى النَّجَاةِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْجَبَلِ إِذَا سَقَطَ عَلَى الشَّخْصِ لَا يَنْجُو مِنْهُ عَادَةً وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْإِيمَانِ فَلَا يَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ بِسَبَبِهَا وَهَذَا شَأْنُ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ دَائِمُ الْخَوْفِ وَالْمُرَاقَبَةِ يَسْتَصْغِرُ عَمَلَهُ الصالح ويخشى من صغير عمله السيء (وَإِنَّ الْفَاجِرَ) أَيِ الْفَاسِقَ (قَالَ بِهِ) أَيْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْ فَعَلَ بِهِ (هَكَذَا) أَيْ دَفَعَ الذُّبَابَ بِيَدِهِ
[2498]
(لَلَّهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ) أَيْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ
قَالَ الطيبي لما صور حال الْمُذْنِبِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الْفَظِيعَةِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمَلْجَأَ هُوَ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى
يَعْنِي فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْفُوعِ (مِنْ رَجُلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأَفْرَحَ (بِأَرْضِ
فَلَاةٍ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَلَاةُ الْقَفْرُ أَوْ الْمَفَازَةُ لَا مَاءَ فِيهَا وَالصَّحْرَاءُ الْوَاسِعَةُ (دَوِّيَّةٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ نِسْبَةً لِلدَّوِّ وَهِيَ الصَّحْرَاءُ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا (مَهْلَكَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَكَسْرِهَا مَوْضِعُ خَوْفِ الْهَلَاكِ (فَأَضَلَّهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ) أَيْ أَسْبَابُهُ مِنَ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ) أَيْ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ جَوَابُ إِذَا (أَرْجِعُ) بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَسْبُ
قَوْلُهُ (وَفِيهِ) أَيْ وَفِي الْبَابِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2499]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ) أَبُو حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (كل بن آدَمَ خَطَّاءٌ) أَيْ كَثِيرُ الْخَطَأِ أَفْرَدَ نَظَرًا إلى لفظ الكل وفي رواية خطاؤون نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الْكُلِّ قِيلَ أَرَادَ الْكُلَّ من حديث هُوَ كُلٌّ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِمَّا مَخْصُوصُونَ عَنْ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ صَغَائِرَ
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى أَوْ يُقَالُ الزَّلَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ
مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يكون لهم قصد إلى العصيان قاله القارىء (وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) أَيِ الرَّجَّاعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حديث غريب) وأخرجه أحمد وبن ماجه والدرامي وَالْحَاكِمُ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ فَقَالَ الذهبي بل فيه لين انتهى
9 -
باب [2500] قَوْلُهُ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين قِيلَ أَكْرَمَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بِتَعْجِيلِ قِرَاهُمْ وَالْقِيَامِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمْ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ لَهُمْ انْتَهَى
قَالُوا وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَطِيبِ الْكَلَامِ وَالْإِطْعَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْأَوَّلِ بِمَقْدُورِهِ وَمَيْسُورِهِ وَالْبَاقِي بِمَا حَضَرَهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لِئَلَّا يَثْقُلَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَفْسِهِ وَبَعْدَ الثَّلَاثَةِ يُعَدُّ مِنَ الصَّدَقَةِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِلَّا فَلَا (فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الميم وقال الطوفي سمعناه يكبرها وَهُوَ الْقِيَاسُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَلْيُفَكِّرْ قَبْلَ كَلَامِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا يَجُرُّ إِلَى مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ فَلْيَتَكَلَّمْ
وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَالسَّلَامَةُ فِي السُّكُوتِ لِئَلَّا يَجُرُّ الْمُبَاحُ إِلَى الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ
وَفِي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه بن حِبَّانَ وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ قَالَهُ الْحَافِظُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي شريح الْكَعْبِيِّ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ بن أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو الشَّيْخِ وَغَيْرُهُمَا كَمَا فِي التَّرْغِيبِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الضِّيَافَةِ
[2501]
قَوْلُهُ (مَنْ صَمَتَ) أَيْ سَكَتَ عَنِ الشَّرِّ (نَجَا) أَيْ فَازَ وَظَفِرَ بِكُلِّ خَيْرٍ أَوْ نَجَا مِنْ آفَاتِ الدَّارَيْنِ
قَالَ الرَّاغِبُ الصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنَ السُّكُوتِ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا قُوَّةَ لَهُ لِلنُّطْقِ وَفِيمَا لَهُ قُوَّةٌ لِلنُّطْقِ وَلِهَذَا قِيلَ لِمَا لَا نُطْقَ لَهُ الصَّامِتُ وَالْمُصْمَتُ وَالسُّكُوتُ يُقَالُ لِمَا لَهُ نُطْقٌ فَيَتْرُكُ اسْتِعْمَالَهُ
فَالصَّمْتُ فِي الْأَصْلِ سَلَامَةٌ لَكِنْ قَدْ يَجِبُ النُّطْقُ شَرْعًا
وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَقْتَصِرَ عَلَى الْمُهِمِّ فَفِيهِ النَّجَاةُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حديث بن لَهِيعَةَ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الايمان والحديث ضعيف لضعف بن لهيعة
0 -
باب [2504] قَوْلُهُ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ) أَيْ وَالْمُسْلِمَاتُ إِمَّا تَغْلِيبًا وَإِمَّا تَبَعًا وَيَلْحَقُ بِهِمْ أَهْلُ
الذمة حكما
وفي رواية بن حِبَّانَ مِنْ سَلِمَ النَّاسُ (مِنْ لِسَانِهِ) أَيْ بِالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالنَّمِيمَةِ وَالسَّعْيِ إِلَى السُّلْطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَيَدِهِ) بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالْهَدْمِ وَالدَّفْعِ وَالْكِتَابَةِ بِالْبَاطِلِ وَنَحْوِهَا وَخُصَّا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَذَى بِهِمَا أَوْ أُرِيدَ بِهِمَا مَثَلًا وَقَدَّمَ اللِّسَانَ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ بِهِ أَكْثَرُ وَأَسْهَلُ وَلِأَنَّهُ أَشَدُّ نِكَايَةً كَمَا قَالَ جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ وَلِأَنَّهُ يَعُمُّ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ وَابْتُلِيَ بِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَعَبَّرَ بِهِ دُونَ الْقَوْلِ لِيَشْمَلَ إِخْرَاجَهُ اسْتِهْزَاءً بِغَيْرِهِ وَقِيلَ كَنَّى بِالْيَدِ عَنْ سَائِرِ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ سَلْطَنَةَ الْأَفْعَالِ إِنَّمَا تَظْهَرُ بِهَا إِذْ بِهَا الْبَطْشُ وَالْقَطْعُ وَالْوَصْلُ وَالْمَنْعُ وَالْأَخْذُ فَقِيلَ فِي كُلِّ عَمَلٍ هَذَا مِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهُ بِهَا ثُمَّ الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ وَتَأْدِيبُ الْأَطْفَالِ وَالدَّفْعُ لِنَحْوِ الْعِيَالِ وَنَحْوِهَا فَهِيَ اسْتِصْلَاحٌ وَطَلَبٌ لِلسَّلَامَةِ أَوْ مُسْتَثْنًى شَرْعًا أَوْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْأَذَى عُرْفًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[2505]
41 قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني) بالسكون أبو الحسن الكوفي نزيل واسط ضعيف من التَّاسِعَةِ
قَوْلُهُ (مَنْ عَيَّرَ) مِنَ التَّعْيِيرِ أَيْ عَابَ (أَخَاهُ) أَيْ فِي الدِّينِ (بِذَنْبٍ) أَيْ قَدْ تَابَ مِنْهُ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (لَمْ يَمُتْ) الضَّمِيرُ لِمَنْ (حَتَّى يَعْمَلَهُ) أَيِ الذَّنْبَ الَّذِي عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ وَكَأَنَّ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ أَيْ عَابَهُ مِنَ الْعَارِ وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ بِهِ عَيْبٌ كما في القاموس يجاري بِسَلْبِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَرْتَكِبَ مَا عَيَّرَ أَخَاهُ بِهِ وَذَاكَ إِذَا صَحِبَهُ إِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ لِسَلَامَتِهِ مِمَّا عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ
وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الذَّنْبِ لِمُجَرَّدِ التَّعْيِيرِ قَبِيحٌ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَأَنَّهُ لَا يُذْكَرُ عَيْبُ الْغَيْرِ إِلَّا لِلْأُمُورِ السِّتَّةِ الَّتِي سَلَفَتْ مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ فِيهَا قَالَهُ الْأَمِيرُ فِي السُّبُلِ
قُلْتُ قَدْ
ذكر الأمير هذه الأمورالستة فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْغِيبَةِ في باب الترهيب من مساوي الْأَخْلَاقِ (قَالَ أَحْمَدُ) الظَّاهِرُ أَنَّ أَحْمَدَ هَذَا هو بن مَنِيعٍ الْمَذْكُورُ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (قَالُوا) أَيِ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ بِذَنْبٍ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ وَمَعَ انْقِطَاعِهِ قَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ فَلَعَلَّ تَحْسِينَهُ لِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ لِشَاهِدٍ لَهُ فَلَا يَضُرُّهُ انقطاعه
2 -
باب [2506] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أُمِّيَّةُ بْنُ الْقَاسِمِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ الْقَاسِمُ بْنُ أُمِّيَّةَ الْحَذَّاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الثَّقِيلَةِ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ مِنْ كِبَارِ العاشرة ضعفه بن حِبَّانَ بِلَا مُسْتَنِدٍ
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ أُمِّيَّةُ بْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ خَطَأٌ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْأَطْرَافِ هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِهِ أَيِ التِّرْمِذِيِّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أُمِّيَّةُ بْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ وَالصَّوَابُ الْقَاسِمُ بْنُ أُمِّيَّةَ الْحَذَّاءُ الْعَبْدِيُّ (عَنْ واثلة بن الأسقع) بالقاف بن كَعْبٍ اللَّيْثِيِّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ نَزَلَ الشَّامَ وَعَاشَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُ سِنِينَ
قَوْلُهُ (لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ) الشَّمَاتَةُ الْفَرَحُ بِبَلِيَّةِ مَنْ يُعَادِيكَ أَوْ مَنْ تُعَادِيهِ (فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ) أَيْ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ يرحمه الله رغما لأنفك
قال القارىء فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ
وَفِي نُسْخَةٍ أَيْ مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِمُرَاعَاةِ السَّجْعِ فِي عَطْفِ قَوْلِهِ وَيَبْتَلِيكَ (وَيَبْتَلِيكَ) حَيْثُ ذَكَّيْتَ نَفْسَكَ وَرَفَعْتَ مَنْزِلَتَكَ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أُمِّيَّةَ وذكره بن حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَقَالَ يَرْوِي عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَنَاكِيرَ الْكَثِيرَةَ ثُمَّ سَاقَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْنِي حَدِيثَ لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ وَقَالَ لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَذَا قَالَ وَشَهَادَةُ أَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ لَهُ أَنَّهُ صَدُوقٌ أولى من تضعيف بن حِبَّانَ لَهُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَمَكْحُولٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ إِلَخْ) أَيْ مَكْحُولٌ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ إِلَخْ (وَمَكْحُولٌ الشَّامِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِظَاهِرِهَا تُوهِمُ أَنَّ مَكْحُولًا الشَّامِيَّ غَيْرُ مَكْحُولٍ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَكْحُولٌ الْمَذْكُورُ هُوَ الشَّامِيُّ الْمُكَنَّى بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَكَانَ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (وَمَكْحُولٌ الْأَزْدِيُّ بَصْرِيٌّ) مَكْحُولٌ الْأَزْدِيُّ هَذَا غَيْرُ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ الْمَذْكُورِ ذكر ها هنا لِيَتَمَيَّزَ ذَا عَنْ هَذَا
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَكْحُولٌ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَدُوقٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِالْوَاوِ وَالْمَذْكُورُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّهُ رَوَى عَنِ بن عُمَرَ بِغَيْرِ الْوَاوِ
قَوْلُهُ (عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَطِيَّةَ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ عَنْ تَمِيمٍ عَنْ عَطِيَّةَ بِلَفْظِ عن مكان بن وَهُوَ غَلَطٌ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ تَمِيمُ بْنُ عَطِيَّةَ الْعَنْسِيُّ الشَّامِيُّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ السَّابِعَةِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ مَكْحُولٍ وَفَضَالَةَ بْنِ دِينَارٍ وَعُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَغَيْرُهُ
رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ أَثَرًا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ انْتَهَى
قُلْتُ هُوَ هَذَا الْأَثَرُ (قَالَ كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ مَكْحُولًا يُسْأَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يَسْأَلُهُ النَّاسُ عَنْ مَسَائِلَ (فَيَقُولُ ندانم) أَيْ لَا أَدْرِي وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ
فَارِسِيَّةٌ وَكَانَ مَكْحُولٌ أَعْجَمِيًّا وَيُقَالُ كَانَ اسْمُ أبيه سهراب
وقال بن سَعْدٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ مَكْحُولٌ مِنْ أَهْلِ كَابِلَ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ
3 -
باب [2503] قَوْلُهُ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ) بْنِ عَمْرٍو الْهَمْدَانِيِّ الْوَادِعِيِّ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ كتبته أَبُو الْوَازِعِ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ) اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ صُهَيْبٍ وَيُقَالُ بن صُهَيْبَةَ وَيُقَالُ غَيْرُ ذَلِكَ الْأَرْحَبِيُّ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا) أَيْ فَعَلْتُ مِثْلَ فِعْلِهِ يُقَالُ حَكَاهُ وَحَاكَاهُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَبِيحِ الْمُحَاكَاةُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا) قَالَ الطِّيبِيُّ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَارِدَةٌ عَنِ التَّتْمِيمِ وَالْمُبَالَغَةِ أَيْ مَا أُحِبُّ أَنْ أُحَاكِيَ أَحَدًا وَلَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا
قال القارىء وَفِيهِ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ عَلَى فَتْحِ أَنَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ أَنِّي وَالْمَعْنَى أَنِّي مَا أُحِبُّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُحَاكَاةِ وَحُصُولِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِسَبَبِ الْمُحَاكَاةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ مَذْمُومٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَمِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُحَاكَاةُ بِأَنْ يمشي متعارجا أو مطأطىء رأسه أو غير ذلك من الهيات
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الّقَطَّانُ (وَعَبْدُ الرحمن) هو بن مهدي
[2502]
قَوْلُهُ (وَقَالَتْ بِيَدِهَا) أَيْ أَشَارَتْ بِهَا (تَعْنِي قَصِيرَةً) أَيْ تُرِيدُ عَائِشَةُ كَوْنَهَا قَصِيرَةً وَفِي الْمِشْكَاةِ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا تَعْنِي قَصِيرَةً (لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ) أَيْ أَعْمَالَكِ (لَوْ مُزِجَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَوْ خُلِطَ (بِهَا أَيْ) على تقدير تجميدها وكونها مائعة (المزج) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا وَالْمَعْنَى تَغَيَّرَ وَصَارَ مَغْلُوبًا وَفِي الْمِشْكَاةِ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بها البحر لمزجته
قال القارىء أَيْ غَلَبَتْهُ وَغَيَّرَتْهُ
قَالَ الْقَاضِي الْمَزْجُ الْخَلْطُ والتعبير بِضَمِّ غَيْرِهِ إِلَيْهِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْغِيبَةَ لَوْ كَانَتْ مِمَّا يُمْزَجُ بِالْبَحْرِ لَغَيَّرَتْهُ عَنْ حَالِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وَغَزَارَتِهِ فَكَيْفَ بِأَعْمَالٍ نَزِرَةٍ خلطت بها
