المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه - تفسير آيات الأحكام - السايس

[محمد علي السايس]

فهرس الكتاب

- ‌[المقدمة]

- ‌أمّا بعد

- ‌وعملنا في الكتاب

- ‌سوره الفاتحة

- ‌القول في البسملة

- ‌شرح المفردات

- ‌شرح المفردات

- ‌حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة

- ‌الأحكام التي تؤخذ من الفاتحة

- ‌من سورة البقرة

- ‌ما يؤخذ من الآية من الأحكام

- ‌أقسام النسخ

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌المرتد

- ‌ما هي الخمر

- ‌تحريم الميسر

- ‌الاحكام

- ‌سبب تحريم الربا

- ‌الأحكام

- ‌من سورة آل عمران

- ‌من سورة النساء

- ‌خاتمة

- ‌آيات المواريث

- ‌ميراث الأولاد

- ‌ميراث الأبوين

- ‌مسألة العمريتين

- ‌ميراث الأزواج والزوجات

- ‌ميراث الكلالة

- ‌ما يحرم من النساء

- ‌السبع اللاتي حرّمن من النسب

- ‌السبع المحرمات بغير النسب

- ‌تحريم ذوات الأزواج

- ‌شرح المفردات

- ‌من سورة المائدة

- ‌شرح المفردات

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌ الأحكام

- ‌وهاهنا أمور

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌من سورة الأنعام

- ‌من سورة الأعراف

- ‌من سورة الأنفال

- ‌ما يستنبط من الآية

- ‌ما يستفاد من الآيات

- ‌من سورة التوبة

- ‌يؤخذ من الآية ما يأتي

- ‌بيان الأصناف الثمانية

- ‌سبب النزول

- ‌من سورة النحل

- ‌من سورة الإسراء

- ‌من سورة الحج

- ‌ما في الآيات من الأحكام

- ‌ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك

- ‌ولمن أجاز مطلقا حجج:

- ‌من سورة النور

- ‌حدّ الزنى

- ‌أدلة الخوارج والرد عليها

- ‌دليل الظاهرية والرد عليهم

- ‌أقوال الفقهاء في النفي

- ‌أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن

- ‌الكلام فيمن يلي الحد

- ‌حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم

- ‌صفة الجلد

- ‌تحريم الشفاعة في الحدود

- ‌حضور الحد

- ‌الكلام في نكاح الزناة والمشركين

- ‌حد القذف

- ‌اللعان

- ‌سبب نزول آيات اللعان

- ‌شروط المتلاعنين

- ‌كيفية اللعان

- ‌ما يترتب على اللعان

- ‌الاستئذان في دخول البيوت

- ‌حكم النظر وإبداء الزينة

- ‌الترغيب في النكاح

- ‌مكاتبة الأرقاء

- ‌الإكراه على البغاء

- ‌الكلام في بلوغ الصبي

- ‌من سورة لقمان

- ‌من سورة الأحزاب

- ‌الأحكام

- ‌من سورة سبأ

- ‌من سورة ص

- ‌من سورة الأحقاف

- ‌من سورة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من سورة الحجرات

- ‌من سورة الواقعة

- ‌من سورة المجادلة

- ‌من سورة الحشر

- ‌من سورة الممتحنة

- ‌من سورة الجمعة

- ‌من سورة الطلاق

- ‌من سورة التحريم

- ‌من سورة المزمل

الفصل: واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه

واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفرج» «1» .

وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي.

إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم.

قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33)

‌شرح المفردات

التنوين في كلمة كُلِّ عوض عن مضاف إليه مفرد، سيأتي بيانه.

والموالي جمع مولى، لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق: مولى، لأنه ولي النعمة في عتقه، ويسمّى مولى النعمة، ويقال للعبد المعتق: مولى، ويقال للحليف: مولى، ويقال للناصر: مولى، ويقال للعصبة، موالي، وهذا الأخير هو الأليق بهذه الآية الكريمة، ويؤيده ما

روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أولى الناس بالمؤمنين، من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه» «2» .

والأيمان جمع يمين، ومعناه هنا اليد اليمنى، وإسناد العقد إلى الأيمان مجاز، لأنه كان من عادتهم أن يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.

واختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ فذكروا لذلك أوجها نجملها لك فيما يلي:

1-

ولكلّ إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك، وهنا تمّ الكلام ويكون قوله تعالى: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ جوابا عن سؤال مقدّر نشأ من الجملة السابقة، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، أو قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، فالوالدان والأقربون إما أن يكونوا الوارثين أو المورثين، وعلى كل فالكلام جملتان.

(1) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 528) ، كتاب الدعوات باب في انتظار الفرج، حديث رقم (3571) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (3/ 116) ، 43- كتاب الاستقراض، 11- باب الصلاة على من ترك دينا حديث رقم (2399) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1238) ، 23- كتاب الفرائض، 4- باب من ترك مالا، حديث رقم (14/ 1619) .

ص: 278

2-

ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين، فالجار والمجرور في قوله: مِمَّا تَرَكَ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، و (ما) بمعنى من، والكلام جملة واحدة.

3-

ولكل قوم جعلناهم وارثا نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون في الكلام مبتدأ محذوف، ويكون قوله: مِمَّا تَرَكَ صفة ذلك المبتدأ، وقوله: لِكُلٍّ خبره، والكلام جملة واحدة.

4-

ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون جعلنا ورثة يلونه ويحوزونه، وعليه يكون لِكُلٍّ متعلقا بجعلنا، مِمَّا تَرَكَ صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا.

وأما قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فالراجح فيه أنه جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلّفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.

وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على وجوه نذكرها فيما يلي:

1-

أنّ المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث، ثم نسخ.

أخرج ابن جرير «1» وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقسّم أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ ذلك بعد في سورة الأنفال بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: 8] وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره.

2-

أن المراد بهم الأدعياء، وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب، ثم نسخ بآية الأنفال.

3-

أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بما تلونا «2» .

4-

يرى أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بهم الأزواج، والنكاح يسمى عقدا.

5-

يرى الجبائي أنّ المراد بهم الموالي، وأنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (5/ 34) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (5/ 211) ، 65- كتاب التفسير، 7- باب وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ حديث رقم (4580) .

ص: 279

معطوف على الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ويختار الوجه الرابع في تأويل قوله تعالى:

وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ إلخ أي ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون، والذين عقدت أيمانكم موالي، أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى الوارث.

6-

أنّ المراد بهم الحلفاء، يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة.

أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي لهم، وروي عن مجاهد مثله.

7-

يرى الأصم أن المراد بهم الحلفاء، يؤتون من التركة على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أي أن يعطى شيئا.

وبعد فقد اختلف فقهاء الأمصار في توريث موالي الموالاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.

وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين.

احتج الحنفية بهذه الآية وبالحديث، أما وجه الدلالة في الآية فهو أنّ قوله تعالى:

وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقتضي ظاهره نصيبا ثابتا لهم، والنصرة والنصيحة والوصية ليست بنصيب ثابت، فتأويل الآية على النصيب الثابت المسمى في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم الخطاب من تأويل الآخرين، فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيبا من الميراث، وقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ لم ينسخ هذا الحكم، إنما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة، كحدوث ابن لمن له أخ، لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلا أن الابن أولى منه، وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له.

وأما

الحديث فهو ما روي عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» «1» فقوله: «هو أولى الناس بمماته»

يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.

وقال المالكية والشافعية: لا دلالة في الآية على أنّ الحليف يرث، لأن دلالتها على ذلك موقوفة على ثلاثة أمور.

(1) رواه أبو داود في السنن (3/ 48) ، كتاب الفرائض، باب في الرجل يسلم على يدي الرجل حديث رقم (2902) .

ص: 280

أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء.

وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث.

وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة.

وقد علمت اختلاف المفسرين من السلف في تأويل الآية، وأن الذين أوّلوا الموصول بالحلفاء قالوا بنسخ الحكم، أو حمل النصيب على غير الميراث، على أنّ الآية في بعض وجوه التأويل تدل على عدم توريثهم، كما تقدم قريبا عن الجبائي.

وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث، فإنّه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومعونته وحفظه بعد موته يكونان بحفظ أولاده ورعاية مصالحهم ومعونتهم، ومع ذلك فهو معارض بما

رواه جبير بن مطعم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» «1»

فهذا الحديث يقتضي بطلان حلف الإسلام، ومنع التوارث به، فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة وجوه فالأشبه الرجوع بها إلى ما قاله أئمة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، فإنّهم أعرف منا بالناسخ والمنسوخ، وقد قالوا: إنها منسوخة بآية الأنفال، وظاهر قول ابن عباس:«وقد ذهب الميراث» أن الحليف كان له على حليفه النصرة والنصيحة، وكان له نصيب في تركته، فلما نزلت آية الأنفال نسخت نصيبه من الميراث وبقي ما كان له من النصرة والمشورة.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي أنه سبحانه لم يزل عالما بجميع الأشياء، مطلعا على جليها وخفيها، فيعلم من آتى الوارثين حقهم ومن منعهم، وسيجازي كلّا من المؤتي والمانع على حسب ما عمل، فهي في هذه الحالة وعد للطائعين ووعيد للعاصين.

قال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) قوّام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوّام على امرأته، كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر والنهي والحفظ والصيانة.

والقنوت: دوام الطاعة.

(1) رواه مسلم في الصحيح (4/ 1961) ، 44- كتاب فضائل الصحابة، 50- باب مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (206/ 2530) . [.....]

ص: 281

وأصل النشز بسكون الشين وفتحها المكان المرتفع، فالنشوز الترفع الحسي، ثم توسّع فيه، فاستعمل في الترفع مطلقا، والمراد بالنشوز هنا العصيان والترفع عن المطاوعة.

والعظة: النصيحة والزجر.

المضاجع: مواضع الاضطجاع.

وروى مقاتل أن سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعوا، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية، وتلاها النبي صلى الله عليه وسلم.

جعل الله للرجال حقّ القيام على النساء بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة، وعلّل ذلك بسببين:

أولهما: ما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، ولذلك خصّ الرجال بالرسالة، والنبوة، والإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر:

كالأذان، والإقامة، والخطبة، والجمعة، والجهاد، وجعل لهم الاستبداد بالفراق والرجعة وإليهم الانتساب، وأباح لهم تعدد الأزواج، وخصهم بالشهادة في أمهات القضايا، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب، إلى غير ذلك.

وثانيهما: ما ألزمه الله إياه من المهر والسكنى والنفقة.

وقد دلت الآية على أمور:

1-

تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف.

2-

أنّ للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج.

3-

أن له حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأن الله جعله قوّاما عليها بصيغة المبالغة، والقوّام الناظر على الشيء، الحافظ له، والمالكية يقولون بهذا المبدأ على تفصيل فيه، محلّه كتب الفروع.

4-

وجوب النفقة على الزوج لزوجته.

5-

أنّ على الزوجة طاعة زوجها إلا في معصية الله،

وفي الخبر: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «1» .

6-

أنّ لها حق المطالبة بفسخ النكاح عند إعسار الزوج بالنفقة أو الكسوة، لأنه

(1) رواه ابن ماجه في السنن (1/ 595) ، كتاب النكاح، باب حق الزوج حديث رقم (1852) .

ص: 282

إذا خرج عن كونه قواما عليها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، وهذا مذهب المالكية والشافعية.

أما الحنفية فيقولون: ليس لها حق الفسخ لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280] .

فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ هذا شروع في تفصيل أحوال النساء، وكيفية القيام عليهن، بحسب اختلاف أحوالهن، وقد قسّمهن الله قسمين:

طائعات، وناشزات.

فالمرأة القانتة التي تطيع ربها، وتطيع زوجها، وتحفظه في نفسها وعفتها، وفي ماله وولده في حال غيبته- وهي في حضوره أحفظ- مثل هذه يقال لها امرأة صالحة وكفى.

وأما المرأة الناشز فطريق القيام عليها بالتأديب والتقويم هو ما قال الله تعالى:

وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ إلخ.

وظاهر قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ إلخ أنه خبر، وبعض العلماء يقول المراد به الأمر بالطاعة، فالمعنى: لتطع المرأة زوجها، ولتحفظه في نفسها وفي ماله، حتى تكون امرأة صالحة للحياة الزوجية، تستحق جميع حقوق الزوجة الصالحة.

ويؤيد ذلك قوله تعالى: بِما حَفِظَ اللَّهُ فإنّ معناه، أنّ عليهن أن يطعن أزواجهن، ويحفظنهم، في مقابلة ما حفظه الله لهن من حقوق قبل الأزواج من مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، فهو جار مجرى قولهم: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك، وعليه تكون (ما) اسم موصول.

وقيل: معنى بِما حَفِظَ اللَّهُ إن السبب في طاعتهن وحفظهن أزواجهن هو حفظ الله لهن، وعصمته إياهن، ولولا أنّ الله حفظهن وعصمهن ما حفظن أزواجهن، وعليه تكون (ما) مصدرية.

وقد أخرج البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى قوله تعالى:

حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ.

وفي «الصحيح» «1»

«نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على ولد، وأرعاه على زوج في ذات يده» .

(1) رواه مسلم في الصحيح (4/ 1958) ، 44- كتاب فضائل الصحابة، 49- باب من فضائل نساء قريش، حديث رقم (200/ 2527) .

ص: 283

وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ.

هذا هو القسم الثاني من قسمي النساء اللاتي جعل الله للرجال حق القيام عليهن، كما سبق، وهو خطاب للأزواج، وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن.

وأصل الخوف فزع القلب عند الشعور بحدوث أمر مكروه في المستقبل، وقد يتوسع فيه، فيستعمل بمعنى العلم، لأنّ خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه، وقد علمت أنّ النشوز هو العصيان، وظاهر الآية ترتب العقوبات المذكورة على خوف النشوز، وإن لم يقع النشوز بالفعل، وهو بعيد، لذلك أوّل العلماء هذه الآية عدة تأويلات، فمنهم من فسّر الخوف بالعلم، ومنهم من قدر مضافا: تخافون دوام نشوزهن، أو أقصى مراتب نشوزهن.

ومنهم من قدر معطوفا محذوفا: تخافون نشوزهن ونشزن.

ومنهم من أبقى الخوف على أصله، وجعل جزاءه الوعظ فقط، تخافون نشوزهن بظهور أماراته، كخشونة بعد لين، وتعبيس بعد طلاقة، وإدبار بعد إقبال، ومتى ظهرت هذه الأمارات كان للزوج أن يعظها فقط، ويخوّفها عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، فإن لم تمتثل كان ذلك نشوزا محققا، وله فيه الوعظ والهجران والضرب.

والمراد بالوعظ أن يقول لها مثلا: اتقي الله! فإنّ لي عليك حقا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك.

واختلفوا في معنى الهجران في المضاجع، فقيل: إنه كناية عن ترك جماعهن، وقيل: المراد تركهنّ منفردات في حجرهنّ ومحل مبيتهن، فيكون في ذلك ترك جماعهن وترك مكالمتهن، ولا يزيد في هجر الكلام عن ثلاثة أيام.

وفسر العلماء الضرب المباح بأنه الضرب غير المبرح،

أخرج الجصاص «1» عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وأن لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .

وأخرج ابن جرير «2» نحوه، وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه، ومثله عن ابن عباس، وقال سعيد عن قتادة: ضربا غير شائن «3» .

(1) أخرجه الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن (2/ 189) .

(2)

رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 44) .

(3)

المرجع نفسه (5/ 44) .

ص: 284

وقال العلماء: ينبغي ألا يوالي الضرب في محل واحد، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأديب على أبلغ الوجوه.

ومع أنّ الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أنّ تركه أفضل.

أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله عنه قالت: كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال:«ولن يضرب خياركم» «1» .

وروي نحوه عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: «ولا تجدون أولئكم خياركم» «2»

ومعناه أن الذين يضربون أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا، فدل الحديث على أن الأولى ترك الضرب.

