الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَغَيْرِهِمْ مَعَ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَقَدْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَعُمَرُ بِنِصْفِهِ وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَانُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ
وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ لَا لِعَوَزٍ وَضِيقٍ بَلْ تَارَةً لِلْإِيثَارِ وَتَارَةً لِكَرَاهَةِ الشِّبَعِ وَلِكَثْرَةِ الْأَكْلِ
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ وَمَا نَفَاهُ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ آنِفًا وَقَدْ أَخْرَجَ بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّا كُنَّا نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ فَقَدْ كَذَبَكُمْ فَلَمَّا افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ أَصَبْنَا شَيْئًا مِنَ التَّمْرِ وَالْوَدَكِ
وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا الْآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ
وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ حَدِيثُ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ شبعنا من التمر
وفي حديث بن عُمَرَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ شَبِعْنَا مِنَ التَّمْرِ
وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَالِ ضِيقٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ أَكْثَرُهُمْ كَذَلِكَ فَوَاسَاهُمُ الْأَنْصَارُ بِالْمَنَازِلِ وَالْمَنَائِحِ
فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمُ النَّضِيرُ وَمَا بَعْدَهَا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الْهِبَةِ
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
وكذا أخرجه بن حِبَّانَ بِمَعْنَاهُ
نَعَمْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَخْتَارُ ذَلِكَ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ التَّوَسُّعِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا لَهُ
كَمَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ لَا يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكُ انْتَهَى
1 -
(بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ)
صلى الله عليه وسلم [2365] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ مَتْرُوكٌ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا أَبِي) أَيْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بغداد صدوق يخطىء من الثامنة (عن بيان) هو بن بشر (عن قيس) هو بن أبي حازم
قَوْلُهُ (إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ أَهَرَاقَ دَمًا) أَيْ أَرَاقَهُ
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ مِنَ الْهَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا (وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ الْحَافِظُ وفي رواية بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مَعَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا وَهِيَ أَوَّلُ السَّرَايَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ (أَغْزُو فِي الْعِصَابَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا (مَا نَأْكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ وَالْحُبْلَةَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَبِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحُبْلَةُ ثَمَرُ السَّمُرِ يُشْبِهُ اللُّوبْيَاءَ وَقِيلَ هُوَ ثَمَرُ الْعِضَاهِ (حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ) أَرَادَ أَنَّ نَجْوَهُمْ يَخْرُجُ بَعْرًا لِيُبْسِهِ مِنْ أَكْلِهِمْ وَرَقَ الشَّجَرِ وَعَدَمِ الْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ (وأصبحت بنو أسد) أي بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ
قَالَ الْحَافِظُ وَبَنُو أَسَدٍ كَانُوا فِيمَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَبِعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسْدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَكَسَرَهُمْ وَرَجَعَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَسَكَنَ مُعْظَمُهُمُ الْكُوفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ كَانُوا مِمَّنْ شَكَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ حَتَّى عَزَلَهُ
وَقَالُوا فِي جُمْلَةِ مَا شَكَوْهُ إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ انْتَهَى (يُعَزِّرُونِي فِي الدِّينِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ
قَالَ الْحَافِظُ أَيْ تُؤَدِّبُنِي وَالْمَعْنَى تُعَلِّمُنِي الصَّلَاةَ أَوْ تُعَيِّرُنِي بِأَنِّي لَا أُحْسِنُهَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ أَيْ تُوقِفُنِي وَالتَّعْزِيرُ التَّوْقِيفُ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ تُقَوِّمُنِي وَتُعَلِّمُنِي وَمِنْهُ تَعْزِيرُ السُّلْطَانِ وَهُوَ التَّقْوِيمُ بِالتَّأْدِيبِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا أَنْكَرَ أَهْلِيَّةَ بَنِي أَسَدٍ لِتَعْلِيمِهِ الْأَحْكَامَ مَعَ سَابِقِيَّتِهِ وَقِدَمِ صُحْبَتِهِ
