المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والآية تفيد الحصر، فظاهرها إثبات التحريم لما ذكر من الحيوان، - تفسير آيات الأحكام - السايس

[محمد علي السايس]

فهرس الكتاب

- ‌[المقدمة]

- ‌أمّا بعد

- ‌وعملنا في الكتاب

- ‌سوره الفاتحة

- ‌القول في البسملة

- ‌شرح المفردات

- ‌شرح المفردات

- ‌حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة

- ‌الأحكام التي تؤخذ من الفاتحة

- ‌من سورة البقرة

- ‌ما يؤخذ من الآية من الأحكام

- ‌أقسام النسخ

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌المرتد

- ‌ما هي الخمر

- ‌تحريم الميسر

- ‌الاحكام

- ‌سبب تحريم الربا

- ‌الأحكام

- ‌من سورة آل عمران

- ‌من سورة النساء

- ‌خاتمة

- ‌آيات المواريث

- ‌ميراث الأولاد

- ‌ميراث الأبوين

- ‌مسألة العمريتين

- ‌ميراث الأزواج والزوجات

- ‌ميراث الكلالة

- ‌ما يحرم من النساء

- ‌السبع اللاتي حرّمن من النسب

- ‌السبع المحرمات بغير النسب

- ‌تحريم ذوات الأزواج

- ‌شرح المفردات

- ‌من سورة المائدة

- ‌شرح المفردات

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌ الأحكام

- ‌وهاهنا أمور

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌من سورة الأنعام

- ‌من سورة الأعراف

- ‌من سورة الأنفال

- ‌ما يستنبط من الآية

- ‌ما يستفاد من الآيات

- ‌من سورة التوبة

- ‌يؤخذ من الآية ما يأتي

- ‌بيان الأصناف الثمانية

- ‌سبب النزول

- ‌من سورة النحل

- ‌من سورة الإسراء

- ‌من سورة الحج

- ‌ما في الآيات من الأحكام

- ‌ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك

- ‌ولمن أجاز مطلقا حجج:

- ‌من سورة النور

- ‌حدّ الزنى

- ‌أدلة الخوارج والرد عليها

- ‌دليل الظاهرية والرد عليهم

- ‌أقوال الفقهاء في النفي

- ‌أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن

- ‌الكلام فيمن يلي الحد

- ‌حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم

- ‌صفة الجلد

- ‌تحريم الشفاعة في الحدود

- ‌حضور الحد

- ‌الكلام في نكاح الزناة والمشركين

- ‌حد القذف

- ‌اللعان

- ‌سبب نزول آيات اللعان

- ‌شروط المتلاعنين

- ‌كيفية اللعان

- ‌ما يترتب على اللعان

- ‌الاستئذان في دخول البيوت

- ‌حكم النظر وإبداء الزينة

- ‌الترغيب في النكاح

- ‌مكاتبة الأرقاء

- ‌الإكراه على البغاء

- ‌الكلام في بلوغ الصبي

- ‌من سورة لقمان

- ‌من سورة الأحزاب

- ‌الأحكام

- ‌من سورة سبأ

- ‌من سورة ص

- ‌من سورة الأحقاف

- ‌من سورة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من سورة الحجرات

- ‌من سورة الواقعة

- ‌من سورة المجادلة

- ‌من سورة الحشر

- ‌من سورة الممتحنة

- ‌من سورة الجمعة

- ‌من سورة الطلاق

- ‌من سورة التحريم

- ‌من سورة المزمل

الفصل: والآية تفيد الحصر، فظاهرها إثبات التحريم لما ذكر من الحيوان،

والآية تفيد الحصر، فظاهرها إثبات التحريم لما ذكر من الحيوان، ونفيه عما عداه ويؤكد ذلك ما جاء في آية الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام: 145] ، وهذا الظاهر تعارضه أحاديث كثيرة وردت في تحريم السباع، والطير، والحمر الإنسية، والبغال.

فقد ورد عن أبي ثعلبة الخشنيّ أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع» رواه البخاري ومسلم «1» .

وروى مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكل كلّ ذي ناب من السّباع، وكلّ ذي مخلب من الطّير حرام» ذكره أبو داود «2» .

وروي عن جابر أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأذن في لحوم الخيل» «3» .

‌الأحكام

ولما كان هذا التعارض بين ظاهر الآية وهذه الآثار اختلف الفقهاء اختلافا كثيرا فروي عن مالك أنه يكره لحوم السباع. والشافعي، وأبو حنيفة وأحمد يحرّمونها. وروي ذلك عن مالك أيضا، وجوز قوم أكل سباع الطير، وحرّمها آخرون.

وذهب الجمهور إلى تحريم الحمر الإنسية، وروي ذلك عن مالك، وروي عنه أيضا أنه يكرهها، وحرّم الجمهور البغال، وكرهها قوم، وهو مروي عنه.

وذهب أبو حنيفة ومالك إلى تحريم الخيل، وذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: إلى إباحتها، فالذي يذهب إلى حل شيء مما ذكر يستند إلى الآية، ويذهب إلى عمومها، ويحمل الحديث على نهي الكراهة، أو يبطله لمكان معارضته للآية.

والذي يذهب إلى تحريم شيء مما ذكر يستند إلى الحديث الوارد في التحريم، وينسخ به الآية، أو يرى أنه لا معارضة، ويرى أن الحصر في هذه الآية وآية الأنعام إضافي، بالإضافة إلى ما كانوا يعتقدون حرمته من البحائر. والسوائب، وما إليها.

وكان مقتضى النظر أن من يذهب إلى أن الحصر في الآية حقيقي- ولم يشأ أن

(1) رواه البخاري في الصحيح (6/ 286) ، 72- كتاب الذبائح، 29- باب أكل كل ذي ناب حديث رقم (5530) ومسلم في الصحيح (3/ 1533) ، 34- كتاب الصيد، 3- باب تحريم أكل كل ذي ناب حديث رقم (12/ 1932) .

(2)

هذا الحديث رواه مسلم في الصحيح (3/ 1534) ، 34- كتاب الصيد، 3- باب تحريم أكل كل ذي ناب حديث رقم (16/ 1934) .

(3)

رواه البخاري في الصحيح (6/ 285) ، 72- كتاب الذبائح، 28- باب لحوم الحمر الإنسية حديث رقم (5524) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1541) ، 34- كتاب الصيد، 6- باب في أكل لحوم الخيل حديث رقم (36/ 1941) .

ص: 51

ينسخها بحديث- أن يعمل ذلك في كل حديث يخالف هذه الآية، ويذهب إلى إباحة كل حيوان لم ترد بتحريمه، ولكنّا رأينا من يتمسك بالآية ويردّ بها حديثا يأخذ بحديث آخر، مع أن الآية تعارضه أيضا.

ولعل المالكية أقرب إلى مقتضى النظر، لأنه روي عنهم كراهة كثير مما ذكر تحريمه في هذه الأحاديث، وقد تضمنت الآية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله:

فأما الميتة: فهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل، أو مقتولا بغير ذكاة. وكان العرب في الجاهلية يستبيحونها. فلما حرّمها الله جادلوا في ذلك فحاجّهم الله كما يرى في سورة الأنعام.

وقد وردت أحاديث كثيرة تفيد تخصيص الميتة:

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحلّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحال» . ذكره الدارقطني.

وورد في «الصحيحين» «1» عن جابر بن عبد الله، أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيرا لقريش قال: وزودنا جرابا من تمر. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه. فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال أبو عبيدة ميتة. ثم قال: بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اضطررتم، فكلوا.

قال فأقمنا عليه شهرا حتى سمنا. وذكر الحديث. قال: فلما قدمنا المدينة. أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له. فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء. فتطعموننا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه. فأكله.

وروى مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «2» .

فذهب الشافعية والحنفية إلى تخصيص الميتة في الآية بالحديث الأوّل، وأحلّوا السمك والجراد الميّتين بغير ذكاة. إلا أن الحنفية حرّموا الطافي من السمك. وأحلوا ما جزر عنه البحر، لورود حديث يخصّص هذا الحديث المتقدم وهو:

عن جابر بن

(1) رواه البخاري في الصحيح (6/ 277) ، 72- كتاب الذبائح، 12- باب قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ حديث رقم (5494) ومسلم في الصحيح (3/ 1535) ، 34- كتاب الصيد، 4- باب إباحة ميتات البحر حديث رقم (17/ 1935) .

(2)

رواه أبو داود في السنن (1/ 45) ، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر حديث رقم (83) ، والترمذي في الجامع الصحيح (1/ 100) في كتاب الطهارة باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور حديث رقم (69) .

ص: 52

عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه» «1» .

أما المالكية فقد رأوا أن

حديث «أحلت لنا ميتتان»

ضعيف، ومهما اختلفوا في جواز تخصيص القرآن بالسنة فقد اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف، ورأوا أن الحديث الثاني والثالث صحيحان، فخصّصوا بهما الكتاب، وأحلوا بهما السمك، وبقي الجراد الميت على تحريم الميتة، لأنه لم يصح فيه شيء عندهم.

ومن لا يجيز تخصيص القرآن بالسنة يرى أن الذي خصص ميتة السمك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [المائدة: 96] فأما صيده فهو ما أخذ بعلاج، وأما طعامه فهو ما وجد طافيا أو جزر عنه البحر.

وقد ذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمّه وخرج ميتا استنادا إلى أنّه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وقد خالفه في ذلك صاحباه والشافعيّ وأحمد، وذهبوا إلى حله، لأنه مذكى بذكاة أمه.

وذهب مالك إلى أنه إن تمّ خلقه ونبت شعره، أكل، وإلا لم يؤكل.

والحجة لهم ما ورد من

قوله صلى الله عليه وسلم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»

وهو يفيد أن ذكاة أمه تنسحب عليه.

وقد قال من ينتصر لأبي حنيفة: إنّ الحديث كما يحتمل ما ذهبتم إليه، يحتمل معنى آخر، هو: أن ذكاته كذكاة أمه، فيكون على حدّ قوله:

فعيناك عيناها وجيدك جيدها

ولكنّ عظم السّاق منك دقيق

وإذا احتمل ذلك فلا يخصّص الآية.

ويبعد هذا أنّ الحديث ورد في سياق سؤال،

فقد ورد عن أبي سعيد، أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال:«إن شئتم فكلوه، إنّ ذكاته ذكاة أمّه» «2» .

وقد اختلف في الانتفاع بدهن الميتة في غير الأكل، كطلاء السفن ودبغ الجلود، فذهب الجمهور إلى تحريمه، واستدلوا بالآية، لأنهم يرون أن الفعل المقدر هو الانتفاع بأكل أو غيره، وبما

روي عن جابر، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، أتاه أصحاب الصليب- وهو الودك الذي يستخرج من العظم- الذين يجمعون الأوداك، فقالوا: يا رسول الله، إنّا نجمع

(1) رواه أبو داود في السنن (3/ 370) ، كتاب الأطعمة، باب في الطافي من السمك حديث رقم (3815) .

(2)

رواه أبو داود في السنن (3/ 18) ، في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث رقم (2827) ، والترمذي في الجامع الصحيح (4/ 60) ، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث رقم (1476) .

ص: 53

هذه الأوداك، وهي من الميتة، وعكرها إنما هي للأدم والسفن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قاتل الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها»

فنهاهم عن ذلك «1» ، وهذا يفيد أن تحريم الله إياها على الإطلاق يفيد تحريم بيعها.

وقد ذهب عطاء إلى أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، ولعل حجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل، بدليل سابقها، وأن حديث شاة ميمونة «2» يعارض حديث جابر، فوجب أن يرجح، لأنه موافق لظاهر التنزيل.

وأما الدم فقد ورد هنا مطلقا، وورد في سورة الأنعام [145] مقيّدا بالمسفوح وحمل العلماء المطلق على المقيد، ولم يحرّموا منه إلا ما كان مسفوحا، وورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لولا أن الله قال: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً لتتبّع الناس ما في العروق.

وقد ذهب الحنفية والشافعية إلى تخصيص الدم المحرم

بقوله صلى الله عليه وسلم: «وأحلت لنا ميتتان ودمان»

وذكر الكبد والطحال. والحق ما ذهب إليه مالك من أنه لا تخصيص لأن الكبد والطحال ليسا لحما ولا دما بالعيان والعرف.

وأما الخنزير فقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المحرم لحمه، لا شحمه، لأنّ الله قال: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وقال الجمهور: إنّ شحمه حرام أيضا، وهو الصحيح، لأن اللحم يشمل الشحم.

فأما ما أهلّ به لغير الله. فقد نقل ابن جرير أن أهل التأويل اختلفوا فيه. فمنهم من قال: ما ذبح لغير الله. ونقله عن قتادة ومجاهد «3» وابن عباس، ومنهم من قال:

ما ذكر عليه غير اسم الله، ونقله عن الربيع «4» وابن زيد «5» .

وفيه خلاف آخر وهو: أهذا يشمل ذبائح النصارى التي ذكروا عليها اسم المسيح فتكون محرمة، أم لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم الأصنام؟

بالأول قال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي، ومالك، ونقل عنه الكراهة.

(1) رواه البخاري في الصحيح (3/ 54) ، 34- كتاب البيوع، 103- باب لا يذاب شحم الميتة حديث رقم (2224) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1207) ، 22- كتاب المساقاة، 13- باب تحريم بيع الخمر والميتة حديث رقم (71/ 1581) .

(2)

سبق تخريجه.

(3)

مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي المقرئ المفسّر أخذ التفسير عن ابن عباس توفي (104 هـ) انظر الأعلام للزركلي (5/ 278) .

(4)

الربيع بن أنس بن زياد المروزي انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (6/ 379) ترجمة (910) .

(5)

عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي القرشي توفي (63 هـ) ، انظر الأعلام للزركلي (3/ 307) .

ص: 54

وبالثاني قال عطاء «1» ، ومكحول «2» ، والحسن والشعبي، وسعيد بن المسيّب، وأشهب «3» من المالكية.

وسبب اختلافهم: أنه وردت هذه الآية، ووردت الآية وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: 5] وكلاهما يصح أن تخصّص الأخرى، فيصح أن يكون المعنى:

وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ما لم يذكر اسم غير الله عليه، بدليل: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ويصحّ أن يقال: وما أهل به لغير الله إلا ما كان من أهل الكتاب. بدليل قوله: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. فمن ذهب إلى الأول حرّم ذبيحة الكتابي إذا ذكر عليها اسم المسيح، ومن ذهب إلى الثاني أجازها، ويمكن أن يرجّح الثاني بأن الآية نزلت في تحريم ما كان تذبحه العرب لأوثانها، وتكون في معنى قوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3] .

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.

الباغي في اللغة: الطالب لخير أو لشر، وخص هنا بطالب الشر.

العادي: المجاوز ما يجوز إلى ما لا يجوز، وقد اختلف بالمراد بالباغي والعادي هنا: فذهب مجاهد وابن جبير «4» إلى أن الباغي هنا: الخارج على الإمام، المفارق للجماعة. والعادي: قاطع السبيل. وقال قتادة والحسن وعكرمة «5» : إنّ الباغي: آكل الميتة فوق الحاجة، والعادي: آكلها مع وجود غيرها. فعلى القول الأول: لا يجوز للخارج على الإمام ولا لقاطع السبيل إن اضطرا أن يأكلا من الميتة. ولكن يعترض على ذلك بأن بغي الباغي وعدوانه لا يبيحان له قتل نفسه بترك أكل المحرم عند الاضطرار.

وقد اختلفوا في المضطر، أيأكل من الميتة حتى يشبع. أم يأكل على قدر سد الرمق؟

ذهب مالك إلى الأول، لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة. ومقدار الضرورة من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. وهو حينئذ لا يحمل قوله تعالى:

(1) ابن أسلم بن صفوان بن أبي رباح تابعي، ولد في اليمن وتوفي في مكة، انظر الأعلام للزركلي (4/ 235) .

(2)

ابن أبي مسلم، أبو عبد الله، من حفاظ الحديث وتوفي بدمشق، انظر الأعلام للزركلي (7/ 284) . [.....]

(3)

أشهب بن عبد العزيز القيسي العامري المصري، المالكي فقيه الديار المصرية، انظر الأعلام للزركلي (1/ 333) .

(4)

سعيد بن جبير الكوفي قتله الحجاج سنة (95 هـ) . تابعي وهو حبشي الأصل، انظر الأعلام للزركلي (3/ 93) .

(5)

ابن عبد الله البربري المدني مولى ابن عباس تابعي كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، انظر الأعلام للزركلي (4/ 244) .

ص: 55

غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ على أن المراد غير باغ في الأكل، ولا متعد حد الضرورة، بل يحمله على البغي والعدوان على الإمام.

وذهب غيره إلى الثاني، لأنّ الإباحة ضرورة، فتقدر بقدر الضرورة.

والحكمة في تحريم ما ذكر في الآية: أما الميتة فلا ستقذارها، ولما فيها من ضرر، لأنها إمّا أن تكون قد ماتت لمرض قد أفسد تركيبها. وجعلها لا تصلح للبقاء.

وإما لسبب طارئ.

فأما الأولى: فقد خبث لحمها. وتلوث بجراثيم المرض، فيخاف من عدواها ونقل مرضها إلى آكليها.

وأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارّة في جسمها.

وأمّا الدم المسفوح، فلقذارته وضرره أيضا.

وأما لحم الخنزير، فلأن غذاءه من القاذورات والنجاسات، فيقذر لذلك ولأن فيه ضررا، فقد استكشف الأطباء أنّ لحم الخنزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، ويظهر أيضا أن المتغذي من لحم الخنزير قد يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة.

وأما ما أهل به لغير الله فتحريمه لحكمة مرجعها إلى صيانة الدين والتوحيد.

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ فرض عليكم، كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: 183] ومنه الصلوات المكتوبات، وقول الشاعر «1» :

كتب القتل والقتال علينا

وعلى الغانيات جرّ الذّيول

الْقِصاصُ: أن يفعل به مثل ما فعل. من قولهم: اقتص أثر فلان إذا فعل مثل فعله. قال الله تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الكهف: 64] .

الْقَتْلى: جمع قتيل، كالصرعى جمع صريع. وإنما يكون (فعلى) جمعا (لفعيل) إذا كان وصفا دالا على الزمانة.

العفو: يطلق في اللغة على معان المناسب منها هنا اثنان: العطاء والإسقاط، فمن الأول: جاد بالمال عفوا صفوا: أي مبذولا

ومن الثاني: وَاعْفُ عَنَّا [البقرة: 286]

(1) الشاعر هو عمر بن أبي ربيعة.

ص: 56

و «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» واختلفوا في سبب نزول هذه الآية.

فروي عن قتادة أنه كان في أهل الجاهلية بغي وطاعة الشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم قالوا: لا نقتل به إلا حرّا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم، وإن قتلت لهم امرأة، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية. يخبره أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: 45] وروي مثل ذلك عن الشعبي وجماعة من التابعين.

وروي عن السدي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب أحدهما مسلم، والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء، على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى. فقاصهم بعضهم من بعض.

ويكون معنى الآية على الأول: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله، ولا يبغينّ بعضكم على بعض. فإذا قتل الحرّ الحرّ فاقتلوه فقط، وإذا قتل العبد العبد فاقتلوه به. وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها: مثلا بمثل. ودعوا الظلم الذي كان بينكم، فلا تقتلوا بالحر أحرارا، ولا بالعبد حرا، ولا بالأنثى رجلا.

فمن ترك له شيء من القصاص إلى الدية. فليحسن الطالب في الطلب: من غير إرهاق ولا تعنيف، وليحسن المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف، ذلك الذي شرعته من العفو إلى الدية تخفيف من ربكم ورحمة.

وقد كان محرّما على اليهود أخذ الدية، ولم يكن لأولياء المقتول إلا القصاص، فمن تجاوز بعد أخذ الدية وقتل القاتل، فله عذاب أليم، أو فمن تجاوز ما شرعته، وعاد إلى أمر الجاهلية فله عذاب أليم.

فإن قيل: إن صدر الآية يوجب القصاص، وعجزها يجيز العفو عنه إلى الدية.

فكيف يجمع بينهما؟ قيل: إن صدر الآية أوجب القصاص والمماثلة إذا أريد قتل القاتل، ومنع العدوان والظلم. فلا منافاة بين صدرها وعجزها.

وقد اختلف العلماء في نظم الآية وما يفهم منها. وبناء على ذلك اختلفوا فيما يؤخذ منها من الأحكام، فمن ذلك اختلافهم: أيقتل الحر بالعبد أم لا؟ أو يقتل المسلم بالذمي أم لا؟ فذهبت الحنفية إلى الأول، والمالكية والشافعية والحنابلة إلى الثاني، ونحن سنشير هنا إلى الأساس الذي بني عليه الخلاف.

الأساس الذي بني عليه الخلاف هو: أصدر الآية كلام مكتف بنفسه؟ أم هو غير

ص: 57

مكتف بنفسه، بل محتاج إلى العجز؟ ولا يتم الكلام إلى عند قوله: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ذهب الحنفية إلى الأول، والآخرون إلى الثاني.

قال الحنفية: إنّ الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية. وهذا يعم كلّ قاتل: سواء كان حرا قتل عبدا أم غيره. وسواء كان مسلما قتل ذميا أم غيره.

وأما قوله: الْحُرُّ بِالْحُرِّ فإنما هو بيان لما تقدّم ذكره على وجه التأكيد، وذكر الحال التي خرج عليها الكلام، وهي ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرا، وفي امرأتهم إلا رجلا. على ما جاء في حديث الشعبي.

فأبطل ما كان من الظلم، وأكّد فرض القصاص على القاتل دون غيره، وإذا كان ذلك كذلك فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد، كما أنها لم تدل باتفاق على أنه لا يقتل الرجل بالمرأة، وكما أنها تدل على أنه لا يقتل العبد بالحر، ولا المرأة بالرجل باتفاق أيضا، فمناط الاستدلال عندهم: أن صدر الآية عامّ، وذكر الحر بالحر وما بعده ليس تقييدا، بل هو إبطال لما كانوا يفعلونه من الظلم.

وقالوا: في معنى الآية قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء: 33] فانتظم جميع المقتولين ظلما، عبيدا كانوا أو أحرارا، مسلمين أو ذميين، وجعل لوليهم سلطانا، وهو القود.

وقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45] وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ولم نجد ناسخا.

وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] وقوله:

وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126] .

وقد جاءت السنة أيضا بما يفيد هذا العموم في العبيد،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» «1»

فقال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»

ولم يفرّق بين عبد وحرّ في ذلك.

فإن قيل: إن قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة: 178] يفيد أن الآية في المسلمين، قالوا: إنّ هذا حكم، وهذا حكم، وخصوص الثاني لا يفيد خصوص الأول.

قال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228] وهذا عموم في المطلّقة ثلاثا وما دونها، ثم عطف قوله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ

[البقرة: 231] وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً [البقرة: 228] .

(1) رواه أبو داود في السنن (4/ 179) ، كتاب الديات، باب إيقاد المسلم بالكافر حديث رقم (4530) ، والنسائي في السنن (7- 8/ 392) حديث رقم (4759) .

ص: 58

وهذا خاصّ في المطلقة دون الثلاث، فخصوص هذا لم يبطل عموم اللفظ في الأول.

وقالت المالكية والشافعية: إن الكلام لا يتم عند قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى وإنما ينقضي عند قوله: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فالله قد أوجب المساواة، ثم بيّن المساواة المعتبرة، فبيّن أن الحرّ يساويه الحرّ، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، وقد كان التقسيم يوجب ألا يقتل الرجل بالمرأة، ولكن جاء الإجماع على أنّ الرجل يقتل بالمرأة.

فمناط الاستدلال عندهم أن الله أوجب المساواة والمماثلة في القتل، ثم جاء بالأصناف ليبين المساواة المعتبرة، فكأنه كتب أن يقتل القاتل إذا كان مساويا للمقتول في الحرية.

وإذا كان الحر لا يقتل بالعبد، فالمسلم لا يقتل بالذمي، لأن نقص العبد برقّه الذي هو من آثار الكفر، فلا يقتل به المسلم،

ويدل له صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «1» .