واختلف العلماء في هذه العقوبات أهي مشروعة على الترتيب أم لا؟ ومنشأ الخلاف اختلافهم في فهم الآية، فمن رأى عدم الترتيب يقول: الواو لا تقتضيه، والفاء في قوله: فَعِظُوهُنَّ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع على النشوز، فله أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت، وله أن يجمع من غير ترتيب بينها.

ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ وإن دلّ على مطلق الجمع، فإنّ فحوى الآية تدل على الترتيب، إذ الواو داخلة على جزاءات مختلفة متفاوتة واردة على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي إلى الأقوى، فإنّه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى التصريح بأنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد.

وروي عن علي رضي الله عنه ما يؤيد ذلك فإنه قال: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.

تبغوا: تطلبوا، أي: فإن رجعن إلى طاعتكم بعد هذا التأديب فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدّي عليهن. أو: فلا تظلموهن بطريق من طرق التعذيب والتأديب.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً قيل: المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء، والمعنى أنه تعالى قاهر كبير قادر ينتصف لهن، ويستوفي حقهن، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة.

(1) و (2) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (2/ 155) .

ص: 285

وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج، وبعثهم على قبول توبة النساء، والمعنى:

أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.

قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) المراد بالخوف هنا: العلم.

والشقاق: الخلاف والعداوة، وأصله من الشق، وهو الجانب، لأنّ كلّا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر.

و (بين) من الظروف المكانية غير المتصرفة، وإضافة الشقاق إليها توسّع، والأصل شقاقا بينهما، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزّل الظرف منزلة الفاعل أو المفعول، وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، فقيل شِقاقَ بَيْنِهِما.

وقيل: الإضافة بمعنى (في) والضمير في (بينهما) للزوجين لدلالة النشوز- وهو عصيان المرأة زوجها- عليهما.

والخطاب هنا للحكام، فإنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأنّ للزوج أن يعظها، ويهجرها في المضجع، ويضربها، بيّن أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم منهما، ويتوجه حكمه عليهما.

وظاهر الأمر في قوله تعالى: فَابْعَثُوا أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي.

وظاهر وصف الحكمين بأن أحدهما يكون من أهله، والثاني يكون من أهلها أن ذلك شرط على سبيل الوجوب، لكنّ العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا:

إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، وذلك لأنّ فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ طلبا للإصلاح، وأبعد عن الظنّة بالميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس، فيطلعوا على ما في ضمير كلّ من حب وبغض، وإرادة صحبة أو فرقة، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والثاني من أهل الزوجة.

واختلف العلماء فيما يليه الحكمان: أيليان الجمع والتفريق دون إذن الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون إذن منهما؟

ص: 286

فذهب علي وابن عباس والشعبي ومالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين دون إذنهما ما يريان فيه المصلحة، مثل أن يطلق الرجل، أو تفتدي المرأة بشيء من مالها.

فهما عندهم حاكمان موليان من قبل الإمام.

وقال الحسن وأبو حنيفة وأصحابه: ليس للحكمين أن يفرّقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين.

وللشافعي في المسألة قولان.

وليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرأيين:

فالشهادة للرأي الأول أنّ الله تعالى سمّى كلا منهما حكما، والحكم هو الحاكم، وإذا جعلهما الله حاكمين فقد مكّنهما من الحكم.

والشهادة للرأي الثاني أنه تعالى لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوّض إليهما، ولما كانت الآية محتملة للرأيين، ولم يصحّ في المسألة شيء عنه صلى الله عليه وسلم كانت المسألة اجتهادية، وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر، فالترجيح للرأي والقياس، والذي يظهر لنا أنّ القياس يقتضي ترجيح الرأي الثاني، لأنه لا خلاف أنّ الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها لم يجبرها الحاكم على الطلاق، وأنّ الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملكها من غير رضاها.

والضمير في قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يجوز أن يكون للحكمين، ويجوز أن يكون للزوجين، وكذلك الضمير في قوله تعالى يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما والأوفق جعل الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي إن يقصد الحكمان إصلاح ذات البين بنية صحيحة، مع إخلاص النصيحة لوجه الله تعالى، إن يقصدا ذلك يوفق الله بين الزوجين بالألفة والمحبة، ويلقي في نفسيهما الموافقة وحسن العشرة.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق، فإنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها، فيعلم ما يريده كلّ واحد منهم، وسيجازيهم على حسب ما علم.

قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (36) لما أرشد الله كلا من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وندب الحكّام إلى إزالة ما

ص: 287

بينهما من الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى طائفة من خلال الخير، وبيّن لهم أنواعا من الأخلاق الحسنة التي تعلمهم كيف يعامل بعضهم بعضا، وقد ذكر من ذلك في هذه الآية ثلاثة عشر نوعا ما بين مأمور به ومنهي عنه:

1-

أمرنا أن نعبده، والعبادة: المبالغة في الخضوع، ويكون ذلك بفعل ما أمر الله به لمجرد أنه أمر به، وترك ما نهى عنه لمجرد أنه نهى عنه، سواء في ذلك أعمال القلوب- ومنها التوحيد- وأعمال الجوارح.

2-

ونهانا أن نشرك به شيئا: والإشراك ضد التوحيد، فيفهم من النهي عن الإشراك الأمر بالتوحيد، فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام، وقدم في هذه التكاليف ما يتعلّق بحقه تعالى لأمرين:

الأول: أنّ هذا الذي تعلق بحقه تعالى وهو العبادة والإخلاص فيها أساس الدين، ومداره الأعظم، ومن دونه لا يقبل الله من العبد عملا ما.

والثاني: أن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن الأمور الآتية وإن كانت متعلقة بحقوق العباد، لأن قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها رفعة شأن وعظم قدر عند الله.

3-

وأمرنا بالإحسان إلى الوالدين: وقد قرن الله تعالى إلزام برّ الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع من القرآن منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: 23] وقوله جلّ شأنه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما، ووجوب برهما، والإحسان إليهما.

وقد ورد في وجوب بر الوالدين آيات كثيرة، وأحاديث مشهورة، وبر الوالدين طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما.

4-

وإلى ذي القربى: وهو صلة الرحم، على نحو ما ذكر في أول السورة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ والإحسان إلى الأقارب يكون بمودتهم ومواساتهم.

5-

وإلى اليتامى: كما وصّى في أول السورة وفي غيرها، قال ابن عباس:

يرفق بهم يربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم.

6-

وإلى المساكين: والإحسان إلى المسكين إما بالتصدق عليه، وإما برده ردا جميلا، كما قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)[الضحى: 10] .

7-

وإلى الجار ذي القربى: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين.

ص: 288

8-

وإلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره، أو من ليس له مع الجوار قرابة.

أخرج البخاري «1» في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن عمرو أنه ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» .

وأخرج الشيخان «2» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» .

وتحديد الجوار موكول إلى العرف، والإحسان إلى الجار يكون من وجوه: منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة، وكف الأذى عنه، والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه، وقد عد بعض العلماء من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه.

9-

وإلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق في كل أمر حسن كالتعلم والسفر والصناعة، وكمن جلس بجنبك في مسجد، أو مجلس، وغير ذلك.

وعن علي كرم الله وجهه: الصاحب بالجنب المرأة.

10-

وإلى ابن السبيل: وهو المنقطع عن ماله، أو الضعيف، ومعنى ابن السبيل صاحب الطريق، كما يقال لطير الماء ابن ماء، فالمسافر للزومه الطريق سمّي ابن السبيل، والضيف كالمجتاز غير المقيم، فسمّي ابن السبيل تشبيها بالمسافر.

11-

وإلى ما ملكت أيماننا: قال قتادة: هم العبيد والإماء، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال:«كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه» «3» .

وقال بعض العلماء: كلّ حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.

12-

ونهانا عن الاختيال: فإنّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً معناه: أنه يكره المختال الفخور، أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره، والمختال: ذو الخيلاء والكبر، قال الزجاج: إنما ذكر الاختيال هاهنا لأن المختال

(1) انظر الأدب المفرد للإمام البخاري، صفحة (50) ، باب يبدأ بالجار حديث رقم (105) ، وأبو داود في السنن (4/ 377) ، كتاب الأدب، باب في حق الجوار حديث رقم (5152) والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 294) في كتاب البر، باب ما جاء في حق الجوار حديث رقم (1943) .

(2)

رواه البخاري (7/ 104) ، 78- كتاب الأدب، 31- باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر حديث رقم (6018) ، ومسلم في الصحيح (1/ 68) ، 1- كتاب الإيمان، 19- باب الحث على إكرام الجار حديث رقم (77/ 48) .

(3)

رواه أحمد في المسند (3/ 117) ، وابن ماجه في السنن (2/ 900) ، كتاب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث رقم (2697) .

ص: 289

أنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن عشرتهم.

13-

ونهانا عن الفخر: والفخور هو الذي يعدّد مناقبه على الناس تطاولا وتعاظما.

أخرج الطبراني عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ إلخ، فذكر الكبر، وعظّمه، فبكى ثابت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما يبكيك» ؟ فقال: يا رسول الله إني لأحبّ الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي.

قال: «فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحقّ، وغمط الناس» «1» .

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43)

اختلف في سبب نزول الآية، فأخرج أبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي والحاكم وصححه، عن علي كرم الله وجهه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1)[الكافرون: 1] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت «2» .

وفي رواية ابن جرير «3» وابن المنذر عن علي كرم الله وجهه أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن بن عوف، وكانت الصلاة صلاة المغرب، كان ذلك لما كانت الخمر مباحة.

وقد فهم الصحابة من النهي في أول الأمر أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السّكر، فكانوا لا يتناولون مسكرا حتى إذا صلّوا العشاء شربوا، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت آية المائدة فتركوا الشراب كله.

وقيل: إنّ سبب النزول هو ما رواه ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى

(1) انظر الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي (2/ 162) .

(2)

رواه أبو داود في السنن (3/ 323) ، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر حديث رقم (3671) ، والترمذي في الجامع الصحيح (5/ 222) ، كتاب التفسير حديث رقم (3026) .

(3)

جامع البيان المشهور بتفسير الطبري في تفسيره رواه ابن جرير (5/ 61) .

ص: 290

النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع حين عرّس «1» النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فسقطت عن عائشة قلادة كانت لأسماء، فبعث رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير ماء فنزلت «2» .

فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا، وهذا يدلّ على أن سبب النزول كان في فقد الماء في السفر.

والسكر المذكور في الآية هو السكر من الشراب، بدليل ما ورد في سبب النزول، وبدهي أن النهي موجه إلى جماعة المؤمنين أن يقربوا الصلاة، وهم على هذا الحال، فإنها قد تجرهم إلى ما يضرهم في دينهم من حيث لا يشعرون، ولقد أثّر فيهم النهي أثره، فكانوا يمتنعون من الشراب إلى ما بعد صلاة العشاء، ولا معنى لا دعاء نسخ الآية، إذ المؤمنون ما زالوا منهيين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى. ولم تؤثر آية المائدة في هذا النهي شيئا حتى يقال: إنها نسخته.

وقد اختلف العلماء في معنى الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فذهب جماعة إلى أن المراد منها موضعها وهو المسجد، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، والكلام إذا على حذف مضاف، وهو مجاز شائع، وقد عهد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن، كما في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: 40] فقد فسرها ابن عباس بأنها كنائس اليهود.

ويؤيد حمل الصلاة على هذا المعنى أن الله تعالى يقول: لا تَقْرَبُوا والقرب والبعد أولى به أن يكون في المحسات، فحملناه على المسجد، ولأنّا لو حملناه على الصلاة لم يصح الاستثناء في قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حتى لو حملنا عابر السبيل على المسافر، لأنّ هذا الحكم حينئذ ليس خاصا بالمسافر، لأنّ كل من عجز عن استعمال الماء، سواء لفقده، أو عدم القدرة على استعماله كذلك، وأيضا فإنّ ظاهر النهي يدلّ على أنّ عابر السبيل ليس له أن يقرب الصلاة جنبا إلا بعد اغتسال، وهو إذا لم يجد الماء يقرب الصلاة كغيره بالتيمم.

وأيضا فقد ذكر الله في الآية حكم المسافر في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ

(1) التعريس: النزول آخر الليل، انظر لسان العرب (6/ 136) .

(2)

رواه ابن جرير في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 68- 69) . [.....]

ص: 291

إلخ. فيكون ذلك تكرارا، فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد.

وذهب الأكثرون إلى أن الصلاة باقية على حقيقتها، والمعنى: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا أنتم جنب، إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا، ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء، فكأنه قيل:

فإن لم تقدروا على استعمال الماء فإني مبيّن حكم ذلك بقولي: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى إلى آخره.

ويقرب لهؤلاء ما ذهبوا إليه أن الله يقول: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فإنّه يدل على أنّ المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة يمنع السكر منها، وهي القراءة والدعاء والذكر، فكان حملها على ما يقتضيه ظاهر اللفظ أولى.

وقد ترتب على هذا خلافهم في حكم اجتياز المسجد للجنب، فمن ذهب إلى أن المراد من الصلاة موضعها، وهو المسجد، أخذ من الاستثناء أن الجنب ممنوع من المسجد إلا في حال العبور، فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث.

وأما على القول الثاني فيكون معنى الآية لا تقربوا الصلاة في حال السكر، ولا في حال الجنابة حتى تغتسلوا، إلا إذا كنتم مسافرين، وحكم ذلك سأقصه عليكم، أما حرمة دخول المسجد للجنب فيستدل عليها بمثل ما

روت عائشة رضي الله عنها قالت جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال:«وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد وقال: وجّهوا هذه البيوت فإني لا أحلّ المسجد لجنب ولا حائض» «1»

وغير هذا من الأدلة.

بقي أنّ بعض المفسرين يريد أن يأخذ من قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وجوب القراءة في الصلاة، لأن الآية تنهى عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلم المصلّي ما يقول: فلا بد أن يكون الذي يقول شيئا يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة.

ولكنا إذا عرفنا أنّ الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي مالك يوم الدين، العزيز القهار، كان معنى النهي لا تصلحوا حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكّنكم وتؤهّلكم للوقوف بين يدي ملك الملوك، وليس بنا حاجة لأن نلتمس دليلا على وجوب القراءة في الصلاة، لأن ذلك أمر متفق عليه، وأدلته كثيرة.

(1) رواه أبو داود في السنن (1/ 97) ، كتاب الطهارة، باب في الجنب حديث رقم (232) ، ورواه ابن ماجه في السنن (1/ 212) ، كتاب الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض حديث رقم (645) .

ص: 292

والجنب: اسم يستوي في الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة: جنب، لأنّ جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطّهر.

وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً.

ذكرت هذه الآية والآية التي في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6] الآية للتيمم أسبابا أربعة: المرض، والسفر، والمجيء من الغائط، وملامسة النساء، ورتبت عليها تيمم الصعيد الطيّب عند عدم وجود الماء فهما بظاهرهما تفيدان أنّ كلا من هذه الأسباب بمجرده يبيح التيمم عند عدم الماء.

فالسفر عند عدم الماء مبيح للتيمم، والمرض أيا كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط، وقد جاء بيان السنة العملية كذلك موافقا لما يفيده النظم الكريم، حيث أجاز التيمم عند فقد الماء حقيقة لكل هؤلاء، غير أنّه زاد أن المريض إذا كان مرضه يمنعه من استعمال الماء جاز له التيمم، كما روي في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم ينكر، وقد اتفقوا على جوازه.

بقي أنه ما الفائدة إذا في ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح سواء، لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟

قال المفسرون في هذا: أما المسافر فلما كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء وأما المريض فإنّ تعليق الحكم به مشعر بأن مرضه له مدخل في السببية، ولذلك ترى ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من التابعين يقولون في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أنه المجدور، ومن يضره الماء، وذلك أنّ المريض الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة، فلم يبق حينئذ إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط وما في معناه من غير المسافرين والمرضى، فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء.

