الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأحكام
دلت هذه الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقيت الحرمة أم نسخت؟
اختلف في ذلك المفسّرون: فذهب عطاء إلى أن هذه الآية لم تنسخ، وكان يحلف على ذلك، ولعلّ ذلك لأنّ الآية التي تأمر بالقتال عامة في الأزمنة، وهذه خاصة، والعام لا ينسخ الخاصّ.
وقال سائر العلماء: إنها منسوخة. وقد اختلف في الناسخ، فقيل: هو وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] وقيل: هو: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: 29] .
وإنما ذهب العلماء إلى نسخها، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن العربي:
والصحيح أن هذه الآية ردّ على المشركين حين أعظموا على النبي القتال في الشهر الحرام. فقال تعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ وهي الكفر في الشهر الحرام أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ فإذا فعلتم ذلك كله في الشهر الحرام تعيّن قتالكم فيه.
المرتد
وأخذ الشافعي من قوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة كافرا، وذهب مالك إلى أن الردة نفسها محبطة للعمل اعتمادا على قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] .
ويظهر أثر الخلاف فيمن حجّ مسلما، ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك: عليه الحجّ، لأنّ ردته أحبطت حجّه، وقال الشافعي: لا حجّ عليه، لأنّ حجه قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره.
وقد رأى المالكية أنّ هذه الآية رتبت حكمين:
الحبوط. الخلود في النار، ومن شرط الخلود أن يموت على كفره، ولذلك شرطه.
أما آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فهي في الردة فقط، وقد علّق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو مراد به أمته، لاستحالة الشرك عليه.
أما الشافعية فيرون أن آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ من باب التغليظ على النبي صلّى الله عليه وسلّم
كما غلظ على نسائه في قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: 30] .
قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) .
الخمر: مادة (خ م ر) تدل على الستر، ومنه خمار المرأة، لأنّه يستر رأسها.
وقولهم للضبع: خامري أم عامر: أي استتري.
وسميت الخمر خمرا لأنها تستر العقل، وهي ما أسكر من عصير العنب، أو ما أسكر من عصير العنب ومن غيره على الخلاف في ذلك.
الميسر: مفعل. من يسرت الشيء إذا جزّأته، ويطلق على الجزور، لأنّه موضع التجزئة، ويقال للجازر: ياسر، ويسر. ويقال للضاربين بالقداح المتقامرين على الجزور: يأسرون، لأنّهم أيضا جازرون إذا كانوا سببا لذلك، والميسر الذي ذكره الله وحرّمه هو ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم قد يقال للنّرد ميسر على طريق التشبيه، لأنّه يضرب عليها بفصين، كما يضرب على الجزور بالقداح، ولأنّه قمار، كما أن الميسر قمار، قال مجاهد: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالخرز.
الإثم: الذنب، وقد أثم بالكسر إثما. ومأثما، إذا وقع في الإثم، فهو آثم، وأثيم، وأثوم، المراد به هنا: كل ما ينقص من الدين عند من يشربها، وما فيها من إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله.
المعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن شرب الخمر، ولعب الميسر. قل:
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أما إثم الخمر، فإنّ الجماعة تشرب فتسكر، فتؤذي الناس، وتقع العداوة والبغضاء، أما إثم الميسر، فهو أن يقامر الرجل فيمنع الحقّ، ويظلم، فتقع العداوة والبغضاء.
وفيهما منافع للناس، أما منفعة الخمر، فهي الاتجار بها، وما يصلون إليه من اللذة والنشوة، وبسط يد البخيل، وتقوية قلب الجبان، كما قال حسان:
ونشربها فتتركنا ملوكا
…
وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء
ومنفعة الميسر ما يصيبهم من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، إذا فلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموه أعشارا على عدد القداح.
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا، وإذا قامروا وقع بينهم الشر، كما قال تعالى:
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)[المائدة: 91] .
سبب نزول هذه الآية: اختلف العلماء في سبب نزولها، فروى الترمذي «1» أن عمر رضي الله عنه قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.. الآية فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت التي في المائدة إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا.
وروى ابن جرير «2» عن زيد بن علي قال: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث مرات، فأول ما أنزل قال الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان، فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاما، لا يدري عوف ما هو.
فأنزل الله عز وجل فيهما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فشربها من شربها منهم وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها فيما زعم أبو القموص فجعل ينوح على قتلى بدر بأبيات منها:
تحيّي بالسّلامة أمّ عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقّب عن هشام وودّ بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بيده ليضربه قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، والله لا أطعمها أبدا، فأنزل الله تحريمها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة: 90] إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر بن الخطاب: انتهينا، انتهينا.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن آية البقرة لا تقتضي التحريم، ولذلك شربها بعض الصحابة بعد نزولها، كما هو ظاهر الروايات.
(1) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (5/ 236) ، كتاب التفسير حديث رقم (3049) .
(2)
رواه ابن جرير الطبري، جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 211) .