قالوا: وقد كان ظاهر الآية يفيد ألّا يقتل العبد بالحر، ولكنا نظرنا إلى المعنى، فرأينا أن العبد يقتل بالعبد، فأولى أن يقتل بالحر، وإذن فالآية قد جاءت لتبيّن من هم أقل في المساواة، فلا يقتل بهم من هو أعلى منهم، فلا ينافي ذلك أن يقتل الأنقص بالأزيد، ويعضّد هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنه لا مساواة بين طرف الحر وطرف العبد، ولا يجري القصاص بينهما في الأطراف، فكذلك لا يجب أن يجري في الأنفس.

والعقل يميل إلى تأييد قول أبي حنيفة في هذه المسألة، لأنّ هذا التنويع والتقسيم الذي جعله الشافعية والمالكية بمثابة بيان المساواة المعتبرة قد أخرجوا منه طردا وعكسا الأنثى بالرجل، فذهبوا إلى أن الرجل يقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالرجل، وذهبوا إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولكنهم أجازوا قتل العبد بالحر، فهذا كلّه يضعف مسلكهم في الآية.

أما مسلك أبي حنيفة فيها فليس فيه هذا الضعف، وحينئذ يكون العبد مساويا للحر، ويكون المسلم مساويا للذمي في الحرمة، محقون الدم على التأييد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام.

ويعضّد هذا أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم في الحرمة، فإن سرقه مسلم قطع فيه، فإذا كان لماله حرمة مال المسلم فوجب أن يكون لدمه حرمة دم المسلم، إذ حرمة ماله إنما هي تبع لحرمة دمه، ويعضّد ما ذهب إليه أبو حنيفة من شرع قتل

(1) رواه ابن ماجه في السنن (2/ 888) ، كتاب الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر حديث رقم (2660) .

ص: 59

المسلم بالذمي ما رواه الطحاوي عن محمد بن المنكدر، أن النبي عليه الصلاة والسلام أقاد مسلما بذمي،

وقال: «أنا أحق من وفّى بذمته» «1»

وقد روي عن عمر وعلي قتل المسلم بالذمي

،

وقال علي: إنّا أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون دماؤهم كدمائنا، ودياتهم كدياتنا.

وأما

حديث: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «2»

فله ضروب من التأويل أحسنها: أن رجلا من خزاعة قتل رجلا من هذيل بذحل «3» الجاهلية.

فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا إنّ كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدميّ هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»

يعني بالكافر الذي قتل في الجاهلية، فيكون ذلك تفسيرا

لقوله: «كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين»

ويكون

قوله: «ولا ذو عهد في عهده»

في معنى قوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [التوبة: 4] وقد ذكر علماء الأصول تأويلات يمنعنا خوف الإطالة من ذكرها.

وآيات القصاص عامّة في كل قاتل قتل عمدا، ولكن وردت أحاديث تفيد تخصيصها، فمن ترجّحت عنده واشتهرت، خصص بها الآية.

فمن ذلك ما

روي عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقتل والد بولده» .

وفي رواية عنه أيضا «لا يقاد الأب بابنه» «4»

، وقد حكم بذلك عمر أمام جمع من الصحابة من غير نكير، فكان في منزلة الخبر المستفيض، فجاز أن يخصّص الآية، وقد أخذ به أبو حنيفة والشافعي.

وروي عن مالك أنه إذا ظهر منه قصد القتل كأن أضجعه وذبحه قتل به، وإن رماه بسلاح أدبا، أو خنقه لم يقتل به.

وقد اختلف العلماء: أتقتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله أم لا؟ فذهب أكثر فقهاء الأمصار: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور «5» وغيرهم إلى أنه تقتل الجماعة بالواحد قلّت الجماعة، أو كثرت.

(1) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ط 2، بيروت، دار الكتب العلمية 1987 (3/ 195) .

(2)

سبق تخريجه.

(3)

الذحل: الثأر، العداوة والحقد، انظر لسان العرب لابن منظور (11/ 256) .

(4)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (4/ 12) ، كتاب الديات، باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه حديث رقم (1400، 1401) .

(5)

إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، الفقيه صاحب الإمام الشافعي توفي (240 هـ) انظر الأعلام للزركلي (1/ 37) .

ص: 60

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعا «1» .

وقال داود «2» وأهل الظاهر: لا تقتل الجماعة بالواحد، واستند إلى ظاهر الآية، لأنها شرطت المساواة والمماثلة، ولا مساواة بين واحد والجماعة. وإلى قوله:

وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45] .

وجمهور الفقهاء نظروا إلى المعنى: وهو أنّ الشارع شرع القصاص لحفظ الأنفس، وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ولو علم الناس أن الجماعة لا تقتل بالواحد لتمالأ الأعداء على قتل عدوهم، وبلغوا مرادهم من قتله، ونجوا من القود بالاجتماع. والآية لا تدل على أن الجماعة لا تقتل بالواحد، لأنها جاءت في منع حميّة الجاهلية التي كانت تدعو القبيلة إلى أن تقتل بقتيلها من قتل ومن لم يقتل افتخارا، بل قد يؤخذ من الآية ما يدل للجمهور، لأن المراد بالقصاص قتل من قتل كائنا من كان، واحدا، أو جماعة.

وقد ذهب مالك والشافعي إلى أنّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ يقتضي المماثلة في كيفية القتل، فيقتص من القاتل على الصفة التي قتل بها. فمن قتل تغريقا، قتل تغريقا، ومن رضخ رأس إنسان بحجر فقتله، قتل برضخ رأسه بالحجر. واحتجوا

بحديث أنس «أنّ يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ رأسه بحجر» «3» .

وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المطلوب بالقصاص إتلاف نفس بنفس، والآية لا تقضي أكثر من ذلك. فعلى أيّ وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف. واستدلوا

بحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا قود إلا بالسّيف» «4»

وقالوا:

قد ورد عن عمران بن حصين وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن المثلة» «5»

وقتله بما قتل به قد يؤدي إلى المثلة،

وقد ورد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» «6»

فأوجب عموم لفظه

(1) رواه البخاري في الصحيح (8/ 53) ، 88- كتاب الديات، 21- باب إذا أصاب قوم من رجل حديث رقم (6896) .

(2)

داود بن علي بن خلف الأصبهاني أبو سليمان الملقب بالظاهري توفي (270 هـ) انظر الأعلام للزركلي (2/ 333) .

(3)

رواه البخاري في الصحيح (6/ 215) ، 68- كتاب الطلاق، 24- باب الإشارة في الطلاق حديث رقم (5295) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1299) ، 28- كتاب القسامة، 3- باب ثبوت القصاص في القتل حديث رقم (15/ 1672) . [.....]

(4)

رواه ابن ماجه في السنن (2/ 889) ، كتاب الديات، باب لا قود إلا بالسيف حديث رقم (2667) .

(5)

رواه البخاري في الصحيح (6/ 284) ، 72- كتاب الصيد، باب ما يكره من المثلة حديث رقم (5516) .

(6)

رواه مسلم في الصحيح (3/ 1548) ، 34- كتاب الصيد، 11- باب الأمر بإحسان الذبح حديث رقم (57/ 1955) .

ص: 61

على من له قتل على جان، ورغب في القصاص أن يقتله بأحسن وجوه القتل.

وقالوا: إذا ثبت حديث أنس، كان منسوخا بالنهي عن المثلة، وحكي عن القاسم بن معن أنه حضر مع شريك بن عبد الله «1» عند بعض السلاطين، فقال: ما تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله؟

قال: يرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟

قال: يرمى ثانية.

قال: أفتتّخذونه غرضا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتّخذ شيء من الحيوان غرضا «2» ؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.

قد ذكرنا أن المناسب من معاني العفو هنا: الإسقاط، أو العطاء. فذهب الشافعي إلى أن المراد هنا الإسقاط، والمعنى: فأيّ قاتل ترك له من أخيه شيء من القصاص فاتبعه أيها القاتل، وأدّ إليه بإحسان، وبناء على ذلك يكون موجب القتل العمد عنده أحد أمرين: إمّا القصاص، وإما العفو إلى الدية، فأيهما اختار الولي أجبر الجاني عليه. وهو رواية أشهب عن مالك. وروي عن ابن عباس: العفو أن تقبل الدية في العمد. ونحوه عن قتادة، ومجاهد وعطاء، والسدي.

وذهب غيرهم إلى أن العفو العطاء، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من المال فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه الجاني، وحينئذ لا يكون في الآية ما يدل على إلزام القاتل بالدية إذا رضيها الولي. وبناء على ذلك ذهبوا إلى أن موجب القتل العمد القصاص فقط. فإذا عفا الولي إلى الدية، ولم يقبل الجاني لم يجبر، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وهو رواية القاسم عن مالك.

ويدل للمذهب الأول ما

روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمّا أن يفدى وإما أن يقتل» «3» .

قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) بعد أن بيّن الله شرع القصاص ذكر الحكمة فيه، فقال: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ

(1) ابن الحارث النخعي فقيه، القاضي الكوفي أدرك زمن عمر بن عبد العزيز توفي سنة (177 هـ) في الكوفة، انظر الأعلام للزركلي (3/ 163) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (3/ 1549) ، 34- كتاب الصيد، 12- باب النهي عن صبر البهائم حديث رقم (58/ 1957) ، ورواه الترمذي في الجامع الصحيح (4/ 60) ، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية أكل المصبور حديث رقم (1475) .

(3)

رواه البخاري في الصحيح (8/ 49) ، 88- كتاب الديات، 8- باب من قتل له قتيل حديث رقم (6880) ومسلم في الصحيح (2/ 988) ، 15- كتاب الحج، 82- باب تحريم مكة وصيدها حديث رقم (447/ 1355) .

ص: 62

أي ولكم يا أولي العقول فيما شرعت لكم من القصاص حياة وبقاء، لعلكم تتقون القصاص، فتنتهوا عن القتل.

وإنما كان في شرع القصاص حياة، لأنّ الناس إذا علموا أن من قتل يقتل كفّ بعضهم عن بعض. فإذا همّ أحد بقتل أخيه أوجس خيفة من القصاص، فكفّ عن القتل، فكان في ذلك حياة له وحياة لمن أراد قتله وحياة لغيرهما من الناس، فربما وقعت الفتنة بالقتل، فيقتل فيها خلق كثير، وشرع القصاص حاجز لذلك كله، وهذا على أنّ المراد بالقصاص شرع القصاص ويمكن أن يراد منه القصاص نفسه، ويكون المعنى أن في القصاص نفسه حياة، لأنّ القاتل إذا اقتصّ منه كان عبرة لغيره، فيرتدع من يهمّون بالقتل، فلا يقتلون ولا يقتلون، فكان القصاص سببا للحياة، وهناك وجه آخر ذكره السدي فقال: ولكم في القصاص حياة أي بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته.

وقد نقل الله بهذه الآية العقوبات من معنى إلى معنى سام جليل: فقد كانت العقوبات انتقاما في الأزمنة السالفة، ينتقم بها المجتمع من المجرمين، فجعل الله الغرض منها الاستصلاح وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ولم يقل انتقام، ولقد رقت قلوب قوم من رجال التشريع الوضعي!! فاستفظعوا قتل القاتل، ورحموه من القتل!! ولقد كان المقتول ظلما أولى برحمتهم وعطفهم، وإذا رحموا القاتل فمن يرحم المجتمع الذي يكثر فيه المجرمون الفسّاد، ولعمرنا إنهم نظروا نظرة ضيقة، ولو نظروا نظرة عامة شاملة لكانت رحمتهم هذه هي التي تدعوهم إلى القصاص والقسوة فيه، فإنّ من يرحم الناس يسعى لتقليل الشر عنهم، وكف عادية المعتدين.

فقسا ليزدجروا، ومن يك حازما

فليقس أحيانا على من يرحم

ولقد عبّرت العرب عن هذا المعنى بعبارات مختلفة، منها قولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم: أكثروا القتل ليقلّ القتل، وأجود ما قالوه في ذلك قولهم:

القتل أنفى للقتل.

والنظم الكريم وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قد فاق تلك بمراحل، ويدل على ذلك أمور:

1-

أنها أخص.

2-

أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهره أن القتل سبب في نفي القتل، وهو محال، بخلاف الآية، فإنّها جعلت القصاص، وهو نوع من القتل، فيه نوع من الحياة، بدليل التنكير، ولا إحالة في أن يكون نوع من القتل سببا لنوع من الحياة.

3-

أن القتل ظلما قتل، وليس نافيا للقتل، بل هو أدعى للقتل، فيكون ذلك مبطلا لظاهر عموم قولهم. وثمّ وجوه أخرى لم نشأ الإطالة بها.

ص: 63

قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) كُتِبَ عَلَيْكُمْ فرض عليكم.

الخير: ضد الشر، والمراد به هنا: المال، وقد ورد في القرآن كثيرا بمعنى المال، قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 272] وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)[العاديات: 8] إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24] .

الوصية: القول المبين لما يستأنف عمله. وهي هنا مخصوصة بما بعد الموت وهي كذلك في العرف.

المعروف: ضد المنكر، وليس المراد بقوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وقت حضور الموت ومعاينته، لأنّ هذا الوقت لا يعي فيه المرء ما يقول، بل المراد علامات الموت وأماراته، وذلك كالمرض المخوف.

وقد اختلف في ذلك المال الذي كتبت فيه الوصية. فقيل: هو الكثير، وقيل:

أيّ مال قليلا كان أو كثيرا. والأولون اختلفوا، فقيل: هو الكثير غير محدود.

وبعضهم حدّده. واختلفوا في التحديد، فعن ابن عباس: إذا ترك سبعمائة درهم، فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصى.

وعن قتادة: ألف درهم، وعن عائشة: أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي.

قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: قال الله إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإنّ هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل، والظاهر قول من قال: إن المراد المال مطلقا، قليلا، كان أو كثيرا. لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره، ولم يخصّ الله منه شيئا دون شيء.

وهذه الآية قد دلّت على وجوب الوصية، واختلف العلماء فيها: أهي منسوخة أم محكمة لم تنسخ؟ وجمهور العلماء على أنها منسوخة. قال الشافعي رضي الله عنه ما معناه: إن الله تعالى أنزل آية الوصية، وأنزل آية المواريث، فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع الميراث، واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصايا. وقد طلب العلماء ما يرجّح أحد الاحتمالين، فوجدوه في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقد روى عنه أصحاب المغازي أنه قال عام الفتح: «لا وصيّة لوارث» «1»

وهو وإن كان خبر آحاد إلا أن العلماء تلقته بالقبول، وأجمعت العامة على القول به.

(1) سبق تخريجه.

ص: 64

ثم إن القائلين بالنسخ اختلفوا: فذهب طاوس «1» وقوم معه: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم تجز، وذهب غيرهم إلى أنها منسوخة في حقّ من يرث، وحق من لا يرث. وحجة الأولين: أن الوصية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين كانت واجبة بالآية، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب.

ويؤكد هذا

قوله عليه الصلاة والسلام: «ما حقّ امرئ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» «2»

. وحجة الآخرين ما

رواه الشافعي عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة «3»

فلو كانت الوصية واجبة للأقربين وإذا جعلت في غيرهم بطلت لما أجازها صلى الله عليه وسلم في العبدين، لأن عتقهما وصية لهما، وهما غير قريبين، وقد ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أنّ آية الوصية محكمة غير منسوخة، نقل ذلك عنه الفخر الرازي، وقرر مذهبه بوجوه:

أولا: أنّ هذه الآية ليست مخالفة لآية المواريث، بل هي مقررة لها، والمعنى:

كتب ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: 11] إذا كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين، والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم.

ثانيا: أنه لا منافاة بين ثبوت الوصية للأقرباء وثبوت الميراث، فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.

ثالثا: لو قدّر حصول المنافاة بين آية الميراث وآية الوصية لكان يمكن جعل آية الميراث مخصّصة لآية الوصية لأن هذه الآية تفهم بعمومها أن الوصية واجبة لكلّ قريب، وآية المواريث أخرجت القريب الوارث، فبقيت آية الوصية مرادا بها القريب الذي لا يرث، إمّا لمانع من الإرث ككفر ورق، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام.

(1) طاوس بن كيسان الخولاني اليماني من أئمة التابعين توفي سنة (106 هـ) أصله من الفرس، انظر الأعلام للزركلي (3/ 224) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (3/ 245) ، 55- كتاب الوصايا، 1- باب الوصايا حديث رقم (2738) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1249) ، 25- كتاب الوصية حديث رقم (1/ 1627) .

(3)

رواه مسلم في الصحيح (3/ 1288) ، 27- كتاب الإيمان حديث رقم (56/ 1668) .

ص: 65

وابن جرير الطبري ذهب في «تفسيره» «1» إلى هذا القول فقال في تفسير الآية: فرض عليكم أيها المؤمنون الوصيّة إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً والخير: المال لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الذين لا يرثون بِالْمَعْرُوفِ وهو الذي أذن الله فيه وأجازه في الوصية، ما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمّد الموصي ظلم ورثته حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعني بذلك فرض عليكم هذا وأوجبه وجعله حقا واجبا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.

فإن قال قائل: أو فرض على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثون؟ قيل: نعم. وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من العلماء منهم: الضحّاك «2» فقد كان يقول: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، ومنهم مسروق «3» فقد حضر رجلا فأوصى بأشياء لا تنبغي، فقال له مسروق: إن الله قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يضلّه، أوص لذي قرابتك ممن لا يرثك، ثم دع المال على ما قسمه الله عليه.

وقد ذهب القائلون بأنها منسوخة إلى أنها تندب، وتكون في ثلث ماله، ومعنى قوله: بِالْمَعْرُوفِ بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط،

وقد بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لمن أراد أن يوصي: «الثلث والثلث كثير» «4»

وقد روي عنه عليه صلوات الله أنه قال: «إنّ الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم» .

قال الله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) لما أوجب الله تعالى الوصية وجعلها حقا على المتقين، توعّد من غيّرها وبدّلها فقال: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي فمن غيّر ما أوصى به الموصي بعد ما سمع الوصية فليس على الموصي إثم، بل الإثم على مبدّل الوصية، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع للوصية، عليم بما أوصيتم به، فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وعلى ذلك يكون المنهي عن التغيير هو: الشاهد، فلا يكتم شهادة ولا يغيّرها، والوصي فلا يغير الوصية، ولا يحوّر فيها. والورثة فلا يمنعون من أوصي لهم من حقّهم.

وقيل: إنه هو الوصي، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يوصون للأباعد،

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 68) .

(2)

ابن مزاحم البلخي الخراساني، توفي (105 هـ) مفسر، كان يؤدب الأطفال انظر الأعلام للزركلي (3/ 215) .

(3)

ابن الأجدع بن مالك الهمداني توفي (63 هـ) تابعي، شهد حروب الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، انظر الأعلام للزركلي (7/ 215) .

(4)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 102) ، 23- كتاب الجنائز، 34- باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة حديث رقم (1295) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1250) ، 25- كتاب الوصية، 1- باب الوصية بالثلث حديث رقم (5/ 1628) . [.....]

ص: 66

ويتركون ذوي القربى في ضنك وشدة، فنهاهم الله عن ذلك، وجعل الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، ثم أوعد الموصين الذين يخالفون ما أمر به. ويجعلونها في غير المواضع التي أمرهم بها، أو يوصون بغير معروف، كأن يعطوا الأغنياء من أقاربهم، ويتركوا الفقراء، وعلى هذا يكون الضمير في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ راجعا إلى الحكم الذي علم من الآية السابقة.

أما على القول الأول فالضمير راجع إلى الوصية. وإنما أتى به مذكّرا والوصية مؤنثة نظرا إلى المعنى، فإنها بمعنى الإيصاء، كقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: 275] أي وعظ، وقد دلت الآية على أن المرء لا يؤخذ بجريرة غيره. فالميت لا يؤخذ ببكاء أهله إلا أن يكون له دخل في البكاء، كأن يكون أوصى به.

ولذلك لا يعذّب الميت إذا أوصى ورثته بقضاء دينه، فقصّروا في القضاء، وهي في معنى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصلت: 46] لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] .

هذا وقد طعن قوم في أحكام الوصية والميراث في الشريعة الإسلامية. وقالوا:

إنها لا تلين لرغبات المالكين، وقد تكون هذه الرغبات محترمة أما أنها لا تلين لرغبات المالكين فلأن الميراث قد فرضت فروضه، وعيّنت أنصباؤه، وليس لأحد أن يغيّر فيها، وقد منعت الوصية للوارث، فليس لأحد أن يوصي لوارثه.

وأما أن رغبة المالكين قد تكون محترمة فلأنه ربما أراد أن يوصي لوارث فيزيد نصيبه، لأنه يراه أبرّ به من غيره، أو لأنه أحوج، قالوا: والشريعة الإسلامية قد خالفت ما عند الأمم الأخرى من احترام رغبات المالكين. وقد تذرّعت أمة إسلامية بذلك فتركت أحكام الشريعة في الميراث والوصايا، واستبدلت بها القانون السويسري.

ونحن نرى أنه لا موجب لهذه الغارة على أحكام الشريعة، فقد نقلنا ما رواه الفخر الرازي من رأي أبي مسلم الأصفهاني في الوصية، وقد علمنا منه أن رأيه أن الوصية للوارث باقية لم تنسخ، ولا منافاة بينها وبين الميراث.

فالميراث عطية من الله، والوصية عطية من المالك للوارث، فإذا كانت هذه الأمة قد اضطرت لاحترام إرادة المالكين، ولم تبال بما يصحبها من جور غالبا.

ففي الشريعة الإسلامية متسع لهذا. فلنا الأخذ برأي أبي مسلم الأصفهاني في الوصية وهو يجيز الوصية للوارث، ويحترم رغبة المالكين. فمن شاء أن يوصي لابن بار، أو وارث أشد حاجة: فله ذلك عنده. وما دام في الشريعة غنى، فليس لهم أن يستبدلوا بها قانونا آخر. وإن الأخذ بقول من أقوالها مهما كان ضعيفا خير من الخروج عنها جملة.

ص: 67

قال الله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) الجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء. والفرق بين الجنف والإثم هنا: أن الجنف الخطأ في الوصية من حيث لا يعلم، والإثم الجور عن عمد.

وقد اختلف في تأويل الآية. فقال بعضهم: إن معنى خافَ هنا علم، ولما توعّد الله من غيّر الوصية بيّن أن هذا الوعيد لمن غيّرها جورا.

أما من علم من الموصي الجور فلا إثم عليه في تغييرها إلى عدل وصلح، فبيّن الفرق بين التبديلين. فأوجب الإثم في الأول. ونفاه عن الثاني.

وقال بعضهم: إن خافَ هنا على معناها، والمراد: أن من حضر الموصي وهو يوصي فخاف منه الخطأ في وصيته، أو تعمّد الجور فيها فلا حرج عليه أن يصلح بين الموصي وبين ورثته: بأن يأمره بالعدل في وصيته. فلا يتعمد إضرار الورثة. ولا يحرم مستحقا، ويعطي غير مستحق: يفعل ذلك مشورة وإصلاحا، والضمير في قوله: بَيْنَهُمْ يعود على الموصى لهم، وهم وإن كانوا لم يذكروا، إلا أنهم علموا من قوله: مُوصٍ لأنّه يستلزم موصى لهم.

فإن قيل: هذا المصلح قد أتى بطاعة بإصلاحه يستحق عليها الثواب الجزيل. وكان المنتظر أن يقال: فله أجر. فكيف قيل: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وقيل: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؟

فالجواب: أنه لما كان تبديلا، وقد أثّم الله المبدّلين، أراد أن يبين مخالفته للأول برفع الإثم عنه، لأنه ردّ الوصية إلى العدل.

وأما قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، كأنه قال: أنا الغفور الرحيم لمن أذنب وعصى فلأن أوصل الرحمة والمغفرة لهذا المصلح أولى.

أو يقال: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لهذا الوصي الذي أوصى بما فيه جنف أو إثم إذا أصلحت وصيته. وهذه الآية تدل على جواز الصلح بين المتنازعين.

