المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه - تفسير آيات الأحكام - السايس

[محمد علي السايس]

فهرس الكتاب

- ‌[المقدمة]

- ‌أمّا بعد

- ‌وعملنا في الكتاب

- ‌سوره الفاتحة

- ‌القول في البسملة

- ‌شرح المفردات

- ‌شرح المفردات

- ‌حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة

- ‌الأحكام التي تؤخذ من الفاتحة

- ‌من سورة البقرة

- ‌ما يؤخذ من الآية من الأحكام

- ‌أقسام النسخ

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌المرتد

- ‌ما هي الخمر

- ‌تحريم الميسر

- ‌الاحكام

- ‌سبب تحريم الربا

- ‌الأحكام

- ‌من سورة آل عمران

- ‌من سورة النساء

- ‌خاتمة

- ‌آيات المواريث

- ‌ميراث الأولاد

- ‌ميراث الأبوين

- ‌مسألة العمريتين

- ‌ميراث الأزواج والزوجات

- ‌ميراث الكلالة

- ‌ما يحرم من النساء

- ‌السبع اللاتي حرّمن من النسب

- ‌السبع المحرمات بغير النسب

- ‌تحريم ذوات الأزواج

- ‌شرح المفردات

- ‌من سورة المائدة

- ‌شرح المفردات

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌ الأحكام

- ‌وهاهنا أمور

- ‌الأحكام

- ‌الأحكام

- ‌من سورة الأنعام

- ‌من سورة الأعراف

- ‌من سورة الأنفال

- ‌ما يستنبط من الآية

- ‌ما يستفاد من الآيات

- ‌من سورة التوبة

- ‌يؤخذ من الآية ما يأتي

- ‌بيان الأصناف الثمانية

- ‌سبب النزول

- ‌من سورة النحل

- ‌من سورة الإسراء

- ‌من سورة الحج

- ‌ما في الآيات من الأحكام

- ‌ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك

- ‌ولمن أجاز مطلقا حجج:

- ‌من سورة النور

- ‌حدّ الزنى

- ‌أدلة الخوارج والرد عليها

- ‌دليل الظاهرية والرد عليهم

- ‌أقوال الفقهاء في النفي

- ‌أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن

- ‌الكلام فيمن يلي الحد

- ‌حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم

- ‌صفة الجلد

- ‌تحريم الشفاعة في الحدود

- ‌حضور الحد

- ‌الكلام في نكاح الزناة والمشركين

- ‌حد القذف

- ‌اللعان

- ‌سبب نزول آيات اللعان

- ‌شروط المتلاعنين

- ‌كيفية اللعان

- ‌ما يترتب على اللعان

- ‌الاستئذان في دخول البيوت

- ‌حكم النظر وإبداء الزينة

- ‌الترغيب في النكاح

- ‌مكاتبة الأرقاء

- ‌الإكراه على البغاء

- ‌الكلام في بلوغ الصبي

- ‌من سورة لقمان

- ‌من سورة الأحزاب

- ‌الأحكام

- ‌من سورة سبأ

- ‌من سورة ص

- ‌من سورة الأحقاف

- ‌من سورة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من سورة الحجرات

- ‌من سورة الواقعة

- ‌من سورة المجادلة

- ‌من سورة الحشر

- ‌من سورة الممتحنة

- ‌من سورة الجمعة

- ‌من سورة الطلاق

- ‌من سورة التحريم

- ‌من سورة المزمل

الفصل: فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه

فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدّق على غيره» «1» .

وقد زعم أناس أن هذه الآية منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، وكأنّهم ظنّوا أنّ الآية تدلّ على وجوب إنفاق ما فضل عن الأهل. والظاهر ما قاله الآخرون من أنها ثابتة الحكم، وليس في الآية ما يدل على وجوب إنفاق الفضل، بل الآية نزلت جوابا لمن سألوا ماذا ينفقون، فبيّن لهم فيه ما فيه لله رضا من الصدقات، وذكر لهم أنه لا يلزمهم أن ينفقوا الجهد في الصدقة.

قال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) العنت: المشقة. عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: 128] ما شق عليكم. وأعنته:

أي صيّره ذا مشقة.

روي في سبب نزول الآية أنّه لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] ، تحرّج النّاس عن مخالطتهم في الأموال، واعتزلوهم. فأنزل الله هذه الآية.

المعنى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ «2» .