4 -
باب قَوْلُهُ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (يُخَالِطُ النَّاسَ) أَيْ يُسَاكِنُهُمْ وَيُقِيمُ فِيهِمْ (وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) أَيْ عَلَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مِنَ الْأَذَى
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْخُلْطَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْعُزْلَةِ (كَانَ شُعْبَةُ يَرَى) أَيْ يَعْتَقِدُ (أنه بن عُمَرَ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْأَمْرُ كَمَا رأى شعبة
فروى بن ماجه بإسناد حسن عن بن عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ
كَذَا فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ قَالَ الْحَافِظُ بعد ذكر
هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ
قَالَ فِي السُّبُلِ فِي الحديث أفضلية من يخالط الناس مخالطة بأمرهم فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَعْتَزِلُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْأَحْوَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَلِكُلِّ حَالٍ مَقَالٌ
وَمَنْ رَجَّحَ الْعُزْلَةَ فَلَهُ عَلَى فَضْلِهَا أَدِلَّةٌ وَقَدِ اسْتَوْفَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ
[2508]
45 قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَغْدَادِيُّ) الْبَزَّازُ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ الْحَادِيَةِ عَشْرَةِ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (هُوَ مَنْ وُلْدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِ وَالْمِسْوَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ (عَنْ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ) بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ الثَّقَفِيِّ (الْأَخْنَسِيِّ) حِجَازِيٌّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيِ اتَّقُوا مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ كَمَا فَسَّرَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ أَيِ التَّسَبُّبَ فِي الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاجَرَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ أَوْ فَسَادٌ (فَإِنَّهَا) أَيِ الْفَعْلَةُ أَوِ الْخَصْلَةُ الْمَذْكُورَةُ (الْحَالِقَةُ) أَيْ تَحْلِقُ الدِّينَ
[2509]
قَوْلُهُ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ) قَالَ الْأَشْرَفُ
الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ النَّوَافِلُ دُونَ الْفَرَائِضِ
قَالَ القارىء وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ إِذْ قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ فِي فَسَادٍ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَفْكُ الدِّمَاءِ وَنَهْبُ الْأَمْوَالِ وَهَتْكُ الْحُرُمِ أَفْضَلُ مِنْ فَرَائِضِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ مَعَ إِمْكَانِ قَضَائِهَا عَلَى فَرْضِ تَرْكِهَا فَهِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَهْوَنُ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِ العباد فإذا كان كذلك فيصبح أَنْ يُقَالَ هَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْعَمَلِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِكَوْنِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَفْضَلَ كَالْبَشَرِ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَكِ وَالرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ (قَالَ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ أَحْوَالِ بَيْنِكُمْ يَعْنِي مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ وَاتِّفَاقٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَهِيَ مُضْمَرَاتُهَا
وَلَمَّا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُلَابِسَةً لِلْبَيْنِ قِيلَ لَهَا ذَاتُ الْبَيْنِ كَقَوْلِهِمْ اسْقِنِي ذَا إِنَاءَكَ يُرِيدُونَ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنَ الشَّرَابِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحَالِقَةُ الْخَصْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَحْلِقَ أَيْ تُهْلِكَ وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسَى الشَّعْرَ وَقِيلَ هِيَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالتَّظَالُمُ
قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَاجْتِنَابٌ عَنِ الْإِفْسَادِ فِيهَا لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ سَبَبٌ لِلِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ ثُلْمَةٌ فِي الدِّينِ فَمَنْ تَعَاطَى إِصْلَاحَهَا وَرَفَعَ فَسَادَهَا نَالَ دَرَجَةً فَوْقَ مَا يَنَالُهُ الصَّائِمُ الْقَائِمُ الْمُشْتَغِلُ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِهِ
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْحَالِقَةُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَمْرُ الدِّينِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ فِي بَابِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ
قَوْلُهُ (أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَامِّ) بْنَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ الْأَسَدِيَّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ قُتِلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ وقعة الجمل
[2510]