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) .

الصِّيامُ: مصدر صام. كالقيام مصدر قام، وهو في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال تعالى في

ص: 68

قصة مريم إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: 26] ومنه قولهم:

صامت الريح، إذا ركدت وسكنت، وصامت الفرس، إذا أمسكت عن العلف، قال النابغة:

خيل صيام وخيل غير صائمة

تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما

وفي الشرع: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، بنيّة من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قيل: إن وجه الشبه هو وجوب الصوم، وقيل: مقداره، وقيل: كيفيته. من الكف عن الأكل والشرب، وقد ذكر القائلون بالأخيرين روايات تؤيد ما ذهبوا إليه، منها أنه كان المفروض على اليهود والنصارى صوم شهر رمضان هذا، الذي كلّف الله المسلمين بصومه، وزعموا أن اليهود تركت هذا الشهر إلى صوم يوم زعموا أنه الذي غرق فيه فرعون.

أما النصارى فقد صادفوا في رمضان حرّا شديدا، فحولوه إلى وقت لا يكون حرّا، ثم قالوا عند التحويل: نزيد فيه عشرا، ثم اشتكى ملكهم فزادوا سبعا، ثم اشتكى الملك الذي بعده فقال: ما بال هذه الثلاثة فتمّ لهم صوم خمسين يوما، وهناك روايات غير هذه، كلّها تفتقر إلى الإثبات وعلم حقيقة ما كتب على الذين من قبلنا، وما دام التشبيه لا يحتاج لأكثر من وجه من وجوه المماثلة، ونحن نقطع بأن من كان قبلنا قد أوجب الله عليهم الصيام، فما حاجتنا بالجري وراء أخبار تحتاج في إثباتها إلى عناء وجهد قد لا تصل بعدهما إلى ما يثبت المدعى؟

نحن لا ننكر هذه الأخبار، أو ما اشتملت عليه، بل نقول: إنها تفتقر إلى الإثبات، وفهم الآية غير متوقّف عليها، إذ يكفي في فهم الآية أن يكون الله قد كتب صوما ما على الذين من قبلنا، وتلك حقيقة يسلّم بها جميع أهل الأديان، وهم يتعبدون بها إلى اليوم، والمطّلعون على التاريخ القديم يقولون: إن التاريخ يدل على أنه لم تخل شريعة من الشرائع من فرض الصوم، وإنما اختلف الصوم في الأمم السابقة في ماهيته، وكيفيته، ومقداره، وما دام الله لم يبين لنا ماهية الصوم عند الذين من قبلنا وكيفيته ومقداره فما حاجتنا إلى البحث وراءه، ولو علم الله في بيانه خيرا لبينه؟

قال الزجاج «1» : إن كَما هنا في موضع نصب على المصدر، والمعنى:

فرض عليكم الصيام كفرضه على الذين من قبلكم. وقال أبو علي «2» : هو صفة

(1) إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق عالم بالنحو واللغة ولد ومات في بغداد، انظر الأعلام للزركلي (1/ 40) .

(2)

الحسن بن أحمد الفارسي، أحد الأئمة في علم العربية توفي في بغداد سنة (377 هـ) انظر الأعلام للزركلي (2/ 179) .

ص: 69

لمصدر محذوف، أي كتابته مثل كتابته على الذين من قبلكم. وقيل: غير هذا.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ذكروا في معناها في هذا الموضع وجوها:

أحدها: أن الصوم يورث التقوى، لأنه يكسر الشهوة، ويقمع الهوى، ويردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهوّن لذات الدنيا.

الثاني: أن المعنى: ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى.

الثالث: أن المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات، وأنت ترى أن المعاني متقاربة.

أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ منصوب على الظرفية، وقيل: غير هذا، وقد اختلف العلماء في هذه الأيام: أهي رمضان أم غيره؟ قيل: إنها غير رمضان، وأنه كان قد وجب صوم قبل رمضان، ثم نسخ بآية: شَهْرُ رَمَضانَ إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] وهو مذهب معاذ. وقتادة. وعطاء. ومرويّ عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء، فقال عطاء: هي ثلاثة أيام من كل شهر، وقال قتادة: بل هي ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء.

ثم إن هؤلاء اختلفوا أيضا. فقال بعضهم: إن هذا الصوم كان تطوعا، وقال بعضهم: بل واجبا، واتفقوا على أن هذا الصوم- على الخلاف في أنه تطوع أو فرض. وعلى الخلاف في مقداره- منسوخ بصوم رمضان، واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بوجوه:

الأول: ما

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنّ صوم رمضان نسخ كلّ صوم»

فدل هذا على أن صوما كان قبل رمضان ونسخ به.

الثاني: أن الله تعالى ذكر حكم المريض والمسافر هنا وذكره في آية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فلو لم تكن الآية الأولى منسوخة بالثانية لكان تكرارا ينزّه عنه القرآن.

الثالث: أنّ قوله تعالى هنا: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يدلّ على أن هذا الصوم واجب على التخيير، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأعطى الفدية. وصوم رمضان واجب على التعيين. فواجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. ذلك مبلغ ما قالوا في التدليل لمذهبهم.

وذهب أكثر المحققين إلى أن المراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، وأبي مسلم، وحاصله: أنّ الله سبحانه بيّن أولا أنه فرض علينا صوما كالذي فرضه على الذين من قبلنا، فاحتمل هذا أن يكون يوما، أو يومين، أو غير ذلك، فبيّنه بعض البيان بقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وكان ذلك أيضا

ص: 70

محتملا لأن يكون فوق ثلاثة أيام إلى أكثر من شهر، فبينه الله تعالى بقوله: شَهْرُ رَمَضانَ إلخ. وإذا كان ذلك يمكننا في فهم الآية فلا وجه لحملها على غيره، وإثبات النسخ فيه، وهو فوق ذلك خارج عن مدلول اللفظ.

أما ما تمسكتم به من

قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوم رمضان نسخ كلّ صوم»

فلم لا يجوز أن يراد: كلّ صوم كان في الشرائع السابقة؟ ومعروف أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، فليكن هو الناسخ. ولئن سلّم أن المراد كلّ صوم كان عندنا فأين انحصار أدلة الوجوب في هذه الآية؟ ولم لا يجوز أن يكون صوما قد ثبت بأدلة غير هذه؟

وأما قولكم: لو كان عين شهر رمضان لكان قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ

إلخ مكرّرا.

فلنا أن نقول: إن صوم رمضان ثبت في أول الأمر مخيّرا فيه المكلّف بين الصيام، وبين الفدية دون القضاء، فلما كان كذلك، ورخص للمسافر في الفطر، كان من الجائز أن يظنّ أن عليه الفدية دون القضاء، ويجوز أنه لا فدية عليه ولا قضاء لمكان العذر الذي يفارق به المقيم.

ولما لم يكن ذلك بعيدا، بيّن الله تعالى أن إفطار المريض والمسافر في الحكم خلاف التخيير في حق المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر، فلما نسخ الله ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتما، كان جائزا أن يظن أن انتقال الحكم من واسع إلى ضيق ربما يعم الكلّ فيساوي المريض والمسافر الصحيح المقيم. أو على الأقل يبقى حكم المريض والمسافر مجهولا: فكانت هناك حاجة إلى البيان، فجيء به لدفع هذه الحاجة، وحيث قد ذهبنا إلى القول بأن صوم رمضان كان في البدء مخيّرا، فلم تعد بنا حاجة إلى الاعتذار عن حجتهم الثالثة.

وأنت ترى أن الآية على القولين قد دخلها النسخ: أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأنّه يقضي بأن صوم رمضان ثبت في البدء مخيّرا، ثم نسخ بالتعيين، ولعل الحكمة في شرعه هكذا سنة التدرج في التشريع.

فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ المراد منه والله أعلم أن فرض الصيام في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين. فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر.

وقد دلّت الآية على عظيم فضل الله، وسعة رحمته بعباده، فقد بيّن الله سبحانه في أول الآية أن شريعة الصيام فيكم لم تكن بدعا من الشرع، بل لكم فيها أسوة، فقد كانت مكتوبة على من قبلكم من الأمم، ثم بيّن فيها ثانيا: وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب قوي في حصول التقوى، وثالثا: أنه لم يكلفنا بما يشق، بل

ص: 71

كلفنا أياما معدودات، وهي وإن قلّت فجزاؤها جزيل، ثم بيّن جل شأنه أنه خصّ هذه الأيام بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لمزيد الشرف ثم بين أن هذا التكليف خاصّ بمن قدر عليه، حيث أباح تأخيره لمن يشق عليه من المرضى والمسافرين إلى وقت يقدرون عليه فيه.

وقد اختلفوا في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال:

ذهب الحسن وابن سيرين «1» إلى أنّ المدار على تحقق وصف المرض، فأيّ مرض وأيّ سفر بالغين ما بلغا يترخّص بهما المسافر والمريض في الفطر في رمضان، وقد روي أنّ جماعة دخلوا على ابن سيرين فوجدوه يأكل، فاعتل بوجع إصبعه.

وذهب الأصم إلى أنّ المراد المريض والمسافر اللذان لا يقدران على الصوم مع المرض والسفر إلا بجهد ومشقة.

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة، وهذا هو الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رخّص للمريض هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلا حيث يظنّ العسر، وإن من الأمراض ما يكون شفاؤه بالصوم، فكيف يباح الفطر لمن كان مرضه كذلك، ولم يكلفنا الله سبحانه إلا على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سببا للمرض، أو يزيد في العلة، أما الإطلاق فيه أو التضييق فأمر يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين.

وكذلك اختلفوا في السفر المبيح للفطر.

فقال داود الظاهري: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان فرسخا، وحجته أن الحكم علّق في الآية بكونه مسافرا، وهو مؤذن بعلية ما اشتق منه، فحيث تحقّق السفر تحقق الحكم وهو الرخصة، وقال: كل ما في الباب أنكم تروون خبرا آحاديا، وتخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد غير جائز.

وقال الأوزاعي: «2» السفر المبيح للفطر مسافة يوم، وذلك لأن أقل من هذا قد يتفق للمقيم، وكأنه يعتبر في المسافر عدم التمكن من الرجوع إلى أهله في اليوم.

وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن السفر المبيح مقدّر بأربعة برد، كلّ بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ مقدّر بثلاثة أميال بميل هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال

(1) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، اشتهر بتعبير الرؤيا ينسب له كتاب تعبير الرؤيا، انظر الأعلام للزركلي (6/ 154) .

(2)

عبد الرحمن بن عمرو، إمام الشام ولد في بعلبك، سكن بيروت وتوفي بها، انظر الأعلام للزركلي (3/ 320) .

ص: 72

البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم، كل قدم ثلث خطوة، وهو مذهب مالك، وأحمد.

وقال أبو حنيفة: لا يتحقق سفر يبيح الترخيص حتى يكون قدر ثلاث مراحل، قدرها أربعة وعشرون فرسخا، وهي مقدرة في كتب الحنفية بمسير ثلاثة أيام سيرا وسطا، وهو سير الإبل والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، واحتج الشافعي بما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من ثلاث برد من مكة إلى عسفان «1» .

وقد قال أهل اللغة: إن كل بريد أربعة فراسخ، فتكون ستة عشر فرسخا، وهو الذي قلنا.

واحتج أبو حنيفة: بأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يوجب الصوم، ولكنا تركناه في الثلاثة الأيام للإجماع على الرخصة فيها. أما فيما دونها فمختلف فيه، فوجب الصوم احتياطا.

واحتجوا أيضا

بقوله عليه الصلاة والسلام: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» «2»

. ولا يكون كذلك حتى تكون مدة السفر ثلاثة أيام، لأن الشارع جعل علّة الامتداد إلى الثلاثة السفر، والرخص لا تعلم إلا من الشرع. وأما ما رويتم عن ابن عباس فلعله مذهبه واجتهاده، ولا نترك حديث رسول الله إلى مذهب أحد واجتهاده.

وأيضا ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبار الثلاثة الأيام سفرا، ومن ذلك

حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنه نهى أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» «3» .

نعم قد روي عن أبي سعيد «4» ، وأبي هريرة «5» أخبار في هذا المعنى، تفيد من منعها السفر يومين، ولكنّهما روي عنهما أيضا النهي عن سفرها ثلاثة أيام، ويوما.

فلما كان هذا الاضطراب وللاحتياط في إسقاط الفرائض عوّلنا على حديث ابن عمر، لأنه متفق عليه، وروايات غيره مضطربة فتركناها، فتبين أن الثلاثة قد تعلّق بها حكم شرعي، وغيرها لم يعلّق به، فوجب تقديرها في إباحة الفطر.

(1) قال عنه الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر العسقلاني ط 1، بيروت دار الكتب العلمية 1998 (2/ 117) .

(2)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين حديث رقم (95) .

(3)

رواه مسلم في الصحيح (2/ 975) ، 15- كتاب الحج، 74- باب سفر المرأة حديث رقم (413/ 1338) .

(4)

رواه مسلم في الصحيح (2/ 976) ، 15- كتاب الحج، 74- باب سفر المرأة حديث رقم (416/ 000) .

(5)

رواه مسلم في الصحيح (2/ 977) ، 15- كتاب الحج، 74- باب سفر المرأة حديث رقم (419/ 1339) .

ص: 73

ثم إنّ العلماء قد اختلفوا في المسافر والمريض: ماذا يلزمهما في رمضان؟

ذهب جماعة من علماء الصحابة رضوان الله عليهم: إلى أن الواجب عليهما الفطر وصيام عدة من أيام أخر، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، حتى روي عنه:

أن المسافر إذا صام في السفر قضى في الحضر.

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، وحجّة الأولين ظاهر

قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» «1»

،

وقوله عليه الصلاة والسلام: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر» .

وأما الجمهور فقد قالوا: إن في الآية إضمارا تقديره: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر، فعليه عدّة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ.. [البقرة: 60] وقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ إلى قوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196] التقدير في الأوّل (فضرب) فانفجرت، والثاني (فحلق) ففدية.

وأيضا

فقد روى أبو داود في «سننه» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أفأصوم في السفر؟ فقال عليه الصلاة والسلام:«صم إن شئت، وأفطر إن شئت» «2» .

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المستفيض «3»

أنه صام في السفر رواه ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، وسلمة بن المحنّف.

وأما ما

روي من قوله: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر»

فإنّه كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما

رواه شعبة من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يظلّل عليه والزّحام عليه شديد، فقال:«ليس من البر الصيام في السفر» «4»

. فمن سمع وذكر الحديث ذكره مع سببه، وبعضهم اقتصر على ذكر الحديث.

(1) سيأتي تخريجه.

(2)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 291) ، 30- كتاب الصوم، 33- باب الصوم في السفر حديث رقم (1943) ، ومسلم في الصحيح (2/ 790) ، 13- كتاب الصيام، 17- باب التخيير في الصوم حديث رقم (107/ 1121) وأبو داود في السنن كتاب الصوم، باب الصوم حديث رقم (2402) .

(3)

انظر ما رواه مسلم في الصحيح (2/ 784- 787) ، 13- كتاب الصيام، 15- باب جواز الصوم والفطر حديث رقم (88/ 1113) و (90/ 1114) و (93/ 1116) و (98/ 1118) .

(4)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 292) ، 30- كتاب الصوم، 36- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (1946) ، ومسلم في الصحيح (2/ 786) ، 13- كتاب الصيام، 15- باب جواز الصوم والفطر حديث رقم (92/ 1115) .

ص: 74

وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم:«إنّكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» «1»

فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتني أصوم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وبعد ذلك، وأما

حديث: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر»

فحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من الناس.

والحنفية بعد ذلك يرون الصوم أفضل من الفطر. ويقول المالكية كذلك لمن قوي عليه.

فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ: أي من كان منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه صيام أيام أخر بعد ما أفطر، وهذا تأويل الجمهور، فكان المريض والمسافر عندهم واجبه الأصليّ الصوم، ويرخّص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أياما مكان الأيام التي أفطر فيها.

وأما غير الجمهور فتأويل الآية عندهم: فمن كان مريضا أو مسافرا فليفطر، والواجب عليه ابتداء صوم أيام أخر، وصيامه في رمضان لا يعتدّ به.

وأنت بعد الذي بينا من أدلة الطرفين إذا رجعت إلى النظم الكريم وجدت أنّ النظم قد شمل الخطاب فيه جميع المؤمنين كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ثم لمّا كان بعض الناس قد يكون له من العذر ما يقتضي التخفيف بيّن الله حال المعذورين بقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وقال: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ على ما يأتي بيانه بعد، ثم قال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ.

فهل تجد بعد هذا مسوّغا لأن تفهم من الآية أنّ الفطر واجب على من لا يضره الصوم من أصحاب الرّخص؟ ثم انظر إلى قوله تعالى في الآية التي بعد هذه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] فإنّك لا بدّ فاهم منها أن الواجب الأصليّ على الناس جميعا في رمضان هو الصوم، وأن التأخر عنه ترخيص.

فهل إذا التزم العبد أن يقوم بما هو أشق عليه ولا يضرّه تحصيلا للثواب الكثير فنقول له: إن هذا لا يجزيك؟ ما نظن.

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ظاهر العبارة يفيد أنّ القادر على الصوم له أن يترك الصوم إلى الفدية ولا يلزمه القضاء. وقد تقدّم القول بأنّ بعض العلماء يرى أن هذه الآية من أولها منسوخة لهذا ولغيره، وبعضهم يرى أنه لا نسخ إلا في هذا الجزء، ويرى أن صوم رمضان كان قد شرع ابتداء على التخيير، ثم نسخ بقوله:

(1) رواه مسلم في الصحيح (2/ 789، 13- كتاب الصيام، 16- باب أجر المفطر في السفر حديث رقم (102/ 1120/ 1. [.....]

ص: 75

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وهذا كله على قراءة يُطِيقُونَهُ مضارع من الإطاقة. وسنعود إليها بعد الكلام على القراءات الأخرى. فقد قرئ يُطِيقُونَهُ بتشديد الياء بعد الطاء.

وقرئ يطوقونه بالواو بدل الياء، ومعناه: يجشّمونه، أي: يتحمّلونه بمشقة، وقالوا: المراد بهم الشيخ والشيخة الفانيان يفطران ويفديان ولا يقضيان.

والآية على هاتين القراءتين لا نسخ فيها أصلا فالناس ثلاثة أحوال:

1-

الأصحاء المقيمون، ويلزمهم الصوم عينا في رمضان.

2-

والمرضى والمسافرون، ولهم الفطر إن أرادوا، وعليهم إن أفطروا أيام أخر.

3-

وقوم لا يقدرون على الصوم، وفيه ضرر، فهؤلاء يفدون.

ولنرجع إلى القراءة الأولى يُطِيقُونَهُ: لما كان الظاهر منها ما ذكرنا. قال بعض المفسرين: إن الآية على إضمار حرف النفي، وتقديره- والله أعلم- وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وتكون الآية حينئذ في معنى القراءتين الأخريين.

ويرى بعضهم أن هذا في شأن المرضى والمسافرين فهم قسمان:

القسم الأول لا يقدر على الصيام، وهذا يجب عليه الفطر والقضاء في أيام يقدر على الصوم فيها.

والقسم الثاني يقدر على الصوم، فهؤلاء يرخّص لهم في الفطر لمكان السفر والمرض، وعليهم الفدية.

وقال بعضهم: إنّها نزلت في حق الشيخ الفاني، وتقريره من وجهين:

أحدهما: أن الوسع فوق الطاقة، فالوسع اسم للقدرة على الشيء مع السهولة، يقال: في وسع فلان أن يفعل كذا وفلان يسعه أن يفعل كذا إذا كان يقدر عليه مع السهولة. أمّا الطاقة فهي اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة، يقال: فلان يطيق كذا، أي أنه آخر ما في طوقه وقدرته، فمعنى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ الذين يقدرون عليه مع الشدة والمشقة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية، وحكمها باق، قاله الفخر الرازي.

الوجه الثاني: حمل هذه القراءة على القراءة الشاذّة، وهو قريب من الأوّل، وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا، فقال جماعة منهم السدي: إنّها في الشيخ الهرم، أي الذي لا يرجى أن يأتي عليه في عمره أيام يقدر فيها على الصوم ويطعم لكل يوم مسكينا.

وقال آخرون: إنّها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع، سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، فقال: أيّ مرض أشدّ من الحمل؟ تفطر وتقضي.

ثم إنهم أجمعوا على أنّ الواجب على الشيخ الهرم الفدية، أما الحامل والمرضع

ص: 76

فقال الشافعي رضي الله عنه: عليهما الفدية مع القضاء. وقال أبو حنيفة: ليس عليهما إلا القضاء.

وحجة الشافعية أنهما داخلان في منطوق الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ لأنهما لا يطيقان فتجب عليهما الفدية.

وأبو حنيفة جعلهما في حكم المريض، انظر إلى قول الحسن البصري: أي مرض أشدّ من الحمل؟ يفطران ويقضيان، ثم قال أبو حنيفة: فرق بينهما وبين الشيخ الفاني، لأنه لا يمكن إيجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته وزمانته، فلن يأتي عليه يوم يكون أقدر على الصوم من أيام رمضان التي أفطر فيها.

أما الحامل والمرضع فهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة الزوال، فإن زال عذرهما فعليهما عدة من أيام أخر، وإن لم يزل كانا كالمريض الذي لم تزل علته، على أنهما لا يمكن إيجاب الفدية عليهما مع إيجاب القضاء، لأنّه يكون جمعا بين البدل والمبدل، وهو غير جائز، لأن الفدية بدل الصوم.

طَعامُ مِسْكِينٍ هو نصف صاع من برّ «1» ، أو صاع «2» من غيره عند أبي حنيفة، وليس عليه عنده غير ذلك، قال الثوري «3» : يطعم، ولم يذكر مقدارا.

وروى المزني «4» عن إمامه الشافعي أن الفدية مدّ، وقال ربيعة «5» ومالك: لا أرى عليه الإطعام، وإن فعل فحسن.

فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ اختلف في تأويله، قال بعضهم: معناه من تطوّع بالزيادة على مسكين واحد فهو خير له، وقال بعضهم: من تطوّع بالزيادة في مقدار الفدية على المسكين الذي أعطاه وقال الزهري «6» : من تطوّع بالصيام مع الفدية فهو خير له.

وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 184] قيل: إنّه خطاب مع الذين

(1) البر: القمح.

(2)

الصاع: أربعة أمداد.

(3)

سفيان بن سعيد بن مسروق من مضر، أمير المؤمنين في الحديث، انظر الأعلام للزركلي (3/ 104) .

(4)

إسماعيل بن يحيى تلميذ الشافعي، وأحد المصنفين في مذهبه من أهل مصر، انظر الأعلام للزركلي (1/ 329) .

(5)

ربيعة بن فروخ المعروف بربيعة الرأي، فقيه من المدينة كان بصيرا بالرأي، انظر الأعلام للزركلي (3/ 17) .

(6)

محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري أول من دوّن الحديث تابعي من أهل المدينة، انظر الأعلام للزركلي (7/ 97) .

ص: 77

يطيقونه ولا يصومونه، أي يتحملونه بمشقة، فهو خير لهم من الفدية. وقيل: إنه خطاب مع ذوي الأعذار من المرضى والمسافرين والشيوخ الفانين. قال الفخر الرازي: هو أولى لعموم اللفظ.

وقيل: آخر الآية معطوف على أوّلها، ويكون المعنى: كتب عليكم الصيام..

وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ما في الصيام من الحكم الإلهية، التي شرع من أجلها الصيام، وهي تعويد النفس الصبر والجوع، وعدم اتباع الهوى والشهوة والبرّ بالضعفاء ومواساة المحتاجين.

قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) الشهر: مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا، إذا ظهر، وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره، وذلك أن الناس بسبب حاجتهم إلى التوقيت في العبادات والمعاملات يحتاجون إلى معرفته. وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه. بل قال بعضهم: إنما سمّي الشهر شهرا باسم الهلال.