وعلى هذا يكون قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا راجعا إلى الأخيرين فقط، وهما المجيء من الغائط، وملامسة النساء، وتكون أسباب التيمم المذكورة في الآية ثلاثة على الحقيقة: المرض، والسفر، وفقد الماء في حال الإقامة والصحة.

غير أنّ عطف هذه الأسباب بعضها على بعض بأو يقتضي أنها متقابلة، ومن قضية تقابلها أن يكون المسافر غير المريض، وكل منهما غير الجائي من الغائط

ص: 293

والملامس، وذلك يقتضي أنّ السفر مبيح للتيمم، ولو من غير حدث، وكذلك المرض، مع أن التيمم لا يطلب إلا من المحدث.

وأجاب عن ذلك بعض العلماء بأن السبب في عدم ذكر الحدث مع المرض والسفر أنّ الكلام في الجنابة في السفر، حيث قال: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فحال الجنابة معهما ملحوظ، حيث هذا بيان للحكم إذا لم يتيسر الغسل من الجنابة لفقد الماء، وأما الحدث الأصغر فيهما فيعلم حكمه من حكم الجنابة لدلالة النص.

ومن العلماء من اختار في تأويل الآية رأيا آخر: فذهب إلى أنّ أَوْ في قوله:

أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، ويكون المعنى عليه: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ويكون ذلك في معنى قولك: إن كنتم مرضى أو مسافرين محدثين حدثا أصغر أو أكبر، وفقدتم الماء حقيقة أو حكما، بأن لم تقدروا على استعماله مع وجوده، فتيمموا صعيدا طيبا.

وقد جاءت أَوْ بمعنى الواو كثيرا كما في قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)[الصافات: 147] فإن معناه ويزيدون، وكقوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء: 135] معناه إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بهما.

ونقل صاحب «روح المعاني» «1» عن بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا جنبا ولا جائيا أحد منكم من الغائط أو لامسا، يعني ولا محدثين، ثم قيل: وإن كنتم مرضى أو على سفر: فتيمموا وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف عليه من غير نكتة.

وأقرب هذه التأويلات هو ما حملنا عليه الآية في أول الأمر، وما ورد عليه- من أن ذلك يقتضي أن السفر بنفسه سبب، وكذا المرض ولو من غير حدث- يندفع متى روعي الكلام في أمر الطهارة من الأحداث، وأنها الغسل، انظر إلى قوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فأمر الحدث أمر مقرّر مفروغ منه، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، وفقد الماء له مظاهر، فمن مظاهره السفر، وعدم الماء فيه غالب، وإن وجد فأغلب أمره أن يكون محتاجا إليه، ومن مظاهره المرض، وجعل المرض من أسباب التيمم مشعر بأن ذلك إنما يكون في مرض لا يمكن معه استعمال الماء، والمظهر الحقيقي لفقد الماء أن يكون خاليا من هذه الأعذار، ثم لا تجد الماء وأنت محدث حدثا أصغر أو أكبر.

على هذا الوجه يصح أن تفهم الآية، ولا شيء في فهمها حينئذ من التكلف،

(1) انظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للإمام الألوسي (5/ 42) .

ص: 294

ويليه أن تكون أَوْ في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، والمعنى عليه قد عرفته.

ولنرجع إلى تفسير مفردات الآية:

وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فإن المعنى أنه لا يحل لكم القرب من الصلاة وأنتم جنب إلا بأن تكونوا عابري سبيل، وإلا أن تغتسلوا، ولما كان الغسل قد لا يمكن، شرع في بيان الطهارة الواجبة حينئذ، والأعذار التي تبيحها.

وفسر بعضهم قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ بمعنى إلا معذورين بعذر شرعي، وقد تقدم أن المراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقا، سواء كان لتعذر الوصول إليه أم لتعذر استعماله.

وقد أخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال: المريض الذي رخص له في التيمم الكسير والجريح، فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها.

أَوْ عَلى سَفَرٍ أو مسافرين، والسفر الطويل هنا كالقصير، فإنّك عرفت أن ذكر السفر هنا لا دلالة له على شيء، إذ المدار على فقد الماء، وإنما ذكر لأن فقد الماء معه غالب.

وبذكر المسافر هنا يستدلّ من ذهب إلى أنّ المراد بالصلاة المسجد، وقد تقدم، وهو ظاهر، ومن ذهب إلى أن المراد الصلاة بحقيقتها الشرعية يقول: إنه إنما ذكر هنا مع فهمه مما تقدم لبناء الحكم الشرعي عليه، وبيان أن المريض مثله ومساو له في ذلك.

أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث، لأنّ العادة كانت أنّ من يريد قضاء الحاجة يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس.

أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اختلف السلف رضوان الله عليهم أجمعين في المراد من الملامسة هنا، فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي: هي كناية عن الجماع، وكانوا لا يوجبون الوضوء ولا التيمم لمن مس امرأة.

وقال عمر وابن مسعود: المراد من الملامسة المسّ باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.

وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والثوري والأوزاعي: لا وضوء على من مسّ امرأة، سواء أكان المس بشهوة، أو بغير شهوة.

وقال مالك: إن مسها بشهوة تلذّذا فعليه الوضوء، وكذا إن مسته بشهوة تلذذا.

ص: 295

وقال الحسن بن صالح: إن قبل بشهوة فعليه الوضوء، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليه.

وقال الشافعي: إذا مس جسدها فعليه الوضوء، سواء أكان المس لشهوة أو لغير شهوة.

استدل القائلون بأنّ المسّ ليس بحدث بما

روي عن عائشة من طرق مختلفة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ «1» . وكان يقبلهن وهو صائم

. ومن ذلك

حديث عائشة أنها طلبت النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة. قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد، يقول:«أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك» «2»

فثبت بذلك أن المس ليس بحدث.

ثم إن ظاهر مادة المفاعلة فيما يكون فيه الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك في الجماع دون اللمس باليد، وأيضا فإنّ اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد، إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: 237] بل هذا اللفظ قد اشتهر في هذا المعنى، تسمعهم يقولون في المرأة البغي، لا تردّ يد لا مس «3» ، يريدون أنها ليست عفيفة.

وأيضا فالظاهر أن المراد في هذه الآية من الملامسة أو اللمس في القراءة الأخرى الجماع، لأجل أن تكون شاملة للحدثين الأصغر في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والأكبر في قوله: أَوْ لامَسْتُمُ أما إذا أريد منه اللمس باليد مثلا، فإنه يكون قليل الفائدة، إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد.

وأما من يرى أن الملامسة هي لمس البدن فهو يقول: إنّ اللمس حقيقة في المس باليد، والملامسة مفاعلة، وهو في الجماع مجاز أو كناية، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة.

والواقع أنّ اللمس حقيقة في المس باليد كما في قوله:

لمست بكفي كفّه أبتغي الغنى ولكنه قد تعورف عند إضافته إلى النساء في معنى الجماع، ويكاد يكون ظاهرا

(1) رواه أبو داود في السنن (1/ 78) ، كتاب الطهارة، باب الوضوء حديث رقم (178) والترمذي في الجامع الصحيح (1/ 133) ، كتاب الطهارة باب ما جاء في ترك الوضوء حديث رقم (86) ، والنسائي في السنن (1- 2/ 112) ، كتاب الطهارة باب ترك الوضوء حديث رقم (170) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (1/ 352) ، 4- كتاب الصلاة، 42- باب ما يقال في الركوع والسجود حديث رقم (222/ 486) .

(3)

رواه النسائي في السنن كتاب النكاح، باب تزويج الزانية حديث رقم (3229) .

ص: 296

فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع.

وروى ابن جرير «1» عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي ليس الجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس، فقلت: إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي:

ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع! فقال: من أي فريق كنت؟

فقال: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي إن المسّ واللمس والمباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. وفي رواية، ولكنّ الله يكني ويعفّ.

وقد اختار ابن جرير «2» أن الملامسة في الجماع، وإليك نصّ عبارته، قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة

الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قبل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ «3»

، وساق في ذلك أخبارا كثيرة بنحو ما قلناه آنفا.

فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.

أي إذا أصابكم ما تقدّم من موجبات الطهارة، فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه، بأن عدمتموه، أو وجدتموه ولكن بثمن لا تقدرون على دفعه، أو وجدتموه ولكنكم تحتاجون إليه، ولا تقدرون على استعماله فتيمموا: أي اقصدوا صعيدا طيبا.

وقد اختلف العلماء في المراد بالصعيد ما هو؟ فقال بعضهم: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس، وقال بعضهم: إنه الأرض المستوية، وقال بعضهم: بل الصعيد التراب، وقال آخرون: هو وجه الأرض، وقال بعضهم: هو الأرض ذات التراب والغبار.

ومعنى الطيب: الحلال الطاهر.

ومعنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فأردتم أن تصلّوا، ففقدتم الماء، فاعمدوا إلى الأرض الطاهرة، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.

وظاهر الآية يفيد أنّ وجود ماء أي ماء لا يصح معه التيمم، إذ قد رتبت الآية الأمر بالتيمم على نفي وجود ماء.

وذلك يقتضي أنه لو وجد ماء، وكان في حاجة شديدة إليه، أو لا يقدر على

(1) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 65) .

(2)

المرجع نفسه (5/ 67) .

(3)

سبق تخريجه.

ص: 297

استعماله أنه لا يتيمم، ولكن لما قاله الله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: 6] وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] فهم منه أن الغرض من شرع التيمم هو التيسير على الناس، والتيسير على الناس لا يكون بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا في العطب من جرّاء العطش أو الجوع.

وكذلك فهم من ترتيب التيمم على عدم الماء أن المراد ماء يكفي للطهارة، وأما ما لا يكفي لها فوجوده غير معتدّ به.

وقد اختلف فقهاء الأمصار في جواز التيمم بالحجر وما ماثله من كل ما كان من الأرض، فجوّزه أبو حنيفة، واشترط أبو يوسف أن يكون المتيمم به ترابا أو رملا وقال مالك: يتيمّم بالحصا والجبل: وحكي عن أصحابه عنه أنه أجاز التيمم بالزرنيخ والنّورة ونحوهما، وروى أشهب عنه أنه يجيز التيمم بالثلج.

وقال الشافعي رضي الله عنه: إنما التيمم من التراب.

ومنشأ الخلاف في فهم الطيّب، فمن حمله على الطاهر قال: المراد كلّ ما كان من جنس الأرض، بشرط الطهارة.

وقد أطلق الطيب وأريد به الحلال الطاهر، كما في قوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: 57] .

ومن فهم أنه ينبت قال: إنّ المراد الأرض الصالحة للإنبات، وهي ذات التراب، وقد أطلق الطيب وأريد منه ذلك كما في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58]، للأولين أن يقولوا: إنّ هذا الإطلاق غير مراد هنا، لأنّ المراد بالطيّب في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ البلد الذي ليست أرضه سبخة، ونحن مجمعون على جواز التيمم بتراب الأرض السبخة، فعلمنا أنّ الطيّب بهذا المعنى غير مراد هنا.

وهذا وظاهر قوله تعالى في سورة المائدة: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: 6] يدلّ على أنّ المراد بالصعيد: شيء يصل أثر منه إلى الوجه واليدين عند المسح.

وهل المسّ على الحجر الأملس يصل منه شيء إلى الوجه واليدين؟

فنحن نرى أنّ الظاهر قول من قال: بأن المراد بالصعيد تراب الأرض، والسنة تؤيّد هذا،

فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة «1» ، جعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا

،

وروي و «ترابها طهورا»

نعم

قد ورد في هذا المعنى «جعلت لي

(1) رواه مسلم في الصحيح (1/ 371) ، 5- كتاب المساجد حديث رقم (4/ 522) .

ص: 298

الأرض مسجدا وطهورا» «1»

ولكنّ هذا يجب أن يحمل على ما جاء في الروايتين الأخريين جمعا بين الروايات.

فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً.

هذا بيان لكيفية التيمم، وقد اختلف فيها فقهاء الأمصار، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية والثوري والليث إلى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه يمسحه بها، وضربة لليدين يمسحهما بها إلى المرفقين، وهو مرويّ عن جابر وابن عمر.

وقال الأوزاعي: تجزئ ضربة واحدة للوجه والكوعين.

وقال الزهري: ويمسح يديه إلى الإبط.

وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: يتيمم بضربتين، يمسح بكل واحدة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه، وقد نقل أبو جعفر الطحاوي فيما رواه الجصاص عنه أنّ هذا الرأي لم يعرف عن غيرهما.

وقد جاء في السنة ما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور،

فقد روي عن ابن عمر «2» وابن عباس «3» عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.

وقد يقال: إنّ ظاهر قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ يقتضي مسح البعض كما دلّ على ذلك قوله في الوضوء: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: 6] إذ الباء تقتضي التبعيض، إلا أن الفقهاء قد اتفقوا على أنه لا يجوز له الاقتصار على القليل، وأن عليه مسح الكثير، بل ذكر الكرخي من الحنفية أنه إن ترك شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزئه، وقد جاءت الباء في قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29] ولا يجوز الاقتصار في الطواف على بعض البيت فما هنا من هذا القبيل.

هذا وقد عرض المفسرون هنا إلى أنّ التيمم هل يكفي لصلوات متعددة ما دام فاقدا للماء أم لا؟

ونحن نرى أنّ الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا يستفاد منها شيء من هذا لا نفيا ولا إثباتا، وإنما ذلك يستفاد من أدلة أخرى تطلب في كتب الفقه.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً يعفو عما كان منكم من قيامكم للصلاة وأنتم سكارى، ويستر ذنوبكم، فلا تعودوا لمثلها فيعود عليكم إثمه وعذابه.

(1) المرجع نفسه (5/ 523) .

(2)

رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 114) .

(3)

المرجع نفسه (1/ 113) .

ص: 299

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)

الأمانة مصدر سمّي به المفعول وهو ما يؤتمن عليه.

روي في سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار باب الكعبة، وكان سادنها. وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلّى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر النبيّ عليا أن يرده إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق! فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ السدانة في أولاد عثمان أبدا «1» .

نزلت الآية على هذا السبب الخاص، وليس ذلك بمخرج اللفظ عن عمومه، فهو عام يتناول كل ما يؤتمن عليه الإنسان، سواء أكان ذلك في حق نفسه أم في حق غيره من العباد، أم في حق ربه، فكلّ ذلك يجب رعاية الأمانة فيه، فرعاية الأمانة فيما هو من حقوق الله أن تمتثل أوامره. وتجتنب نواهيه، قال ابن مسعود رضي الله عنه:

الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وقال ابن عمر رضي الله عنه: خلق الله فرج الإنسان وقال: هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها.

وأما رعاية الأمانة في حقّ النفس، فهو ألا يقدم الإنسان إلا على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وفي هذا

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» «2» .

وأما رعاية الأمانة في حقّ الغير فهو رد الودائع والعارية، وعدم غش الناس في كل ما يتصل بالمعاملة، من بيع وشراء، وجهاد ونصيحة، وألا يفشي عيوب الناس، وينشر الفاحشة.

(1) ذكره البغوي في تفسيره معالم التنزيل المشهور بتفسير البغوي ط 3، بيروت، دار المعرفة 1992 (1/ 443- 444) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (1/ 242) ، 11- كتاب الجمعة، 11- باب الجمعة حديث رقم (893) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1459) ، 33- كتاب الإمارة، 5- باب فضيلة الإمام حديث رقم (20/ 1829) . [.....]

ص: 300

وقد اعتنى القرآن بشأن الأمانة، وبيّن خطرها وعظيم قدرها في مواضع كثيرة، فقال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الأحزاب: 72] وقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8)[المؤمنون: 8] وقال:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: 27]

وقال عليه الصلاة والسلام: «لا إيمان لمن لا أمانة له» «1»

وقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» .

قد رأيت أنّ الأمانات عامة واجبة الأداء، لا فرق بين واحدة منها وواحدة، ولا بدّ من دفعها إلى أهلها عند طلبهم إياها، وأما حكم الأمانة في حال الهلاك، وأنها مضمونة أو غير مضمونة، أو بعضها مضمون وبعضها الآخر غير مضمون، فنحن لا نعرض له، لأنّا نراه لا يتصل بالآية، ومردّه إلى أدلته في كتب الفقه.

وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.

إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة العمران، وتشهد به بداية العقول، ولا بد للمجتمع الإنساني منه، حتّى يأمن الضعيف سطوة القوي، ويستتبّ الأمن والنظام بين النّاس.

ومن أجل هذا تجد الشرائع السماوية تنادي بوجوب إقامة العدل، قال تعالى في كتابه الحكيم: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: 90] وقال: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى

[الأنعام: 152] وقال: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: 8] وقال: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: 26] .

قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس عنه: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت. وإذا استرحمت رحمت» .

وقد ذمّ الله الظلم والظالمين في آيات كثيرة قال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: 22] وقال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 42] وقال في عاقبة الظلم: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: 52] ومن الظلم الحكم بغير ما أنزل الله.

وقوله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ مشعر بأنّه لا بدّ للناسي أن يوجد فيهم من يحكم بينهم. وقد دلت الأدلة على أنّ الحكم لإمام المسلمين، يقضي بين الناس بما يراه موافقا للشرع فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) [النساء: 65] .

(1) رواه أحمد في المسند (3/ 135) .

ص: 301

إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم شيء يعظكم، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، يرجع إلى المأمور به من أداء الأمانات، والحكم بين الناس بالعدل.

إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً يبصر ما يكون منكم من أداء الأمانات وخيانتها فيحاسبكم عليه، ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس فيجازيكم به.

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)

لمّا أمر الله الولاة بأن يسيروا في حكمهم بين الناس على مقتضى العدل، وكان العدل لا يتحقّق إلا أن يلتزمه الناس، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إلخ وقد اختلف المفسّرون في المراد بأولي الأمر، فذهب بعضهم إلى أنهم أمراء المسلمين، فيدخل فيهم الخلفاء الراشدون، والملوك والسلاطين، والقضاة وغيرهم، وذهب بعضهم: إلى أنّهم أمراء السرايا، وقال آخرون: إنّهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية، ويعلمون الناس دينهم.

وذهب الروافض إلى أنهم الأئمة المعصومون، بل لقد غلت طائفة منهم وزعمت أن المراد من أولي الأمر علي بن أبي طالب وحده.

ونحن نرى أنه ليس ما يمنع أن يكون الجميع مرادا عدا ما ذهب إليه الخوارج، فالخلفاء واجبو الطاعة، وأمراء السرايا واجبو الطاعة، والعلماء واجبو الطاعة، كل ذلك واجب، ما لم يكن إلمام بمعصية، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ويرى الفخر الرازي أنّ المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويريد من ذلك أن يستدل بالآية على حجية الإجماع، وهو يدعم رأيه هذا بأنّ الله ذكر ثلاثة، واجبة طاعتهم: الله، ورسوله، وأولو الأمر، والله ورسوله مقطوع بعصمتهم، فوجب أن يكون أولوا الأمر كذلك، ولا نجد من أولي الأمر على ما ذكره المفسرون من هو واجب العصمة إلا أهل الحل والعقد عند اجتماعهم على أمر من الأمور،

«لن تجتمع أمتي على ضلالة»

فينبغي أن يكون المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويكون ذلك دليلا على حجية الإجماع.

وقد ذكر الله الأمر بطاعة الله والأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر، ثم أمر برد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول، جعل ذلك محقّقا للإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ووصفه بأنه خير وأحسن مآلا، وذلك يقتضي أن يكون الردّ إلى الله والرسول غير طاعة الله والرسول، وإلا كان ذلك تكرارا محضا، إذ يؤول الكلام إلى أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا الله والرسول وذلك لغو ينزّه القرآن عن

ص: 302

مثله إذ لو اقتصر على قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ لفهم الأمر بالطاعة في كل الأحوال.

وأيضا فإنّه كيف يتأتّى النزاع في أمر علم حكم الله ورسوله نصا فيه؟ إن ذلك يكون خروجا عما يقضي به الأمر بالطاعة، ومن أجل ذلك قيل: إنه يجب أن يكون الأمر بطاعة الله ورسوله فيما ثبت نصا عنهما أنه حكم الله في كتابه أو سنة رسوله، فأما ما لم ينصّ فيهما على حكمه فهذا الذي يصحّ أن يتنازع الناس في حكمه، لأنهم لا يجدون نصّا يلزمهم طاعته، وبما أنه لا يمكن أن يحوي الكتاب ولا أن تحوي السنة نصوص الأحكام في أشخاص المسائل، إذ أشخاص المسائل لا تتناهى. فجاز أن تكون حوادث لا نجد لها حكما في كتاب ولا سنة، فهذه هي التي قال الله لنا فيها:

فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فارجعوا فيه إلى ما في الكتاب والسنة من أحكام- حيث يكون الحكم قد ورد من أجل حكمة ناط الشارع بها الحكم، ورتّبه عليها، وحيث تجدون هذه الحكمة فيما جدّ لديكم من الحوادث- تعلموا أنّ هذا الحكم الذي في الكتاب أو السنة مرتبا على هذه العلة هو حكم الله في كتابه أو سنة رسوله فيما جدّ من الحوادث.

وهذا هو القياس الذي فهمه معاذ رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأقرّه الرسول عليه، حيث

روي أنه قال: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟» .

قال: «أقضي بكتاب الله» .

قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟» .

قال: «أقضي بسنة نبي الله» .

قال: «فإن لم يكن في كتاب الله وسنة رسول الله؟» .

قال: «أجتهد رأيي لا آلو» .

قال: فضرب على صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله» «1» .

وإذا جرينا على ما رآه الفخر الرازي من تفسير أولي الأمر: بأهل الحل والعقد تكون الآية دالّة على حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

وفي قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ما يشعر بكون المتنازع فيه مما لا نص فيه، وإلا كان واجب الطاعة، غير محل للنزاع كما قدمنا.

(1) رواه أبو داود في السنن (1/ 295) ، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي حديث رقم (3592) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 616) ، كتاب الأحكام، باب القاضي حديث رقم (1327) ، وأحمد في المسند (5/ 230) .

ص: 303

وقد يقال: كيف قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وطاعة رسوله هي طاعة الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ؟ [النساء: 80] .

قيل: ذلك إيماء إلى الكتاب والسنة، فالكتاب إلى الله، والسنة إلى الرسول، وإن كان الكلّ من عند الله.

فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ التنازع: الاختلاف مأخوذ من النزع، الذي هو الجذب، لأنّ كلا من المتنازعين يجذب الحجة من صاحبه.

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وعيد من الله لكل من حاد عن طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند الاختلاف، وهو في معنى قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] .

ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، اسم الإشارة يرجع إلى ما أمروا به من طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند المنازعة.

والتأويل: المآل والعاقبة.

قد يؤخذ من الآية التي معنا أنّ أدلة الأحكام الشرعية أربعة لا غير، وهي:

الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإنّ غيرها لا يصحّ التعويل عليه في إثبات الأحكام، ولا الردّ إليه عند النزاع، لأنّ الأحكام إما منصوصة في كتاب أو سنة، وذلك قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وإما مجمع عليها من أولي الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه، وذلك قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وإما غير منصوص ولا مجمع عليها، وهذه سبيلها الاجتهاد، والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس، فما أثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذي يراه الحنفية دليلا، وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذي يقول به المالكية، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية كلّ ذلك إن كان غير الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها، فقد ثبت أنّ الأدلة أربعة.

قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92)

تحرير رقبة: التحرير عبارة عن جعل العبد حرا، والحرّ في الأصل الخالص، وإنما سمي به من ليس رقيقا لأنّه خالص مما يكدر إنسانيته.

ص: 304

الدية: قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية، فحذفت الواو، يقال ودى فلان فلانا أدى ديته إلى وليه، ثم إنّ الشرع خصّص هذا اللفظ بما يؤدّى في بدل النفس دون ما يؤدّى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدّى في بدل الأطراف.

وقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.

معناه: وما كان جائزا لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والاستثناء فيه قيل: إنه منقطع بمعنى لكن، كقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [النساء: 29] وقيل: إنه متصل، وهو مستثنى مما يستلزمه وقوع المنهي عنه من الإثم، كأنّه قيل: لا يقتل المؤمن المؤمن فإنه إثم، إلا الخطأ فلا إثم عليه.

وقيل: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل: وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ [مريم: 35] وقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: 60] .

وإنما حملت هاتان الآيتان على خلاف الظاهر، لأنّ الله لا يحرم عليه شيء، وإنما ينفى عنه ما لا يليق به، ولأنّ الله لم يحرّم عليهم أن ينبتوا شجرها، وإنما ينفي عنهم إمكان أن ينبتوا شجرها، والذي حدا بالقائلين إنه استثناء منقطع إلى القول به أنه لو كان متصلا، وما قبله نفي لجواز القتل، لكان مقتضيا أنّ القتل خطأ جائز.

وانتصاب خطأ إما على أنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنّه صفة لمصدر محذوف، أي قتلا خطأ، أو على أنه حال بتأويله بمخطئ.

ثم لما ذكر الله قتل الخطأ بيّن حكمه فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي فعليه تحرير رقبة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا بالدية، أي إلا أن يعفوا، وسمي العفو صدقة، لأنه معروف،

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلّ معروف صدقة» «1» .

وسبب نزول هذه الآية ما كان من عيّاش بن أبي ربيعة، أخرج ابن جرير «2» عن السدي وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام، ومعهما رجل

(1) رواه مسلم في الصحيح (2/ 697) ، 12- كتاب الزكاة، 16- باب بيان أن اسم الصدقة حديث رقم (52/ 1005) .

(2)

في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 129) .

ص: 305

من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحبّ إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إنّ أمك قد حلفت ألا يظلّها بيت حتى تراك، وهي مضطجعة في الشمس، فإنها لتنظر إليك، ثم أرجع وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا، وقال: إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامريّ، فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري، وقد أسلم، ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فيتركوا الدية.

قد أوجب الله القصاص في القتل في آية البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: 178] وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد، لا ما يشمل الخطأ، وقد رأى مالك في بعض الروايات عنه أنّ القتل إما عمد وإما خطأ، ولا ثالث لهما، لأنّه إما أن يقصد القتل فيكون عمدا، أو لا يقصده فيكون خطأ، ولا واسطة، والكتاب يساعده.

أما سائر فقهاء الأمصار فقد أثبتوا واسطة بين العمد والخطأ، وهو شبه العمد، وإلى ذلك ذهب عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وحجتهم في إثباته أن النيات مغيّبة عنا، لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا حكمنا بأنه عامد، لأنّ الغالب أنّ من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبا كان مترددا بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إما عمد وإما خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وقد أشبه الخطأ من جهة أنّ الآلة لا تقتل غالبا.

وقد استدلوا أيضا بما

روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا إنّ قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها

، وهو حديث مضطرب عند أهل الحديث «1» ، ذكر أبو عمر بن عبد البر «2» أنه لا يثبت من جهة الإسناد. ومالك رحمه الله يرى أنّ ما يسمى شبه عمد هو عمد يجب

(1) رواه أبو داود في السنن (4/ 199) ، كتاب الديات، باب الدية حديث رقم (4588) ، والنسائي في السنن (7- 8/ 409) ، كتاب القسامة باب كم دية شبه العمد حديث رقم (4805) ، وابن ماجه في السنن (2/ 877) ، كتاب الديات باب شبه العمد حديث رقم (2627) .

(2)

هو عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي صاحب كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد.

ص: 306

فيه القصاص، وقد روي عنه أيضا أنه يثبت شبه العمد، والذين أثبتوا شبه العمد اختلفوا فيما هو عمد وما هو شبه عمد على أقوال كثيرة، أشهرها ثلاثة:

1-

قال أبو حنيفة: العمد ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد.

2-

قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله.

3-

قال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولّد عنه القتل، والخطأ بما كان خطأ فيهما جميعا، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا.

وما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله من جعل كلّ قتل بغير الحديد شبه عمد ضعيف، فإنّ من ضرب رأس إنسان بنحو حجر رحى فقتله، وادعى أنه ليس عامدا كان مكابرا، والمصلحة تقتضي بالقصاص في مثله، لأنّ الله شرع القصاص صونا للأرواح عن الإهدار، ولو كان القتل بالمثقّل لا قصاص فيه لارتكبه الناس، فشفوا نفوسهم بقتل أعدائهم، ونجوا من القصاص.

والفقهاء يعتمدون في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل وأشياء أخرى ذكرت في الفروع، وكان مقتضى النظر أن يبحث في ظروف القتل، وما أحاط به من ملابسات، وفي قرائن الأحوال لنعلم نية القاتل: أهو عامد أم مخطئ، إلا أنهم رأوا أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها، فاكتفوا بالنظر في الآلة التي كان بها القتل، ونحن نوافق على أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها.

لكن ينبغي أن ننظر نظرا أوسع في جميع الملابسات المحيطة لنعلم نيته، ولعلّه لو قيل بذلك لم يكن بعيدا من الشريعة.

وقد أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن والشعبي فيها: لا تجزئ الرقبة إلا إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الصبيّ إذا كان أحد أبويه مسلما.

حجة الأولين أن الله شرط الإيمان فلا بد من تحققه، والصبيّ لم يتحقق منه.

وحجة الآخرين: أنّ الله قال وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً فيدخل فيه الصبيّ، فكذلك يدخل في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ والرقبة قد ذكروا أنها على القاتل، فأما الدية فهي على العاقلة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الدية على العاقلة «1» ، والعاقلة قال الحجازيون: هم قرابته من جهة أبيه، وهم عصبته.

(1) رواه ابن ماجه في السنن (2/ 879) ، كتاب الديات، باب الدية على العاقلة حديث رقم (2633) .

ص: 307

وقال الحنفية: العاقلة هم أهل ديوانه.

وحجة الحجازيين أنه تعاقل الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان، وإنما كان الديوان في زمن عمر بن الخطاب، فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته فيحملون الدية، والله يقول: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه»

وقال لأبي رمثة وابنه: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» «1» .

قلنا: إنّ هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأنّ الدية على القاتل ابتداء.

وتحميل العاقلة إياها من باب المعاونة، وكما تعاونه العاقلة فتدي عنه، يعاونها هو فيدي عنها، وكما تتعاون القبيلة في النّصرة، فتدفع بنفسها العدوّ المغير، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض، وقد كان تحمّل العاقلة الدية معروفا عند العرب، وكانوا يعدّونه من مكارم الأخلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، والمعاونة والتناصر وتحمّل المغارم مما يقوّي الألفة، ويزيد في المحبة، وقد ورد من الأحاديث ما يدلّ على أنّ العاقلة تحمل الدية.

وروى المغيرة أنّ امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا من سجع الجاهلية» «2» .

وقد ورد أنّ عمر رضي الله عنه قضى على عليّ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعليّ كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها «3» .

وقد ذهب أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج إلى أن الدية على القاتل لا على العاقلة، اعتمادا على ما ذكرناه من العمومات، وعلى أنّ قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ يقتضي أنّ من يجب عليه هو القاتل، والذي يناسب أن يكون كذلك في الدية، وقد علمت أنّ الآثار مجمعة على أنّ الدية على العاقلة.

(1) رواه أبو داود في السنن (4/ 165) ، كتاب الديات، باب النفس حديث رقم (4495) ، والنسائي في السنن (7- 8/ 423) ، كتاب القسامة باب هل يؤخذ أحد بجريرة أحد حديث رقم (4847) ، والترمذي في الجامع الصحيح (5/ 255) ، كتاب التفسير حديث رقم (3087) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (3/ 1311) ، 28- كتاب القسامة، 11- باب دية الجنين حديث رقم (37/ 1682) واللفظ عنده «أسجع كسجع الأعراب» .

(3)

انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للرافعي، كتاب الديات، (4/ 103) .