وَقَالَ الْحَرْبِيُّ مَعْنَى تُعَزِّرُنِي تَلُومُنِي وَتَعْتِبُنِي
وَقِيلَ تُوَبِّخُنِي عَلَى التَّقْصِيرِ (لَقَدْ خِبْتُ إِذَنْ) مِنَ الْخَيْبَةِ أَيْ مَعَ سَابِقَتِي فِي الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ أُحْسِنِ الصَّلَاةَ وَأَفْتَقِرُ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ كُنْتُ خَاسِرًا (وَضَلَّ عَمَلِي) أَيْ فِيمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِي معه صلى الله عليه وسلم
قال بن الجوزي إن قيل كيف ساع لِسَعْدٍ أَنْ يَمْدَحَ نَفْسَهُ وَمِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ تَرْكُ ذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ لَمَّا عَيَّرَهُ الْجُهَّالُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ فَاضْطُرَّ إِلَى ذِكْرِ فَضْلِهِ
وَالْمِدْحَةُ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْبَغْيِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَكَانَ مَقْصُودُ قَائِلِهَا إِظْهَارَ الْحَقِّ وَشُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ إِنِّي لحافظ لكتاب الله عالم بتفسير وَبِالْفِقْهِ فِي الدِّينِ قَاصِدًا إِظْهَارَ الشُّكْرِ أَوْ تَعْرِيفَ مَا عِنْدَهُ لِيُسْتَفَادَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ وَلِهَذَا
قَالَ يُوسُفُ عليه السلام إني حفيظ عليم وَقَالَ عَلِيٌّ سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ بن مَسْعُودٍ لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مني لأوتيته
وَسَاقَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا وَآثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ إِلَخْ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي الْأَطْعِمَةِ وَفِي الرِّقَاقِ وَمُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ وَالنَّسَائِيُّ في المناقب وفي الرقايق وبن مَاجَهْ فِي الْفَضَائِلِ
اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ وَفِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَصْحِيحَهُ لَهُ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عِنْدَهُ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ والله تعالى أعلم
[2366]
قوله (ومالنا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةَ وَهَذَا السَّمُرَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ ضَرْبٌ مِنْ شَجَرِ الطَّلْحِ الْوَاحِدَةُ سَمُرَةٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ آنِفًا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ) أَخْرَجَهُ مسلم وبن ماجه
[2367]
قوله (وعليه ثوبان ممشقان) أي مصبوغان بالشق وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْغُرَّةِ (مِنْ كَتَّانٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْكَتَّانُ مَعْرُوفٌ ثِيَابُهُ مُعْتَدِلَةٌ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْيُبُوسَةِ وَلَا يَلْزَقُ بِالْبَدَنِ وَيَقِلُّ قَمْلُهُ انْتَهَى
(فَمَخَطَ فِي أَحَدِهَا) أَيِ انْتَثَرَ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ بَخْ بَخْ) كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الرِّضَاءِ وَالْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ أَوِ الْفَخْرِ وَالْمَدْحِ (وَإِنِّي لَأَخِرُّ) أَيْ لَأَسْقُطُ (يُرَى) بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يُظَنُّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[2368]
قَوْلُهُ (يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ قِيَامِهِمْ فِيهَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَامَ قَوْمًا وَقَوْمَةً وَقِيَامًا وَقَامَةً انْتَصَبَ (مِنَ الْخَصَاصَةِ) بِالْفَتْحِ أَيِ الْجُوعِ وَالضَّعْفِ وَأَصْلُهَا الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ (وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ) بِضَمِّ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ هُمْ زُهَّادٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فُقَرَاءُ غُرَبَاءُ وَكَانُوا سَبْعِينَ وَيَقِلُّونَ حِينًا وَيَكْثُرُونَ حِينًا يَسْكُنُونَ صُفَّةَ الْمَسْجِدِ لَا مَسْكَنَ لَهُمْ وَلَا مَالَ وَلَا وَلَدَ وَكَانُوا مُتَوَكِّلِينَ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ يَأْكُلُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ
(هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ أَوْ مَجَانُونَ) الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي وَالْأَوَّلُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِمَجْنُونٍ وَالثَّانِي شَاذٌّ كَقِرَاءَةِ تَتْلُو الشَّيَاطونَ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ
[2369]
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ (أَخْبَرَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ أَصْلُهُ خُرَاسَانِيٌّ يُكْنَى أَبَا الْحَسَنِ نَشَأَ بِبَغْدَادَ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ
قَوْلُهُ (خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أُسَلِّمُ التَّسْلِيمَ أَوْ أُرِيهِ التَّسْلِيمَ (فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ قَالَ الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ مَا أَخْرَجَكُمَا من بيوتكما هذه الساعة قال الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ) أَيِ الْجُوعَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَنَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ فِي أَوْقَاتٍ قَالَ وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ مَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّشَكِّي وَعَدَمِ الرِّضَاءِ بَلْ لِلتَّسْلِيَةِ وَالتَّصْبِيرِ كَفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم ها هنا وَلِالْتِمَاسِ دُعَاءٍ أَوْ مُسَاعَدَةٍ عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْعَارِضِ فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِنَّمَا يُذَمُّ مَا كَانَ تَشَكِّيًا وَتَسَخُّطًا وَتَجَزُّعًا (فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ) اسْمُهُ مَالِكٌ (بْنِ التَّيِّهَانِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ مَعَ كَسْرِهَا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ جَوَازُ الْإِدْلَالِ عَلَى الصَّاحِبِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ وَاسْتِتْبَاعِ جَمَاعَةٍ إِلَى بَيْتِهِ وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لَهُ إِذْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَهْلًا لِذَلِكَ وَكَفَى لَهُ شَرَفًا بِذَلِكَ (وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ) أَيِ الْغَنَمِ وَهِيَ جَمْعُ شَاةٍ وَأَصْلُهَا شَاهَةٌ وَالنِّسْبَةُ شَاهِيٌّ وَشَاوِيٌّ وَتَصْغِيرُهَا شُوَيْهَةٌ وَشُوَيَّةٌ (فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ مَرْحَبًا وَأَهْلًا
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْنَ فُلَانٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمُرَاجَعَتِهَا الْكَلَامَ لِلْحَاجَةِ وَجَوَازُ إِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي دُخُولِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِمَنْ علمت علما محققا أنه لها لَا يَكْرَهُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ (يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ) أَيْ يَأْتِينَا بِمَاءٍ عَذْبٍ وَهُوَ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا مُلُوحَةَ فِيهِ (يَزْعَبُهَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ مِنْ زَعَبَ الْقِرْبَةَ كمنع احتمالها مُمْتَلِئَةً
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ يَتَدَافَعُ بِهَا وَيَحْمِلُهَا لِثِقَلِهَا وَقِيلَ زَعَبَ بِحِمْلِهِ إِذَا اسْتَقَامَ انْتَهَى (يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيْ يَضُمُّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَيُعَانِقُهُ (ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ) فِي الْقَامُوسِ الْحَدِيقَةُ الرَّوْضَةُ ذَاتُ الشَّجَرِ الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ أَوْ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ الْبِنَاءُ أَوِ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّخْلِ (فَجَاءَ بِقِنْوٍ) بِالْكَسْرِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقِنْوُ الْعِذْقُ بِمَا فِيهِ مِنَ الرُّطَبِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ قَالَ النَّوَوِيُّ الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهِيَ الْكِبَاسَةُ وَهِيَ الْغَضُّ مِنَ النَّخْلِ قَالَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِكْرَامُهُ بَعْدَهُ بِطَعَامٍ يَصْنَعُهُ لَهُ وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ التَّكَلُّفَ لِلضَّيْفِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ وَأَمَّا فِعْلُ الْأَنْصَارِيِّ وَذَبْحُهُ الشَّاةَ فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ بَلْ لَوْ ذَبَحَ أَغْنَامًا لَكَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ مَغْبُوطًا بِهِ انْتَهَى (أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَنْقَاهُ وَتَنَقَّاهُ وَانْتَقَاهُ اخْتَارَهُ
وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ انْتَقَاهُ بركزيدن وَتَنَقَّى كَذَلِكَ (إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ التَّمْرُ قَبْلَ إِرْطَابِهِ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْمَرْتَبَةُ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ أَوَّلُهَا طَلْعٌ ثُمَّ خِلَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رُطَبٌ انْتَهَى (هَذَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هذا النعيم
قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ أَخْرَجَكُمْ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِمُوجِبِ السُّؤَالِ عَنِ النَّعِيمِ يَعْنِي حَيْثُ كُنْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى الطَّعَامِ مُضْطَرِّينَ إِلَيْهِ فَنِلْتُمْ غَايَةَ مَطْلُوبِكُمْ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ يَجِبُ أَنْ تُسْأَلُوا وَيُقَالُ لَكُمْ هَلْ أَدَّيْتُمْ شُكْرَهَا أَمْ لَا