رَمَضانَ هو المدة من الزمان بين شعبان وشوال، وقد قيل في سبب تسميته بذلك أقوال كثيرة، منها أنه مأخوذ من الرمض، وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس. وكانوا: يصومون فيه. فكان يكون قاسيا عليهم كقسوة أشعة الشمس المنعكسة عن الحجر الأبيض، وأقرب الأقوال ما قيل: إنهم لما نقلوا الأسماء عن اللغات القديمة سمّوها بحسب ما يقع لها من المناسبات التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر رمض الحر.

شَهْرُ رَمَضانَ خبر لمبتدأ محذوف بدل عن الأيام المعدودة في قوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقيل: بل هو مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: شهر رمضان المكتوب عليكم صومه. وقيل غير هذا.

الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: بيان لمزية اختصاصه بالصوم فيه من بين الشهور، ومعنى أنزل القرآن فيه، وقد أنزل القرآن في غيره أيضا: أنه ابتدأ إنزاله في رمضان، والحوادث الجسام تؤرّخ وتنسب إلى أوّل أوقاتها.

وقيل: إنه نزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة في رمضان لحكمة يعلمها الله، ثم

ص: 78

نزّل بعد ذلك منجّما. ولا منافاة بين إنزاله في رمضان، وإنزاله في ليلة القدر والليلة المباركة. لأنّ ليلة القدر والليلة المباركة كانتا في رمضان، وقيل: معنى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنزل في شأنه القرآن.

والْقُرْآنُ اسم لكلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من القراءة: بل قد جاء بمعناها، كما في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: 78] .

وقيل: من القران، لأنّ آياته قد قرن بعضها ببعض. وقيل من القرء بمعنى الجمع. وقيل غير ذلك.

هُدىً لِلنَّاسِ: هاديا لهم بما اشتمل عليه من الحكم والمواعظ التي هي شفاء ورحمة، وهو منصوب على الحال، أي: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هاديا للناس إلى طريق الخير، ومبينا وكاشفا عن وجه الحق، بما اشتمل عليه من الآيات الواضحات، وفارقا بين الحق والباطل وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ.

قد يقال: ما الحكمة في إيراد وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ بعد قوله: هُدىً لِلنَّاسِ؟

وجوابه: أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى للناس، ثم هذا الهدى نوعان: تارة يكون الهدى بينا واضحا تنساق إليه العقول انسياقا. وتارة لا يدركه إلا خواصّ الناس. ولا شك أن الأول أكثر فائدة، فكان ذكره بعد الأول للميزة الخاصة بعد الميزة العامة.

وهو على هذا في منتهى البلاغة.

وقيل في الجواب: إن المراد بالهدى الأول أصول الدين. والثاني فروعه.

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال بعضهم: إن الفاء هنا زائدة، لأنها إما للعطف وإما للجزاء وهما لا يصلحان هنا، فكانت زائدة كزيادتها في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: 8] وقال الفخر الرازي: ويمكن أن يقال: إن الفاء هنا ليست زائدة، بل هي للجزاء، فإنه تعالى لما بيّن كون رمضان مختصّا بالشرف العظيم، وهو إنزال القرآن فيه، وهو شرف لا يشاركه فيه سائر الشهور، فهو لذلك يناسبه أن يختص بهذه العبادة، ولذلك تقدّم وصفه بخاصة إنزال القرآن فيه، كأنه قيل:

وإذا كان رمضان مختصا بهذه الفضيلة فخصّوه أنتم بهذه العبادة.

شَهِدَ: حضر، والشهود الحضور. ثم هنا قولان:

أحدهما: أنّ مفعول شهد محذوف، لأن المعنى: فمن شهد البلد في الشهر بمعنى أنه لم يكن مسافرا. ويكون الشهر منصوبا على الظرفية.

ص: 79

والقول الثاني: أن مفعول شهد هو الشهر، والتقدير: فمن شهد الشهر وشاهده بعقله وبمعرفته فليصمه، وهو كما يقال شهدت عصر فلان وأدركته، وهو تفسير لا غبار عليه بعد أن تعرف أن خطابات الله جميعا تتوجّه إلى المكلفين، فلا عبرة بما قيل: إنه كالأول فيه مخالفة للظاهر لاحتياجه للتخصيص، إذ يقال: للصبي المجنون إنه أدرك الشهر، نعم هم مدركون، ولكنّهم لا يدخلون تحت قوله: مِنْكُمُ إذ إنّ كون كل خطابات الشارع متوجهة إلى من يأتي تكليفهم قد فرغ منه، فمثله مثل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: 43، 83، 110] على أنه على فرض دخول هؤلاء، فالآية تكون مخصوصة على هذا الوجه. وعلى الوجه الأول فيها تقدير محذوف.

وقد تقرر في الأصول أنه إذا تعارض التخصيص والإضمار، تعيّن المصير إلى التخصيص، وبدهي أن القول الأول يلزمه أن الآية لا توجب الصوم إلا على المقيم، فلا يكون صوم المسافر مسقطا للواجب، بل يكون الواجب في حقه الفطر، وهذا كلام قد نسب إلى الإمام علي- كرم الله وجهه- القول به. والجمهور يرون الآية عامة في المكلفين، وهي تشمل المسافر والمقيم، غير أن المسافر يترخّص بالفطر كالمريض، وعليهما عدة من أيام أخر.

هذا وظاهر الآية يفيد أن الصيام إنما يجب بشهود جميع الشهر، وذلك غير متأتّ، إذ إنّ شهود جميع الشهر لا يتأتّى إلا بعد انقضائه، وبعد انقضائه لا يتأتى لأحد أن يصوم ما مضى، فمن هنا قالوا: إنه يتعين أن يكون المعنى فمن شهد بعض الشهر فليصمه، غير أنهم اختلفوا، فقال بعضهم: المراد بالبعض أوّل الشهر. وهو منسوب للإمام علي، وعلى ما تقدم على مذهبه يلزم أن يكون الحكم في حق من كان مسافرا أوّل الشهر أنه لا يجب عليه صيام الشهر، بل يجب عليه الفطر.

ويرى الجمهور أن أيّ بعض يكفي في وجوب الصوم، غير أنهم اختلفوا، فالحنفية يرون أن صوم جميع الشهر يجب بشهود أيّ جزء منه، ويرى الشافعية أن شهود أي جزء موجب لصوم ذلك الجزء على الراجح من مذهبهم.

بعد هذا نقول: إنّ الأئمة رضوان الله عليهم قد اختلفوا فيمن جنّ في رمضان، ولا بد أن نعرض لهذا الخلاف فنقول: اتفقوا على أنّ من جنّ كلّ رمضان لا يجب عليه الصوم في الحال، لعدم إمكان توجّه الخطاب إليه حالا، واختلفوا فيه إذا أفاق بعد رمضان، قال المالكية وجماعة: إنه يقضي ما مضى ولو جنّ سنين. وقال غيرهم:

إنه لا قضاء عليه لما مضى، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم.

ص: 80

وأما من كان مجنونا في رمضان، وأفاق بعضا منه، فالشافعية على أصحّ الأقوال عندهم أنه يصوم ما شهد فقط، ولا قضاء عليه لغيره، ومن أفاق في أثناء النهار اختلف في تكليفه بالقضاء عندهم.

وترى الحنفية أن شهود أي جزء من الشهر موجب صيامه كلّه.

وقد قالوا: إنّ الآية تشهد لهم، لأنّك قد علمت أنّ إجراءها على ظاهرها محال، فلا بدّ من تقديره البعض، فيكون المعنى عندهم فمن شهد بعض الشهر فليصمه جميعه.

فإن قيل لهم: لماذا قدّرتم البعض في الأول، ولم تقدروه في الثاني؟

قالوا: إنا لجأنا للإضمار للضرورة، والضرورة تقدّر بقدرها، وقد اندفعت بإضمار في الأول، مع بقاء الثاني على حاله.

ولكن لقائل أن يقول لهم: إن الضمير في قوله تعالى: فَلْيَصُمْهُ راجع إلى ما قبله، فإن كان ما قبله مراد منه الجميع، كان هو مرادا منه الجميع، وإن كان البعض كان مرادا منه البعض، أما إن أريد بالمرجع شيئا وبالضمير غيره فهو غير ظاهر.

وقد أورد على الحنفية ما يأتي: معقول أنه إذا أفاق أثناء الشهر أن نوجب عليه ما بقي في الشهر بعد ذلك، لكن غير معقول أن نوجب عليه صوم ما مضى، لأنّ شهود الجزء لا يتأتّى أن يكون سببا لصوم ما قبله، وإلا كنا قد كلفناه الصوم قبل وقته.

وقد أجابوا عن هذا بأنّا نوجب عليه قضاء الأيام الماضية لا صومها هي، وجائز إلزامه القضاء مع امتناع خطابه وقت الأداء، كالمغمى عليه والناسي والنائم.

وقد اختلف العلماء أيضا في الصبي يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك بن أنس في «الموطأ» وعبد الله بن حسن «1» ، والليث «2» ، والشافعي: إنهما يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى ولا اليوم الذي حصل فيه البلوغ والإسلام.

وقال ابن وهب «3» عن مالك: أحبّ إليّ أن يقضياه.

وقال الأوزاعي في الغلام يبلغ في النصف من رمضان: إنه يقضي ما مضى، فإنه كان يطيق الصوم.

(1) أبو محمد المدني الهاشمي تابعي، من أهل المدينة، انظر الأعلام للزركلي (4/ 78) .

(2)

الليث بن سعد أبو الحارث، فقيه مصر توفي (175 هـ) أصله من خراسان، انظر الأعلام للزركلي (5/ 248) .

(3)

عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري القرشي توفي (196 هـ) في مصر انظر، الأعلام للزركلي (4/ 144) .

ص: 81

وقد علمت أن شرط التكليف بالصوم البلوغ والعقل والإسلام، والصبي والكافر لم يكونا مكلفين قبل البلوغ والإسلام. فلا معنى لإلزامهما به على أن الكافر إذا أسلم فهو معفى من التكاليف الماضية، قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] .

ولعلك تقول: كيف يكون شهود الشهر؟ فنقول: إن شهوده يكون برؤية هلاله، أو بالعلم أنه قد رئي، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم عند الحنفية.

واعتمد بعضهم الحساب، وقد روي في ذلك أحاديث كثيرة، بعضها يؤيد هذا، وبعضها يؤيد هذا:

فقد روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهر تسع وعشرون، ولا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» «1»

وكان ابن عمر إذا كان تسعا وعشرين نظر إليه، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب أصبح مفطرا، وإن لم ير وحال دون رؤيته سحاب أو قترة أصبح صائما، قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب. فأنت ترى أنه قد اعتمد الرؤية، ولم يعتمد تقديره. وهذا هو الموافق لظاهر قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189] .

وقد اختلفوا في معنى

قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن غمّ عليكم فاقدروا»

فقال بعضهم: اعتبار منازل القمر فإن كان في موقع القمر- ولو لم يحل دونه سحاب وقتر لرئي- ولم ير، يحكم له بحكم الرؤية.

وقال آخرون: فاقدروا له «فعدوا شعبان ثلاثين يوما» وقد جاءت أحاديث بالصيغة الأخيرة «2» . ولو أوردناها لطال بنا القول، وموضعها علم الفقه، وكما يرجع إليه في هذا يرجع إليه في اعتبار اختلاف المطالع وعدمه في إلزام جميع المسلمين الصوم.

وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

قد تقدم شرح هذه الآية، غير أنهم قالوا: إن في الآية ما يدل على أنّ قضاء رمضان لا يجب فيه التتابع، وذلك لأن (عدة) جاء منكّرا غير معيّن، وذلك يقتضي جوازه مفرّقا، وأيضا فقد قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والتيسير لا يكون بإلزامه أن يصوم كله دفعة. أيضا قال تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فدل

(1) رواه مسلم في الصحيح (2/ 759) ، 13- كتاب الصيام، 2- باب وجوب صوم رمضان حديث رقم (3/ 1080) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 280) ، 11- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال حديث رقم (1907) .

ص: 82

على أن المراد في القضاء هو صوم العدة، ولو غير متتابعة، ولو كان التتابع مشروطا لبينه كما بينه في الكفارة.

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

بيّن الله تعالى فيما تقدم أنّ شرع الصيام لنا هو شرعة في الأمم، وأنا لم نكن بدعا فيه، وهو مع ذلك في زمن قليل أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ هي شهر رمضان، ومع ذلك فقد رخّص فيه لأولي الأعذار ومن لا يقدرون على صومه إلى عدة من أيام أخر، وإلى الفدية.

وفي هذه الآية يبيّن الله تعالى أنه فعل ذلك تيسيرا وتسهيلا علينا في التكاليف، فهو لم يكلفنا ما فيه إعنات لنا ومشقة علينا، فهل يجب في مقابلة ذلك إلا الشكر؟

وأصل اليسر في اللغة السهولة. معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة اليسار، لأنه يسهل به صعب من الأمور. والعسر ما يقابله.

وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: علّة لمحذوف، وللعلماء في هذا المحذوف وجهان:

الأول: ما ذهب إليه الفرّاء «1» من أن التقدير: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فعل جملة ما ذكر، وهو الأمر بصوم العدة، وتعليم كيفية القضاء، والرخصة بإباحة الفطر. وذلك أن الله لما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقبها ثلاثة ألفاظ، فقوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ علّة للأمر بمراعاة العدة، وقوله: وَلِتُكَبِّرُوا علّة تعليم كيفية القضاء، وقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علة الترخيص والتسهيل. والحذف في هذا نظير الحذف في قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)[الأنعام: 75] أي أريناه ليكون. وأنت ترى أن الفرّاء على هذا يقدّر المحذوف متأخرا، ويجعل العلل مرتبة على سبيل اللف.

والوجه الثاني: ما ذهب إليه الزجاج من أن التقدير: أن الذي تقدم ذكره من تكليف المقيم الصحيح، والرخصة للمريض، والمسافر، إنما هو لإكمال العدة، لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء، فلا يكون عسرا، فبيّن الله تعالى أنه كلّف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيرا، بل يكون سهلا يسيرا.

وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قيل: إن المراد منه التكبير ليلة الفطر. قال ابن عباس: حقّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا.

وروي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يكبّر يوم الفطر إذا خرج إلى

(1) يحيى بن زياد، عالم الكوفة بالنحو واللغة والأدب توفي (207 هـ) ، انظر الوفيات (6/ 176) .

ص: 83

المصلّى، وإذا قضى الصلاة قطع التكبير» «1»

وقد روي ذلك عن كثير من الصحابة.

وقد اختلف فقهاء الأمصار في التكبير يوم الفطر في الطريق إلى المصلّى، فروى المعلى «2» عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: يكبّر الذي يذهب إلى العيد يوم الأضحى.

ويجهر بالتكبير. ولا يكبّر يوم الفطر، وقال أبو يوسف يكبّر يومي عيد الأضحى والفطر.

وليس فيه شيء مؤقت لقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ.

وقال الحسن بن زياد «3» عن أبي حنيفة: إن التكبير في العيدين ليس بواجب في الطريق، ولا في المصلّى، وإنما التكبير الواجب في صلاة العيد.

وذكر الطحاوي «4» أن ابن أبي عمران «5» كان يحكي عن أصحاب أبي حنيفة جميعا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن يكبّروا في الطريق إلى المصلّى، حتى يأتوه، ولم نكن نعرف ما حكاه المعلى عنهم.

وقال مالك والأوزاعي: يكبّر في خروجه إلى المصلّى في العيدين جميعا.

وقال الشافعي: أحبّ إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر.

وتكبير الله هو تعظيمه. والصيغة المأثورة فيه معروفة.

وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على ما شرعت من الأحكام. وسهّلت لكم في أدائها.

قال الله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) قد ذكروا في سبب هذه الآية وجوها:

منها أنّ أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أو بعيد فنناديه؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ومنها ما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان في غزوة، وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء، فقال عليه الصلاة والسلام:«إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا» «6» .

(1) قال الحافظ: مرسل، انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر (2/ 190) .

(2)

معلى بن منصور الرازي، أبي منصب القضاء أيام المأمون، توفي (211 هـ) انظر الأعلام للزركلي (7/ 271) . [.....]

(3)

اللؤلؤي قاض وفقيه، من أصحاب أبي حنيفة توفي (204 هـ) انظر الأعلام للزركلي (2/ 191) .

(4)

أحمد بن محمد بن سلام الأزدي، فقيه حنفي، مصري توفي (321 هـ) توفي في القاهرة، انظر الأعلام للزركلي (1/ 206) .

(5)

أحمد بن أبي عمران بن سلامة أبو عبد الله، أصله من الشام، انظر الأعلام للزركلي (1/ 189) .

(6)

رواه البخاري في الصحيح (4/ 19) ، 56- كتاب الجهاد، 31- باب ما يكره رفع الصوت حديث

ص: 84

ومنها ما روي عن قتادة أن الصحابة قالوا: كيف ندعو ربنا يا نبي الله؟ فأنزل الله هذه الآية «1» .

ومنها ما روي أنه لما نزلت آية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فهموا منها تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا وندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم: هل يقبل الله تعالى توبتنا؟ فنزلت.

وليس المراد بالقريب هنا قرب المكان. بل المراد القرب بالعلم، وما تقتضيه إجابة الدعاء.

هذا وقد قال بعضهم: إنّ الدعاء لا فائدة فيه، وذلك أن الأمر الذي يصدر بشأنه الدعاء. إمّا أن يكون في علم الله واقعا أولا. فإن كان الأول فهو لا بد واقع، وإن كان الثاني فهو غير واقع لا محالة!! والجمهور من العقلاء على أن الدعاء أهم مقامات العبودية، والأدلة النقلية على ذلك كثيرة.

منها هذه الآية التي معنا. ومنها قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ولولا أنّ الدعاء فضله عظيم ما طلبه الله منا، بل إنّ الله تعالى بيّن في آية أخرى أنه إذا لم يسأل غضب، فقال: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43)[الأنعام: 43] .

ومنها ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الدعاء مخّ العبادة» «2» .

وعن النعمان بن بشير أنه عليه الصلاة والسلام قال: «الدعاء هو العبادة» «3» وقرأ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] .

وأما ما قالوا: من أنه إن كان الأمر معلوم الوقوع فهو واقع إلخ: فنقول، إنما يكون ذلك لو علمت كيفية قضائه. أما وهما مغيّبان عنا، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد بين الرجاء والخوف. ولولا ذلك لما كان له فائدة، بل لما صحّ.

رقم (2992) ، ومسلم في الصحيح (4/ 2076) ، 48- كتاب الذكر، 13- باب استحباب خفض الصوت حديث رقم (44/ 2704) .

(1)

رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (2/ 93) ،

(2)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 425) ، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء حديث رقم (3371) .

(3)

رواه أبو داود في السنن (1/ 549) في كتاب الصلاة، باب الدعاء حديث رقم (1479) ، والترمذي في الجامع الصحيح (5/ 426) ، كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء حديث رقم (3372) .

ص: 85

ثم إنّ الدعاء يقتضي أن يكون الداعي عارفا بربه تمام المعرفة، وأنه القادر على كل شيء، والقاهر فوق عباده. وهل العبادة إلا المعرفة؟

فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي معناه فليطلبوا إجابتي لهم بأن يجيبوا ما دعوتهم إليه من العبادة أجبهم إلى ما يطلبون، والاستجابة هنا: عبارة عن الاستسلام والانقياد.

والإيمان: الإذعان القلبي، ولما كان العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوّته إلا بتقديم الطاعة؟ قدّم الله الأمر بالاستجابة اهتماما بشأنها.

لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ يهتدون في أمر دينهم ودنياهم. ومعنى الآية: أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا فقد اهتدوا، لأن الرشيد من كان كذلك.

قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) الرَّفَثُ أصله قول الفحش: أنشد الزجاج:

وربّ أسراب حجيج كظّم

عن اللّغا ورفث التّكلّم

ويقال: رفث في كلامه، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح. قال الله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197] . ثم نقل منه إلى ما كان منه بحضرة النساء مما ينم عن معنى الإفضاء، ثم جعل كناية عن معنى الجماع، وما يتعلق به.

هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ: شبه كلّا من الزوجين باللباس. لأنّ كلا منهما يستر الآخر، فكان منه بمثابة اللباس.

تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ يقال خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خان، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى شرّ. وخان الرجل الرجل إذا غدر به، أو لم يؤد إليه أمانته، وخائن العهد ناقضه، كما في قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً.. [الأنفال: 58] قال صاحب «الكشاف» : والاختيان اسم من الخيانة، كالاكتساب اسم بمعنى الكسب، وفيه زيادة وشدة.

ذهب جمهور المفسرين إلى أنه في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كان الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات نهارا، لا يقرب شيئا منها بعد النوم ولا بعد صلاة العشاء

ص: 86

الآخرة فإذا فعل شيئا منها بعد النوم أو بعد صلاة العشاء فقد ارتكب محرّما. ونسخ الله هذا الحكم بهذه الآية.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: ما كانت هذه الحرمة في شرعنا، بل كانت في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان في شرع النصارى.

وقد استدل الجمهور لمذهبهم بوجوه:

منها: التمسك بالتشبيه في قوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.

ومنها قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ فإنه يقتضي سابق الحرمة.

ومنها قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ وقوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ فإنّ الأكل بعد النوم، وكذا الوقاع، لو لم يكن محرّما ما كان هناك معنى لتخوينهم أنفسهم، ولا لتوبة الله عليهم، ولا لعفوه، ثم إن قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يقتضي أنّ المباشرة كانت محظورة، وأبيحت بقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ.

وقد ردّ أبو مسلم هذه الحجج بما نجمله فيما يأتي:

سبق أنه قال: إن هذه الحرمة كانت في شرع النصارى، وقد فهم الصحابة بقاء الحكم، فكانوا يمتنعون من الأكل والوقاع بعد النوم وبعد الصلاة الأخيرة، فبيّن الله بهذه الآية أنه قد خفف عن هذه الأمة وعفا عنها، فلم يوجب عليها ما أوجبه على الأمم السابقة، وأذن لها في تناول ما كان محظورا في الأمم السابقة.

وأنت تعلم أن ذلك يتوقف إلى حد كبير على ثبوت أن يكون ذلك كان شريعة للنصارى، وهو ما لم يثبت بعد، ثم هو مع ذلك مخالف لظاهر قوله: تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ وإن كان هو يتأوّلها بتنقيص شهواتها، بدليل إضافتها إلى النفس، وهو يقول: لو كان ذلك محرّما لكان خيانة للشرع لا للنفس، ولكن، أليست مخالفة أحكام الشرع خيانة للنفس، لأنّها تستوجب بها العذاب في الدنيا والآخرة.

ثم إنّ ظاهر قوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ مهما تأوله بالتخفيف، فإنه ظاهر في أنه لا يقال: خففت عن فلان إلا ما كان ثقيلا عليه.

نعم إنّ له أن يقول: إنّ من شأن هذا التكليف أن يكون ثقيلا علينا لو شرع، فإسقاطه عنا تخفيف.

ولكن نقول: هو احتمال، ولكن المتبادر خلافه، ونحن نقول بظاهر الآية لا بنصها.

ثم إنّ الأسباب التي ذكرت في نزول الآية تعاضد الذي ذهب إليه الجمهور:

منها ما

روي أنّ رجلا- وفي اسمه خلاف- من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عشية، وقد أجهده الصوم، فسأله الرسول عن سبب ضعفه فقال: يا رسول الله-

ص: 87

عملت في النخل نهاري أجمع، حتى أمسيت، فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت، فنمت، فأيقظوني وقد حرّم الأكل، فقام عمر فقال: يا رسول الله أعتذر إليك من مثله، رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء الآخرة فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام:«لم تكن جديرا يا عمر» وقام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا. فنزل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ «1»

أي الإفضاء إليهن.

ولَيْلَةَ نصب على الظرفية.

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي علم الله أنكم كنتم تسرّون بالمعصية في الجماع بعد العتمة، والأكل بعد النوم، وترتكبون المحرم من ذلك، ومن فعل ذلك فقد خان نفسه، وخان الله ورسوله.

