الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
38 - كتاب الإيمان
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هُوَ (أَيِ الْإِيمَانُ) قَوْلٌ وَفِعْلٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَأَمَّا الْعَمَلُ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لِيَدْخُلَ الِاعْتِقَادُ وَالْعِبَادَاتُ وَمُرَادُ مَنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ وَمَنْ نَفَاهُ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَالسَّلَفُ قَالُوا هُوَ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ شَرْطٌ في كماله
ومن هنا نشألهم الْقَوْلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَمَا سَيَأْتِي
وَالْمُرْجِئَةُ قَالُوا هُوَ اعْتِقَادٌ وَنُطْقٌ فَقَطْ
وَالْكَرَّامِيَّةُ قَالُوا هُوَ نُطْقٌ فَقَطْ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا هُوَ الْعَمَلُ وَالنُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ
وَالْفَارِقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَعْمَالَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَالسَّلَفُ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ
وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا قُلْنَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَنَا فَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ فَقَطْ فَمَنْ أَقَرَّ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ إِلَّا إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ كَالْفِسْقِ فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْإِيمَانَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى إِقْرَارِهِ وَمَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِيمَانَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى كَمَالِهِ وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ فِعْلُ الْكَافِرِ وَمَنْ نَفَاهُ عَنْهُ فَبِالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَتِهِ
وَأَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْوَاسِطَةَ
فَقَالُوا الْفَاسِقُ لَا مُؤْمِنٌ لَا كَافِرٌ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فَإِنْ قُلْتَ الْإِيمَانُ عِنْدَهُ أَيْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَاعْتِقَادٌ فَكَيْفَ ذَكَرَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَلَمْ يَذْكُرِ الِاعْتِقَادَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ قُلْتُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْكَلَامُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ هَلْ هُمَا مِنْهُ أَمْ لَا فَلِأَجْلِ ذلك ذكر ما هو المتنازع فيه
(بَاب مَا جَاءَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا)
لَا إله إلا الله [2606] قَوْلُهُ (أُمِرْتُ) أَيْ أَمَرَنِي اللَّهُ لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا اللَّهُ
وَقِيَاسُهُ فِي الصَّحَابِيِّ
إِذَا قَالَ أُمِرْتُ فَالْمَعْنَى أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَمَرَنِي صَحَابِيٌّ آخَرُ لِأَنَّهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ وَإِذَا قَالَهُ التَّابِعِيُّ احْتَمَلَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنِ اشْتُهِرَ بِطَاعَةِ رَئِيسٍ إِذَا قَالَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ هُوَ ذَلِكَ الرَّئِيسُ (أَنْ أُقَاتِلَ) أَيْ بِأَنْ أُقَاتِلَ وَحَذْفُ الْجَارِّ مِنْ أَنْ كَثِيرٌ (حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ
وفي حديث بن عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
قَالَ الْحَافِظُ جُعِلَتْ غَايَةُ الْمُقَاتَلَةِ وُجُودَ مَا ذُكِرَ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ وَأَقَامَ وَآتَى عُصِمَ دَمُهُ وَلَوْ جَحَدَ بَاقِيَ الْأَحْكَامِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَ بِهِ مَعَ أَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ذَلِكَ
فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَنَصَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ لِعِظَمِهِمَا وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِمَا لِأَنَّهُمَا أُمَّا الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ انْتَهَى (فَإِذَا قَالُوهَا) أَيْ كَلِمَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (عَصَمُوا) أَيْ مَنَعُوا وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ مِنَ الْعِصَامِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ لِيَمْنَعَ سَيَلَانَ الْمَاءِ (مِنِّي) أَيْ مِنْ أَتْبَاعِي أَوْ مِنْ قِبَلِي وَجِهَةِ دِينِي (دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) أَيِ اسْتِبَاحَتَهُمْ بِالسَّفْكِ وَالنَّهْبِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ (إِلَّا بِحَقِّهَا) أَيْ بِحَقِّ كَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وفي حديث بن عمر المذكور إلا بحق الاسلام