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيُنْسِي أَمْرَ الْمُحْتَاجِينَ وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شكره والذي نعتقده أن السؤال ها هنا سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ وَإِعْلَامٌ بِالِامْتِنَانِ بِهَا وَإِظْهَارُ الكرامة بإسباغها لاسؤال تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَمُحَاسَبَةٍ انْتَهَى (لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ) أَيْ لَبَنٍ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ (فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعَنَاقُ كَسَحَابٍ الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ وَالْجَدْيُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ ذَكَرُهَا (فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ) أَيْ أَسَارَى (فأتنا) أي جيء (بِرَأْسَيْنِ) أَيْ مِنَ الْعَبِيدِ (اخْتَرْ مِنْهُمَا) أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ بَعْضَهُمَا (اخْتَرْ لِي) أَيْ أَنْتَ أَوْلَى بِالِاخْتِيَارِ (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا (إِنَّ الْمُسْتَشَارَ) مِنَ اسْتَشَارَهُ طَلَبَ رَأْيَهُ فِيمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ (مُؤْتَمَنٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْأَمَانَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَشَارَ أَمِينٌ فِيمَا يُسْأَلُ مِنَ الْأُمُورِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَشِيرَ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ (خُذْ هَذَا) أَيْ مُشَارًا إِلَى أَحَدِهِمَا (فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى خَيْرِيَّةِ الرَّجُلِ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ آثَارِ الصَّلَاحِ لاسيما الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (وَاسْتَوْصِ به معروفا) قال القارىء أَيِ اسْتِيصَاءَ مَعْرُوفٍ قِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَأْمُرْهُ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ وَالنُّصْحِ وَقِيلَ وَصِّ فِي حَقِّهِ بِمَعْرُوفٍ كَذَا ذَكَرَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أي قبل وَصِيَّتِي فِي حَقِّهِ وَأَحْسِنْ مَلْكَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مَا
بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَةٍ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِهَذَا وَأَنَّ الْمُرَادَ بِبَعْثِ الْخَلِيفَةِ اسْتِخْلَافُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ مَا مِنْ وَالٍ وَهُوَ أَعَمُّ انْتَهَى (إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ) الْبِطَانَةُ بِالْكَسْرِ الصَّاحِبُ الْوَلِيجَةُ وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أَسْرَارَهُ ثِقَةً بِهِ شُبِّهَ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ مَا عَرَفَهُ الشَّرْعُ وَحَكَمَ بِحُسْنِهِ (وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ) أَيْ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْ فِعْلِهِ (وَبِطَانَةٌ لا تألوه خبالا) أي لا تتصرفي إِفْسَادِ أَمْرِهِ وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (لا يألونكم خبالا) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ
قَالَ الْحَافِظُ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا التَّقْسِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ يُدَاخِلُهُ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَيْهِ وَلَا يَعْمَلَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْإِشَارَةَ إِلَى سَلَامَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَاكَ بِقَوْلِهِ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مَنْ يُشِيرُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالشَّرِّ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ الْمَلَكُ وَالشَّيْطَانُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ قَالَ وَفِي مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذكره وإن ذكر أعانه
قال بن التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَ وَالشَّيْطَانَ
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ وَالنَّفْسَ اللَّوَّامَةَ الْمُحَرِّضَةَ عَلَى الْخَيْرِ إِذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةٌ مَلَكِيَّةٌ وَقُوَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ إِلَّا لِبَعْضٍ
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ الْبِطَانَةُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ وَهُوَ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا انْتَهَى (وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ) بِأَنْ يَعْصِمَهُ اللَّهُ مِنْهَا (فَقَدْ وُقِيَ) الشَّرَّ كُلَّهُ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ
قَالَ الْحَافِظُ وَالْمُرَادُ بِهِ إِثْبَاتُ الْأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي يَعْصِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسُهُ إِذْ لَا يُوجَدُ مَنْ تَعْصِمُهُ نَفْسُهُ حَقِيقَةً إِلَّا إِنْ كَانَ اللَّهُ عَصَمَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ دُونَ قوله فقال
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَلْ لَك خَادِمٌ قَالَ لَا إِلَخْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ
فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سلمة وبن مَاجَهْ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نبيا ولا خليفة الخ فأخرجه أحمد وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
[2371]
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ) بتحتانية مثقلة بن حَاتِمٍ الْعَنْزِيُّ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ) الْأَزْدِيِّ أَبِي رَوْحٍ الْبَصْرِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ الْخَامِسَةِ وَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ
قَوْلُهُ (وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا) أَيْ كَشَفْنَا ثِيَابَنَا عَنْهَا كَشْفًا صَادِرًا (عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ) أَيْ لِكُلٍّ مِنَّا حَجَرٌ وَاحِدٌ وَرُفِعَ عَنْهُ فَالتَّكْرِيرُ بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ بِذَلِكَ
قَالَ الطِّيبِيُّ عَنِ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِرَفَعْنَا عَلَى تَضْمِينِ الْكَشْفِ وَالثَّانِيَةُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ كَشَفْنَا عَنْ بُطُونِنَا كَشْفًا صَادِرًا عَنْ حَجَرٍ
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ التَّنْكِيرُ فِي حَجَرٍ عَلَى نَوْعٍ أَيْ عَنْ حَجَرٍ مَشْدُودٍ عَلَى بُطُونِنَا فَيَكُونُ بَدَلًا وَعَادَةً مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ وَخَمُصَ بَطْنُهُ أَنْ يَشُدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا لِيَتَقَوَّمَ بِهِ صُلْبُهُ انْتَهَى
(فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن حَجَرَيْنِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجَرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تَضْمُرُ مِنَ الْجُوعِ فَيُخْشَى عَلَى انْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اسْتَقَامَ الظَّهْرُ
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ لِأَنَّهَا حِجَارَةٌ رِقَاقٌ قَدْرَ الْبَطْنِ تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْبَطْنِ فَلَا يَحْصُلُ ضَعْفٌ زَائِدٌ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي شَمَائِلِهِ أَيْضًا وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ كَانَ أَحَدُهُمْ يَشُدُّ فِي بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجَهْدِ وَالضَّعْفِ الَّذِي بِهِ مِنَ الْجُوعِ
[2372]
قَوْلُهُ (يَقُولُ أَلَسْتُمْ) الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ بَعْدَهُ صلى الله عليه وسلم أَوِ التَّابِعِينَ (فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ لَسْتُمْ مُنْغَمِسِينَ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِقْدَارَ مَا شِئْتُمْ مِنَ التَّوْسِعَةِ وَالْإِفْرَاطِ فِيهِ فَمَا مَوْصُولَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وَالْكَلَامُ فِيهِ تَعْيِيرٌ وَتَوْبِيخٌ وَلِذَلِكَ تَبِعَهُ بِقَوْلِهِ (لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ) وَأَضَافَهُ إِلَيْهِمْ لِلْإِلْزَامِ حِينَ لَمْ يَقْتَدُوا بِهِ عليه السلام فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَمُسْتَلَذَّاتِهَا وَفِي التَّقْلِيلِ لِمُشْتَهَيَاتِهَا مِنْ مَأْكُولَاتِهَا وَمَشْرُوبَاتِهَا ثُمَّ رَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّظَرِ فَقَوْلُهُ (وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقْلِ) حَالٌ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَأَدْخَلَ الْوَاوَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَبَرِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ كَذَا حققه الطيبي
قال القارىء وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ وَالدَّقَلُ بِفَتْحَتَيْنِ التَّمْرُ الرَّدِيءُ وَيَابِسُهُ وَمَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ فَتَرَاهُ لِيُبْسِهِ وَرَدَاءَتِهِ لَا يَجْتَمِعُ وَيَكُونُ مَنْثُورًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ (مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ) مَفْعُولُ يَجِدُ وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ موصوفة ومن الدَّقْلِ بَيَانٌ لِمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ
قَوْلُهُ (وَرَوَى شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سِمَاكٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى وبن بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُثَنَّى قَالَا حَدَّثَنَا