الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشهادات، ومنهم من قال: هي أيمان غلبت فيها أحكام الأيمان، وسيأتي بيان ثمرة الخلاف في ذلك.
وظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أنه استثناء متصل. وقيل: إن (إلا) بمعنى (غير) ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، فإنّ (إلا) و (غير) يتعاوران الاستثناء والوصفية، فتكون (غير) للاستثناء حملا على (إلا) وصفة حملا على (غير) ومن العلماء من جعل الاستثناء هنا منقطعا لظهور أن الزوج ليس من البينة التي كان يصحّ أن يستشهدها لو وجدها. وأولى الأقوال في هذا الاستثناء أنه متصل، وأن فيه تغليب الشهداء حتى شملوا الزوج القاذف، والسر في هذا التغليب الإشارة من أول الأمر إلى اعتبار قوله، وعدم إلغائه، ليوافق ما آل إليه اللعان في آخر الأمر من اعتبار قوله في سقوط الحد عنه بكلماته وحدها.
واللعن: الطرد من رحمة الله والغضب: السخط، وهو أشد من اللعن، فلذلك أضيف الغضب إلى المرأة لما أنّ جريمتها وهي الزنى أشد من جريمة الرجل، وهي القذف.
والدرء: الدفع، ومنه فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: 72] : تدافعتم. والعذاب: كل مؤلم، والمراد به هنا حدّ الزنى أو التعزير بالحبس ونحوه، على اختلاف الرأيين كما ستعلم.
سبب نزول آيات اللعان
ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآيات روايات
فأخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس «1» رضي الله عنهما أنّ هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«البينة أو حدّ في ظهرك» فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:«الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا لها: إنّها موجبة. قال ابن عباس رضي الله عنهما فتلكأت ونكصت، وظننا أنها ترجع، ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبصروها. فإن
(1) رواه البخاري في الصحيح (6/ 5) ، 65- كتاب التفسير، 3- باب (ويدرأ عنها العذاب) حديث رقم (4747) ، والترمذي في الجامع الصحيح (5/ 309) ، كتاب التفسير، تفسير سورة النور حديث رقم (3179) ، وأبو داود في السنن (2/ 253) ، كتاب الطلاق، باب في اللعان حديث رقم (2254) .
جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن» .
وقيل: إنها نزلت في عاصم بن عدي، وقيل: إنها نزلت في عويمر بن نصر العجلاني، وفي «صحيح البخاري» ما يشهد لهذا القول، بل قال السّهيلي: إنه هو الصحيح، ونسب غيره إلى الخطأ.
ونحن ندع الخلاف في سبب النزول جانبا، والذي يهمنا من ذلك أن جميع الروايات متفقة على ثلاثة أمور:
أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ، وأنها منفصلة عنها.
والثاني: أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية أنّ حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء.
والثالث: أنّ هذه الآية نزلت تخفيفا على الزوج، وبيانا للمخرج مما وقع فيه مضطرا.
ونريد أن نبيّن علاقة آيات اللعان بآية القذف، فقواعد أصول الحنفية تقضي بأنّ آيات اللعان ناسخة للعموم في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ لتراخي نزولها عنها.
وعلى ذلك يكون ثبوت الحد على من قذف زوجته منسوخا إلى بدل بيّنته آيات اللعان، وليس في هذه الآيات حكم يتعلق بقاذف زوجته أكثر من أنه يلاعن.
وسائر الأئمة غير الحنفية يقولون: إن آيات اللعان جعلت قاذف زوجته إذا لم يأت بأربعة شهداء- مخيّرا بين أن يلاعن أو يقام عليه الحد، فتكون آيات اللعان مخصّصة لعموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ويكون نظم الآيتين هكذا: كلّ من قذف محصنة ولم يأت بأربعة شهداء. فموجب قذفه الحد لا غير، إلا من قذف زوجته، فموجب قذفه إياها الحد أو اللعان.
ولعلّك تقول: لماذا كان حكم قاذف زوجته مخالفا لحكم قاذف الأجنبية، وما السرّ في أنه قد جاء هكذا مخففا؟
والجواب ببيان حكمة مشروعية اللعان، وذلك أنّه لا ضرر على الزوج في زنى الأجنبي، والأولى له ستره، وأما زنى زوجته فيلحق به العار وفساد النسب، فلا يمكنه الصبر عليه، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة، فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج ما لا يخفى.
وأيضا فإنّ الغالب أنّ الرجل لا يرمي زوجته بالزنى إلا عن حقيقة، إذ ليس له الغرض في هتك حرمته، وإفساد فراشه، ونسبة أهله إلى الفجور، بل ذلك أبغض إليه، وأكره شيء لديه، فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه، إلا أنّ الشارع أراد كمال