ص: 308

بقي أن يقال: إذا اختلف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض، وصار كل امرئ معتمدا على نفسه دون قبيلته، كما في النظام الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج أم برأي الجمهور؟

هذا محل اجتهاد، والحكمة في إيجاب الله الدية أن القاتل قد فوّت على أهل القتيل منفعتهم به، ولم يتعمّد قتله حتى يكون القصاص، فأوجب الله الدية مالا يدفع لورثة المقتول عوضا عما فاتهم من منافعه، وتطييبا لخواطرهم، فلا تتطلع نفوسهم للانتقام.

ومقدار دية الخطأ مختلف فيها فأما على أهل الإبل فمائة، منها- وهي مخمّسة- عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكرا، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، عند مالك والشافعي.

وكذلك عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل ابن اللبون ابن مخاض، وهي تؤجّل، تؤخذ نجوما على ثلاث سنين، وأما دية شبه العمد فهي مثلثة: منها أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة.

ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد لولده.

وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور من قوله.

وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وأما على أهل الذهب فألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند مالك، وعند العراقيين على أهل الورق عشرة آلاف درهم.

قال الشافعي بمصر: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت، وقوله بالعراق مثل قول مالك.

ويدل للشافعي في قوله الأول ما روي «1» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: كانت الديات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين.

قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفع فيها شيئا.

وقد روى أهل السنن الأربعة «2» عنه صلى الله عليه وسلم: «إن دية المعاهد نصف دية المسلم»

ولفظ

(1) رواه أبو داود في السنن (4/ 183) ، كتاب الديات، باب الدية كم هي؟ حديث رقم (4542) .

(2)

رواه أبو داود في السنن (4/ 197) ، كتاب الديات، باب دية الذمي حديث رقم (4583) ، والترمذي في الجامع الصحيح (4/ 18) ، كتاب الديات حديث رقم (1413) .

ص: 309

ابن ماجه «1» : قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى.

واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد، وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد، وحجة مالك حديث عمرو بن شعيب، وحجة الشافعي أنّ عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم، وراعى أبو حنيفة أصله وهو جريان القصاص بين المسلم والذمي، فكما سوّى بينهما في القصاص سوّى بينهما في الدية.

والدية تأخذها ورثة المقتول، وهي كميراث يقضى منها الدين، وتنفّذ منها الوصية، وتقسّم على الورثة.

روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض الصحابة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يورّث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.

فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أوجب الله في المؤمن الساكن بدار الحرب إذا قتله مؤمن تحرير رقبة مؤمنة، دون الدية، وإنما حملنا الآية على ذلك، ولم تحملها على المؤمن الذي يتّصل نسبه بقوم عدو، وهو ساكن ببلاد الإسلام، لانعقاد الإجماع على وجوب الدية فيه.

وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ جعل الله في قتل المعاهد ما جعله في قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة.

وحمل بعضهم الآية على المسلم الذي هو في قوم معاهدين، وليس بظاهر، لأنّه يكون تكرارا، إذ حكمه داخل في قوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً.

ولا معنى لإفراده، لأنه لم يخالف حكمه بخلاف المؤمن الذي هو في قوم عدو، فإنه أفرده، لأنّ حكمه يخالف الأول.

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يقول الله: فمن لم يملك رقبة، ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله، أي قبولا ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته، والعامل فيه محذوف. إما (شرع) أو (نقلكم) من العتق عند العجز إلى الصوم.

وفي التعبير بالتوبة إشارة إلى أنّ القاتل ملوم، وأنه كان ينبغي له أن يتحرّى، وقد أوجب الله في صيامه الشهرين التتابع، فلو أفطر يوما وجب الاستئناف، إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس أو مرض يمتنع معه الصوم.

(1) رواه ابن ماجه في السنن (2/ 883) ، كتاب الديات باب دية الكافر حديث رقم (2644) .

ص: 310

وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً فقد علم أنّ القاتل خطأ لم يتعمّد، فلذلك لم يؤاخذه، وعلم أنه فوّت على ورثة المقتول مصلحتهم بقتله، ففرض الدية تعويضا لهم، وهذا غاية في الحكمة والمصلحة.

قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) يقول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا عامدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنّم باقيا فيها، وغضب الله عليه لما ارتكبه من هذا الجرم الفظيع، وأخزاه وأعدّ له عذابا عظيما.

بعد أن ذكر الله حكم من قتل المسلم خطأ، ذكر هنا حكم من قتله عامدا، واقتصر على ذكر عقوبته في الأخرى، لأنّه ذكر عقوبته في الدنيا وهي القصاص في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: 178] .

وقد استدلّ المعتزلة بهذه الآية على القطع بعذاب الفسّاق، وخلودهم في النار، إن لم يتوبوا، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة شتّى. منها أنّ هذه الآية نزلت في كافر قتل مسلما، ويرد عليه أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا قد ثبت في الأصول أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبذلك علمنا من قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] إن السرقة علة القطع.

ومنها أنّ هذا وعيد بأنه سيفعل ذلك في المستقبل، والخلف في الوعيد كرم، وهذا مردود، لأنّ الوعيد قسم من الخبر، فإذا جوّز على الله الخلف فيه، فقد جوّز عليه الكذب، وهو باطل.

ومنها أن هذه الآية دلّت على أن جزاء القاتل هو ما ذكر، وليس فيها ما يدلّ على أنه سيوصل هذا الجزاء إليه، وهذا مثل ما يقول السيد لعبده، جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، ولكن لا أفعله. وهذا ضعيف أيضا، لأنّ الله ذكر في هذه الآية أنّ جزاءه ما ذكر، وذكر في آيات أخرى أنه سيوصل جزاء عاملي السوء إليهم، قال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: 123] وقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)[الزلزلة: 8] .

واختار الرازي في الجواب أنّ هذه الآية قد خصّصت في موضعين:

أحدهما: القتل العمد، إذا لم يكن عدوانا، كقتل القصاص.

والثاني: القتل الذي تاب عنه القتل وإذا دخلها التخصيص في هاتين المسألتين فنحن نخصّص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] .

ص: 311

وقد ذهب ابن عباس إلى أنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا تقبل له توبة.

أخرج ابن جرير «1» عن سالم قال: كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال:

أرأيت رجلا قتل مؤمنا متعمدا أين منزله؟

قال: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما.

قال: أفرأيت إن هو تاب، وآمن، وعمل صالحا، ثم اهتدى.

قال: وأنّى له الهدى ثكلته أمّه والذي نفسي بيده

لسمعته يقول- يعني النبي صلى الله عليه وسلم: «يجيء يوم القيامة معلّقا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذا صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن، يقول: يا ربّ سل عبدك هذا علام قتلني» «2»

فما جاء نبيّ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم.

وقال جمهور العلماء: إنّ توبة القاتل تقبل، ويدل له أن الكفر أعظم من هذا القتل، والتوبة عن الكفر تقبل، فالتوبة عن القتل أولى بالقبول.

وأيضا آيات الفرقان تدل على قبول توبته، وهي قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: 68- 70] .

وأيا ما كان الأمر، فالآية تعدّ قتل المؤمن من الكبائر، وتهدّد القاتل بأنواع من التهديد والعقاب.

وقد ورد في الأحاديث من التغليظ في قتل المسلم ما هو قريب مما في الآية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» «3» .

وقال أيضا: «لو أنّ رجلا قتل بالمشرق، وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» .

وقال أيضا: «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» .

وقال أيضا: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله» «4» .

(1) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 138) . [.....]

(2)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 224) ، كتاب التفسير حديث رقم (3029) ، والنسائي في السنن (7- 8/ 95) في تحريم الدم حديث رقم (3999) ، وابن ماجه في السنن (2/ 874) ، كتاب الديات حديث رقم (2621) .

(3)

رواه الترمذي في الجامع الصحيح (4/ 10) ، كتاب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن حديث رقم (1395) ، والنسائي في السنن (7- 8/ 93) حديث رقم (3987) .

(4)

رواه ابن ماجه في السنن (2/ 874) ، كتاب الديات باب التغليظ في قتل مسلم ظلما حديث رقم (2620) .

ص: 312

فعلى من ينشد الحيطة لنفسه في آخرته، ألا يقتل مسلما، ولا يعين على قتل مسلم بشهادة باطلة ونحوها.

قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) ضَرَبْتُمْ له معان منها السفر، وكأنه سمي به، لأنّ المسافر يضرب دابّته بعصاه ليصرفها كما يريد، ثم سمي به كلّ مسافر، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره.

فَتَبَيَّنُوا وقرئ فتثبتوا وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتعجلوا فيه من غير روية.

السَّلامَ وقرئ السلم وهما الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التسليم أي تحية أهل السلام.

معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا سرتم سيرا لله تعالى في جهاد الكفار، ورأيتم من تشكّون أهو سلم لكم أم حرب، فاطلبوا بيان أمره، ولا تعجّلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم لكم لست مؤمنا، أو لمن أظهر إليكم الإسلام لست مؤمنا، تبتغون متاع الحياة الدنيا، فإنّ عند الله مغانم كثيرة من رزقه ونعمته، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم.

كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي كهذا الذي كان مستخفيا بالإسلام من قومه- ولما وجدكم أظهر لكم دينه- كنتم من قبل مستخفين بدينكم من كفار قريش، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينه، وتقوية شوكة الإسلام، فأظهرتم دينكم، فتبينوا أمر من أشكل عليكم أمره إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ومنه تعجيلكم بقتل من لم يتبيّن لكم شأنه ابتغاء عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني.

وقال الزمخشري «1» : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاستقامة، والاشتهار بالإيمان، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكانة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلّما إلى استباحة دمه وماله، وقد حرمهما الله.

(1) تفسيره في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 553) .

ص: 313

سبب نزول هذه الآية: قد اختلف فيه، ونحن نقتصر هنا

على رواية واحدة «1» : قيل: إنّ مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم، ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا، وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد، فلما تلاحقوا وكبّروا، كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد وجدا شديدا، وقال:«قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال:«فكيف بلا إله إلا الله» قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال: أعتق رقبة.

ويؤخذ مما تقدم أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، حرم قتله، لأنّه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله.

وقد قال الفقهاء: إذا قتله في هذه الحالة قتل به، وإنما لم يقتل أسامة لأنّه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوّذا، وأنّ العاصم قولها مطمئنا.

وقد ورد الحديث الصحيح «2» مبينا أنّ قول لا إله إلا الله عاصم كيفما كان،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .

قال الله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101)

الضرب في الأرض: السير فيها- قال الله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ [المزمل: 20] .

وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: 94] .

القصر: من الشيء الحدّ منه وجعله أنقص مما كان، وهو بهذا المعنى في الصلاة يحتمل النقص من عددها، ويحتمل النقص من صفتها وهيئتها، فالأول أن تصير الرباعية ثنتين، والثاني التخفيف في هيئتها كأن تكون ذات ركوع وسجود، يمتنع المشيء فيها، فتصير ذات إيماء يباح الانتقال فيها، وكأن يصلي المأموم خلف الإمام الصلاة كاملة فيقتصر على جزء منها مع الإمام، ثم ينتظر حتى يجيء مأموم آخر فيصلي مع الإمام ما بقي من صلاة الإمام ثم ينصرف، ويتم كل من المأمومين صلاته

(1) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (5/ 141) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (1/ 52) ، 1- كتاب الإيمان، 8- باب الأمر بقتال الناس حديث رقم (33/ 21) .

ص: 314

منفردا، كلّ ذلك حطّ من الصلاة، ونقص لها، وتخفيف على فاعلها.

وقد اختلف العلماء في المراد بالقصر هنا، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها، والقائلون بأنّ القصر نقص عدد الركعات اختلفوا في المراد من الصلاة أهي صلاة المسافر أم هي الصلاة في حال الخوف من العدو، فعلى الأول يكون القصر للصلاة في السفر بالنظر لما كانت عليه في الحضر.

وذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله إلى الثاني، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم، وهذا القول ليس بظاهر، لأنّ القرآن صريح في أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم القوم أنفسهم طائفتين، يصلّي الإمام بطائفة منهما شيئا من الصلاة، ثم تأتي طائفة أخرى لم يصلّوا فيصلون مع الإمام، ونحن متفقون على أنّ المأموم عليه أن يؤدي مثل ما يؤدي الإمام، فما معنى قولهم: إن صلاة الخوف ركعة؟ إن أرادوا أنها ركعة بجماعة مع الإمام بالنظر لكل من الطائفتين فهو مسلم، ولا يثبت لهم ما قالوا من أنّ صلاة الخوف ركعة، وإن قالوا: إن كل طائفة ليس عليها إلا الذي صلت مع الإمام، فهو مخالف لما حكينا من الاتفاق على أن المأموم عليه أن يفعل مثل ما فعل الإمام، وقد دلّت كلّ الأخبار التي رويت في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف أنها ركعتان، يصلّي بكل طائفة ركعة، وعلى هذا يجب أن يحمل قول ابن عباس وجابر رضي الله تعالى عنهما أن صلاة الخوف ركعة، أنها ركعة لكل طائفة مع الإمام، وتقضي كل منهما ركعة دون الاقتصار على ركعة واحدة.

وقد استدلّ القائلون بأنّ القصر قصر عدد الركعات بما

روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف تقصر وقد أمّنا، وقد قال الله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» «1» .

وهذا يدلّ على أنّ المراد بالقصر في الآية القصر في عدد الركعات، لأنّ السائل فهم أنّ ذلك لا يكون إلا في الخوف، وقد فعل في الأمن

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو صدقة»

فدلّ على أنّ القصر الذي في الآية من جنس القصر الذي يكون في الأمن، وذلك نقص في الركعات دون الصفة، وأيضا فإنّ القصر أن تقتصر من الشيء على بعضه، والقصر في الصفة تغيير، لا إتيان بالبعض، لأنه جعل الإيماء بدل الركوع

(1) رواه مسلم في الصحيح (1/ 478) ، 6- كتاب المسافرين، 1- باب صلاة المسافرين حديث رقم (4/ 686) .

ص: 315

والسجود مثلا. وأيضا: فإنّ (من) في قوله: مِنَ الصَّلاةِ للتبعيض، وذلك في الاقتصار على بعض الركعات أظهر.

وأما دليل الذين قالوا: إنّ المراد بقصر الصلاة في الآية قصر الصفة والهيئة دون نقصان أعداد الركعات فهو أنّ الآية في صلاة السفر. أليس الله يقول: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام» «1» فقد أخبر أنّ صلاة السفر سواء أكانت صلاة أمن أم خوف تمام غير قصر.

فإذا معنى القصر في الآية قصر الصفة لا قصر عدد الركعات، وهم يحملون قول عمر:«عجبت مما عجبت منه» على أنه لعله كان قد ظن في بادئ الأمر أنّ القصر في صلاة الخوف قصر عدد الركعات، فلما سمع

من النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر»

علم أن القصر في الآية إنما هو في الصفة.

وقد اختلف الفقهاء في أنّ فرض المسافر في الظهر والعصر والعشاء أهو ثنتان، أم هو مخيّر بين القصر والإتمام، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: فرض المسافر ركعتان إلا في المغرب، فإنها ثلاث: فإن صلّى المسافر أربعا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، وإن قعد بعدهما مقدار التشهد تمت صلاته مع الكراهية، لتركه السلام، بمنزلة من صلّى الفجر أربعا بتسليمة، وقال حماد بن سليمان: إذا صلّى أربعا أعاد.

وقال مالك: إذا صلّى المسافر أربعا أعاد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.

وقال الشافعي رضي الله عنه: القصر رخصة، فإن شاء قصر وإن شاء أتمّ. احتجّ الشافعي رحمه الله بأن ظاهر الآية نفي الجناح عنهم في القصر، وهذا اللفظ مشعر بأنّه رفع عنهم لزوم الإتمام من غير إلزام لهم بالقصر. وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت:«قصر رسول الله وأتمّ» .

وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وأيضا فقد جرى الشرع في رخص السفر على التخيير كالصوم والفطر فالقصر كذلك.

واحتجّ الحنفية بما روي عن عمر أنه قال: صلاة السفر تمام غير قصر على لسان نبيكم، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم التزم القصر في أسفاره كلها

فقد روي عن ابن عباس رضي الله

(1) رواه النسائي في السنن (3- 4/ 203) ، كتاب صلاة العيدين، باب عدد صلاة العيدين حديث رقم (1565) ، وأحمد في المسند (1/ 37) .