قال القارىء إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ أَيْ دِينِهِ وَالْإِضَافَةُ لَامِيَّةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمَّ عَامِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ أَيْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِهْدَارُ دِمَائِهِمْ وَاسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ مِنَ اسْتِيفَاءِ قِصَاصِ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ إِذَا قَتَلَ أَوْ قَطَعَ وَمِنْ أَخْذِ مَالٍ إِذَا غَصَبَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَقَتْلٍ لِنَحْوِ زِنَا مُحْصَنٍ وَقَطْعٍ لِنَحْوِ سَرِقَةٍ وَتَغْرِيمِ مَالٍ لِنَحْوِ إِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أَيْ فِيمَا يَسْتُرُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ ذَلِكَ
وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جَزَاءِ الشَّرْطِ
وَالْمَعْنَى إِنَّا نَحْكُمُ بِظَاهِرِ الْحَالِ وَالْإِيمَانِ الْقَوْلِيِّ وَنَرْفَعُ عَنْهُمْ مَا عَلَى الْكُفَّارِ وَنُؤَاخِذُهُمْ بِحُقُوقِ الْإِسْلَامِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ حَالِهِمْ لَا أَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى حِسَابَهُمْ فَيُثِيبُ الْمُخْلِصَ وَيُعَاقِبُ الْمُنَافِقَ وَيُجَازِي الْمُصِرَّ بِفِسْقِهِ أَوْ يَعْفُو عَنْهُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وبن عُمَرَ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[2607]
قَوْلُهُ (لَمَّا تُوُفِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَاسْتُخْلِفَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا أَيْ جُعِلَ خَلِيفَةً (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم (كَفَرَ مَنْ كَفَرَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ زَعَمَ الرَّوَافِضُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَكَيْفَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ وَإِنْ كَانُوا كفار فَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ فِي جَوَابِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ
قَالَ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ صِنْفٌ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَصِنْفٌ مَنَعُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك سكن لهم) فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ خَاصٌّ بِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطَهِّرُهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاتُهُ سَكَنًا لَهُمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ تُقَاتِلُ النَّاسَ الصِّنْفَ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ قِتَالِ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
قَالَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ وَقَدْ حَفِظَ غَيْرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعًا
وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ بِلَفْظِ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ
فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعَا إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَالَ أنه يجب قتاله وقتله إذا أمر
قَالَ وَإِنَّمَا عَرَضَتِ الشُّبْهَةُ لِمَا دَخَلَهُ مِنَ الِاخْتِصَارِ وَكَأَنَّ رَاوِيَهُ لَمْ يَقْصِدْ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاقَ مُنَاظَرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ
كَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ مُلَخَّصًا ثُمَّ قَالَ وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ مَا اسْتَشْكَلَ قِتَالَهُمْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْنِ غَايَةِ الْقِتَالِ تَرْكِ كُلٍّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ
قال عياض حديث بن عُمَرَ نَصَّ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَاحْتِجَاجُ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَجَوَابُ أَبِي بَكْرٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَرُ لَمْ يحتج على
أَبِي بَكْرٍ وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ إِلَّا بِحَقِّهِ
قَالَ الْحَافِظُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي بِحَقِّهِ لِلْإِسْلَامِ فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْإِسْلَامِ تَنَاوَلَهُ وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ انْتَهَى (ومن قال لا إله اللَّهُ) يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ فِي الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ وَحْدَهَا (عَصَمَ) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ حَفِظَ وَمَنَعَ (إِلَّا بِحَقِّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَالِهِ وَنَفْسِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا بِحَقِّهِ أَيْ بِحَقِّ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ بِحَقِّ أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ يَعْنِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ نَتْرُكُ مُقَاتَلَتَهُ وَلَا نُفَتِّشُ بَاطِنَهُ هَلْ هُوَ مُخْلِصٌ أَمْ لَا
فَإِنَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحِسَابُهُ عَلَيْهِ (مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) يَجُوزُ تَشْدِيدُ فَرَّقَ وَتَخْفِيفُهُ وَالْمُرَادُ بِالْفَرْقِ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ الْكُفْرَ لِيَشْمَلَ الصِّنْفَيْنِ فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةٌ وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذُرْهُمْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَالَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ
قَالَ الْمَازِرِيُّ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الصَّلَاةَ فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاةِ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَوْرِدًا وَاحِدًا (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يُشِيرُ إِلَى دَلِيلِ مَنْعِ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقَّ النَّفْسِ الصَّلَاةُ وَحَقَّ الْمَالِ الزَّكَاةُ فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسَهُ وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَالَهُ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ قُوتِلَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْبَ لِذَلِكَ قُوتِلَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيثِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَرَادَ بِالْعِقَالِ الْحَبْلَ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ الَّذِي كَانَ يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّ عَلَى صَاحِبِهَا التَّسْلِيمَ وَإِنَّمَا يَقَعُ الْقَبْضُ بِالرِّبَاطِ وَقِيلَ أَرَادَ مَا يُسَاوِي عِقَالًا مِنْ حُقُوقِ الصَّدَقَةِ وَقِيلَ إِذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ أَعْيَانَ الْإِبِلِ قِيلَ أَخَذَ عِقَالًا وَإِذَا أَخَذَ أَثْمَانَهَا قِيلَ أَخَذَ نَقْدًا
وَقِيلَ أَرَادَ بِالْعِقَالِ صَدَقَةَ الْعَامِ يُقَالُ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ عِقَالَ هَذَا الْعَامِ أَيْ أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَتَهُ وَبُعِثَ فُلَانٌ عَلَى عِقَالِ بَنِي فُلَانٍ إِذَا بُعِثَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ هُوَ أَشْبَهُ عِنْدِي بِالْمَعْنَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِ هَذَا بِالْأَقَلِّ لَا بِالْأَكْثَرِ وَلَيْسَ بِسَائِرٍ فِي لِسَانِهِمْ أَنَّ الْعِقَالَ صَدَقَةُ عَامٍ وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا وَفِي أُخْرَى جَدْيًا
قُلْتُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا وَرَوَاهُ فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى
الْمَدِينَةِ بَاعَهَا ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا
وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ
أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الرجل إذا جاء بقريضتين أَنْ يَأْتِيَ بِعِقَالَيْهِمَا وَقِرَانَيْهِمَا
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّدَقَةَ عَامَ الرَّمَادَةِ فَلَمَّا أَحْيَا النَّاسُ بَعَثَ عَامِلَهُ فَقَالَ اعْقِلْ عَنْهُمْ عقالين فأقسم فيهم عقالا وائتني بِالْآخَرِ يُرِيدُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ انْتَهَى مَا فِي النِّهَايَةِ
وَقَوْلُهُ وَرَوَاهُ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودًا حَبْلٌ يُقْرَنُ بِهِ الْبَعِيرَانِ وَقِيلَ حَبْلٌ يُرْوَى بِهِ عَلَى الْبَعِيرِ أَيْ يُشَدُّ بِهِ الْمَتَاعُ عَلَيْهِ
وَقَدْ بَسَطَ النَّوَوِيُّ هُنَا الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ الْعِقَالِ وَقَالَ وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِقَالِ الْحَبْلُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ
وَهَذَا الْقَوْلُ يُحْكَى عن مالك وبن أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ حُذَّاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى (لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ) أَيْ لِأَجْلِ مَنْعِهِ (فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ) أَيِ الشَّأْنُ (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ) أَيْ عَلِمْتُ (أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا عِلْمِي بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحِقٌّ فَهَذَا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنْ هِيَ إلا حياتنا الدنيا (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِحَّةِ احْتِجَاجِهِ لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
بَاب (مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ [2608] قَوْلُهُ (وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا) إِنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ انْدِرَاجِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ وَأَنْ يُصَلُّوا