قَوْلُهُ (دَبَّ إِلَيْكُمْ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ سَرَى وَمَشَى بِخُفْيَةٍ (الْحَسَدُ) أَيْ فِي الْبَاطِنِ (وَالْبَغْضَاءُ) أَيِ الْعَدَاوَةُ فِي الظَّاهِرِ وَرَفْعُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا بَيَانٌ لِلدَّاءِ أَوْ بَدَلٌ وَسُمِّيَا دَاءً لِأَنَّهُمَا دَاءُ الْقَلْبِ (وَهِيَ) أَيِ الْبَغْضَاءُ وَهُوَ أَقْرَبُ مَبْنًى وَمَعْنًى أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ) أَيْ تَقْطَعُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَهْلٌ (وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ الْبَغْضَاءُ تَذْهَبُ بِالدِّينِ كَالْمُوسَى تَذْهَبُ بِالشَّعْرِ وَضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ رَاجِعٌ إِلَى الْبَغْضَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ وَلِأَنَّ الْبَغْضَاءَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي ثُلْمَةِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ نَتِيجَةَ الْحَسَدِ (لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ بِحَذْفِ النُّونِ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ النَّهْيَ قَدْ يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ كعكسه المشهور عند أهل العلم قاله القارىء (وَلَا تُؤْمِنُوا) أَيْ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى تَحَابُّوا) بحذف أحدى التائين الْفَوْقِيَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ) مِنَ التَّثْبِيتِ (ذَلِكَ) أَيِ التَّحَابُبَ (أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) أَيْ أَعْلِنُوهُ وَعُمُّوا بِهِ مَنْ عَرَفْتُمُوهُ وَغَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الضَّغَائِنَ وَيُورِثُ التَّحَابُبَ
وَالْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ مَوْلًى لِلزُّبَيْرِ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما
6 -
باب [2511] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ (عَنْ عُيَيْنَةَ) بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُصَغَّرًا (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ جَوْشَنَ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ الْغَطَفَانِيِّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٍ صَدُوقٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَوْشَنَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ من الثالثة
قَوْلُهُ (مَا مِنْ ذَنْبٍ) مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ (أَجْدَرُ) أَيْ أَحْرَى (أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ) صِلَةُ أَجْدَرُ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ أَيْ بِتَعْجِيلِهِ سُبْحَانَهُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِمُرْتَكِبِ الذَّنْبِ (الْعُقُوبَةَ) مَفْعُولُ يُعَجِّلَ (مَعَ مَا يَدَّخِرُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَعَ مَا يُؤَجِّلُ مِنَ الْعُقُوبَةِ (لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الذَّنْبِ (مِنَ الْبَغْيِ) أَيْ مِنْ بَغْيِ الْبَاغِي وَهُوَ الظلم أو الخروج على السلطان أو الكبرى ومن تَفْضِيلِيَّةٌ (وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) أَيْ وَمِنْ قَطْعِ صِلَةِ ذوي الأرحام
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن ماجه وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
7 -
[2512] قَوْلُهُ (عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ الْيَمَانِيِّ الْأَبْنَاوِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَبُو يَحْيَى نَزِيلُ مَكَّةَ ضَعِيفٌ اخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ وَكَانَ عَابِدًا مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ) أَيْ خَصْلَةُ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِ دِينِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) أَيْ إِلَى مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ عِلْمًا وَعِبَادَةً وَقَنَاعَةً وَرِيَاضَةً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (وَمَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ) أَيْ وَخَصْلَةُ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ (إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ) أَيْ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَرُ مِنْهُ وَأَقَلُّ مِنْهُ مَالًا وَجَاهًا (كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا) أَيْ لِلْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ (صَابِرًا) أَيْ لِلْخَصْلَةِ السَّابِقَةِ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ ذَوِي الْعُقُولِ
وَلَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ قَدْ يُعْتَبَرُ وَقَدْ لَا يُعْتَبَرُ وَمَعَ اعْتِبَارِهِ الْمَنْطُوقُ أَقْوَى أَيْضًا صَرَّحَ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا حَيْثُ قَالَ (وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ) أَيْ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَنْتَجَهُ الْغُرُورُ وَالْعُجْبُ
وَالْخُيَلَاءُ (وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَأَوْرَثَهُ الْحِرْصَ وَالْأَمَلَ وَالرِّيَاءَ (فَأَسِفَ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ حَزِنَ (عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ بِحُصُولِ فَقْدِهِ وقد قال تعالى لكيلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا اتاكم (لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا) لِعَدَمِ صُدُورِ وَاحِدٍ مِنْهُ بَلْ قَامَ بِضِدَّيْهِمَا مِنَ الْكُفْرَانِ وَالْجَزَعِ وَالْفَزَعِ بِاللِّسَانِ وَالْجَنَانِ
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ حِزَامٍ) بِزَايٍ التِّرْمِذِيُّ أَبُو عِمْرَانَ نَزِيلُ بَلْخَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ) السُّلَمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَرْوَزِيُّ أَصْلُهُ مِنْ تِرْمِذَ
ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ
قوله (هذا حديث غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ
[2513]
قَوْلُهُ (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ) أَيْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا (وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ) فِيهَا (فَإِنَّهُ) أَيْ فَالنَّظَرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ لَا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقُ (أَجْدَرُ) أَيْ أَحْرَى (أَنْ لَا تَزْدَرُوا) أَيْ بِأَنْ لَا تَحْتَقِرُوا
وَالِازْدِرَاءُ الِاحْتِقَارُ فَكَانَ أَصْلُهُ الِازْتِرَاءَ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ بِالدَّالِ (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فَإِنَّ الْمَرْءَ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا اسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ فَكَانَ سَبَبًا لِمَقْتِهِ وَإِذَا نَظَرَ لِلدُّونِ شَكَرَ النِّعْمَةَ وَتَوَاضَعَ وَحَمِدَ
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى تَجَمُّلِ أَهْلِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَمِصْدَاقُهُ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما منعتا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه
(باب [2514] قَوْلُهُ (عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ))
قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالثَّانِي كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بإمكان الْيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي إِلَّا هَذَا
وَالثَّانِي وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي أُسَيْدٍ بَطْنٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ (وَكَانَ مِنْ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ جَمْعُ كَاتِبٍ وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُتَّابٌ يَكْتُبُونَ لَهُ الْوَحْيَ وغيره قال بن الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ تَسْمِيَةُ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ لَهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأُسَيْدِيُّ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ رضي الله عنهم وَكَانَ الْمُدَاوِمُ لَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ لَهُ زَيْدٌ وَمُعَاوِيَةُ وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ رَجُلٌ فَافْتُتِنَ وَتَنَصَّرَ انْتَهَى (يُذَكِّرُنَا) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَعِظُنَا (بِالنَّارِ) أَيْ بِعَذَابِهَا تَارَةً (وَالْجَنَّةِ) أَيْ بِنَعِيمِهَا أُخْرَى تَرْهِيبًا وَتَرْغِيبًا أَوْ يُذَكِّرُنَا اللَّهَ بِذِكْرِهِمَا أَوْ بِقُرْبِهِمَا (كَأَنَا رَأْيَ عَيْنٍ) قَالَ الْقَاضِي ضَبَطْنَاهُ رَأْيُ عَيْنٍ بِالرَّفْعِ أَيْ كَأَنَا بِحَالِ مَنْ يَرَاهُمَا بِعَيْنِهِ قَالَ وَيَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ نَرَاهُمَا رَأْيَ عَيْنٍ (عَافَسْنَا الأزواج) بالفاء والسين المهملة قال الهراوي وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ حَاوَلْنَا ذَلِكَ وَمَارَسْنَاهُ وَاشْتَغَلْنَا بِهِ أَيْ عَالَجْنَا مَعَايِشَنَا وَحُظُوظَنَا (وَالضَّيْعَةَ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ مَعَاشُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ (قَالَ نَافَقَ حَنْظَلَةُ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ حَيْثُ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَوْفُ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ وَالْفِكْرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ فَإِذَا خَرَجَ اشْتَغَلَ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَمَعَاشِ الدُّنْيَا وَأَصْلُ النِّفَاقِ إِظْهَارُ مَا يَكْتُمُ خِلَافَهُ مِنَ الشَّرِّ فَخَافَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِفَاقًا فَأَعْلَمَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَيْسَ بِنِفَاقٍ وَأَنَّهُمْ لَا يُكَلَّفُونَ الدَّوَامَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ سَاعَةً سَاعَةً أَيْ سَاعَةً كَذَا وَسَاعَةً كَذَا (وَنَسِينَا كَثِيرًا) قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله أي كثير مِمَّا ذَكَّرْتَنَا بِهِ أَوْ نِسْيَانًا كَثِيرًا كَأَنَّا مَا سَمِعْنَا مِنْكَ شَيْئًا قَطُّ وَهَذَا أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ رَأْيَ عَيْنٍ (لَوْ تَدُومُونَ) أَيْ فِي حَالِ غَيْبَتِكُمْ مِنِّي (عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي) أَيْ مِنْ صَفَاءِ الْقَلْبِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ قِيلَ أَيْ عَلَانِيَةً وَإِلَّا فَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ يُصَافِحُونَ أَهْلَ الذكر حاصل
وقال بن حَجَرٍ أَيْ عِيَانًا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ (فِي مَجَالِسِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَادُ الدَّوَامُ (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) أَيْ سَاعَةً كَذَا وَسَاعَةً كَذَا يَعْنِي لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُنَافِقًا بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ عَلَى الْحُضُورِ وَفِي وَقْتٍ عَلَى الْفُتُورِ فَفِي سَاعَةِ الْحُضُورِ تُؤَدُّونَ حُقُوقَ رَبِّكُمْ وَفِي سَاعَةِ الْفُتُورِ تَقْضُونَ حُظُوظَ أَنْفُسِكُمْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[2515]