ص: 316

عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلّى ركعتين حتى يرجع «1» .

وروي عن عمران بن حصين حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وقال لأهل مكة:«صلوا أربعا فإنّا قوم سفر» «2» .

وقال ابن عمر: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين،

وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر، فلم يزيدوا على ركعتين، حتى قبضهم الله «3» ، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «4»

وقد كانت صلاته في السفر ركعتين فوجب اتباعه، وذلك لأننا متفقون على أن لفظ الصلاة في القرآن مجمل يلتحق به البيان، والبيان فعل الرّسول أو قوله، وهذا فعله، وهذا قوله.

وأيضا لو كان مراد الله التخيير بين القصر والإتمام لبيّن ذلك كما بينه في الصوم، وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهّل، فإنّه حين أتم بمنى أنكر عليه الصحابة، قال: إنما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد،

وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تأهّل ببلد فهو من أهله» «5» .

وقد قالت عائشة فيما روي عنها: أول ما فرضت الصلاة وأتمّ فيحمله الحنفية على قصر الفعل، وإتمام الحكم جمعا بين الروايات. وأما ظاهر قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فهم يتأوّلون القصر على قصر الصفة.

وقد ذكر صاحب «الكشاف» «6» وجها آخر في قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فقال: إنهم لما ألفوا الإتمام فربما خطر ببالهم أنهم نقصوا في قصر الصلاة، فنفي الجناح من أجل ذلك.

وظاهر تعليق القصر على الضرب في الأرض يدلّ على القصر في مطلق السفر، سواء في ذلك السفر للحج والجهاد والتجارة وغيرها، وأيضا قوله:«صلاة السفر ركعتان» يدل على ذلك.

(1) رواه الجصاص في أحكام القرآن (2/ 254) .

(2)

المرجع نفسه (2/ 254) .

(3)

رواه الجصاص في أحكام القرآن (2/ 254) .

(4)

رواه البخاري في الصحيح (1/ 175) ، 10- كتاب الأذان، 18- باب الأذان للمسافر حديث رقم (631) .

(5)

رواه أحمد في المسند (1/ 62) .

(6)

الإمام الزمخشري في كتابه الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 558) . [.....]

ص: 317

وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تقصر إلا في حج أو جهاد» .

وعن عطاء قال: لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله.

لكن هذا مخالف لظاهر الآية، ولا تمسك لهم بما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقصر إلا في حج أو جهاد، فإنما ذلك لأنّه لم يسافر إلا في حج أو جهاد.

وقد تمسك داود الظاهري بهذا الظاهر، وقال: إن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر، فالمدار في تحقيق القصر عندهم على تحقق شرطه، وهو الضرب في الأرض.

وأما الجمهور فقد قالوا: إنّ الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان. وظاهر أنّ مجرد الانتقال من مكان إلى مكان لا يكون سببا في الرخصة، فلا بدّ أن يكون الضرب المرخّص ضربا مخصوصا، ولما كان ذلك لا يعرف إلا ببيان السنة لمقدار الانتقال المرخّص، ولم يرد في بيان السنة ترخيص في القصر في أقل من سفر يوم، وذلك أنه حصل في المسألة روايات:

1-

روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يقصر في يوم تامّ، وبه قال الزهري والأوزاعي.

2-

قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.

3-

قال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.

4-

قال الحسن: مسيرة ليلتين.

5-

قال الشعبيّ والنخعيّ وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وعنهم: يومان وأكثر الثالث.

6-

قال مالك والشافعي: أربعة برد، كل بريد أربعة فراسخ.

فهذه الأقوال على ما بينها من الاختلاف تدلّ على إجماعهم على أنّ السفر المرخّص مقدّر بقدر مخصوص هو الذي فيه الاختلاف.

وقد عول الحنفية في مذهبهم على

قوله عليه الصلاة والسلام: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام «1» ، وعلى ما ورد في منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم»

فدلّ هذا على أنّ ما دون الثلاث ليس سفرا، بل هو في حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج دون محرم وعدمه.

وأما الشافعية فإنهم عوّلوا في مذهبهم على ما

روي عن مجاهد وعطاء عن ابن

(1) رواه مسلم في الصحيح (1/ 232) ، 2- كتاب الطهارة، 24- باب التوقيت في المسح حديث رقم (85/ 276) .

ص: 318

عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان» .

وقد تقدم الكلام على أدلة الحنفية والشافعية في الصوم، إنما الذي يعنينا الآن هو ما ذهب إليه الظاهرية، فنحن نقول لهم: إن الآية مجملة، وقد أجمع السلف على أن السفر مقدّر، وقد بينت السنة أنه مقدر على خلاف في الروايات مرجعه إلى الترجيح، فهو عند الترجيح يثبت أحد الأقوال في التقدير، وهو خلاف ما يدّعون.

وقد زعم الظاهرية أيضا أنّ القصر في السفر إنما يكون عند الخوف تمسكا بالشرط في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذ هو يفيد أن القصر إنما يحصل عند الخوف، فما لم يكن خوف لم يكن قصر، ولكنّا نقول: إنّ الآية لا تدل على أكثر من أنه عند الخوف يصح القصر، أما في حال عدم الخوف فهل يصح أم لا؟ ذلك ما لم تعرض له الآية، بل هي ساكتة عنه، وهذا السكوت عنه قد بينته السنة، وفائدة التقييد بالخوف في الآية بيان حال السفر الذي كانوا عليه وقتئذ إذ غالب أسفارهم إنما كان في حرب العدو، على أنّ لنا أن نقول إنّ القصر الذي في الآية هو قصر صفة في إحدى صلوات السفر، وهي الصّلاة في حال الخوف.

ثم ماذا يقول الظاهرية في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هل يقولون: السفر المرخّص إنما يكون في حال الخوف من الكفار فقط وأما من العدو مطلقا فلا، ما نظنهم يقولون بالتزامه، إذ المعقول أن الذي يصلح أن يكون علة هو خوف الفتنة مطلقا، وحيث كان الأمر كذلك فهم محجوجون بما احتجوا به.

إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي إن خفتم أن يتخذ أعداؤكم اشتغالكم بالصلاة وطولها فرصة لتغلّبهم عليكم فتفتنون وتغلبون. فلا تمكنوهم من هذا، بل اقصروا من الصلاة، ويصحّ أن يكون المراد إن خفتم أن يفتنكم الكافرون في حال الركوع والسجود حيث لا ترون حركاتهم فصلوا راجلين أو راكبين آمنين.

والفتنة: الشدة والمحنة والبلية.

إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً فهم يتربّصون بكم الدوائر ليوقعوا بكم، وتتمّ لهم الغلبة عليكم، وقد سهلت لكم الطريق في قتالهم، فلا تدعوا لهم فرصة لينفذوا منها إلى غرضهم، ولو كانت تلك الفرصة هي الصلاة التي لا تترك بحال، فقد جعلت لكم أن تقصروا منها.

قال الله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ

ص: 319

مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102)

هذا شروع في بيان كيفية صلاة الخوف.

وقبل الكلام على معنى الآية نقول: قد ذهب الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في إحدى الروايات عنه والحسن بن زياد إلى أنّ ما اشتملت عليه الآية من الأحكام كان خاصا بوجود النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجيش أخذا من ظاهر قوله: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ثم هو يقول: إن هذا الحكم في حال وجود النبي صلى الله عليه وسلم كان معقول المعنى، مراعاة لوجوب التسوية بين أفراد الجيش في إحراز فضيلة الصلاة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولذلك اغتفر لهم في الصلاة ما لم يغتفر في غيرها من الصلوات، من إباحة المشي، والسير مع الإمام، ثم مفارقته قبل تمام الصلاة معه، وحمل السلاح إلى غير ذلك. وأما بعد زمن النبيّ فلا داعي إلى أعمال من شأنها أن تفسد الصلاة في غير ضرورة، إذ من الممكن أن تتعدد الأئمة في الجيش، فيصلّي بكل فرقة إمام في أوقات مختلفة، مع بقاء العدة والحذر من العدو، وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل إمام إماما، وفي الإمكان اختيار أئمة على سواء، فالضرورة التي كانت في إحراز فضل الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم قد زالت، فلا حاجة إلى صلاة الخوف بكيفية من كيفياتها التي وردت وذهب إليها الفقهاء.

ولكنّ جمهور الفقهاء على خلاف هذا، وأن صلاة الخوف لا تزال مشروعة، وهم مختلفون فيما بينهم على الكيفية التي تصلّى بها صلاة الخوف، وقد تقرّر عندهم أن خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته: فلا مستمسك لأبي يوسف بالخطاب.

وأما الشرط (إذا) فهو لا يدل على أكثر من ترتب وجود قسمة المصلين طائفتين على وجوده فيهم، ولكن لا دلالة على أنه إذا عدم الوجود فيهم انعدمت هذه القسمة.

بعد هذا نقول: إنه ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلّى صلاة الخوف على هيئات مختلفة، في مواضع مختلفة، وقد يكون صلاها في كلّ مرة على هيئة تخالف ما صلاها عليه في المرات الأخرى، وقد اتخذ الفقهاء من هذه الروايات على هذه الأوضاع المختلفة أدلة على مذاهبهم المختلفة وقد يكون في مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم بين الأوضاع وفي الأماكن المختلفة: ما يصح أن يكون دليلا على أن الأمر فيها متروك لإمام الجيش، يصلّي بالناس حسبما تقضي المصلحة الحربية، وقد قال هذا أو ما يقرب من هذا كلّ من أبي بكر الرازي وابن جرير الطبري «1» .

(1) رواه أبو بكر الرازي في كتابه أحكام القرآن (2/ 258) ، وابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 165) .

ص: 320

ولنذكر أقوال الفقهاء في كيفية صلاة الخوف مع ما يوافق كلّ قول منها من الروايات التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بحسب الاستطاعة فنقول:

1-

ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام القوم طائفتين، تقوم طائفة مع الإمام، وطائفة إزاء العدو، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو، فيصلّي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويسلّم هو، وينصرفون إلى أصحابهم، ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو، وتقضي ركعة بغير قراءة وتتشهد، وتسلم، وتذهب إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيقضون ركعة بقراءة.

فقد جاء في السنة ما يدل على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاها على هذا الوجه.

روى الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بإحدى الطائفتين ركعة: والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أولئك. وجاء أولئك، فصلّى بهم ركعة أخرى، ثم سلّم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وهؤلاء فقضوا ركعتهم «1» .

وروي مثله عن نافع وابن عمر وابن عباس.

2-

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا معه، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فيصلّي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك.

وإذا كان العدو في دبر القبلة قام الإمام ومعه صفّ مستقبل القبلة، والصف الآخر يستقبل العدوّ، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو، ثم يجيء الآخرون، فيسجدون، ويصلّي بهم الإمام الركعة الثانية، فيركعون جميعا، ويسجد الصف الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدو، ويجيء الآخرون، فيسجدون معه، ويفرغون، ثم يسلم الإمام وهم جميعا.

وعن أبي يوسف رحمه الله روايتان غير التي ذكرناها في مفتتح الكلام إحداهما يوافق فيها أبا حنيفة، والأخرى يوافق فيها ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة، ويوافق فيها أبا حنيفة إذا كان العدو دبر القبلة.

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 64) ، 64- كتاب المغازي، 32- باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (4133) ، ومسلم في الصحيح (1/ 574) ، 6- كتاب صلاة المسافرين 57- باب صلاة الخوف حديث رقم (305/ 839) .

ص: 321

وقد روي في السنة ما يوافق قول ابن أبي ليلى.

روى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلّى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض يومئذ: كان فرصة لكم، لو أغرتم عليه ما علموا بكم حتى تواقعوهم، قال قائل منهم: فإنّ لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنزل الله عز وجل: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الآية، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، وكانوا قبالته في القبلة، فجعل المسلمين خلفه صفين، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا معه جميعا، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده، وقام، سجد الصف الثاني، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ركع ركعوا معه جميعا، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده، وقعد الذين يلونه، سجد الصف المؤخّر، ثم قعدوا فتشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا فلما سلّم سلّم عليهم جميعا، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض ينظر إليهم قالوا: قد أخبروا بما أردنا.

3-

وقال مالك رضي الله عنه: يتقدم الإمام بطائفة، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلّي بالتي معه ركعة وسجدتين، ويقوم قائما، وتتمّ الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى، ثم يتشهدون، ويسلّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلّ، فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون، ويسلّم، ويقومون، فيتمّون لأنفسهم الركعة التي بقيت.

4-

وقال الشافعي رضي الله عنه مثل قول مالك إلا أنه قال: لا يسلّم الإمام حتى تتمّ الطائفة الثانية لأنفسها، ثم يسلّم معهم، قال ابن القاسم: وكان مالك يقول بهذا لحديث رومان، ثم رجع عنه إلى حديث القاسم، وفيه أنّ الإمام يسلّم، ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون.

أما حديث رومان الذي أشرنا إليه فهو ما روى يزيد عن رومان عن صالح بن خوّات مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم «1» ، وذكر فيه أنّ الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن يصليها النبيّ صلى الله عليه وسلم.

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 62) ، 64- كتاب المغازي، 32- باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (4129) ، ومسلم في الصحيح (1/ 575) ، 6- كتاب صلاة المسافرين، 57- باب صلاة الخوف حديث رقم (310/ 842) .

ص: 322

وأما

حديث القاسم فهو ما روى ابنه عنه عن صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بهم صلاة الخوف فصفّ صفّا خلفه، وصف مصافّ العدو، فصلّى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة، وقد كان ذلك في غزوة ذات الرقاع.

وقد رويت روايات أخرى بغير هذه الأوضاع لا نطيل بذكرها. فأنت ترى الروايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم مختلفة، ولعلّ السبب في الاختلاف ما أشرنا إليه سابقا.

والآية التي نحن بصددها يمكن إرجاعها إلى هذه الروايات على تفاوت بينها، وسترى شيئا من ذلك.

وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أي إذا كنت أيها النبيّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم، فأقمت لهم الصلاة، فاجعلهم طائفتين، تقوم طائفة منهم معك في الصلاة، وظاهر هذا يخالف مذهب ابن أبي ليلى، لأنّ نص الآية مشعر بأنّ قيام طائفة منهم معه يكون حال قيامه هو في الصلاة، بأن تفتتح الصلاة بعد افتتاحه، ومن مقتضى قوله: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أنّ الطائفة الأخرى لا تقوم معه، وابن أبي ليلى يقول: يكبرون جميعا، ويركعون جميعا، ثم تنفرد طائفة منهم بالسجود معه.

وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فاعل الأخذ إما المصلون، وإما غيرهم، فإن كان ضمير الفاعل للمصلين فإنّ المراد من السلاح المأخوذ حينئذ ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، والأمر بأخذ ذلك حينئذ للاحتياط ودفع الطوارئ، وأما إن كان ضمير الفاعل لغير المصلين، فالأمر بالأخذ لأنهم الذين يكونون في قبالة العدو.

فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي إذا سجد المصلون مع الإمام فليكن غير المصلين من ورائهم، يدفعون عنهم العدوّ إذا أراد الإيقاع بهم، وربما تعلّق بهذا ابن أبي ليلى حيث ترتّب الأمر بالكون من ورائهم على السجود، فدلّ ذلك على أنه قبل السجود لا يطلب منهم أن يكونوا من ورائهم، وما ذلك إلا لأنهم مشتركون معهم في الصلاة، ولكننا نقول: إن ذلك غير لازم، إذ كثيرا ما تسمّى الصلاة سجودا، أو نقول: خصّ الأمر بالكون من ورائهم بحال السجود تنبيها على وجوب اليقظة والاحتراس في هذه الحال، لأنّها التي يظنّ العدوّ فيها انشغالهم بالصلاة، وربما كانت مباغتة لهم فيها.

وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ هذا ظاهر أيضا في أنّ الطائفة الثانية لم تكن مع الأولى، بدليل أنه أمرها بالإتيان، وعلى مذهب ابن أبي ليلى لا يكون إتيان، بل تأخّر من التي سجدت مع الإمام أولا، وليس في هذا اللفظ دليل على أنّ الطائفة الأولى تقضي في مكانها قبل مبارحته، أو على أنها تذهب قبالة العدو قبل

ص: 323

القضاء، ولا على أنّ الطائفة الثانية تقضي في مكانها، بل اللفظ صالح للجميع، وليس فيه دليل أيضا على أنّ الإمام يسلّم بمجرد انتهائه من الركعة الثانية، ولا أنه ينتظر حتى تفرغ الثانية من قضاء ما فاتها.

وإنما يطلب ذلك من السنة، وأنت تعلم أنّ السنة قد جاءت بالجميع.

وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ هذا أمر للجميع بعد انتهاء الصلاة، وضم هذا الأمر بأخذ الحذر وهو التيقظ إلى الأمر بأخذ السلاح فقط عقب الركعة الأولى، لأنّ العدو في أول الصلاة لا يقوى عنده باعث المباغتة، لأنهم كانوا قياما في أولها، وإنما يقوى عنده ذلك في آخرها حين يتكرر منهم السجود، فمن أجل ذلك أمر في الأول بأخذ الأسلحة فقط، وهنا بأخذها وأخذ الحذر.

وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً.

أي أنّ أعداءكم يتربّصون بكم الدوائر، ويتحيّنون لقتالكم الفرصة، ويودون لو تمكنوا منكم، فتغفلون عن عدتكم وما تقاتلونهم به، فتكون حربهم إياكم وغلبتهم عليكم سهلة ميسورة، ولن يمنعكم منهم إلا الحذر والرباط وإعداد العدة، فاحذروهم، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.

وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي أنّه لا يمنعكم من عدوكم إلا الاستعداد له، فإن تعذّر عليكم حمل الميرة والسلاح للمطر أو المرض أو غير ذلك من الأعذار، فليس عليكم إثم في أن تضعوا أسلحتكم التي حالت الضرورة بينكم وبين حملها، ولكن يجب أن تكونوا على حذر وتيقظ من مباغتة العدو ومفاجأته، فبثوا له العيون والأرصاد، واتخذوا من فنون الدفاع في الحرب وأساليبه ما لا يجعل عدوكم على علم بما أنتم عليه من ضرورة حتى لا يفاجئكم، فتتم الهزيمة عليكم.

إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إنما عقّب الله تعالى الأمر بأخذ الحذر والسلاح بهذا الوعيد، لأنّ الأمر قد يتوهّم منه أنّ العدو شديد، وذلك قد يعقب وهما في النفوس، فإزالة لهذا الوهم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إذا كان ذلك خبرا منه تعالى بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم البتة، ليعلم المؤمنون أنّ الأمر بالحذر منهم، إنما هو لما جرت به سنة الله من إتباع المسببات الأسباب حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا.

وقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب، فقال الحنفية ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعية: يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، غير أن المالكية والشافعية يقولون: إنّ الإمام ينتظر قائما حتى تتمّ الطائفة

ص: 324

الأولى لنفسها، وتجيء الثانية على ما بينهما من خلاف في سلام الإمام.

واختلفوا أيضا في الصلاة حال اشتباك القتال أتجوز أم لا؟ فقال الحنفية: لا صلاة حال اشتباك القتال، فإن قاتل فيها فسدت صلاته. وقال مالك: يصلي بالإيماء إذا لم يقدر على الركوع والسجود. وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب والطعن فسدت صلاته، والأدلة تلتمس في غير الآية.

قال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) يقول الله تعالى: فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم التي بينا لكم كيفيتها، فاذكروا الله قياما وقعودا ومضطجعين على جنوبكم، واذكروه معظمين خاشعين، سائليه النصر والظفر، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً.

وقد طلب الله تعالى من عباده أن يذكروه دائما، والذكر أداة الفلاح، إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة، واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة.

روى ابن جرير «1» عن ابن عباس في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أنه كان يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما، ثم عذر أهلها في حال غير الذكر، فإنّ الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.

وقيل: إنّ معنى الآية: إن أردتم أداء الصلاة، واشتد الخوف إذا اشتبكتم في القتال، فصلوا كيفما كان. وهذا يوافق ما ذهب إليه الشافعيّ، رضي الله عنه من وجوب الصلاة حال المحاربة، وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، وأنت ترى أنّ ذلك بعيد من لفظ قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ.

فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي أقمتم، وهو مقابل لقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سميت الإقامة طمأنينة لما فيها من السكون والاستقرار، ويصح أن يكون المراد فإذا أمنتم وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر صفة الصلاة وهيئتها.

فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أدوها على وجهها الذي كانت عليه قبل هذا، وأتموها، وعدّلوا أركانها، وراعوا شروطها، وحافظوا على حدودها.

(1) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (5/ 166) .

ص: 325

وقيل: إنّ معنى ذلك فإذا اطمأننتم، وأمنتم في الجملة: فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج، ونسب ذلك إلى الإمام الشافعي قال صاحب «روح المعاني» : وليست هذه النسبة صحيحة.

إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً فرضا محدودا بأوقات لا تجوز مجاوزتها، بل لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا، وقيل: المعنى كانت عليهم أمرا مفروضا مقدّرا في الحضر بأربع ركعات، وفي السفر بركعتين، فلا بدّ أن تؤدّى في كلّ وقت حسبما قدّر فيه، وقد ورد القرآن هكذا في توقيتها مجملا، ومرجع البيان فيه إلى السنة، فما ذكرت السنة أنه وقت وحد للصلاة وجب اتباعه.

قال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) بعد أن بيّن الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون في قتال عدوهم من أخذ الحذر أثناء الصلاة عاد إلى بعث المؤمنين على نحو آخر من المذهب الكلامي، وسوق الدعوى يحدوها الدليل.

وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ لا تضعفوا في قتالهم، ولا تتواكلوا، ولا يمنعكم منه ما يظن أن يصيبكم في قتال أعدائكم من ألم القتل والجرح، فإنّ ذلك أمر مشترك من شأنه أن يقع بكم، ويقع بأعدائكم ما دام لم ينثن أعداؤكم عن قتالكم، فما بالكم تخافونه دونهم.

وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ بل إنّ أعداءكم إذا جاز لهم أن يخافوا فهم حقيقون بأن يخافوا، فإنّهم لا حجة لهم في الإقدام على أمر هو مظنة هلاكهم، فإنّهم على الباطل، والباطل مهما مدّ الله له في الأجل فهو في النهاية مدفوع. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، ولا ثمرة تعود عليهم من قتالهم هذا، فإنهم وإن تمّت لهم الغلبة أمامهم جهنم مفتحة الأبواب، عميقة الغور، أعدت للكافرين المعاندين لكم، وقد وعدكم نصره، وضمن لكم الجنة، وأنتم الفائزون في الحالين، وأنتم بما تعبدون الله وتوحدونه لا تشركون به شيئا، تطمعون في نصره ورحمته، وهم بما يعبدون من الأصنام، وما هم عليه من العناد: ليس عندهم مثل هذا الطمع، أليس يكفي هذا وحده باعثا لكم على القتال دونهم؟

وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته.

ص: 326

قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106)

روي في أسباب نزول الآية أخبار كثيرة، كلها متفقة على أنها نزلت في شأن رجل يقال له طعمة بن أبيرق، على خلاف فيما وقع منه، قال الفخر الرازي: إنّ طعمة سرق درعا، فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بسرقتها، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قوم طعمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه أن يعينهم على مقصودهم، وأن يلحق الخيانة باليهودي، فهمّ الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت الآية «1»

. وقيل: إنّ واحدا وضع عند طعمة درعا على سبيل الوديعة، ولم يكن هناك شاهد، فلما طلبها منه جحدها، وقيل: إنّ المودع لما طلب الوديعة زعم طعمة أن اليهودي سرق الدرع.

وقد قال العلماء: إنّ ذلك يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلحق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، انظر إلى قوله تعالى في الآيات التي بعد هذه وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ.

وقد روي أن طعمة هرب بعد الحادثة إلى مكة وارتد، وسقط عليه حائط كان يثقبه للسرقة فمات.

لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما أعلمك الله في كتابه، وأنزله إليك بوحيه، ويصح أن يكون المراد بما جعله الله رأيا لك، إما من طريق الوحي، أو الاجتهاد، وليس يلزم من تأويل الآية على العلم بطلان القياس، لأنّك قد عرفت أنّ القياس راجع إلى الكتاب والسنة، والعلم به عمل بأمر الله، وقد اختلف العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يجتهد، أو ليس له ذلك، والمسألة لها موضع غير هذا في الأصول يجمع أدلة الطرفين.

غير أن الذي يلزم التنبيه إليه أن الذي يقول: إنه يجوز له الاجتهاد يقول: إنه يجوز عليه الخطأ، لكنّه لا يقرّ على الخطأ، ويستشهد بمثل الحادثة التي نحن بصددها، فإنه قد بيّن له الحكم، وبمثل ما حدث في أسارى بدر.

وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً الخائنون هو طعمة وقومه ومن يعنيه أمره منهم، واللام للتعليل، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لما يستعدونك عليه، وقيل: إنّ اللام بمعنى عن أي لا تكن مخاصما ومدافعا عنهم ضد البراءة وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما

(1) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 228) ، كتاب التفسير حديث رقم (3036) ، وابن جرير (5/ 170) .

ص: 327

هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبّت في شأنها، والأمر بالاستغفار في هذا وما ماثله لا يقدح في عصمة الأنبياء، لأنه لم يكن منه إلا الهم، والهم لا يوصف بأنه ذنب فضلا عن المعصية، بل إنّ ذلك من قبيل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب، وإرشاده وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء، وقيل: إن المراد استغفر لأولئك الذين زعموا عندك براءة الخائن.

إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً يغفر لمن استغفره، ويرحم من استرحمه.

قال الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127)

الاستفتاء: طلب الإفتاء، والإفتاء: إظهار المشكل من الأحكام وتبينه، كأنّ المفتي لما بيّن المشكل قد قوّاه وصيّره فتيا.

سبب النزول:

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت المواريث في سورة النساء شقّ ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث، قالوا: لئن تمّ هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا: سلوا، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه الآية «1» . وروي مثل ذلك عن ابن عباس ومجاهد.

وعن عائشة أنها نزلت في توفية الصداق لهن. وكانت اليتيمة تكون عند الرجل، فإذا كانت جميلة، ولها مال، تزوّج بها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية «2» .

معلوم أنّ الصحابة لم يطلبوا الإفتاء عن ذوات النساء، وإنما طلبوا الإفتاء عن حال من أحوالهن، وشيء يتعلّق بهن، فلا بد من تقدير محذوف في الكلام، فبعض المفسرين قدّر ذلك المحذوف أمرا خاصا، وجعل سبب النزول قرينة على تعيين ذلك المحذوف المسئول عنه، فقال: المراد يستفتونك في ميراثهن، أو في توفية صداقهن، أو في نكاحهن.

واختار بعضهم التعميم في المسئول عنه، لأنّ سبب النزول لا يخصّص، ولأنّ تقدير العام أتمّ فائدة وأشمل، فقال: المراد يستفتونك فيما يجب لهن وعليهن مطلقا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنساء.

(1) و (2) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي (2/ 231) .

ص: 328

وكذلك اختلفوا في المراد بما كتب لهنّ في قول الله تعالى: اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ فقيل: ما فرض لهن من الميراث، وقيل: من الصداق، وقيل: من النكاح، وقيل: ما يعم ذلك كله وغيره.

وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ قد ذهب فيه المعربون مذاهب شتى، وأولى وجوه الإعراب أن تكون (ما) اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك، أي يفتيكم فيهن أيضا. وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [النساء: 3] إلخ.

وحاصل المعنى: أنهم كانوا يسألون عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبيّن الحكم قبل نزول هذه الآية ذكر أن الله يفتيهم فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدمة أحالهم فيه إلى تلك الآيات المتقدمة وذكر أنها تفتيهم فيما عنه يسألون.

وقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضا أن يقال:

كتاب الله أفتى بكذا.

وقوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ صلة يُتْلى أي يتلى عليكم في شأنهن.

والإضافة في يتامى النساء من إضافة الصفة للموصوف عند الكوفيين، والبصريون يمنعون ذلك، ويجعلون الإضافة هنا على معنى (من) أو (اللام) أي في اليتامى من النساء، أو في أولادهن اليتامى.

وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فقد ورد في أخبار كثيرة أن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهنّ إن كن جميلات، ويأكلون ما لهنّ وإلا كانوا يعضلونهن طمعا في ميراثهن.

وحذف الجار هنا لا يعدّ لبسا، بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل.

واحتج بعض الحنفية بقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة، لأنّ الله ذكر الرغبة في نكاحها، فاقتضى جوازه.

والشافعية يقولون: إنّ الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم، فلا دلالة فيها على ذلك. على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهن فعله في حال الصغر.

وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف على يتامى النساء، وكانوا- كما علمت- لا يورثونهم كما لا يورثون النساء.

ص: 329

وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي قل الله يفتيكم إلخ ويأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط. أو هو معطوف على (يتامى النساء) والتقدير وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.

وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً أي وما تفعلوه من خير يتعلّق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإنّ الله يجازيكم عليه ولا يضيع عنده منه شيء.

قال الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) هذا من الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء مما لم يتقدم ذكره.

والخوف هنا مستعمل في حقيقته، إلا أنّه لا يكون إلا بعد ظهور الأمارات تدل عليه. مثل أن يقول الرجل لامرأته: إنك قد كبرت، وإني أريد أن أتزوج شابّة جميلة.

والأصل في البعل أنه السيد، وسمّي الزوج بعلا لكونه كالسيد لزوجته.

والنشوز- وتقدم معناه- يكون وصفا للمرأة لما تقدم ويكون وصفا للرجل كما هنا، والمراد به هنا ترفّع الرجل بنفسه عن المرأة، وتجافيه عنها: بأن يمنعها نفسه ومودته.

والإعراض الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه. مثل أن يقلل محادثتها، أو مؤانستها لطعن في سن، أو دمامة، أو شين في خلق أو ملال.

والإعراض أخف من النشوز.

أخرج الترمذي وحسّنه عن ابن عباس قال: خشيت سودة رضي الله عنها أن يطلّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية «1» .

وأخرج الشافعي عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن «2» .

وروي عن عائشة أنّها نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتها، فيريد أن يطلّقها، فتقول: أمسكني وتزوج بغيري، وأنت في حل من النفقة والقسم «3» .

(1) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 232) ، كتاب التفسير حديث رقم (3040) .

(2)

انظر الدر المنثور السيوطي في التفسير بالمأثور للسيوطي (1/ 232) .

(3)

رواه ابن ماجه في السنن (1/ 634) ، كتاب النكاح، باب المرأة حديث رقم (1974) .

ص: 330

يقول الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً والمقصود إن خافت امرأة من زوجها تجافيا أو انصرافا عنها فلا إثم عليهما في أن يجريا بينهما صلحا، بأن تترك المرأة له يومها كما فعلت سودة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة، أو تهب له شيئا من مهرها، أو تعطيه مالا لتستعطفه وتستديم المقام معه.

وفي قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما دفع لما يتوهم من أن ما يأخذه الزوج كالرشوة فلا يحل.

وجملة وَالصُّلْحُ خَيْرٌ معترضة، أي والصلح بين الزوجين أكثر خيرا من الفرقة وسوء العشرة، على معنى أنه إن يكن في الفرقة أو سوء العشرة خير فالصلح خير من ذلك. أو والصلح خير من الخيور وليس بشر.

وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ اعتراض ثان، وفائدة الاعتراض الأوّل الترغيب في المصالحة. وفائدة الاعتراض الثاني تمهيد العذر في المماكسة والمشاحّة.

وحضر: متعد لواحد، والهمزة تعديه إلى مفعول ثان كما هنا. فالمفعول الأول نائب الفاعل، والثاني كلمة الشحّ، ويجوز العكس. والشح: البخل مع الحرص، والمراد وأحضر الله الأنفس الشحّ أي جبل الله النفوس على الشح، فلا تكاد المرأة تسمح بحقها، ولا يكاد الرجل يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة على التي لا يريدها.

وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً هذا خطاب للأزواج بطريق الالتفات، قصد به استمالتهم وترغيبهم في حسن المعاملة، والصبر على ما يكرهون، أي وإن تحسنوا معاشرة النساء، وتتقوا النشوز، والإعراض مهما تضافرت أسبابهما، فإنّ الله يجازيكم على ذلك أحسن الجزاء، ويثيبكم عليه خير المثوبة.

يؤخذ من هذه الآية أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته، وكرهتها نفسه، أو عجز عن حقوقها، فله أن يطلقها، وله أن يخيّرها إن شاءت أقامت عنده ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه، فإذا رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة بشيء مضى من ذلك على الرضا.

وهل لها في المستقبل الرجوع في ذلك الصلح؟

من العلماء من قال: إنّ حقها في القسم والنفقة يتجدد، فلها الرجوع في ذلك متى شاءت.

وقال آخرون: إنّ هذا الصلح خرج مخرج المعاوضة، وقد سمّاه الله صلحا، فيلزم كما يلزم ما تصالح عليه الناس من الحقوق والأموال، فليس لها حق الرجوع فيه

ص: 331

بأيّ حال، ولو مكّنت من ذلك لم يكن صلحا، بل يكون من أكبر أسباب المعاداة والشريعة منزهة عن ذلك.

وهنا أبحاث:

الأول: رب قائل يقول إذا كان نشوز الرجل يحلّ له أن يأخذ من مال امرأته شيئا، أفلا يتخذ بعض الأزواج النشوز- بل التهديد به- وسيلة لأخذ مال المرأة، وانتقاصها حقها، وهلا يعدّ أخذ المال بهذه الوسيلة أخذا بسيف الإكراه، وأكلا لأموال الناس بالباطل.

ونحن نقول: إذا كان الرجل يرغب في زوجته حقيقة، ويود بقاءها في عصمته، ولكنه تظاهر بالنشوز والإعراض اجتلابا لمالها، واستدرارا لخيرها، كان ذلك حراما، وكان أخذ المال بهذه الوسيلة أكلا لأموال الناس بالباطل، وقد حرّم الله أكل أموال الناس بالباطل، وحرّم مشاقة الرجل زوجته لغرض أخذ شيء من مالها، كما قال:

وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: 19] إلى أمثال ذلك.

ليس في مثل هذا النشوز والإعراض المصطنعين نزلت الآية، إنما الآية في رجل يرغب حقيقة في فراق زوجته لسبب ما، وقد جعل الله للرجل حق الطلاق، واستبدال زوج مكان زوج وأحلّ في هذه الآية الصلح بين الزوجين إذا كانا على ما وصفنا، رجل يريد الفراق لسبب من الأسباب، وامرأة تريد المقام معه، وإذا تراضيا على شيء من حق المرأة تنزل عنه في مقابلة أن ينزل الرجل عن شيء من حقه وهو الطلاق، لم يكن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، على أنّ الله تعالى أرشد الرجل إلى ترك النشوز مهما تكاثرت أسبابه، ووعده على ذلك الأجر والمثوبة، في قوله: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.

الثاني: قال الله تعالى في نشوز المرأة وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: 34] وقال في نشوز الرجل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها. ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل له ترضية وتلطفا. فما معنى ذلك؟

الجواب عن ذلك من وجوه:

1-

قد علمت أنّ الله جعل الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعي المرأة ورئيسها المهيمن عليها، ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب الأمر، وضاعت هيمنة الرئيس.

2-

أنّ الله فضل الرجال على النساء في العقل والدين، ومن قضية ذلك ألا

ص: 332

يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء، وتتوهمه سببا، فلا جرم جعل الله لنشوزهن عقوبة حتى يرتدعن، ويحسنّ حالهن. وأنّ في مساق الآيتين ما يرشد إلى أنّ النشوز في النساء كثير، وفي الرجال قليل، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع إشارة إلى أنّ النشوز محقق في جماعتهن. وفي نشوز الرجل عبر بإن التي للشك، وبصيغة الإفراد، وجعل الناشز بعلا وسيدا مهما كان. كل ذلك يشير إلى أنّ النشوز في الرجال غير محقق، وأنه مبنيّ على الفرض والتقدير، وأنه إذا فرض وقوعه فإنما يكون من واحد لا من جماعة، وأن ذلك الواحد على كل حال سيد زوجته.

3-

أنّ نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة، وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة.

الثالث: قال الجصّاص «1» في قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ إنّه جائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصّه الدليل، وذلك يدلّ على جواز الصلح عن إنكار، والصلح من المجهول، ونازعه في ذلك الفخر الرازي فقال: إنّ الصلح في الآية مفرد دخل عليه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل عليه حرف التعريف مختلف في إفادته العموم، ولو سلّم أنّه يفيد العموم، فإنما ذلك إذا لم يكن هناك معهود سابق، أما إذا كان هناك معهودا سابقا كما في الآية، فالأصح أنّ حمله على المعهود السابق أولى من حمله على العموم، وذلك لأنا إنما حملناه على العموم والاستغراق ضرورة أنّا لو لم نقل ذلك لصار مجملا، ويخرج عن الإفادة، وإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور، فوجب حمله عليه، وبذلك يندفع استدلال الجصّاص، ويكون المعنى: والصلح المعهود- وهو الصلح بين الزوجين- خير.

وأنت تعلم أنّ الجصاص لم يجزم بأن اللفظ عام، بل قال: إنه يجوز أن يكون عاما، كما يجوز أن يكون خاصّا بالصلح بين الزوجين، على أنّ وقوع الجملة اعتراضا، وجريانها مجرى الأمثال مما يرجح كون اللفظ عاما، فتدبر ذلك.

قال الله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) يخبر الله هنا بأنّ العدل بين النساء غير مستطاع، وفي آية سابقة قال:

(1) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (2/ 283) .

ص: 333

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: 3] فشرط في جواز الجمع بين النساء الوثوق من العدل بينهن. والعدل غير مستطاع، فكأن الجمع بين النساء غير جائز، لأنه مشروط بشرط قد أخبر الله أنه لا يتحقق ولن يكون، من أجل ذلك ترى أئمة التفسير من السلف الصالح كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم يقولون:

إن العدل الذي أخبر الله عنه أنه غير مستطاع هو التسوية بين الزوجات في الحب القلبي، وميل الطباع، ومعلوم أنّ ذلك غير مقدور.

وأما العدل الذي جعل شرطا في جواز الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف ويملكه، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مليكة أنّ الآية نزلت في عائشة رضي الله عنها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها أكثر من غيرها.

وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول:«اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» «1»

وعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بما لا يملكه هو، ويملكه الله: المحبة وميل القلب غير الاختياري.

ومعنى الآية إنكم لن تقدروا على التسوية بين النساء في الحب وميل الطباع، فالتفاوت بينهن في الود والمحبة حاصل ولا محالة، وليس في استطاعتكم جلبه ولا دفعه، فالله قد عفا لكم عنه، ولستم مكلفين به ولا منهيين عنه، ولكن ذلك التفاوت في الحب له نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها، وتقدرون عليها، ويصح تعلق الأحكام بها، فأنتم منهيون عن إظهار التفاوت في القول والفعل المقدورين لكم.

وقال بعض العلماء: حقيقة العدل بين النساء التسوية بينهن في كل شيء، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب في شأن من الشؤون، كالقسم والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها ما لا يكاد يحصر. والعدل بهذا المعنى غير مقدور للمكلف البتة. ولو حرص على إقامته وبالغ فيه، والعجز عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم أيها الأزواج بما دونها من المراتب التي تستطيعونها، فإنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله.

فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فلا تجوروا على المرغوب عنها كلّ الجور،

(1) رواه أبو داود في السنن (2/ 209) ، كتاب النكاح باب القسم بين النساء حديث رقم (2134) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 446) ، كتاب النكاح حديث رقم (1140) ، وابن ماجه في السنن (1/ 633) ، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء حديث رقم (1971) ، وأحمد في المسند (6/ 144) .

ص: 334

فتمنعوها حقها من غير رضا منها، واعدلوا ما استطعتم، فإنّ عدم العدل بينهن يوقد نار الغيرة والحقد في نفوسهن، ويغريهن بالشر والفساد. وفي ذلك من المفاسد ما يربو على مصلحة تعدد الزوجات في نظر الشارع الحكيم.

وفي قوله تعالى: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ضرب من التوبيخ للأزواج، أي لا ينبغي ولا يليق بكم أن تجوروا على الضرائر، فتدعوها كالمعلقة لا هي ذات بعل ولا مطلقة، فإما أن تعدلوا بينهن، وإلا فالفرقة أولى، كما قال تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: 229] .

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له امرأتان فمال مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط» «1»

وكان السلف الصالح يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيّب لهذه كما يتطيب لهذه. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.

وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً أي وإن تصلحوا ما كنتم تفسدون من أمورهن فيما مضى بميلكم إلى إحداهن، وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا بالجور فيما يستقبل، فإنّ الله يغفر لكم ما مضى من الحيف، ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه.

ظاهر هذه الآية يوجب التسوية في القسم بين الحرة والأمة. وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك رضي الله عنه، لكنّ جمهور الأئمة على أنّ الأمة المزوّجة على النصف من الحرة في القسم محتجين على ذلك بأن الإمام عليا رضي الله عنه قضى بذلك، ولا يعرف له في الصحابة مخالف مع انتشار هذا القضاء وظهوره، وموافقته للقياس، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يسوّ بين الحرة والأمة لا في الطلاق ولا في العدة ولا في الحد ولا في الملك ولا في الميراث ولا في الحج ولا في مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا، ولا في أصل النكاح، بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة، فاقتضى ذلك ألا يسوّي بينها وبين الحرة في القسم.

ومن هذه الآية يعلم أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك، وكانت عائشة رضي الله عنها كما علمت- أحبّ نسائه إليه صلى الله عليه وسلم، وأخذ من هذا أنّه لا تجب التسوية بينهن في الوطء، لأنّه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلّب القلوب.

(1) رواه أبو داود في السنن (2/ 209) ، كتاب النكاح حديث رقم (2133) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 447) ، كتاب النكاح حديث رقم (1141) ، والنسائي في السنن (7- 8/ 74) ، كتاب في عشرة النساء حديث رقم (3952) ، وابن ماجه في السنن (1/ 633) ، كتاب النكاح حديث رقم (1969) .

ص: 335

وفصّل بعض العلماء في ذلك فقال: إن تركه لعدم الداعي إليه فهو معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرر أقوى، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدّى الواجب عليه منه لم يبق لها حق، ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به.

وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ بعد أن رغّب الله في الصلح بين الزوجين وحثّ عليه ذكر في هذه الآية جواز الفرقة إذا لم يكن منها بد، وسلّى كلا من الزوجين، ووعد كل واحد منهما بأنه سيغنيه عن الآخر إذا قصد الفرقة تخوّفا من ترك حقوق الله التي أوجبها.

وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً. أي وكان الله ولا يزال غنيا كافيا للخلق، حكيما متقنا في أفعاله وأحكامه.

قال الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

أخرج ابن أبي حاتم أنّ هذه الآية نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج الشيخان عن جابر أنه قال دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبّ عليّ فعقلت فقلت يا رسول الله: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث، فنزلت آية الفرائض «1»

وهذه الآية آخر آيات الأحكام نزولا.

وروي أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة له: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض [12] ، فأولها في الولد والوالد، وثانيها في الزوج والزوجة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء [176] أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم. أو من الأب، والآية التي ختم بها سورة الأنفال [75] أنزلها في أولي الأرحام، وقد أجمع العلماء على أنّ هذه الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية السابقة في صدر السورة وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إلخ وتقدّم لك بيان ذلك مستوفى.

واختلف العلماء في المراد بالولد في قوله تعالى: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وقوله تعالى:

(1) رواه البخاري في الصحيح (5/ 210) ، 65- كتاب تفسير القرآن، 4- باب يُوصِيكُمُ اللَّهُ حديث رقم (4577) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1234) ، 32- كتاب الفرائض، 2- باب ميراث الكلالة حديث رقم (5/ 1616) . [.....]

ص: 336

إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فقال بعضهم: إن المراد به الذكر، لأنّه المتبادر، ولأنّه لو أريد به ما يشتمل الذكر والأنثى لكان مقتضى مفهومه أن الأخت لا ترث النصف مع وجود البنت، مع أنها ترثه معها عند جميع العلماء غير ابن عباس، ولكان مقتضاه أيضا أنّ الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها، والعلماء متفقون على أنه يرث الباقي بعد فرض البنت وهو النصف.

والمختار الذي عليه المحققون أن الولد هنا عامّ في الذكر والأنثى، لأنّ الكلام في الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا، لا ذكر ولا أنثى، وليس له والد أيضا، إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأنّ الولد مشترك معنويّ وقع نكرة في سياق النفي، فيعم الابن والبنت، وما ورد على المفهوم ليس بقادح.

أما أولا: فلأن الأخت لا يكون لها فرض النصف مع وجود الولد مطلقا، أما مع الابن فلأنّه يحجبها. وأما مع البنت فلأنها تصيرها عصبة، فلا يتعين لها فرض، نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية، فلا حاجة إلى تخصيص الولد بالابن لا منطوقا ولا مفهوما.

وأما ثانيا: فلأن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها. لأنّ المتبادر من قوله تعالى: وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ أنه يرث جميع تركتها عند عدم الولد، ومفهومه أنّه عند وجود الولد لا يرث جميع تركتها، أما مع الابن فلأنه يحجبه، وأما مع البنت فلأنه يرث الباقي بعد فرضها، فصحّ أن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها، تدبّر ذلك فإنّه دقيق.

وبعد فإنّ الآية قدّرت في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة صورا أربعا:

الأولى: أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة، فلها النصف بالفرض، والباقي للعصبة إن كانوا، وإلا فلها بالرد.

وكما ترث الأخت الواحدة من أخيها النصف، كذلك ترثه من أختها، لأنّ مقدار الميراث لا يختلف باختلاف الميت ذكورة وأنوثة، وإنما يختلف باختلاف الوارث.

الثانية: أن يكون الأمر بالعكس تموت امرأة ويرثها أخ واحد فله جميع التركة، وكما يرث الأخ الواحد جميع تركة أخته كذلك يرث جميع تركة أخيه.

الثالثة: أن يكون الميت أخا أو أختا وورثه أختاه، فلهما الثلثان.

الرابعة: أن يكون الميت أخا أو أختا، والورثة عدد من الإخوة والأخوات، فللذكر مثل حظ الأنثيين.

وظاهر الآية في هذه الصورة الرابعة عدم التفرقة بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب

ص: 337

في أنهم يشتركون في التركة إذا اجتمعوا، لكنّ السنّة خصصت هذا العموم، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب، فإذا اجتمع الصنفان حجب الإخوة الأشقاء الإخوة لأب.

بقي من الصور المحتملة في الميراث بالأخوة:

1-

أن يكون للميت الكلالة عدد من الإخوة الذكور، فالحكم أنهم يحوزون جميع التركة، لأنّ الواحد منهم إذا انفرد حاز التركة كلها، فأولى إذا اجتمعوا أن يحوزوها.

2-

أن يكون للميت الكلالة أكثر من أختين، فالحكم أنهن يأخذن الثلثين بالفرض، لأنّ أكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين، فأولى ألا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، وقد تقدم ذلك.

يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا مفعول يبيّن محذوف، والمصدر المنسبك مفعول لأجله بتقدير مضاف، أي: يبين الله لكم الحلال والحرام، وجميع الأحكام كراهة أن تضلوا.

ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول (يبيّن) أي يبين الله لكم ضلالكم، لتجتنبوه، فإن الشر يعرف ليتقى، والخير يعرف ليؤتى.

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها أحوالكم وما يصلح لكم منها وما لا يصلح.

عَلِيمٌ ذو علم شامل محيط، فيبيّن لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.

ص: 338