وأنت ترى أن فهم الآية على هذا الوجه يفيد أنّ الجماع والأكل قد وقعا ولو من بعضهم، ويؤيده ما رويناه في سبب النزول.

وقد روى عطاء عن ابن عباس أنه كان إذا صلّى العتمة ورقد حرم عليه الطعام والشراب، والجماع، وروى مثله الضحاك وابن أبي ليلى «2» .

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أمر بفعل ما كان محظورا وقد قالوا: إنّ الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة، والإباحة ظاهرة هنا، لأنه لا معنى لإيجاب المباشرة، المباشرة هنا المراد منها الجماع، وهي مشتقة من ملاصقة البشرة البشرة، ومنه ما

ورد من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن «يباشر الرجل الرجل، والمرأة المرأة» «3»

وهو من أجل ذلك حقّه أن يتناول المباشرة غير الفاحشة، لكن سياق الآية وما يأتي بعد هذا قرينة على أنّ المراد هنا الجماع أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ والمراد منه الجماع، فكان الكلام فيه، وسنتكلم عليه عند قوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ.

وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، قيل: هو الولد، وقيل: ليلة القدر، وقيل:

الرخصة. قال أبو بكر الرازي «4» : فلما كان الكلّ محتملا فالأولى أن ينتظم اللفظ الكلّ، ويكون الكل مرادا حيث لا مانع، ويكون اللفظ منتظما لطلب ليلة القدر في رمضان، ولفعل الرخصة، وللولد، فإذا فعل العبد واحدا منها أو الكل قاصدا الثواب كان مأجورا على ما يقصده من ذلك.

(1) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (2/ 91) .

(2)

انظر تفسير الطبري المسمى جامع البيان (2/ 95- 98) .

(3)

رواه أحمد في المسند (1/ 304) .

(4)

انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (1/ 228) .

ص: 88

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا: إطلاق من حظر، كما في قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ المراد منه: حتى يستبين النهار من الليل، وذلك يكون بظهور الفجر الصادق، وقد روي أنّ رجالا منهم أخذوا اللفظ على ظاهره، وحملوه على حقيقة الخيط الأبيض والخيط الأسود، وتبيّن أحدهما من الآخر. قال: كما

روي عن عدي بن حاتم، لما نزلت: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرته فلما أتبين، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، وقال:«إنّ وسادك لعريض، إنما هو اللّيل والنّهار» «1» .

وقال عثمان: إنما هو الليل وبياض النهار.

وقد استبعد الفخر الرازي هذه الرواية على رجل مثل عدي بن حاتم، فإنه يبعد على أي رجل أن يفهم من هذا اللفظ أنّ المراد الخيط الأسود حقيقة مع قوله: مِنَ الْفَجْرِ خصوصا، وقد كان هذا التعبير مألوفا عند العرب، وكان ذلك عندهم اسما لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام. قال أبو دؤاد الإيادي:

ولمّا أضاءت لنا ظلمة

ولاح من الصّبح خيط أنارا

ووجه تشبيه الليل والنهار بالخيطين أن الصبح أول ما يستبين، وتنجاب ظلمة الليل، يبدو الصبح رفيعا كالخيط. وبمقدار ما يظهر من خيط الصبح ينجاب خيط من الليل الأسود.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد تحديد مدة الصيام: من الفجر إلى غروب الشمس، كالذي

روي عن عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه قال: سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول: قال رسول الله: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق الذي هكذا، حتى يستطير» «2» .

وبهذا يتبين بطلان ما زعمه الأعمش من أن للصائم أن يأكل ويجامع بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، وهو غريب جدا. يزعم في توجيهه أنه لما كان الليل بغروب

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 183) ، 65- كتاب تفسير القرآن، 28- باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حديث رقم (4509) ومسلم في الصحيح (2/ 766) ، 13- كتاب الصيام 8- باب بيان أن الدخول في الصوم حديث رقم (33/ 1090) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (2/ 769) ، 13- كتاب الصيام، 8- باب بيان أن الدخول في الصوم حديث رقم (41/ 1094) وأبو داود في السنن (2/ 290) ، كتاب الصوم باب وقت السحور حديث رقم (2346) . [.....]

ص: 89

القرص يكون النهار بطلوع القرص، ويزعم أن المراد من الخيط الأبيض النهار، ومن الخيط الأسود الليل. ولا ندري ما الحكمة إذا من اختيار لفظ الخيط، وهل النهار عند طلوع الشمس يقال: إن بياضه كالخيط الأبيض! إن هذا لعجيب حقا؟

وأعجب منه زعم من زعم أنّ المراد من الخيط الأبيض طلوع الفجر حقيقة، ولكنه يرى أنه لا يحل الفطر إلا بعد وجود عتمة الليل وظلمته وظهور النجوم، لأنه فهم من قوله: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أن المراد الظلمة، وكأنّه لا يرى أن ما بين غروب الشمس ومجيء الظلمة من الليل.

والحمد لله، انقرضت هذه المذاهب، وانعقد الإجماع على عدم العمل بها، فإنّه على فرض أن الآية تحتمل ما زعموا، فقد جاء في بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله وعمل أصحابه ما فصل به الليل عن النهار، واستبان به وضح الصبح من ظلمة الليل.

هذا وقد اختلف أهل العلم في حكم الشاكّ في الفجر، فذكر أبو يوسف في «الإملاء» أن أبا حنيفة قال: إن يدع الرجل السحور إذا شك في الفجر أحب إليّ، فإن تسحر فصومه تام وهو قولهم جميعا في «الأصل» وقال: إذا أكل فلا قضاء عليه.

وحكى محمد بن سماعة «1» عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إن أكل وهو شاك قضى يوما مكانه، وقال أبو يوسف: ليس عليه في الشكّ قضاء.

وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إنّه إن كان في موضع يستبين به الفجر، ويرى مطلعه من حيث يطلع، وليس هناك علّة، فليأكل ما لم يستبن له الفجر، وهو قول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، وإن كان في موضع لا يرى فيه الفجر، أو كانت ليلة مقمرة، وهو شاك، فلا يأكل، وإن أكل فقد أساء، وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجر طالع قضى، وإلّا لم يقض: وهذا قول زفر وأبي يوسف. قال أبو بكر الرازي «2» : وبه نأخذ، وقال: ينبغي أن تكون رواية «الأصل» ورواية «الإملاء» في كراهيتهم الأكل مع الشك محمولتين على ما رواه الحسن بن زياد، لأنّه فسّر ما أجملوه، ولأنها موافقة لظاهر الكتاب.

وقد روي عن ابن عباس أنه بعث رجلين لينظرا له طلوع الفجر، فقال أحدهما:

طلع، وقال الآخر: لم يطلع، فقال: اختلفتما وأكل، وكذلك روي عن ابن عمر.

والأصل في ذلك أنّ الآية جعلت حلّ الأكل ملغيّا بالتبيّن، وهو حصول العلم الحقيقي، ومعلوم أنّ ذلك إنما يكون عند عدم وجود المانع من حصوله، وذلك إذا كان في مكان يستطيع معه التبيّن، أما إذا كان في ليلة مقمرة، أو غيم أو في موضع

(1) أحد تلاميذ أبي يوسف ومحمد، كتب النوادر عن محمد توفي (233 هـ) انظر الأعلام للزركلي (6/ 153) .

(2)

انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (1/ 230) .

ص: 90

لا يستطيع معه تحصيل العلم الحقيقي فهو مأمور بالاحتياط للصوم، فالواجب عليه الإمساك استبراء لدينه.

روى الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير- ولا أسمع أحدا بعده- يقول:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من النّاس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» «1» .

وقال: أكره أن يأكل وهو شاكّ، وإن أكل فعليه القضاء، وقال الشافعي: إن أكل شاكّا في الفجر فلا شيء عليه.

هذا والآية تدلّ على جواز الإصباح جنبا في الصوم، وأن الجنابة لا تنافي الصوم، لأنّها تفيد حلّ الأكل والشرب حتى الفجر، والجماع كذلك، فلو لزمه غسل من الجنابة قبل الفجر لما كان هناك حل إلى طلوع الفجر، وقد أمره الله بإتمامه صومه إلى الليل، فلو لم يكن الصوم صحيحا لما أمره بإتمامه، وقد أجمعوا على أن الغاية هنا لإسقاط ما بعدها، وهي كذلك في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وقد دخلت الغاية في حكم ما قبلها في بعض النصوص، كقوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء: 43] وفي قوله: إِلَى الْمَرافِقِ وقوله: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] والمعوّل عليه في إثبات دخولها أو خروجها الدليل والقرينة.

ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ مرتبط بما قبله في قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ والمعنى والله أعلم: افعلوا كل هذه الأشياء من المباشرة والأكل والشرب إلى الفجر، فإذا جاء الفجر فأمسكوا، وأتموا هذا الإمساك إلى الليل.

وقد أخذ الحنفية من هذه الآية لزوم ما شرع فيه من صوم التطوع، ووجه دلالتها عليه عندهم: أن لفظ الصيام عامّ يتناول كلّ صوم، فكل صوم شرع فيه لزمه إتمامه، لأنّ الله سبحانه أمر بإتمام الصوم إلى الليل، والأمر للوجوب، فإن لم يتمه لزمه قضاؤه.

وهكذا سبيل جميع النفل عندهم من الصّلاة والحجّ والصّيام يجب بالشّروع فيه، وعليه إعادته مطلقا، سواء كان معذورا أو غير معذور، وفصّل المالكية فقالوا: إن أبطله فعليه القضاء، وإن كان طرأ عليه ما يفسده فلا قضاء عليه.

(1) رواه البخاري في الصحيح (1/ 22) ، 2- كتاب الإيمان، 40- باب فضل من استبرأ لدينه حديث رقم (52) ومسلم في الصحيح (3/ 1219) ، 22- كتاب المساقاة، 20- باب أخذ الحلال حديث رقم (107/ 1599) .

ص: 91

وقال الشافعية والحنابلة: إن أفسد ما دخل فيه من تطوّع فلا قضاء عليه إلا في حجّ النفل عند الحنابلة، فيجب إتمامه.

وقد استدل الحنفية بغير هذه الآية، فقالوا: قال الله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد: 33] والنفل الذي شرع فيه عمل من الأعمال، فوجب عليه عدم إبطاله، فإذا بطل أو أبطله فقد ترك واجبا، ولا تبرأ ذمّته إلا بإعادته، وورد في السنة ما يؤيده، وهو ما

روى عبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام، فأفطرنا، فسألت حفصة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«اقضيا يوما مكانه» «1» .

واستدلّ الشافعية ومن معهم بقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91]

وبقوله عليه الصلاة السلام: «الصّائم المتطوّع أمير نفسه» «2»

، والمسألة خلافية كما ترى، والذي يهمّنا هو: هل في هذه الآية دلالة لأحد من المختلفين أو لا؟ يرى الحنفية أنّ لفظ الصيام يتناول كلّ صوم شرع فيه، وقد أمر بإتمامه، وبإبطاله فات الواجب، ولا يجبر إلا بالإعادة، وكون الآية وردت في صوم الفرض لا يغيّر من عموم اللفظ شيئا.

والذي يظهر أن الآية ليست بصدد بيان وجوب إتمام ما شرع فيه فرضا أو نفلا، بل بصدد تحديد الزمن الذي يحلّ فيه تناول المفطرات، والذي لا يحلّ، فقالت في الأول: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إلى قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وقالت في الثاني: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي أنه بعد الفجر لا يحلّ لكم أن تتناولوا شيئا مما أحلّ لكم تناوله ليلا. ولا تعرّض فيها لنفل شرع فيه ثم فسد، ولا لفرض شرع فيه ثم فسد، بل لذلك حكم آخر يستفاد من دليل مستقل.

وقد فهم الحنفية من هذه الآية أيضا أن تبييت النية غير لازم، ووجهه عندهم أن لفظ (ثم) يفيد التراخي، والإجماع قائم على وجوب الإمساك من الفجر، ووجوب الإمساك من الفجر مدلول عليه بذكر الغاية إلى الْفَجْرِ، فإنّ معناه أن ما كان حلالا قبله يحرم بمجيئه، وذلك بالإمساك من الفجر، فإذا أمسكنا فعلينا الإتمام، والإتمام إنما يكون بقصد، فكأنّ النية التي هي القصد لم تطلب إلا بعد تحقّق الصيام، فكان ذلك دليلا على أنّ النية تكون بعد الصيام، فلا يلزم تبييتها، وهو المطلوب.

(1) رواه أبو داود في السنن (2/ 328) في كتاب الصوم باب من رأى عليه القضاء حديث رقم (2457) .

(2)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (3/ 109) في الصوم، باب ما جاء في إفطار الصائم حديث رقم (732) .

ص: 92

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ الآية تدلّ على التبييت، وذلك أن معنى أَتِمُّوا الصِّيامَ صيّروه تاما من الفجر، وهو لا يكون تاما من الفجر إلا بالنية، وهذا هو الظاهر، لأنّ إتمام الشيء لا يكون إلا لشيء قد شرع فيه، وهو هنا الصوم، وقد علمت أن الصوم لا يكون صوما إلا بالنية، تمييزا للعادة من العبادة، إذ قد يمسك الإنسان عن الأكل حمية، ثم لا يكون صوما، لأنه لم ينو، فإن كان هناك دليل غير الآية فهو الذي يدل على عدم تبييت النية.

وقد عرض المفسرون هنا لأحكام الصائم إذا نسي وأكل ماذا يكون؟ أيلزمه الإتمام، أم له الإفطار إلخ، أو يلزمه القضاء، أم لا؟ وترى أن كل ذلك يجب أن يبحث عنه في غير هذه الآية.

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

الاعتكاف في اللغة: اللبث. قال تعالى: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الأنبياء: 52] وقال الشاعر:

فباتت بنات الليل حولي عكّفا

عكوف البواكي بينهنّ صريع

ثم زيد عليه في الشرع قيود: منها: العكوف في المسجد، ومنها: ترك الجماع، ومنها: نية التقرب إلى الله تعالى، فأما العكوف في المسجد فهو في حق الرجال فقط، وأما النساء فيعكفن في مصلّى البيت دفعا للفتنة، والمسجدية مستفادة من قوله تعالى:

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قاله أبو بكر الرازي «1» :

وقد وقع الاختلاف في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف: فقد روى إبراهيم النخعي «2» أن حذيفة قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

وروي عن علي رضي الله عنه: أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال جماعة منهم عبد الله بن مسعود، وعائشة، وإبراهيم، وسعيد بن جبير. وأبو جعفر «3» . وعروة بن الزبير: لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة.

فأنت ترى السلف قد أجمعوا على أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد على ما بينهم من الاختلاف في تعيين المسجد الذي يصحّ فيه الاعتكاف.

(1) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (1/ 245) .

(2)

إبراهيم بن يزيد بن قيس أبو عمران النخعي الفقيه الكوفي توفي (96 هـ) مختفيا من الحجاج، انظر الأعلام للزركلي (1/ 80) .

(3)

هو محمد الباقر رضي الله عنه.

ص: 93

ولم يختلف فقهاء الأمصار في جواز الاعتكاف في المساجد التي تقام فيها الصلوات، وظاهر الآية التي معنا عدم التفرقة بين المساجد، إذ قال: وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ففهم منها أن الاعتكاف يكون في المساجد، وتعيين أحدها يحتاج إلى الدليل، وكذا تخصيصه بمسجد الجماعة يحتاج إلى الدليل.

وغاية ما يدل عليه

قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد» «1»

أنه يدلّ على تفضيل هذه الثلاثة عما عداها، أو عدم شدّ الرحال إلا إليها، وهل الاعتكاف لا يكون إلا بشدّ الرحال؟ وقد تقدّم القول بأنّ العكوف في المسجد إنما هو في حق الرجال.

وقد اختلف الفقهاء في معتكف النساء فذهب الحنفية وجماعة إلى أنه يكون في مسجد بيتها كما تقدم، وقال الشافعي: المسافر، والعبد، والمرأة يعتكفون حيث شاؤوا. والمدار في إثبات هذا أو غيره على السنة.

وقد اختلف الفقهاء أيضا في المدة التي تلزم في الاعتكاف: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي: له أن يعتكف يوما أو ما يشاء. وقد اختلفت الرواية عن الحنفية فيمن دخل ونوى الاعتكاف. هل يكون معتكفا أولا؟

في رواية: يكون معتكفا، وله أن يخرج متى شاء بعد أن يكون صائما في مقدار لبثه، وفي الرواية الأخرى: عليه أن يتمّه يوما، هكذا نقله أبو بكر الرازي «2» .

والمعروف عندهم في المتون والكتب أن الاعتكاف ثلاثة أقسام:

مندوب، وهو: يتحقق بمجرد النية.

وسنة، وهو: في العشر الأواخر من رمضان.

وواجب: ولا بد فيه من الصوم وهو: المنذور.

وقال مالك في رواية عنه: «لا اعتكاف في أقل من عشرة أيام، وعنه يوم وليلة» ، قال أبو بكر الرازي: تقييد مدة الاعتكاف لا يصحّ إلا بتوقيف، أو اتفاق، وهما معدومان هنا، وقد اختلف السلف في أنه هل يلزم فيه الصوم أم لا؟

فروى عطاء عن ابن عباس وعائشة قالوا: المعتكف عليه الصوم. وقال سعيد بن المسيّب عن عائشة: من سنة المعتكف الصوم.

وعن عليّ قال: لا اعتكاف إلا بصوم.

وقال آخرون:

يصحّ بغير صوم، روي عن علي

، وعبد الله، وقتادة.

(1) سبق تخريجه.

(2)

انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (1/ 245) .

ص: 94

هذا وقد اتفق العلماء على أنّ المراد من المباشرة في قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ الجماع، وتدخل الدواعي في الإباحة من طريق الأولوية.

وكذا اتفقوا هنا على أن المعتكف ممنوع من الجماع ما دام معتكفا.

واختلفوا في أن الدواعي لها حكم الجماع بالنسبة للمعتكف، فتكون حراما عليه، وتفسد الاعتكاف، أو ليس لها هذا الحكم؟

قال الشافعية ومن معهم بالأول، وذهب الحنفية إلى الثاني.

وقال الشافعية: إنّ الآية تشهد لنا، وذلك أن المباشرة حقيقة في وضع البشرة على البشرة، فيعمّ كل ما يتحقق فيه هذا المعنى، ولا يخرج عنه شيء إلا بدليل، وقد قام الدليل في قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ من سبب النزول ومن قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ولم يقم الدليل هنا، فوجب أن يبقى اللفظ على عمومه، ومن هنا نقل ابن القاسم «1» عن مالك أنه إن قبّل امرأته فسد اعتكافه، وقال المزني عن الشافعي: إن باشر فسد اعتكافه.

وأما الحنفية فرأوا أن الآية الأولى قد أريد منها المباشرة بالجماع اتفاقا، والثانية ذكرت المباشرة أيضا، فيحتمل أن يكون المراد بها غير ما أريد بالأولى، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعمّ، فكان مجملا، وقد جاء عمل الصحابة مؤيدا لفهم معنى الجماع فحسب. نقل ذلك عن ابن عباس وغيره.

وقد روي عن الزهري، عن عروة، أن عائشة «كانت ترجّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف»

فكانت لا محالة تمسّ بدنه، فدلّ ذلك على أن المباشرة المجردة عن الشهوة لا تفسد الاعتكاف، ومن هنا أخذ الحنفية أنه إن باشر بغير جماع لا يفسد اعتكافه إلا إذا أنزل، وإن فعل بشهوة ولم ينزل فقد أساء «2» .

وهم يرون أيضا أنّ المباشرة الخالية عن الجماع لا تمنع من الصوم، فكذا لا تمنع الاعتكاف، هذا وقد ذكر المفسرون هنا أحكاما تتعلّق بالاعتكاف لا نرى لها تعلقا بالآية، فلم نشأ ذكرها.

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

حدّ الشيء: مقطعه ومنتهاه. وحدّ الدار: ما يمنع غيرها من الدخول فيها.

وحدود الله: محدوداته ومقدّراته التي قدّرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.

(1) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري، صحب الإمام مالك، وصنّف المدونة توفي (191 هـ) في مصر، انظر الأعلام للزركلي (3/ 323) .

(2)

انظر كتاب أحكام القرآن للجصاص (1/ 247) .

ص: 95

وقد استشكل قوله بعد ذلك: فَلا تَقْرَبُوها، لأن الأشياء التي ترجع إليها الإشارة في قوله: تِلْكَ بعضها مباح، وبعضها محظور، فكيف جمعها في قوله:

فَلا تَقْرَبُوها؟

قيل في الجواب: المراد: لا تتعرّضوا لها بالتغيير، وقيل في الجواب: إنّ من كان في طاعة الله وعمل بشرائعه فهو متصرّف في حيّز الحق، فنهي عن أن يتعدّاه، لأنّ من تعدّاه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك. فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق وحيز الضلال، لئلا يداني الباطل فيقع فيه، فطلب منه أن يكون بعيدا عن الطرف، فهو على حد قوله عليه الصلاة والسلام:«إنّ لكلّ ملك حمى، وإنّ حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» «1» .

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي مثل هذا البيان الشافي يبيّن الله آياته ويوضحها ليتقي الناس الوقوع في خلافها، أو ليتقوا الله فيعملوا على حسب البيان الذي جاءهم.

قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) .

الباطل: الزائل الذاهب، والمراد منه غير وجه الحق.

المعنى: لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير وجه مشروع.

وأكل المال بالباطل ينتظم وجهين:

أحدهما: أخذه على وجه الظلم والسرقة والغصب، وما جرى مجراه. والآخر:

أخذه من جهة محظورة كالقمار وأجر الغناء، وسائر الوجوه التي حرّمها الشارع.

وقد انتظمت الآية تحريم كلّ هذه الوجوه، وهي كلّها داخلة تحت قوله تعالى:

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.

وقد كرّر الله هذا النهي في مواضع من القرآن، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [النساء: 29]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] إلخ.

وليس المراد النهي عن خصوص الأكل، لأنّ غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا، ولكن لمّا كان المقصود الأعظم من المال هو الأكل ووقع التعارف فيمن ينفق ماله أنه أكله، فمن ثمّ عبّر الله عنه بالأكل.

(1) سبق تخريجه.

ص: 96

وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ، الإدلاء مأخوذ من أدلى الدلو إذا أرسلها في البئر للاستسقاء. قال الله تعالى: فَأَدْلى دَلْوَهُ [يوسف: 19] ثمّ جعل كلّ إلقاء قول أو فعل إدلاء. ومنه قيل للمحتج أدلى بحجته، كأنّه أرسلها ليحصل على مطلوبه، كمن ألقى دلوه في البئر.

والذي هنا من هذا المعنى، كأنه قيل: ولا تلقوا بالأموال إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. وهو يشمل وجهين:

تقديم الأموال رشوة للحكام، ليقضوا لهم بأكل أموال الناس بالإثم، ورفع القضايا للحاكم ارتكانا على الحجة الداحضة، وذرابة اللسان، وشهادة الزور، وما شاكل ذلك من وجوه الباطل، وكل ذلك محرم بالآية الكريمة. فإنها تقضي بتحريم كل ما يرفع إلى الحاكم فيحكم به في الظاهر ليحلها، مع علم المحكوم له أنه غير مستحق له.

وفي المعنى الثاني- وهو رفع الأموال للحاكم ليقضي فيها ارتكانا على الحجة الداحضة- جاء

في الحديث الذي روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، فمن قضيت له بحجة أراها فاقتطع بها قطعة ظلما، فإنما يقتطع قطعة من النار..» «1» وجاء في معنى هذا الحديث الآخر «إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ أحدكم يكون ألحن بحجّته..» «2» الحديث.

وقد اتفقت الأئمة على هذا الحكم فيمن ادّعى حقا في يد رجل وأقام بيّنة فقضي له بها، حيث قالوا: إنه لا يجوز له أخذه، وإنّ حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظورا عليه.