قَوْلُهُ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أَيْ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) أَيِ الْمُسْلِمِ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أَيْ مِثْلَ جَمِيعِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ يَحْصُلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُرَادُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رحمه الله وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنَ الصَّعْبِ الْمُمْتَنِعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
وَالْقِيَامُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُحِبَّ لَهُ حُصُولَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ
لَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا بِحَيْثُ لَا تُنْقِصُ النِّعْمَةُ عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى الْقَلْبِ السَّلِيمِ وَإِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْبِ الدَّغِلِ عَافَانَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2516]
قَوْلُهُ (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ (أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (عَنْ حَنَشٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ الله ويقال بن علي بن عمرو السبتي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَبُو رِشْدِينَ الصَّنْعَانِيُّ نَزِيلُ إِفْرِيقِيَّةَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يوما) أي رديفه (يا غلام) قال القارىء بِالرَّفْعِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُتَعَدِّدَةِ يعني من المشكاة والظاهر كسر الْمِيمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ يَا غُلَامِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهِمَا ثُمَّ بَعْدَ حَذْفِهَا تَخْفِيفًا اكْتُفِيَ بِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا (احْفَظِ اللَّهَ) أَيْ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (يَحْفَظْكَ) أَيْ يَحْفَظْكَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَفِي الْعُقْبَى مِنْ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ وَالدَّرَكَاتِ (احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ رَاعِ حَقَّ اللَّهِ وَتَحَرَّ رِضَاهُ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ أَيْ مُقَابِلَكَ وَحِذَاءَكَ وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ كَمَا فِي تُقَاةٌ وَتُخَمَةٌ أَيِ احْفَظْ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَحْفَظَكَ اللَّهُ مِنْ مَكَارِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (إِذَا سَأَلْتَ) أَيْ أَرَدْتَ السُّؤَالَ (فَاسْأَلِ اللَّهَ) أَيْ وَحْدَهُ لأن غيره قَادِرٍ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ (وَإِذَا اسْتَعَنْتَ) أَيْ أَرَدْتَ الِاسْتِعَانَةَ فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (فَاسْتَعِنْ بالله
فَإِنَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ (رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) أَيْ كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كُتِبَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ وَلَا يُكْتَبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ فَعَبَّرَ عَنْ سَبْقِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِرَفْعِ الْقَلَمِ وَجَفَافِ الصَّحِيفَةِ تَشْبِيهًا بِفَرَاغِ الْكَاتِبِ فِي الشَّاهِدِ مِنْ كِتَابَتِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
[2517]
49 قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا المغيرة بن أبي قرة السَّدُوسِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَسْتُورٌ مِنَ الْخَامِسَةِ قال في تهذيب التهذيب وثقة بن حِبَّانَ
قَوْلُهُ (أَعْقِلُهَا) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَحَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَقَلَ الْبَعِيرَ شَدَّ وَظِيفَهُ إِلَى ذِرَاعِهِ كَعَقَلَهُ وَاعْتَقَلَهُ انْتَهَى (وَأَتَوَكَّلُ) أَيْ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْعَقْلِ (أَوْ أُطْلِقُهَا) أي أرسها (وَأَتَوَكَّلُ) أَيْ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ (قَالَ اعْقِلْهَا) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ شُدَّ رُكْبَةَ نَاقَتِكَ مَعَ ذِرَاعَيْهَا بِحَبْلٍ (وَتَوَكَّلْ) أَيِ اعْتَمِدْ عَلَى اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَقْلَهَا لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ
قوله (قال يحيى) هو بن سَعِيدٍ الّقَطَّانُ (وَهَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُنْكَرٌ) لَعَلَّ كَوْنَهُ مُنْكَرًا عِنْدَهُ لِأَجْلِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي قرة قال بن الْقَطَّانِ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ كَاتِبَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلِّبِ وَفَتَحَ مَعَهُ جُرْجَانَ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ الضَّمْرِيِّ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ
[2518]
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ
قَوْلُهُ (دَعْ) أَيِ اتْرُكْ (مَا يَرِيبُكَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَالرَّيْبُ الشَّكُّ وَقِيلَ هُوَ الشَّكُّ مَعَ التُّهْمَةِ (إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ أَيِ اتْرُكْ مَا اعْتَرَضَ لَكَ مِنَ الشَّكِّ فِيهِ مُنْقَلِبًا عَنْهُ إِلَى مالا شَكَّ فِيهِ يُقَالُ دَعْ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ اسْتَبْدِلْهُ بِهِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أولا أو سنة أو بدعة واعدل إلى مالا تَشُكُّ فِيهِ مِنْهُمَا وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَبْنِيَ الْمُكَلَّفُ أَمْرَهُ عَلَى الْيَقِينِ الْبَحْتِ وَالتَّحْقِيقِ الصِّرْفِ وَيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ) بكسر همزة وسكون طاء وبعد ألف ونون مَكْسُورَةٌ فَتَحْتِيَّةٌ فَنُونٌ مَفْتُوحَةٌ