يعني قصد إصلاح أموالهم خير من اعتزالهم، وإن تخالطوهم ولم تجانبوهم فهم إخوانكم في الدين، والأخ يخالط أخاه ويداخله، ولا حرج في ذلك، فكانت هذه الآية إذنا في المخالطة مع صحة القصد، لا مع قصد أن ينفع نفسه بهذه الخلطة، ويضرّ باليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم بغير حق، فالله يعلم من خالطهم بقصد أكل أموالهم، وإفسادها عليهم ممن خالطهم، وكان قصده إصلاح أموالهم وتثميرها، ولو شاء الله لحرّم ما أحلّه لكم من مخالطة أموالكم بأموال اليتامى، فجهدكم وشقّ عليكم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ غالب يقدر أن يشقّ على عباده ويحرجهم حَكِيمٌ ولكنه لا يكلفهم إلا ما فيه طاقتهم.

‌الاحكام

دلت هذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه الإصلاح، فيجوز لولي اليتيم أن يبيع ماله، وأن يشتري له، وأن يقسم له، وأن يدفع مالا له لمن

(1) رواه مسلم (بغير هذا اللفظ) في الصحيح (2/ 692) ، 12- كتاب الزكاة، 13- باب الابتداء في النفقة حديث رقم (41/ 997) .

(2)

رواه أبو داود في السنن (3/ 36) ، كتاب الوصايا، باب المخالطة حديث رقم (2871) ، والنسائي في السنن (5- 6/ 567) ، كتاب الوصايا، باب ما للوصي حديث رقم (3671) .

ص: 138

يعمل فيه قراضا ومضاربة، وأن يعمل فيه الوليّ نفسه قراضا، وأن يخلط ماله بماله إذا كان ذلك صلاحا.

قال أبو بكر الرازي «1» : وقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ يدل على أن لولي اليتيم أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة، وأن يزوّجه بنته، أو يزوج اليتيمة بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله، واختلط هو بهم.

وإذا كانت الآية قد دلّت على جواز خلط مال اليتيم بماله في مقدار ما يظن أن اليتيم يأكله على ما روي عن ابن عباس: فقد دلّت على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار، فيخرج كلّ واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه، وقد يختلف أكل الناس.

وقد دل قوله: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على أن التجارة في مال اليتيم وتزويجه ليس بواجب على الوصي، لأنّ ظاهر اللفظ يدلّ على أنّ مراده الندب والإرشاد.

قال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) المعنى: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون المشركات حتى يؤمن بالله وباليوم الآخر، ولأمة مؤمنة بالله ورسوله أفضل من حرّة مشركة وإن كرم أصلها، وإن أعجبتكم المشركة في الجمال والحسب والمال. ولا تزوّجوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهنّ من عبد مؤمن بالله ورسوله خير لكم من أن تزوجوهنّ من حر مشرك وإن أعجبكم في الحسب والنسب والشرف.

هؤلاء الذين حرّمت عليكم مناكحتهم من الرجال المشركين والنساء المشركات يدعونكم إلى العمل بما يودّي بكم إلى النار، فلا تخالطوهم، ولا تصاهروهم، إذ المصاهرة توجب المداخلة والنصيحة، وهؤلاء لا يألونكم خبالا، والله يدعو إلى العمل الذي يوجب الجنة وستر الذنوب بإعلامه إياكم السبيل الحق، ويوضّح حججه وأدلته للناس ليتذكّروا فيميّزوا بين الخير والشر.

وقد اختلف العلماء في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يعمّ كلّ مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم ينسخ أو يخصّ منها شيء، فيكنّ جميعا قد حرّم على المسلم زواجهنّ.

وذهب بعضهم على أن المراد بالمشركات من لا كتاب لهنّ من المجوس

(1) أحكام القرآن للإمام الرازي (1/ 331) .

ص: 139

والعرب دون الكتابيات، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركات عامّ في جميع من ذكرن، إلا أنه نسخ بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5] .

وسبب الخلاف أنّ كلّ كافر بالحقيقة مشرك، ولذلك يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أيّ شرك أعظم ممّن يقول: عيسى الله، أو ولد الله؟ تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا.

والعرف قد خصص المشرك بمن لا كتاب له من الوثنيين والمجوس. وقال الله:

ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ [البينة: 1] وقد ورد في سورة المائدة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5] فبعضهم حمل لفظ المشركات على عمومه، فحرّم كلّ مشركة ولو كتابية.

وزعم أنّ قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ مقيّد بقيد وهو إذا آمنّ، وبعضهم حمل المشركات على عمومه وقال: آية المائدة مخصّصة، وقال بعضهم: هي ناسخة، لأنّها أخرجت الكتابيات من الحرمة.

وبعضهم حمله على العرف الخاص، فقال: لا نسخ ولا تخصيص. وهذه الآية أفادت حكما، وهو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات، وآية المائدة أفادت حكما آخر، وهو حلّ نكاح الكتابيات، فلم تتعارضا.

وممّن روي عنه القول بحرمة الكتابيات عمر بن الخطاب.