واختلفوا في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد، بشهادة شهود إذا علم المحكوم له أنهم شهود زور. فقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم ببينة بعقد، أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ، فهو نافذ، ويكون كعقد عقداه ابتداء بينهما، وإن كان الشهود شهود زور.

وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وغيرهم: ينفذ الحكم ظاهرا، ولا ينفذ باطنا، على معنى أنّ حكم الحاكم يمضي ظاهرا، ولا يسع من يعلم بطلانه أن يعمل به، وقال أبو يوسف: إذا قضى الحاكم بفرقة على هذا الوجه بين الزوجين لم يحل

(1) رواه أبو داود في السنن (3/ 292) ، كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي حديث رقم (3583) . [.....]

(2)

رواه البخاري في الصحيح (3/ 216) ، 52- كتاب الشهادات، 27- باب من أقام البينة حديث رقم (2680) ومسلم في الصحيح (3/ 1337) ، 30- كتاب الأقضية، 3- باب الحكم بالظاهر حديث رقم (4/ 1713) ،

ص: 97

للمرأة أن تتزوج، لأنها تعلم أنها لا تزال في عصمة الزوج، ولا يقربها الزوج احتراما لسلطة القضاء الظاهرة «1» .

وقد قضى علي كرم الله وجهه بما يوافق رأي أبي حنيفة، حيث جاءه رجل ادعى زواجا على امرأة وهي تنكر، وجاء بشاهدين، فقالت: إني لم أتزوجه، فقال لها زوّجك الشاهدان

، وكذلك قصة لعان هلال بن أميّة مع امرأته، وقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالفرقة بينهما، وكان ذلك بعد أن

قال: «إن جاء الولد على صفة كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على صفة كذا، فهو لشريك بن سمحاء» فجاءت به على الصفة المكروهة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» «2» .

واستيفاء الكلام على أدلة الطرفين وترجيح الراجح منها يطلب في موضع غير هذا.

والآية صريحة في أنّ الإثم على من أكل وهو يعلم أنه ظالم في الأكل، وأما غيره فلا إثم عليه.

قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) الهلال هو هذا الكوكب المخصوص المضيء ليلا، وإنما يسمّى هلالا لظهوره بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج لظهور الصوت بالتلبية، وقيل: بل إنما سمي هلالا، لأنّ الإهلال رفع الصوت، والناس عند ظهور الهلال يرفعون أصواتهم بذكره عند رؤيته.

وقد اختلف أهل اللغة في الوقت الذي يسمّى فيه هلالا، فمنهم من قال: يسمّى هلالا لليلتين من الشهر، ومنهم من قال: لثلاث، ثم يسمّى قمرا، ومنهم من قال:

يسمّى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل، وذلك في الليلة السابعة.

روي في سبب نزول هذه الآية، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم- وكانا من الأنصار- قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية «3» .

ويروى أيضا عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة.

(1) انظر كتاب أحكام القرآن للجصاص (1/ 253) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (6/ 5) ، 65- كتاب تفسير القرآن، 2- باب (ويدرأ عنها العذاب) حديث رقم (4747) .

(3)

قال السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (1/ 203) : رواه ابن عساكر بسند ضعيف.

ص: 98

ولم يذكر في الآية تحديد المسئول عنه في الأهلة. أهو حقائقها، أم أحوالها؟

لكن الجواب ووروده بقوله: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ مشعر بأن السؤال كان عن الحكمة في تغيّرها، وقد جاء الخبر بأن السؤال كان عن هذا، فالخبر و «القرآن» متطابقان، وعلى هذا فلا مفارقة بين السؤال والجواب.

مَواقِيتُ جمع ميقات بمعنى الوقت. كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم:

الميقات منتهى الوقت، قال الله تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف: 142] .

والهلال ميقات الشهر. ومواضع الإحرام مواقيت، لأنها التي ينتهي عندها الحلّ.

وقد قال أبو بكر الرازي: إنّ هذه الآية تدل على جواز الإحرام بالحج في جميع شهور السنة، لأنّ الأهلة لفظ عامّ. وقد بيّن الله أنها مواقيت للحج، وهو استدلال غير ظاهر. لأننا قد بينّا أنّ المعنى أن الحكمة في تغيّر الأهلة بالزيادة والنقص أن يؤقت الناس بها في معاملاتهم وعباداتهم وحجهم، وليس الكلام في بيان ما يكون في الشهر من العبادات وغيرها «1» .

وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قيل: كان الناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة التزموا ألا يحول بينهم وبين السماء شيء، ويتحرّون في ذلك. حتى إن من أهلّ بالعمرة وبدت له حاجة في بيته لا يدخل إلى البيت من الباب خشية أن يحول السقف بين السماء وبينه. فنزلت هذه الآية «2» . وقيل غير ذلك.

وقيل: إنه مثل ضربه الله تعالى لهم بأن يأتوا البر من وجهه الذي أمر الله به، وليس هناك ما يمنع من إرادة الكل، فتكون الآية دالّة على أن إتيان البيوت من ظهورها ليس قربة إلى الله تعالى ولا هو من شرعه ولا ندب إليه، ويكون مع ذلك مثلا أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمرنا الله تعالى وَلكِنَّ الْبِرَّ برّ من اتقى محارم الله وَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه رجاء أن يكون في ذلك فلاح.

قال الله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

(1) انظر كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (1/ 254) .

(2)

رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (2/ 109) .

ص: 99

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرام إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا، فهي متصلة بما قبلها، لأنّ الآية السابقة بيّنت أنّ الأهلة مواقيت للنّاس والحج، والحج في أشهر هلالية مخصوصة، كان القتال فيها محرّما في الجاهلية.

ولم تختلف الأمة في أنّ القتال لم يكن مشروعا قبل الهجرة، بل كان محظورا بقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)[فصلت: 34، 35] وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة: 13] وقوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] وقوله:

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)[المائدة: 92] وقوله: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: 63] وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ [النساء: 77] وقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)[الغاشية: 22] وقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: 45] وقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية: 14] .

فلما تحولوا للمدينة نسخ هذا كله بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: 29] .

وقد اختلف السلف في أول آية نزلت في الإذن بالقتال. فروي عن الربيع بن أنس وغيره أن أول آية نزلت في قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وروي عن جماعة من الصحابة: منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه أنّ أول آية نزلت في القتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: 39، 40] .

وقد أخرج الواحدي «1» من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدّ عن البيت، ثم صالحه المشركون، على أن يرجع عامه ثم يأتي القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء فلما كان العام المقبل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ الآية.

(1) أسباب النزول للإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري صفحة (49) .

ص: 100

المعنى: يا أيها المؤمنون الذين يخافون أن يمنعهم مشركو مكة عن زيارة بيت الله والاعتمار فيه نكثا منهم للعهد، ويكرهون أن يدافعوا عن أنفسهم في الحرم وفي الشهر الحرام: اعلموا أنني قد أذنت لكم في القتال، وأنتم إذ تقاتلونهم فإنما تفعلون ذلك في سبيل الله للتمكّن من عبادته، وفوق ذلك فإنما تفعلون هذا مع من نكثوا عهد الصلح، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا بالقتال فتبدؤوهم، ولا في القتال فتقتلوا من لم يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى الذين لا يستطيعون قتالا، أو من ألقى إليكم السلم وكفّ عن حربكم.

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.

الثقف: الأخذ والإدراك والظفر، يقال: ثقفه: أخذه أو وجده أو ظفر به، أو أدركه.

والمعنى: اقتلوا هؤلاء الذين يقاتلونكم في أي مكان تمكّنتم منهم، ولا يصدنّكم عنهم أنهم في أرض الحرم.

وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أجلوهم عن مكة كما أجلوكم عنها، فقد كان المشركون يتربّصون بالمؤمنين الدوائر، حتى اضطرّ هؤلاء أن يخرجوا فرارا بأنفسهم ودينهم، ومع ذلك منعوهم من دخول مكة للعبادة. فماذا على المؤمنين الذين أوذوا في سبيل الله وأخرجوا من ديارهم إذا قابلوا العدوان بمثله؟ وهل يعيب أحد الدفاع عن النفس؟ كلا. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 251] .

وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ الفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما في النار ليستخرج منهما الزغل، ثم استعملت الفتنة في كل اختبار، وهذا مبالغة في التحريض على المقاتلة، أي أنّ ما تفعلونه معهم من القتل في الحرم أقلّ مما يتصفون به من الفتنة.

ثم قيل: إن الفتنة هنا الكفر، وقيل: المراد بها ما كان يقع من المشركين من صنوف الإيذاء والإعنات، التي جعلت المؤمنين يفرّون بدينهم، ولولا ذلك لما أمكنهم البقاء على الدين مع الإقامة على الاضطهاد والعسف، وتقرير الآية التي معنا على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في آيات الحج أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: 39، 40] .

ومن فسّر الفتنة بالشرك ادّعى أن قوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ الآية ناسخ لما تقرّر في الآية الأولى من قتال المقاتلين فقط. ثم احتاج بعد هذا إلى أن يقول: وهذه الآية أيضا منسوخة بقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وهكذا ادعوا في هذه الآية نسخا متتاليا.

ص: 101

ولما كنا نرى أنه لا حاجة بنا في فهم هذه الآيات إلى القول بالنسخ، ولمّا لم يكن يعرف أن هذه الآيات مقترنة في النزول، أو مفصولة عن بعضها، وكنا نرى أنها جميعها إلى قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ملتئمة مع ما ذكرنا في سبب النزول، وكان القول بالنسخ على هذا الوجه قد يؤدي إلى القول بالنسخ قبل التمكن، وهو غير جائز عند البعض، كان من رأينا أنّ الأولى الذهاب إلى القول بعدم النسخ.

على أنه إذا كان الداعي إلى القول بالنسخ هو عموم شرع القتال بالنظر للمشركين فنحن نجده في قوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: 123] وقوله:

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: 29] فليس هناك ما يدعو إلى تفكيك آيات هي متصلة ببعضها تمام الاتصال بغير موجب.

على أن الفخر الرازي يرى أن آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ مع تسليم أنها في وجوب قتال المقاتلين فقط لا يلزم أن تكون منسوخة بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ بفرض عموم هذه، لأنّ غاية ما يلزم أن يكون قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ دالا على قتال المقاتلين فحسب، من غير تعرّض لقتال غيرهم، وقوله:

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يفيد تعميم الحكم بعد التخصيص، وذكر العامّ بعد الخاصّ يثبت زيادة حكم على حكم الخاصّ من غير أن ينسخه.

وأما قوله: وَلا تَعْتَدُوا فهذا يحتمل أن يكون معناه: ولا تبدءوا في الحرم، أو لا تعتدوا بقتال من وادعوكم، وألقوا إليكم السلم، وكان بينكم وبينهم عهد.

إلى أن قال: وتحقيق القول: إنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه الآية وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ زاد في التكليف، فأمر بالجهاد معهم، سواء أقاتلوا أو لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام.

وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) .

روي عن مقاتل أنّ آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ منسوخة بقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثم تلك منسوخة أيضا بقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ.

وقال الفخر الرازي: وهو ضعيف، أما أن قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ منسوخ فقد تقدم إبطاله. وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فهو تخصيص لا نسخ. وأما قوله: إنّ قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ

ص: 102

عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ

منسوخ بقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فهو خطأ أيضا، لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم باق لم ينسخ، فثبت أن قوله ضعيف، قال: ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متتاليات تكون كل واحدة منهما ناسخة للأخرى.

وقد تمسّك الحنفية بهذه الآية في عدم قتل الكافر اللاجئ للحرم ما دام لم يقاتل في الحرم.

ويحتجّ بعمومها فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل، لأن الآية لم تفرّق بين من قتل ومن لم يقتل في حظر قتل الجميع، فلزم بمضمون الآية ألا نقتل من وجدناه في الحرم، سواء كان قاتلا أو غير قاتل، إلا إذا قتل في الحرم، فإنه يقتل بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: 97] وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.

كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ أي ما قدمناه من قتل الكافرين المقاتلين على ما وصفنا، وبشروطه التي ذكرنا.

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) أي فإن كفوا عن قتالكم، ورجعوا عن الكفر، فإنّ الله يغفر لهم ما تقدّم منهم ويرحمهم، كما في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] .

وقد ذهب ابن عباس إلى أن معنى الآية: فإن انتهوا عن القتال.

وذهب الحسن إلى أن المعنى: فإن انتهوا عن الشرك، لأنه لا غفران لهم إلا إذا انتهوا عن الشرك إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.

قال الله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) أي اقصدوا بقتالهم أن تزول الفتنة والكفر وأنواع الإيذاء والضرر التي تلحق المسلمين بوجودهم في مكة، وقد ورد

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبقينّ في جزيرة العرب دينان» «1» .

والحكمة في هذا تشير إليها الآية الكريمة حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ولو أنّ المسلمين ساروا على مقتضى هذه الحكمة في قواعد ملكهم التي أنشئوها في غير

(1) وبمعناه رواه البخاري (5/ 159، 64- كتاب المغازي، 84- باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (4431) ومسلم في الصحيح (3/ 1257) ، 25- كتاب الوصية، 5- باب ترك الوصية حديث رقم (20/ 1637) .

ص: 103

جزيرة العرب لكان الحال غير ما ترى اليوم، فإنّ المنع من أن يبقى في جزيرة العرب دينان إنما كان اجتثاثا لبذور الفتن، وأشد الفتن خطرا ما يكون في قواعد الملك.

أما قوله: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فالمعنى: أن يكون الله هو المعبود وحده، وكأنّ المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر، ويثبت الإسلام، ونظيره قوله تعالى: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16] .

فَإِنِ انْتَهَوْا عما أوجب قتالهم فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ يحتمل أن يكون المعنى:

فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر، فإنّهم بإصرارهم على الكفر ظالمون لأنفسهم إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] .

ولما كان القتل هنا جزاء العدوان صحّ إطلاق اسم العدوان عليه، كما قال:

فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.

ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم إن انتهوا، واعتديتم عليهم بعد ذلك: كنتم ظالمين، فنسلط عليكم من يعتدي عليكم، ويكون المعنى طلب الكف عنهم بعد انتهائهم.

قال الله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) .

روي عن ابن عباس، والربيع بن أنس ومجاهد وقتادة والضحّاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية للعمرة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فصدّه أهل مكة عن ذلك، ثم صالحوه على أن ينصرف، ويعود في العام القابل، حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل: وهو في ذي القعدة سنة سبع، ودخل مكة واعتمر، فأنزل الله هذه الآية «1» .

والمعنى: أنهم صدّوك في العام الفائت في هذا الشهر. فمنّ الله عليكم بالدخول إليها في هذا الشهر من هذا العام، فهذا الشهر بذاك الشهر.

وروي عن الحسن أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقاتل في الأشهر الحرم، فأرادوا مقاتلته، لظنهم أنه يمتنع عن المقاتلة في هذه الأشهر الحرم، وذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ

فأنزل الله هذه الآية لبيان الحكم في هذه الواقعة، فقال:

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ «2» أي من استحل دمكم في الشهر الحرام فاستحلوا دمه فيه.

(1) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (2/ 114) .

(2)

انظر ما ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن (1/ 261) ، والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (2/ 333) .

ص: 104

وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ إن جرينا على ما روي عن ابن عباس يكون المراد بالحرمات:

الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام، والمعنى: أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست، فقد عوّضكم الله عنها في سنة سبع.

وإن جرينا على ما روي عن الحسن فيكون المعنى: إن أقدموا على مقاتلتكم ولم يراعوا حرمة الأشهر الحرم فقاتلوهم. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أي: فمن اعتدى عليكم فقابلوه باعتداء مثله وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالمعونة والنصر.

قال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) .

لما كان الكلام في القتال: وهو كما يحتاج إلى الأنفس يحتاج إلى الأموال- وربما كان من عنده مال لا يقدر على النزال، وقد يكون الشجاع لا مال له- أمر الله الأغنياء أن ينفقوا في سبيل الله على الفقراء الذين لا يجدون ما يحملون أنفسهم عليه في القتال.

ويروى أنه لما نزل قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد، وليس أحد يطعمنا. فأمر عليه الصلاة والسلام أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدّقوا، ولا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله. فنزلت الآية على وفق ما قال رسول الله.

والإنفاق: هو صرف المال في وجوه المصالح، ولذلك لا يقال للمضيّع إنه منفق، وإذا قيّد بكونه في سبيل الله فالمراد به في طريق الدين، لأن السبيل هي الطريق، وسبيل الله دينه.

فاللفظ يتناول كل القربات. من جهاد وحج وغير ذلك، إلا أنّ الأقرب حمل الآية على الانفاق في الجهاد، لأن الكلام فيه.

وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قيل: الباء في قوله: بِأَيْدِيكُمْ زائدة، ويكون المعنى:

لا تلقوا أيديكم، وهو كقول القائل: أخذت القلم، وأخذت بالقلم، بمعنى واحد، وقيل: المراد بالأيدي الأنفس، والمعنى: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وقد جاء استعمال اليد في النفس في قوله: ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الكهف: 57] فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] وقال آخرون: إنّ في الكلام حذفا، والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، والتهلكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة.

ص: 105

وقال بعضهم: ولا أعلم مصدرا جاء في لغة العرب على تفعلة بضم العين إلا هذا، قال أبو علي: حكاه سيبويه «1» في التّبصرة وقال صاحب الكشاف «2» : ويجوز أن يكون أصله التّهلكة بكسر اللام، كالتجربة، والتبصرة، فأبدلت الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار.

ويعجبنا قول الفخر الرازي في هذا المقام: إني لأتعجب لهؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا من الشعر مجهولا يشهد لما أرادوا طاروا به فرحا، واتخذوه حجة قوية، أفلا يكون ورود هذا اللفظ في كلام الله المشهود له بأنه في أعلى درجات البلاغة- أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها؟

وقد اختلف المفسرون في المراد بالتهلكة هنا- فمنهم من قال: التهلكة ألا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم، فيستولي عليهم عدوّهم، ويهلكهم وهناك وجه آخر: وهو أن الله لما أمرهم بالإنفاق، وكان الرجل ربما استنفد ماله في مرضاة الله، وهذا قد يؤدي إلى هلاكه قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي لا تجهزوا على المال بالنفقة، بل أبقوا بعضه، وأنفقوا بعضه، وهو حينئذ في معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67)[الفرقان: 67] وقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29)[الإسراء: 29] .

وقيل بل هي نهي عن الإخلال بما يتطلبه الجهاد، فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب، وقيل غير هذا، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي وأحسنوا في الانفاق بأن تجعلوه وسطا لا إسراف فيه ولا تقتير.

قال الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ اختلف العلماء في إتمام الحج والعمرة ما هو؟

فقيل: أداؤهما، والإتيان بهما من غير أن يفعل في أثنائهما شيئا من المحظورات، وقد يجيء الإتمام بمعنى أصل الفعل، كما في قوله تعالى:

(1) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، عالم النحو، صنف كتابا سماه الكتاب، أخذ عن الخليل، انظر الأعلام للزركلي (5/ 81) .

(2)

انظر تفسير: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري (1/ 238) .

ص: 106

وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ أي فعلها، وكما في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي أدوه، وقد علمت ما فيه سابقا.

وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج لهما لا لغيرهما، وقيل: إتمامهما فعل كل واحد منهما منفردا، من غير تمتع ولا قران، قال ابن حبيب «1» : وقيل إتمامهما أن لا يستحل فيهما ما لا ينبغي. وقيل: إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله. وقيل:

أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب.

وقد ذكر في أسباب النزول روايات كثيرة يرجع إليها هذا الخلاف، ويأخذ منها المختلفون ما يؤيّد مذهبهم، لا نريد الإطالة بذكرها، وقد اتفق العلماء على فرضية الحج، واختلفوا في العمرة، وذلك أن كثيرا من الآيات، بل كل الآيات التي طلب فيها الحجّ جاء ذكره فيها مجرّدا عن ذكر العمرة وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ [الحج: 27] .

والأحاديث الصحيحة التي بيّنت قواعد الإسلام لم يرد فيها ذكر العمرة، نعم جاء ذكر العمرة مع الحج عند بيان الكيفيات، كقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ إلى قوله:

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

فقال بعض العلماء: إنّ ذلك يقتضي أن لا يكونا سواء في الحكم، فالعمرة سنّة والحجّ فريضة.

وذهب جماعة إلى أنّ العمرة واجبة كالحجّ وبه أخذ الشافعيّ وأحمد وابن الجهم من المالكية، وهو مذهب علي، وابن عمر وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وغيرهم.

وقال مالك، والنخعي، وأبو حنيفة:(وروي عنه الوجوب) إن: العمرة سنة، وهو مذهب ابن مسعود وجابر بن عبد الله، ولنذكر طرفا من جملة ما استدل به الفريقان:

استدل الأولون: بما

روي في الصّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه «من كان معه هدي فليهلّ بحجّ وعمرة» «2» .

(1) عبد الملك بن حبيب بن سليمان أبو مروان القرطبي، صاحب كتاب الواضحة في الفقه، عالم الأندلس وفقيهها، زار مصر كان عالما بالتاريخ توفي بقرطبة، انظر الأعلام للزركلي (4/ 157) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (2/ 870) ، 15- كتاب الحج، 17، باب بيان وجوه الإحرام حديث رقم (111/ 1211) . [.....]

ص: 107

وفي الصّحيح أيضا قال صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة» «1» .

وأخرج الدّارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الحجّ والعمرة فريضتان لا يضرّك بأيهما بدأت» «2» .

واستدلّ الآخرون:

بما أخرجه الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج جهاد والعمرة تطوّع» وأخرج ابن ماجه مثله «3»

،

وأخرج الترمذي وصحّحه، عن جابر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، أواجبة هي؟ قال:«لا. وأن تعتمروا خير لكم» «4»

، وأجاب هؤلاء عن الأحاديث التي صرّح فيها بلفظ الفريضة بأن ذلك بعد الشروع فيها، وهي حينئذ واجبة بلا خلاف، وهذا وإن كان فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة، قاله الشوكاني. وقال: وعلى هذا يحمل سائر ما فيه دلالة على وجوبها، كالذي أخرجه الشافعي في «الأم» : أنّ العمرة هي الحج الأصغر.

كذلك يجب حمل الأحاديث التي قرن فيها الحج والعمرة على أنهما من أفضل الأعمال، وأنهما كفارة لما بينهما «5» ، وأنهما يهدمان ما قبلهما ونحو ذلك اه.

وأما الآية التي معنا فالتعبير بالإتمام مشعر بأنهما كان قد شرع فيهما، وقد علمت سابقا أنّ آيات القتال كانت في صلح الحديبية، وأنهم كانوا شرعوا في العمرة وصدّوا عنها، ولذلك تسمّى العمرة التي وقعت في سنة سبع عمرة القضاء، فالتعبير بالإتمام ظاهر النكتة، لا يحتاج إلى الحمل على أصل الفعل.

فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

الحصر: الحبس، قال أبو عبيدة «6» والكسائي، والخليل: يقال أحصر بالمرض، وحصر بالعدو، وفي «المجمل» لابن فارس «7» بالعكس، يقال: أحصر بالعدو وحصر

(1) رواه مسلم في الصحيح (2/ 886) ، 15- كتاب الحج، 19- باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (147/ 2118) .

(2)

سننه، ط 1، بيروت دار المعرفة 1986 (2/ 284) .

(3)

رواه ابن ماجه في السنن (2/ 995) ، كتاب المناسك، باب العمرة حديث رقم (2989) .

(4)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (3/ 270) في كتاب الحج باب ما جاء في العمرة حديث رقم (931) .

(5)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 240) ، 26- كتاب العمرة، 1- باب العمرة حديث رقم (1773) .

(6)

معمر بن مثنى أبو عبيدة البصري النحوي، له مصنفات بلغت المائتين توفي سنة (209 هـ) انظر الأعلام للزركلي (7/ 272) .

(7)

أحمد بن فارس القزويني اللغوي توفي (395 هـ) في الري، انظر الأعلام للزركلي (1/ 193) .

