الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْبَاب الْعَاشِر فِي ثقب أذن الصَّبِي وَالْبِنْت
أما أذن الْبِنْت فَيجوز ثقبها للزِّينَة نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَنَصّ على كَرَاهَته فِي حق الصَّبِي وَالْفرق بَينهمَا أَن الْأُنْثَى محتاجة للحلية فثقب الْأذن مصلحَة فِي حَقّهَا بِخِلَاف الصَّبِي وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لعَائِشَة فِي حَدِيث أم زرع كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع مَعَ قَوْلهَا أنَاس من حلي أُذُنِي أَي ملأها من الْحلِيّ حَتَّى صَار ينوس فِيهَا أَي يَتَحَرَّك ويجول
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما حرض النَّبِي صلى الله عليه وسلم النِّسَاء على الصَّدَقَة جعلت الْمَرْأَة تلفي خرصها الحَدِيث والخرص هُوَ الْحلقَة الْمَوْضُوعَة فِي الْأذن وَيَكْفِي فِي جَوَازه علم الله وَرَسُوله بِفعل النَّاس لَهُ وإقرارهم على ذَلِك فَلَو كَانَ مِمَّا ينْهَى عَنهُ لنهى الْقُرْآن أَو السّنة فَإِن قيل فقد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن عدوه إِبْلِيس أَنه قَالَ {ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام} النِّسَاء 119 أَي يقطعونها وَهَذَا يدل على أَن قطع الْأذن وشقها وثقبها من أَمر الشَّيْطَان فَإِن البتك هُوَ الْقطع وثقب الْأذن قطع لَهَا فَهَذَا مُلْحق بِقطع أذن الْأَنْعَام
قيل هَذَا من أفسد الْقيَاس فَإِن الَّذِي أَمرهم بِهِ الشَّيْطَان أَنهم كَانُوا إِذا ولدت لَهُم النَّاقة خَمْسَة أبطن فَكَانَ الْبَطن السَّادِس ذكرا شَقوا أذن النَّاقة وحرموا ركُوبهَا وَالِانْتِفَاع بهَا وَلم تطرد عَن مَاء وَلَا عَن مرعى وَقَالُوا هَذِه بحيرة فشرع لَهُم الشَّيْطَان فِي ذَلِك شَرِيعَة من عِنْده فَأَيْنَ هَذَا من نخس أذن الصبية ليوضع فِيهَا الْحِلْية الَّتِي أَبَاحَ الله لَهَا أَن تتحلى بهَا وَأما ثقب الصَّبِي فَلَا مصلحَة لَهُ فِيهِ وَهُوَ قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ لَا مصلحَة دينية وَلَا دنيوية فَلَا يجوز
وَمن أعجب مَا فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَ الْخَطِيب فِي تَارِيخه أَنا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي ثَنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الخزاز حَدثنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن جَعْفَر الْمَعْرُوف بِابْن اللبان ثَنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ ولد أبي من بطن أمه مثقوب الْأُذُنَيْنِ قَالَ فَمضى جدي رَاهَوَيْه إِلَى الْفضل بن مُوسَى السينَانِي فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك وَقَالَ ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الْأُذُنَيْنِ فَقَالَ يكون ابْنك رَأْسا إِمَّا فِي الْخَيْر وَإِمَّا فِي الشَّرّ فَكَأَن الْفضل بن مُوسَى وَالله أعلم تفرس فِيهِ أَنه لما تفرد عَن المولودين كلهم بِهَذِهِ الْخَاصَّة أَن ينْفَرد عَنْهُم بالرياسة فِي الدّين أَو الدُّنْيَا
وَقد كَانَ رحمه الله رَأس أهل زَمَانه فِي الْعلم والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالسّنة وَالْجَلالَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَكسر الْجَهْمِية وَأهل
الْبدع بِبِلَاد خُرَاسَان وَهُوَ الَّذِي نشر السّنة فِي بِلَاد خُرَاسَان وَعنهُ انتشرت هُنَاكَ وَقد كَانَ لَهُ مقامات محمودة عِنْد السُّلْطَان يظفره الله فِيهَا بأعدائه ويخزيهم على يَدَيْهِ حَتَّى تعجب مِنْهُ السُّلْطَان والحاضرون حَتَّى قَالَ مُحَمَّد بن أسلم الطوسي لَو كَانَ الثَّوْريّ حَيا لاحتاج إِلَى إِسْحَاق فَأخْبر بذلك أَحْمد بن سعيد الرباطي فَقَالَ وَالله لَو كَانَ الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة والحمادان فِي الْحَيَاة لاحتاجوا إِلَى إِسْحَاق فَأخْبر بذلك مُحَمَّد بن يحيى الصفار فَقَالَ وَالله لَو كَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ حَيا لاحتاج إِلَى إِسْحَاق فِي أَشْيَاء كَثِيرَة وَكَانَ الإِمَام أَحْمد يُسَمِّيه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَسَنذكر هَذَا وَأَمْثَاله فِي كتاب نفرده لمناقبه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَذْكُر حِكَايَة عَجِيبَة يسْتَدلّ بهَا على أَنه كَانَ رَأس أهل زَمَانه قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي تَارِيخ نيسابور أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْأَزْهَرِي قَالَ سَمِعت عَليّ بن سَلمَة يَقُول كَانَ إِسْحَاق عِنْد عبد الله ابْن طَاهِر وَعِنْده إِبْرَاهِيم بن صَالح فَسَأَلَ عبد الله بن طَاهِر إِسْحَاق عَن مَسْأَلَة فَقَالَ إِسْحَاق السّنة فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَأما النُّعْمَان وَأَصْحَابه فَيَقُولُونَ بِخِلَاف هَذَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم لم يقل النُّعْمَان بِخِلَاف هَذَا فَقَالَ إِسْحَاق حفظته من كتاب جدك وَأَنا وَهُوَ فِي كتاب وَاحِد فَقَالَ إِبْرَاهِيم للأمير أصلحك الله كذب إِسْحَاق على جدي فَقَالَ إِسْحَاق ليَبْعَث الْأَمِير إِلَى جُزْء كَذَا
وَكَذَا من الْجَامِع فليحضره فَأتى بِالْكتاب فَجعل الْأَمِير يقلب الْكتاب فَقَالَ إِسْحَاق عد من أول الْكتاب إِحْدَى وَعشْرين ورقة ثمَّ عد تِسْعَة أسطر فَفعل فَإِذا الْمَسْأَلَة على مَا قَالَ إِسْحَاق فَقَالَ عبد الله بن طَاهِر لَيْسَ الْعجب من حفظك إِنَّمَا الْعجب بِمثل هَذِه الْمُشَاهدَة فَقَالَ إِسْحَاق ليَوْم مثل هَذَا لكَي يخزي الله على يَدي عدوا للسّنة مثل هَذَا وَقَالَ لَهُ عبد الله بن طَاهِر قيل لي إِنَّك تحفظ مائَة ألف حَدِيث فَقَالَ لَهُ مائَة ألف لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِّي مَا سَمِعت شَيْئا قطّ إِلَّا حفظته وَلَا حفظت شَيْئا قطّ فَنسيته وَالْمَقْصُود صِحَة فراسة الْفضل بن مُوسَى فِيهِ وَأَنه يكون رَأْسا فِي الْخَيْر وَالله أعلم