وَفِي الْمِشْكَاةِ طُمَأْنِينَةٌ أَيْ إِنَّ الصِّدْقَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَيَسْكُنُ (وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَحَقِيقَتُهَا قَلَقُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا فَإِنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ مَشْكُوكًا فِيهِ مِمَّا يَقْلَقُ لَهُ النَّفْسُ وَكَوْنَهُ صَحِيحًا صَادِقًا مِمَّا تَطْمَئِنُّ لَهُ (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) رَوَى أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ مَعَ الْقِصَّةِ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ قَالَ قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا تَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَذْكُرُ أَنِّي أَخَذْتُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَلْقَيْتُهَا فِي فَمِي فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلُعَابِهَا فَأَلْقَاهَا فِي التَّمْرِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا عَلَيْكَ أَكْلُ هَذِهِ التَّمْرَةِ قَالَ إِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ وَكَانَ يَقُولُ دَعْ ما يريبك إلى مالا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ
قَالَ وَكَانَ يُعَلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ الْحَدِيثَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد والنسائي وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ (وَأَبُو الْحَوْرَاءِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَمْدُودًا (وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ) الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
[2519]
قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُبَيْهٍ) بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا مَجْهُولٌ مِنَ السابعة
قَوْلُهُ (بِعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ) أَيْ فِي الْعِبَادَةِ (بِرِعَةٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ بِوَرَعٍ (لَا يُعْدَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِالرِّعَةِ) فِي الْمِصْبَاحِ وَرَعَ عَنِ الْمَحَارِمِ يَرِعُ بِكِسْرَتَيْنِ وَرَعًا بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ كَثِيرُ الْوَرَعِ
أَيْ لَا يُعْدَلُ بِكَثْرَةِ الْوَرَعِ خَصْلَةٌ غَيْرُهَا مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ بَلِ الْوَرَعُ أَعْظَمُ فَضْلًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُبَيْهٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ
[2520]
قَوْلُهُ (وَأَبُو زُرْعَةَ) اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّازِيُّ إِمَامٌ حَافِظٌ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ) هو بن عُقْبَةَ (عَنْ هِلَالِ بْنِ مِقْلَاصٍ الصَّيْرَفِيِّ) وَيُقَالُ هلال بن أبي حميد أو بن حميد أو بن عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ مَوْلَاهُمُ الْوَزَّانُ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بِشْرٍ صَاحِبُ أَبِي وَائِلٍ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ حَلَالًا (وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ) أَيْ فِي مُوَافَقَةِ سُنَّةٍ نَكَّرَهَا لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُفْتَقَرُ إِلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةٍ وَرَدَتْ فِيهِ (وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ) أَيْ دَوَاهِيَهُ وَالْمُرَادُ الشُّرُورُ كَالظُّلْمِ وَالْغِشِّ وَالْإِيذَاءِ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيْ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ اسْتَحَقَّ دُخُولَهَا بِغَيْرِ عَذَابٍ أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ وَإِلَّا فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالسُّنَّةِ وَمَاتَ مُسْلِمًا يَدْخُلُهَا وَإِنْ عُذِّبَ (إِنَّ هَذَا) أَيِ الرَّجُلُ الْمَوْصُوفُ الْمَذْكُورُ (الْيَوْمَ) ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِخَبَرِ إِنَّ (لَكَثِيرٌ) أَيْ فَمَا حَالُ الِاسْتِقْبَالِ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (فَسَيَكُونُ) أَيْ هُمْ كَثِيرُونَ الْيَوْمَ وَسَيُوجَدُ مَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (فِي قُرُونٍ بَعْدِي) جَمْعُ قَرْنٍ وَالْمُرَادُ بِالْقَرْنِ هُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ
قَوْلُهُ (حدثناعباس بن محمد) هو الدوري
[2521]
قوله (حدثنا العباس الدوري) هو بن مُحَمَّدٍ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) الْمَكِّيُّ أَبُو عَبْدِ الرحمن المقرئ (مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ) لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ (وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ إِلَخْ) وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ فَتَكَلَّمَ لِلَّهِ وَسَكَتَ لِلَّهِ وَأَكَلَ لِلَّهِ وَشَرِبَ لِلَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العالمين
(فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ) أَيْ أَكْمَلَ إِيمَانَهُ
قَوْلُهُ (هذا حديث منكر) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى
قُلْتُ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُنْكَرًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَفِي سَنَدِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