ص: 108

بالمرض، ورجّح الأول ابن العربي «1» وقال: رأي أكثر أهل اللغة «2» ، وقال الزجّاج:

إنّه كذلك عند جميع أهل اللغة. وقال الفرّاء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو، ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني «3» .

وبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه، فذهب الحنفية إلى أنّ المحصر من يصير ممنوعا من دخول مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدوّ، أو غيره، وذهب الشافعية إلى أن الإحصار معناه: المنع بالعدو.

وقال الفخر الرازي: وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية، وهي أنهم اتفقوا على أنّ حكم الإحصار في الحصر بالعدو ثابت، وهل يثبت بالمرض وسائر الموانع أو لا؟

قال أبو حنيفة: يثبت، وقال الشافعي: لا يثبت، وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة، وذلك لأن أهل اللغة رجلان:

أحدهم: الذي قال: الإحصار مختصّ بالمرض. فتكون الآية نصّا فيه.

والثاني: الذي قال: إنّ الإحصار اسم لمطلق الحبس، سواء كان حاصلا بسبب المرض، أو بسبب العدو. وحجة أبي حنيفة على هذا ظاهرة أيضا، لأنّ الله تعالى علّق الحكم على مسمّى الإحصار، وهو عام، فتناول الكل.

نعم إنّ هناك قولا ثالثا، وهو أن الإحصار في الحصر بالعدو. قال الفخر: وهو باطل باتفاق أهل اللغة، وبتقدير ثبوته. فنحن نقيس المرض على العدو بجامع الحرج، وهو قياس جلي، وقد استدل الشافعية لمذهبهم بوجوه منها أنّ رأينا وإن كان يخالف روايات أهل اللغة إلا أنه مرويّ عن ابن عباس، وابن عمر، وهما أولى، لأنّهما من أهل اللغة. وأدرى بتفسير «القرآن» .

على أنا نقول: إنّ الحصر عبارة عن المنع، ولا يقال: إنّ الإنسان ممنوع عن كذا إلا إذا كان متمكّنا منه قادرا عليه، وذلك في العدو، لا في المرض، وأيضا أُحْصِرْتُمْ معناها: منعتم، والمنع لا بدّ له من مانع، ولا يسند الفعل إلى المرض عقلا، لأنّه مرض لا يبقى زمانين، فكيف يقال: إنه مانع؟ وأنت ترى أنهم في هذا يستعملون القياس في اللغة.

وقالوا أيضا إن الله تعالى قال في الآية: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

(1) هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي توفي (543 هـ) في فاس، من حفاظ الحديث، انظر الأعلام للزركلي (6/ 230) .

(2)

انظر أحكام القرآن لابن العربي ط 2، بيروت، دار الفكر، 1967 (1/ 119- 124) .

(3)

إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء النحوي اللغوي سكن بغداد وتوفي فيها سنة (206 هـ) ، انظر الأعلام للزركلي (1/ 296) .

ص: 109

ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو، لا في المرض، وقد أورد عليه أننا نمنع أن يكون الأمن قاصرا على الأمن من العدو، ولئن سلّم: فخصوص بعض أفراد العام بحكم ذكر في آخر الآية لا يذهب بعموم أولها في حكم غير هذا الخاص.

اسْتَيْسَرَ تيسر، كاستعظم تعظم، واستكبر تكبر.

الْهَدْيِ جمع هدية كما تقول: تمر وتمرة، وفي الهدي تشديد للياء وتخفيفها، والهدي ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقربا إلى الله، وقد روي عن علي، وابن عباس والحسن. وقتادة: الهدي أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس. وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وابن شبرمة «1» ، غير أنه جعل البدن خاصة بالإبل، وهم جعلوها في الإبل والبقر، والخلاف في السن المجزئ يعرف في الفقه، ثم إن حقيقة الحج والعمرة معروفة في الفقه، وقد ذكر المفسّرون هنا أقسام الحج: الإفراد، والقران، والتمتع، وحقائقها أيضا معروفة في الفقه.

وقد اختلف العلماء في أيها أفضل؟ فقال الشافعي: أفضلها الإفراد، ثم التمتع ثم القرآن، وعنه: إنّ التمتع أفضل من الإفراد، وهو مروي عن مالك رضي الله عنه.

إن التمتع جاء ذكره في القران. ولم يجئ القران.

وللشافعي

قوله عليه الصلاة السلام: «القرآن رخصة» «2»

ولأنّ في الإفراد زيادة التلبية والسفر، والحلق.

والحنفية احتجوا بما

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «يا آل محمد! أهلّوا بحجّ وعمرة معا» «3»

والذي يعنينا هو: هل في الآية ما يؤيّد واحدا من هذه المذاهب؟ ترى أن الآية ليس فيها ما يصلح حجة لواحد من الآراء. فليس فيها إلا الأمر بالإتمام، وهو لا يقتضي شيئا منها، فالمدار في إثبات المذاهب على السنة والترجيح فيها.

ثم إن الإحصار كما يكون عن الحج يكون عن العمرة، لأن الله تعالى يقول:

فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ومعناه منعتم، وهو بإطلاقه ينصرف إلى المنع مما تقدم. والذي تقدم هو قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فيكون المنع منهما سواء.

وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ قد اختلف السلف في المكان الذي يذبح فيه

(1) عبد الله بن شبرمة، فقيه العراق، أبو شبرمة، قاضي الكوفة وكان شاعرا توفي سنة (144 هـ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (6/ 500) ترجمة (980) .

(2)

قال الزيلعي: غريب جدا انظر نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعى (3/ 115) .

(3)

رواه أحمد في المسند (6/ 298) .

ص: 110

الهدي، فقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين: هو الحرم، وهو مذهب الحنفية «1» والثوري.

وقال مالك والشافعي: محله الموضع الذي أحصر فيه، فيذبحه ويحل، وذلك أنّ معنى قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ لا تحلوا من إحرامكم حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله، والكلام في هذا المحل، لأنه يحتمل أن يراد منه الوقت الذي يذبح فيه، ويحتمل أن يراد منه الموضع.

فذهب الشافعية وأهل المدينة إلى أن المراد منه الوقت الذي يذبح فيه، إذا جاء في موضع الإحصار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح فيه حيث أحصر في عام الحديبية.

وذهب الحنفية إلى أنه الحرم، لأن المحل وإن كان يحتمل الوقت، ومنه محلّ الدّين: أي وقته، غير أن الله تعالى يقول: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فلو كان هدي الإحصار يذبح في موضع الإحصار لكان الهدي بالغا محله، وحينئذ يكون قوله حتى يبلغ الهدي محله لاغيا.

وقد قال الله تعالى: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إلى أن قال:

لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)[الحج: 30- 33] والظاهر أنّ ذلك في كل الهدايا بلا فرق. وكأنّ الآية بيان للإجمال في قوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فقد جعل الله محل الهدي البيت العتيق، فليس لأحد أن يجعله في غيره.

وأيضا فقد قال الله في جزاء الصيد: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: 95] فبيّن أن الشرط في الهدي أن يكون على صفة بلوغ الكعبة، فلا يصح أن تغيّر هذه الصفة، كما لم يصح تغيير التتابع في صوم كفّارة الظهار. هذا مجمل أدلة الحنفية، وقد أجابوا عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عام الحديبية فقالوا: إن الذبح في طرف الحرم من جهة الحديبية.

والشافعية وأهل المدينة استدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يدلّ عليه، بل إنه لو كان الذبح في الحرم لما قال: مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي الحرم، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ذبح في الحل، لا في الحرم.

والحنفية يقولون: إنه يستحبّ أن يكون الذبح عند المروة بمنى، فلما منع المشركون الهدي أن يبلغ هذا المحل، كان الهدي معكوفا أن يبلغ المحل الأفضل، وإن كان الذبح واقعا في الحرم، هذا مجمل الأدلة والشبه من الفريقين.

ثم إنّ العلماء لم يختلفوا في أن هدي العمرة غير مؤقّت بزمن مخصوص، بل له أن يذبح

(1) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (1/ 196) . [.....]

ص: 111

متى شاء، ويحل، واختلفوا في هدي الإحصار في الحج، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: له أن يذبحه متى شاء ويحل. وقال أبو يوسف والثوري ومحمد: لا يذبحه قبل يوم النحر.

وجه الأولين أن قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ عام في كل الأوقات متى حصل الإحصار، فتخصيصه بوقت إخراج للعام عن عمومه من غير دليل، وأيضا فإن الاتفاق حاصل بين الجميع أن حكم الإحصار بالعمرة لا توقيت فيه، وهو مستفاد من قوله:

وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وهذا دم إحصار وذلك دم إحصار الفرق تحكّم.

على أن المعقول في دم الإحصار أن لا يتوقت بزمن غير زمن الإحصار لما قد ينشأ عن بقاء الإحرام- حتى يجيء يوم النحر- من الضرر. نعم قد يعقل أن يختص ذبح دم الإحصار بالمكان لمعنى في المكان: كسد حاجة فقراء الحرم، أو ما شاكل ذلك، ولا نجد هذا المعنى في التخصيص بالزمان بعد وجود الإحصار وعدم التمكن من الوصول إلى الحرم.

فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، المراد بالمرض هنا أدنى ما يصدق عليه اسم المرض. لأنّ المرض الشديد الذي يمنع من تمام النسك يثبت به الإحصار عند الحنفية، وهذا أحد الشبه التي للشافعية أن يستدلوا بها على أن المرض لا يثبت به الإحصار، لأنّه قد بيّن حكمه، هنا، وإن كان للحنفية أن يقولوا:

إنّ وجود الصوم بين هذه الأشياء التي جبر فيها دالّ على أن هذا حكم المرض اليسير الذي يقدر صاحبه على الصوم معه، وهذا لا نقول له تحلل بالهدي، بل عليه إتمام النسك، ثم إن قوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ مشير إليه.

وفي الآية حذف تقديره: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فحلق فالواجب فدية، وكأنّ هذا استثناء من قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وعلى كل حال- فالمراد: بالمرض والأذى ما يحتاج معه إلى أن يفعل شيئا من محظورات الإحرام:

كلبس المخيط، أو تغطية الرأس، أو الحلق. ولم تبين الآية مقدار الصيام، ولا مقدار الصدقة، ولا مقدار النسك. وإنّما ذلك نجده في السّنّة وكتب الفقه.

وقد ذهب الجمهور إلى أن الصوم ثلاثة أيام، وهو قول جماعة السلف: إلا ما يروى عن الحسن، وعكرمة: أن الصيام عشرة أيام كصوم التمتع، والعمدة في هذا الباب حديث كعب بن عجرة، وهو ما

روي عن عبد الله بن مغفّل أن كعب بن عجرة حدّثه «أنه خرج مع النبيّ صلى الله عليه وسلم محرما فقمّل رأسه ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فدعا بحلاق فحلق رأسه» ، وقال:«هل تجد نسكا» ؟ فقال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستّة مساكين، لكل مسكين صاعا «1» .

(1) انظر أحكام القرآن للجصاص (1/ 281) .

ص: 112

واختلفت الروايات عنه في الصدقة، فمرّة روي عنه الصدقة بستة صيعان كما رأيت، على ستة مساكين، ومرة بثلاثة آصع «1» ، على ستة مساكين، فاضطر الجمهور إلى الجمع بينهما، فحملوا رواية الثلاثة آصع، على طعام القمح، لأنه المعهود فيه في سائر الصدقات، وحملوا رواية الستة آصع على التمر، وأما النسك فلا خلاف أنه تجزئ فيه الشاة، وقد ورد في أخبار كعب بعضها: أنسك نسيكة، وبعضها: شاة، فهو إن شاء ذبح شاة وإن شاء ذبح بدنة.

ولا خلاف أنه مخيّر بين فعل أي واحد من الثلاثة، يفعل أيها شاء. لأنّ هذا ما تقضيه (أو) من التخيير.

فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

بهذه تعلّق الشافعية أيضا فيما ذهبوا إليه من الإحصار هو من العدو فحسب، وقال الحنفية: إن الأمن كما يكون من العدو يكون من غيره، ثم إنّ قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ينتظم معنيين:

أحدهما: الإحلال، والمتعة بالنساء.

والآخر: جمع الحج والعمرة في أشهر الحج، ومعناه حينئذ: الارتفاق بهما، وترك إنشاء سفرين لهما.

وقد كانت العرب تكره العمرة في أشهر الحج، وتعدّها من أفجر الفجور. روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر. ويقولون: إذا برأ الدّبر وعفى الأثر، وانسلخ صفر، حلّت العمرة لمن اعتمر «2» .

فالمتعة بالحج تحتمل المعنيين:

استباحة التمتع بالنساء بالإحلال، والمعنى الثاني: الارتفاق بجمعهما في أشهر الحج، بعد أن كان ذلك ممنوعا.

وقد اختلف في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

فقال ابن مسعود وعلقمة «3» : هو عطف على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 185) ، 65- كتاب تفسير القرآن، 32- باب فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً حديث رقم (4517) ، ومسلم في الصحيح (2/ 859) ، 15- كتاب الحج، 10- باب جواز حلق الرأس حديث رقم (80/ 1201) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 185) ، 25- كتاب الحج، 34- باب التمتع والإقران والإفراد بالحج حديث رقم (1564) .

(3)

علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل، تابعي، كان فقيه العراق، انظر الأعلام للزركلي (4/ 248) .

ص: 113

والمعنى: أنّ الحاجّ إذا أحصر فحلّ من إحرامه بهدي يذبحه: فعليه قضاء عمرة وحجة، فإن هو تمتع بهما، وجمع بينهما في أشهر الحج في سفر واحد: فعليه دم آخر للتمتع.

وإن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى أهله. ثم حجّ من عامه، فلا دم عليه للتمتع.

قال عبد الله بن مسعود: هديان وسفر أو سفران وهدي، يعني أن من جمع بينهما في سفر واحد بعد الإحصار فعليه هديان: هدي الإحصار، وهدي التمتع، وإن فعلهما في سفرين فليس عليه إلا هدي الإحصار.

ويرى ابن عباس أنّ الآية تشمل كلّ جمع بينهما في سفر واحد. سواء أكان محصرا. أم لا. ويرى ابن مسعود أن الآية في المحصرين فقط. لمكان العطف، وإن كان الحكم واحدا فيمن جمع بينهما الإحصار، أو لغير الإحصار.

وقد روي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم روايات ظاهرها اختلاف في إباحة التمتع، بمعنى جمع العمرة والحج في أشهر الحج:

فمن روي عنه النهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان رضي الله عنه. وروي أن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل حدّث أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحّاك بن قيس عام حج معاوية وهما يتذاكران التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. قال سعد: بئسما قلت يا ابن أخي! فقال الضحّاك: فإن عمر قد نهى عنه. قال سعد: صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.

وروي عن قتادة أنه قال سمعت جريّر بن كليب يقول: رأيت عثمان ينهى عن المتعة «1» . وعلي يأمر بها، فأتيت عليّا، فقلت: إن بينكما لشرّا، أنت تأمر بها، وعثمان ينهى عنها! فقال: ما بيننا إلا خير. ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين «2» .

وقد روي عن عثمان وعمر- أنهما ما كانا يقصدان النهي، وإنما كانا يقصدان تفريق النسكين، من أجل أن تستمر عمارة البلد الحرام في غير أشهر الحج، وأن يدوم نفع الفقراء طول العام باختلاف الناس إلى الحرم في أشهر الحج بالحج، وفي غيرها بالعمرة.

(1) ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن (1/ 284) .

(2)

المرجع نفسه (1/ 285) .

ص: 114

ولقد روي عن عمر رضي الله عنه اختيار المتعة على غيرها، فدلّ ذلك على أن النهي إنما كان لمعنى، خاصّ، لا لعدم الجواز.

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.

أي: فمن لم يجد الهدي- إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان- صام ثلاثة أيام في الحج: وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة. وقيل: ما بين أن يحرم إلى يوم عرفة. وقيل:

يصومها من أول عشر ذي الحجة، وقيل: ما دام بمكة، وقيل: غير ذلك.

وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ المراد بالرجوع الرجوع إلى الأهل، وقال أحمد، وإسحاق:

يجزئه أن يصوم في الطريق، ولا يتضيّق عليه الوجوب إلا بالرجوع إلى الوطن، وهو مذهب الشافعي.

وقال مالك: إذا رجع إلى منى فلا بأس أن يصوم.

وقال الشوكاني: والأول أرجح، فقد ثبت في «الصحيح» «1» من

حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله» .

وإنما قال سبحانه: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ مع أنّ كلّ أحد يعلم أنّ الثلاثة والسبعة عشرة كاملة لدفع أن يتوهم متوهم أنه مخيّر بين الثلاثة في الحج، وبين السبعة إذا رجع إلى أهله، قاله الزجّاج.

وقال المبرد: إنما قال ذلك ليدلّ على انقضاء العدد، حتى لا يتوهّم بقاء شيء وراء السبعة، وقيل: هو توكيد، كما تقول كتبت بيدي، وقد جاء مثل هذا في كلام العرب، قال الشاعر «2» :

ثلاث واثنتان فهنّ خمس

وسادسة تميل إلى شمام

وكذا قول الآخر:

ثلاث بالغداء وذاك حسبي

وستّ حين يدركني العشاء

فذلك تسعة في اليوم ريّي

وشرب المرء فوق الريّ داء

وقوله: كامِلَةٌ توكيد آخر، لزيادة العناية بشأنها، حتى لا ينقص منها شيء.

(1) رواه البخاري في الصحيح (2/ 219) ، 25- كتاب الحج، 104- باب من ساق البدن حديث رقم (1691) ، ومسلم في الصحيح (2/ 901) ، 15- كتاب الحج، 24- باب وجوب الدم على المتمتع حديث رقم (174/ 1227) .

(2)

هو الفرزدق كما في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/ 178) .

ص: 115

ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل: الإشارة إلى التمتع، وعلى ذلك فلا تمتع للمكيّ، وإن فعل فعليه دم جناية لا يأكل منه، وهو منقول عن الحنفية.

وقيل الإشارة إلى حكم الصوم، وما إليه، وعلى هذا يكون للمكيّ تمتع، ولا يكون منه إلا الهدي، ونقل عن الشافعي. والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: من لم يكن ساكنا في الحرم، ومن لم يكن ساكنا في المواقيت فما دونها فيه خلاف. قال عطاء ومكحول: حاضر المسجد الحرام هم من دون المواقيت إلى مكة، وهو مذهب الحنفية غير أنهم جعلوا من في المواقيت بمنزلة من دونها.

وقال ابن عباس، ومجاهد: هم أهل الحرم. وقال الحسن، وطاوس «1» ، ونافع، وعبد الرحمن الأعرج «2» : هم أهل مكة. وهو قول مالك. وقال الشافعي فيما رواه الجصاص عنه: هم من كان أهلهم دون ليلتين، وهم حينئذ أقرب إلى المواقيت، والأدلة تعرف في الفروع.

وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام. وقيل: هو أمر بعموم التقوى، وتحذير من شدة عقاب الله سبحانه أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.

قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) .

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فيه حذف تقديره: وقت الحج أشهر معلومات، أي وقت أعمال الحج. وقيل: التقدير: الحج في أشهر معلومات، قال الشوكاني: وفيه أنه كان يلزم نصب الأشهر على نزع الخافض.

وقال الفراء: الْأَشْهُرُ رفع لأنّ معناه وقت الحج أشهر معلومات، وقيل:

التقدير الحجّ حجّ أشهر معلومات.

وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وبه قال مالك.

وقال ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وروي أيضا عن مالك.

(1) طاوس بن كيسان الخولاني، من كبار التابعين أصله من الفرس، ولد في اليمن وتوفي حاجا، انظر الأعلام للزركلي (3/ 224) .

(2)

تابعي واسمه عبد الرحمن بن هرمز أبو داود، حافظ قارئ، مات سنة (117 هـ) بالإسكندرية، انظر الأعلام للزركلي (3/ 340) .

ص: 116

وفائدة الخلاف تظهر فيمن أوقع شيئا من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج. قال: تم حجه، ولا يلزمه دم بالتأخير. ومن قال: إلى عشر ذي الحجة. قال: يلزمه دم بالتأخير. ذكره الشوكاني.

وقال أبو بكر الرازي: وقال قائلون: وجائز ألا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة أنه بعضه، لأنّ الحج لا محالة في بعض الأشهر، لا في جميعها، لأنّه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج.

وقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوّله على ذي الحجة كله مراده أنّها لما كانت هذه هي أشهر الحج كان الاختيار عنده ألا يؤتى بالعمرة فيها، كما روي عن عمر وغيره من استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج كما قدّمنا.

هذا وقد حكى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، لأنّ من لم يدرك عرفة حتى طلع فجر يوم النحر فقد فات حجّه.

بقي أنه كيف يقال للشهرين وبعض الثالث: إنها أشهر؟ نقول: إن اللغة لا تمنع من ذلك.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيام منى ثلاثة»

وهي اثنان وبعض الثالث، ويقال: حججت عام كذا، والمراد بعضه.

وقال أبو بكر الرازي: ولقول من يقول: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة وجه آخر، وهو ينتظم القولين جميعا، وهو أنّ الآية سيقت لبيان أنّ هذه هي الأشهر التي يكون فيها الحج دون تبديل ولا تغيير، على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية من التغيير والتبديل. فكانوا يغيرون في أشهر الحج، فمعنى قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أن أعمال الحج تقع في هذه الأشهر، على مقتضى بيان السنة، دون ما كان يفعله أهل الجاهلية من تبديل الشهور وتأخير الحج، وتقديمه.

وقد اختلف السلف في إيقاع الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، فروى مقسم عن ابن عباس أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج قبل أشهر الحج. وروي عن جابر أنه قال: لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج، وروي مثله عن طاوس وعطاء، ومجاهد، وغيرهم، وقال عطاء: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج فليجعلها عمرة.

وفي مقابل ذلك

روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ. وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: إن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

وروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول الحنفية، ومالك والثوري، والليث بن سعد. وقال الحسن بن صالح بن يحيّى «1» : إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج

(1) الهمداني الثوري الكوفي أبو عبد توفي (169 هـ) كان فقيها متكلما، انظر الأعلام للزركلي (2/ 193) .

ص: 117

يجعلها عمرة، وإذا أدركته أشهر الحج قبل أن يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه.

وقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول أحمد والآية بظاهرها تشهد له، لأنّها قد جعلت وقت الحج هذه الأشهر المعلومات، والإحرام للعبادة عنه.

فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ المعنى: فمن ألزم نفسه الحجّ بأن يحرم به.

وقد اختلف الفقهاء في العمل الذي يصير به المحرم محرما، فقال الشافعي: إنه يصير محرما بمجرد النية.

وقال الحنفية: لا يكون محرما حتى يلبّي. أو يسوق الهدي. وإثبات هذا أو هذا إنما يكون من السنّة، لأنّ الآية ليس فيها أزيد من أنّ من ألزم نفسه الحجّ فليترك الرفث والفسوق والجدال أما أن الإلزام يكون بماذا؟ فلم تتعرّض له الآية، فليلتمس بيانه من السنّة.

فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.

الرفث: تقدّم بيانه في آية الصوم والفسوق، والفسق: مصدران بمعنى واحد، وهو الخروج عن طاعة الله إلى المعصية، وهو وإن كان قد أطلق في بعض المواضع مرادا منه نوع خاص، إلا أنه اسم عامّ يجب أن يبقى على عمومه، لا يخرج منه شيء إلا ما يخرجه الدليل. والدليل هنا غير موجود.

والجدال «1» فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي هو الفتل، يقال: زمام مجدول، مفتول، والجديل: الزمام، لأنه لا يكون إلا مفتولا، وسمّيت المخاصمة جدالا، لأنّ كلا من الخصمين يودّ لو يقدر على فتل صاحبه، وقد ذكر المفسّرون وجوها كثيرة في تفسير هذه الكلمات، وكلها تخرجها عن عمومها، وخيرها ما ذكره القاضي من أن المراد من الآية الحثّ والترغيب على الأخلاق الفاضلة، فهي خبر لفظا، نهي معنى، ويراد من الرفث: الجماع ومقدماته، وقول الفحش. ومن الفسوق جميع أنواع المعاصي، ومن الجدال جميع أنواع الخصام.

وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أعدوا عدتكم بسفركم لملاقاة ربّكم يوم العرض عليه، وتزوّدوا من التقوى، فإنّها خير زاد يبلغ بكم السلامة والعافية.

قال الأعشى:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى

ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا

(1) الجدال: المراء والخصومة انظر، لسان العرب لابن منظور (11/ 105) .

ص: 118

ندمت على ألا تكون كمثله

وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا

وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فإنّ الجدير بأصحاب العقول أن يتسلّحوا بالتقوى من مفرّهم إلى مقرّهم.

قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) لما كان الله تعالى قد منع الجدال في الحجّ، وكانت المعاملات التجارية تفضي إلى الجدال والمخاصمة، فكانت التجارة مظنّة المنع، وأيضا لما حظر لبس المخيط، والإنسان قد يكون شديد الحاجة، وكانت التجارة مظنّة الحظر، فمن أجل ذلك قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.

وقد روى عطاء أن ابن مسعود وابن الزبير كانا يقرءان (أن تبتغوا فضلا من ربّكم في مواسم الحجّ) ومن هنا قال بعض المفسرين: الفضل هنا التجارة، ونظيره قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: 20] .

وقد روي في سبب النزول عن ابن عباس «1» أنه قال: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج، وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية. وبالغوا في الاحتراز من الأعمال، إلى أن امتنعوا من إغاثة الملهوف، فأزال الله هذا الوهم، وبيّن أن لا جناح في التجارة.

هذا هو الذي حمل جمهور المفسرين على أن يذهبوا إلى أنّ المراد التجارة في أيام الحج.

وذهب أبو مسلم إلى أن المراد التجارة بعد انقضاء أعمال الحج، والتقدير عنده: فاتقون في كلّ أعمال الحج، ثم بعد ذلك لا جناح عليكم، وهو نظير قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] .

وظاهر الآية يأبى هذا، فإنه قال بعد هذه الآية: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بالفاء، وهو يدل على أن ابتغاء الفضل سابق على ذلك، وقبل عرفات لم يتم الحجّ.

ثم إنهم اتفقوا على أن التجارة المباحة هي التي لا يترتب عليها نقصان في الطاعة ولا تشغله عن أعمال الحج. وأما تلك فهي غير مباحة.

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 186) ، 65- كتاب تفسير القرآن، 34- باب لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ حديث رقم (4519) .

ص: 119

فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ.

الإفاضة: الاندفاع في السير بكثرة، منه: أفاض البعير بجرّته: ألقاها منبثة، وأفاض الأقداح في الميسر: جمعها، ثم ألقاها متفرقة. وإفاضة الماء من هذا.

والإفاضة في الحديث: الاندفاع فيه بكثرة، وتصرّف في وجوهه.

فمعنى قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم أنفسكم بكثرة مِنْ عَرَفاتٍ جمع عرفة، هي اسم لموضع واحد، ولكنه لسعته، ووقوف الناس فيه جماعات وأفرادا، وموضع كل فرد وجماعة منه بالنسبة إليها في حجها عرفة، قيل له عرفات من أجل ذلك.

واليوم التاسع من ذي الحجة يقال له: يوم عرفة، لأنه يوم الوقوف بعرفة.

والوقوف بعرفة ركن، لا يدرك الحجّ إلا من أدركه، ولا نعلم خلافا بين العلماء في ذلك، إلا ما روي عن الحسن أنه قال: إنه واجب، من أدركه فقد أدّاه، ومن لا، فيكفيه الوقوف بجمع.

وفي الآية دلالة على أنّ الوقوف بعرفة لا بدّ منه، لأنه قد رتّب عليه الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وهو واجب مشروط بالإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات تستدعي الوجود في عرفات، وما لا يتمّ الواجب ألا بوجوده فهو واجب، والمشعر الحرام المراد منه: المزدلفة. والوقوف بها قيل: سنة، وقيل: واجب. وعن علقمة وقتادة أنهما قالا: إن الوقوف بها ركن.

وقد اختلف في الذكر المطلوب عند المشعر الحرام، فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاة المغرب، وصلاة العشاء بمزدلفة، ولعل في

قوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله أن يصلّي في الطريق «الصلاة أمامك» «1»

إشارة إليه.

وقال بعضهم: بل المراد الذكر باللسان: من التسبيح، والتحميد، والتهليل والتلبية، وقد ورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال: كان الناس في هذه الليلة لا ينامون.

وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أي واذكروه لهدايته إياكم، على حدّ قوله: كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

وقد قيل: إنه كرّر الأمر بذكر الله لأنّ الأمر الأوّل ذكر لساني، والآخر قلبي، ويحتمل أنه كرّر الأمر بالذكر للحث على مواصلة الذكر، كأنه قيل: واذكروه واذكروه، أي اذكروه ذكرا بعد ذكر، ويرجع في المعنى إلى قوله تعالى:

(1) رواه مسلم في الصحيح (2/ 934) ، 15- كتاب الحج، 47- باب الإفاضة من عرفات حديث رقم (276/ 1280) . [.....]

ص: 120

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)[الأحزاب: 41] وقد قيل: إن المراد بالهداية: هدايتهم إلى سنة إبراهيم، وقيل: بل هي عامة.

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) الجمهور على أنّ المراد من هذه الإفاضة الإفاضة من عرفات، ويؤيدهم ما روي في أسباب النزول: من أنّ الآية أمر لقبيلة قريش، ومن دان دينها وهم الحمس، كانوا لا يتجاوزون المزدلفة، لأنّها من الحرم «1» ، وعرفة في الحل، والحرم معظّم عندهم، وقصر الوقوف على عرفة ربما أشعر بمزيتها على الحرم، فأنزل الله هذه الآية ليقفوا حيث يقف الناس، ويفيضوا من حيث يفيضون، لا يشذّون عنهم.

وذهب الضّحاك إلى أن المأمور به هنا هو الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر.

وقد استشكل الفخر الرازي كلا من القولين:

أما الأول: فلأنّ قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يدل بظاهره على إفاضة غير الإفاضة المذكورة في قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ لأنها معطوفة عليها بثمّ، هي للترتيب، ولو كانت هي للعطف، لكان ذلك عطفا للشيء على نفسه.

وقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة:

منها أن ثمّ بمعنى الواو.

ومنها أن ثمّ للترتيب الذكري.

ومنها أن ثُمَّ أَفِيضُوا معطوف على قوله: وَاتَّقُونِ، وقد أجاز بعضهم أن تكون هذه الآية متقدمة على تلك. ولكنه مجرد احتمال.

واستشكل قول الضحّاك بأن الذي ذهب إليه يتمشى إذا أريد بقوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الزمان الذي يفيضون فيه، مِنْ حَيْثُ يأبى هذا، لأنها للمكان لا للزمان.

وقد أجاب عنه بأن التوقيت بالزمان كالتوقيت بالمكان، فلا يبعد استعارة اللفظ الدالّ على أحدهما للدلالة على الآخر وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

قال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 186) ، 65- كتاب تفسير، 35- باب ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ حديث رقم (4520) ، ومسلم في الصحيح (2/ 893) ، 15- كتاب الحج، 21- باب في الوقوف حديث رقم (151/ 1219) .

ص: 121

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) لما كانت أعمال الحج كثيرة، وهي لا تخلو عن تقصير، أمرهم بالاستغفار، وقد يكون فيه إشارة إلى ترجيح أن الإفاضة المأمور بها هي من عرفات، على نحو ما ورد في سبب النزول، فكأنّ ما وقع من الحمس يؤاخذ عليه، فلذلك طلب منهم الاستغفار.

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً. روى ابن عباس أنّ العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار. فلما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام أمرهم بأن يذكروه كذكرهم لآبائهم.

وروى القفال عن ابن عمر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء يوم الفتح، يستلم الركن بمحجنه «1» ، ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس! إنّ الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها! إنما النّاس رجلان: برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيّن على الله، والنّاس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، ثم تلا:

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ.. [الحجرات: 13] ثم قال:

«أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» «2» .

والمراد من قضاء المناسك الفراغ منها، والمناسك جمع منسك، وهو مصدر، بمعنى النسك، أي العبادة، والمعنى فإذا فرغتم من عبادتكم التي أمرتم بها في الحج فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.

اختلفوا في هذا الذكر المأمور به، فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبير بعد الصّلاة في يوم النحر وأيام التشريق، لأنّه لم يعرف في هذه الأيام ذكر خاص إلا هذا الذكر. وقيل: بل كان القوم في الجاهلية اعتادوا ذكر مفاخرهم، وتعداد مناقبهم، وآبائهم، فأمرهم الله هذا ليحوّلهم عن هذه العادة القبيحة، وقيل غير هذا.

كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً معناه: أنّ الأجدر بكم، وقد أنعم الله عليكم بشهود الحجّ أن تشتغلوا بذكر الله، لا بذكر آبائكم، يعني تتوفّروا على ذكره، كما كنتم تتوفرّون على ذكرهم، بل هذا أولى، لأن ذكركم وثناءكم على آبائكم قد يكون كذبا.

(1) عصا معوجة، انظر لسان العرب لابن منظور (13/ 108) .

(2)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 363) ، كتاب التفسير باب ومن سورة الحجرات حديث رقم (3270) .

ص: 122

وذهب أبو مسلم إلى أنه مثل في المداومة على ذكر الله، لأنه قد تركز في طبيعة الإنسان أن يذكر آباءه ولا ينساهم، وقوله: أَوْ أَشَدَّ معناه بل أشد.

فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) .

لما أمر الله تعالى بالذكر ذكر عقبه ما يكون من الناس في الدعاء، ليأخذوا بأحسن الأحوال، ويتركوا غيره، فقال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ.. الآية فقسّم الناس في الدعاء إلى قسمين:

قسم يقصر دعاءه على أمور الدنيا، والاستزادة من خيراتها، ويسكت عن الآخرة، وكأنّها لا تخطر له على بال، ولا يعنيه من أمورها شيء، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ الخلاق: النصيب.

وقسم يحرص على طلب خيرى الدنيا والآخرة، وهؤلاء سيؤتيهم الله نصيبهم غير منقوص أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا.

وقد قيل: إن الإشارة في قوله: أُولئِكَ راجع إلى الفريقين: يعني الذين طلبوا الدنيا فقط، والذين طلبوهما معا.

وقيل: بل هو راجع للقسم الثاني فقط، والدليل عليه أن الله ذكر حكم الفريق الأول بقوله: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.

قد يقال: كيف رجع قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا إلى الفريق الثاني، مع أنه مشعر بتحقير الجزاء؟

ويجاب عنه بأنّ المراد: لهم نصيب في الدنيا والآخرة يبتدئ من كسبهم، فمن لابتداء الغاية، لا للتبعيض، والكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله، وقد يكون نفعا، وقد يكون ضررا، وقد اختلف في المراد بالفريق المقصود بقوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فقيل: هم الكفار، كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة، فأخبر الله أن من كان من هذا القبيل فلا خلاق له في الآخرة.

وقيل: هؤلاء قد يكونون مؤمنين، ولكنهم يسألون الله لدنياهم لا لأخراهم، وهو سؤال يعدّ ذنبا في هذه المواقف العظيمة، حيث يسألون فيها حطام الدنيا، ويعرضون عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة.

قيل: الحسنة في الدنيا عبارة عن: الصحة والأمن والكفاية والولد الصالح

ص: 123

والزوج الصالحة والنصرة على الأعداء. وأما الحسنة في الآخرة فهي: الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب.

وبالجملة، فقوله: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ حساب الله آت لا محالة، وما دام محقق الوقوع، فهو قريب سريع.

قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وقد ورد الذكر في الحج في الأيام مرتين، فمرة في سورة البقرة بلفظ المعدودات، وهي الآية التي معنا وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ومرة في سورة الحج بلفظ معلومات في قوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الحج: 28] فذهب الشافعيّ رضي الله عنه إلى أنّ المعلومات هي العشرة الأوائل من ذي الحجة، آخرها النحر، وأما المعدودات فهي ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق.

وقد أكد القفّال هذا بما رواه في تفسيره أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر مناديا ينادي: «الحجّ عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحجّ. وأيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه» «1»

وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي: أيام التشريق.

قال الواحدي «2» : أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذه الأيّام الثلاثة مع يوم النحر كلّها أيام نحر، وأيام رمي الجمار هذه الأيام الأربعة، وهي مع يوم عرفة أيام التكبير عقيب الصلوات على ما سنذكره، ثم إن المراد بالذكر في هذه الأيام الذكر عند الجمرات، والذكر أدبار الصلوات، لم يخالف أحد في ذلك، إنما الخلاف في بدء هذه الصلوات وانتهائها.

فقيل: إنها تبدأ من ظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات التي يكبّر عقبها خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وبه قال مالك، والشافعي في أحد قوليه.

وعن الشافعي: أنه يبدأ بالتكبير من صلاة المغرب ليلة النحر، وعنه أنّه يبدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة، ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، وهي رواية عن أبي حنيفة.

(1) رواه أبو داود في السنن (2/ 147) ، كتاب المناسك باب من لم يدرك عرفة حديث رقم (1949) ، والنسائي في السنن (5- 6/ 292) ، كتاب المناسك، باب فيمن لم يدرك الصبح في مزدلفة حديث رقم (3044) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 237) ، كتاب الحج باب فيمن أدرك الإمام حديث رقم (889) .

(2)

علي بن أحمد بن محمد أبو الحسن الواحدي النيسابوري. مفسّر عالم بالأدب توفي سنة (468 هـ) انظر الأعلام للزركلي (4/ 255) .

ص: 124

وعن الشافعي أيضا: أنه يبدأ التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات ثلاثا وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة: كعلي وعمر وابن مسعود، وابن عباس ومن الفقهاء: الثوري وأبو يوسف، ومحمد وأحمد وإسحاق، والمزني، وابن سريج «1» ، وعليه عمل الناس في البلدان.

وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلّى الصّبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال:

«الله أكبر» ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق.

وأمّا عدد التكبيرات فيعرف في الفقه فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى.

معناه: من تعجّل في الإتيان بالمطلوب في الثلاثة، بأن جعله في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر بأن أوقعهن في الثلاثة، بأن ترك رخصة التعجل، فلا إثم عليه.

وقيل: إن المعنى فَمَنْ تَعَجَّلَ بأن نفر من منى في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن تأخر عن الثلاثة بأن بقي إلى الرابع فلا إثم عليه، وقد قيل غير هذا، فارجع إليه في الفقه إن شئت.

لِمَنِ اتَّقى المعنى: أنّ هذه المغفرة إنما تكون للمتقين الذين لم يلبسوا حجهم بالمظالم والمآثم، كما قال الله تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] .

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تأكيد للأمر بالتقوى، وحمل على التشديد فيه، والحشر: اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف. وذلك يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)[الانفطار: 19] .

قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)

خَيْرٍ: المراد به هنا المال.

اليتيم: من فقد والده وهو صغير، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم.

المسكين: من عجز عن كسب ما يكفيه، وسكن إلى الرضا بالقليل.

ابن السبيل: المسافر، وسمّي به لملازمته إياه، كما يقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: ابن الأيام والليالي.

يقول الله تعالى: يسألك أصحابك يا محمد أي شيء ينفقونه من أموالهم في الصدقة؟ وعلى من ينفقون؟

(1) أحمد بن عمر بن سريج البغدادي أبو العباس من كبار فقهاء الشافعية ولد وتوفي في بغداد، انظر الأعلام للزركلي (1/ 185) .

ص: 125

فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه لآبائكم، وأمهاتكم وأقربائكم واليتامى منكم، الذين مات كافلهم، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب والمسافرين الذين انقطعت بهم السبل وما تأتوا من خير فإنّ الله به عليم، فيجازيكم عليه. وقد اختلف في هذه الآية.

1-

فقيل: إنها منسوخة بآية الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة: 60] .

2-

وقيل: إنها غير منسوخة، وهو الأولى وهي لبيان صدقة التطوع، فإنّه متى أمكن الجمع فلا نسخ.

وقد بينت الآية أنّ صدقة التطوع في الوالدين والأقربين أفضل، ويدل على ذلك ما

روي عن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر النّساء، تصدّقن ولو من حليّكنّ» . فقالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود لزوجها: أراك خفيف ذات اليد فإن أجزأت عنّي فيك صرفتها إليك، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته فقالت: أتجزئ الصدقة على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «نعم، ولك أجران:

أجر الصدقة وأجر القرابة» «1» .

وفي رواية: «زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت عليه» «2» .

وروى النّسائي وغيره أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يد المعطي العليا. أباك، وأمّك وأختك، وأخاك، وأدناك أدناك» «3» .

وروى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها» «4» .

قال قيل: إنهم سألوا عن المنفق، وأجيبوا ببيان المنفق عليهم، فلم يتطابقا؟

قيل: إن ذلك على أسلوب الحكيم. فقد سألوا عن شيء، وأجابهم عما هو أهم منه، وهو بيان مواطن الإنفاق، لأنّ الإنفاق لا يحدث الخير الذي يؤدي إليه حتى يصادف موقعه. قال الشاعر:

إنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة

حتّى يصاب بها طريق المصنع

(1) رواه البخاري في الصحيح (2/ 155) ، 24- كتاب الزكاة، 48- باب الزكاة على الزوج حديث رقم (1466) ، ومسلم في الصحيح (2/ 694) ، 12- كتاب الزكاة 14- باب فضل النفقة حديث رقم (45/ 1000) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (2/ 154) ، 24- كتاب الزكاة، 44- باب الزكاة على الأقارب حديث رقم (2/ 146) .

(3)

رواه أحمد في المسند (2/ 226) .

(4)

رواه مسلم في الصحيح (2/ 692) ، 12- كتاب الزكاة، 13- باب الابتداء في النفقة حديث رقم (41/ 997) .

ص: 126

ومن نظر إلى أحوال مصر وجد الإحسان فيها فوضى، وما أحوجها إلى عمل ينتظم به الإحسان، ليقع موقعه، ويصيب أهله.

قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) .

كتب: فرض.

الكره بالضم: ما حمل الرجل نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه. والكره بالفتح: ما حمله عليه غيره، قال معاذ بن مسلم «1» الكره: المشقة، والكره: الإجبار، وقال بعضهم: الكره والكره لغتان بمعنى واحد، كالغسل والغسل، والضعف والضعف، وقيل: هو بفتح الكاف اسم، وبالضم مصدر. وهو إما على حذف مضاف. أي ذو كره، أو من باب الوصف بالمصدر مبالغة كقولها:

فإنّما هي إقبال وإدبار وقيل: إن المصدر أقيم مقام اسم المفعول.

المعنى: فرض عليكم أيها المسلمون قتال الكفار، وهو كره لكم، ولعلّكم تكرهون شيئا وهو خير لكم، ولعلكم تحبون شيئا وهو شرّ لكم، إذ هم يكرهون القتال وفيه الفتح والغنيمة والشهادة والقوة. ويحبون القعود، وفيه الذلّ والاستعباد، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم. فلا تكرهوا ما فرض عليكم من القتال. فإنّه يعلم أنه خير لكم في عاجلكم، ولا تحبوا القعود، فإنّه شر لكم، فإنّ الدنيا بنيت على التدافع، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله، وقد اختلف في الذين كتب عليهم القتال في هذه الآية:

1-

قال الأوزاعي: نزلت في الصحابة، فهم الذين كتب عليهم الجهاد، وبه قال عطاء.

2-

وقال غيرهما: إنّ القتال قد كتب على جميع المسلمين، لكن تختلف الحال، فإن كان الإسلام ظاهرا فهو فرض على الكفاية، وإن كان العدو ظاهرا فهو فرض على الأعيان، حتّى يكشف الله ما بهم، وهذا هو الظاهر.

وقد روى البخاري عن مجاشع: قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي، فقلت: بايعني على الهجرة، فقال:«مضت الهجرة لأهلها» «2» .

قلت: علام تبايعنا؟

(1) أبو مسلم الهرّاء النحوي أديب معمر، من أهل الكوفة، انظر الأعلام للزركلي (7/ 258) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (4/ 11) ، 56- كتاب الجهاد، 110- باب البيعة في الحرب حديث رقم (2962، 2963) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1487) ، 33- كتاب الإمارة حديث رقم (83/ 1863) .

ص: 127

قال: على الإسلام، والجهاد.

وقد روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» «1» .

قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) .

قِتالٍ بدل من الشهر.

كَبِيرٌ عظيم.

وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مبتدأ وخبره أكبر عند الله.

وَكُفْرٌ بِهِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف عليه. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله.

وَالْفِتْنَةُ الشرك.

يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يرجع عنه.

حَبِطَتْ بطلت، وبطلانها ذهاب ثوابها.

ذكر في أسباب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش- وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب، مقفله من بدر الأولى، ليأتوه بأخبار قريش، ولم يأمرهم بقتال، فمضوا، حتى كانوا بنجران، فأضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا يطلبانه، ومضى القوم حتّى نزلوا نخلة، فبينما هم كذلك إذ مرت بهم عير لقريش فيهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل. وأشرف لهم عكّاشة بن محصن من أصحاب عبد الله بن جحش، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقا قالوا: عمّار فليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:

لئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلنّ في هذه الليلة الحرم، فليمتنعنّ منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الملك التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل،

(1) رواه البخاري في الصحيح (3/ 1488) ، 33- كتاب الإمارة، 20- باب المبايعة بعد الفتح حديث رقم (88/ 1866) .

ص: 128

واستاقوا العير، فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم:«ما أمرتكم بالقتال في الشّهر الحرام» فوقّف رسول الله الأسيرين والعير، فسقط في أيديهم، وظنّوا أن قد هلكوا، وقالت قريش: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال، وأسر الرّجال، واستحلّ الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ الآية، فأخذ النبي العير، وفدى الأسيرين «1» .

وفي بعض الروايات أن قريشا لما بلغهم الخبر أرسلوا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أيحلّ القتال في الشهر الحرام فنزلت.

وقال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا.. الآية.

المعنى: يسألك يا محمد أصحابك عن القتال في الشهر الحرام، وهو رجب، قل: قتال فيه إثم كبير وصدّ قريش عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله، وإخراجكم من المسجد الحرام وأنتم أهله، كلّ أولئك أكبر إثما عند الله من قتل من قتلتم منهم وقد كانوا يفتنون المسلم عن دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل، أي أنكم أيها المسلمون ترتكبون أخفّ الضررين، وأهون الشرين، وتزيلون إثما كبيرا بما هو أقلّ منه.

وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا أي: هم مقيمون على الشر والمنكر، ومن يرجع منكم عن دينه، فيمت وهو كافر قبل أن يتوب، فهم الذين بطلت أعمالهم، وذهب ثوابها والأجر عليها، وهم أهل النار المخلّدون فيها، الماكثون فيها من غير أمد ولا نهاية.

إنّ الّذين صدّقوا بالله، والذين هاجروا مساكنة المشركين فيها في ديارهم، وكرهوا سلطان المشركين، فتحوّلوا عنه خوفا من أن يفتنهم المشركون، وحاربوهم في دين الله، أولئك يطمعون في رحمة الله، والله ساتر ذنوب عباده، ورحيم بهم، ومن المهاجرين عبد الله بن جحش وأصحابه، فنزلت هذه لتطمينهم.

وعلى الرواية الثانية- وهي أنّ وفدا من المشركين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام- يكون المعنى: إن المشركين متناقضون، يتمسّكون بحرمة الشهر الحرام، ويفعلون ما هو أكبر من ذلك: من الصد عن سبيل الله، ومع الكفر به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه والفتنة التي فتنوا بها بعض المسلمين عن دينهم أكبر إثما عند الله، فهم كمن يبصر القذاة في عين أخيه، ويغفل عن الخشبة المعترضة في عينه.

(1) ذكره الإمام الواحدي النيسابوري في كتابه أسباب النزول صفحة (64) . [.....]

ص: 129