فقد أخرج ابن جرير «1» عن شهر بن حوشب. قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات كل ذات دين غير الإسلام

. وقال الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5] .

وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا، حتى همّ بأن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب، فقال: لئن حلّ طلاقهنّ لقد حلّ نكاحهنّ، ولكن أنتزعن عنكما حقرة «2» قمئة.

وقد قال ابن جرير بعد ذلك: وأما القول الذي روى شهر بن حوشب عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين

(1) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (2/ 222) .

(2)

ذلة، انظر لسان العرب لابن منظور (4/ 207) .

ص: 140

كانتا كتابيتين فقول لا معنى له، لمخالفته ما الأمة مجمعة على تحليله بكتاب الله- تعالى ذكره- وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القول بخلاف ذلك ما هو أصحّ منه إسنادا، وروى بسنده عن عمر:

المسلم يتزوج المسلمة، وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رضي الله عنهما، نكاح اليهودية والنصرانية حذرا من أن يقتدي بهما الناس، فيزهدوا في المسلمات. أو غير ذلك من المعاني.

ورحم الله عمر بن الخطاب. فقد كان ينظر إلى مصالح المسلمين، نسائهم ورجالهم، ويسوسهم بالنظر والمصلحة، وما أحوجنا إلى مثل هذه السياسة، فإنّ كثيرا من الشباب المسلمين في مصر رغبوا عن الزواج من المحصنات المسلمات إلى الزواج بالكتابيات الأجنبيات.

قال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) المحيض: هنا الحيض، كالمعيش: أي العيش. قال رؤبة:

إليك أشكو شدّة المعيش

ومرّ أعوام نتفن ريشي

أَذىً الأذى ما يؤذي به من مكروه فيه، وسمي المحيض أذى لنتنه وقذره ونجاسته، وقال السدي وقتادة: أذى قذر.

سبب نزول هذه الآية:

قال قتادة: إنّ أهل الجاهلية كانوا لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية

، فحرّم فرجها ما دامت حائضا، وأحلّ ما سوى ذلك أن تصبغ رأسك. وتؤاكلك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك «1» .

فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ اختلف أهل العلم فيما يجب على الرجل اعتزاله من المرأة وهي حائض على أقوال:

1-

إن الذي يجب اعتزاله جميع بدن المرأة، وحجتهم في ذلك أن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصّص من ذلك شيئا دون شيء.

2-

الذي يجب اعتزاله موضع الأذى، وذلك مخرج الدم.

أخرج ابن جرير «2» عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كلّ شيء إلا فرجها، وحجتها ما ثبت في الأخبار

(1) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان (2/ 224) .

(2)

في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 226) .

ص: 141

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر نساءه وهنّ حيّض «1» . فعلم من ذلك أن الذي طلب اعتزاله بعض جسدها دون بعض.

ولما أجمعوا على حرمة الجماع، واختلفوا في غيره، أخذوا بالمجمع عليه، وتركوا المختلف فيه.

3-

إن الذي أمر باعتزاله ما بين السرة إلى الركبة، وله ما فوق ذلك ودونه.

وحجتهم ما ثبت عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر، ثم يباشرها «2» .

وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

1-

قال أبو حنيفة: يجب أن تؤتى المرأة إذا انقطع دم الحيض ولو لم تغتسل بالماء. إلا أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض حلّت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحل حتّى يمضي وقت صلاة كامل.

2-

قال مالك، والزهري، والليث، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا تحل حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة.

3-

يكفي في حلها أن تتوضأ للصّلاة. قاله طاوس، ومجاهد.

وسبب الخلاف بين الأولين أن الله قال: حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ الأولى بالتخفيف، والثانية بالتشديد، وطهر يستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان، وهو انقطاع دم الحيض. وأما تطهّر فيستعمل فيما يكتسبه الإنسان، وهو الاغتسال بالماء.

فحمل أبو حنيفة وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ على انقطاع دم الحيض، وقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ على معنى: فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل المشدّد بمعنى المخفف.

وقالت المالكية بالعكس، إنه استعمل المخفّف بمعنى المشدّد، والمراد: ولا تقربوهن حتى يغتسلن بالماء، فإذا اغتسلن فأتوهنّ، بدليل قراءة بعضهم حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد، وبدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أو يستعمل كل واحدة في معناها، ويؤخذ من مجموع الكلامين أنّ الله علّق الحلّ على شيئين:

انقطاع الدم. والتطهر بالماء، كقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: 6]

(1) رواه البخاري في الصحيح (1/ 90) ، 6- كتاب الحيض، 6- باب مباشرة الحائض حديث رقم (303) ، ومسلم في الصحيح (1/ 243) ، 3- كتاب الحيض، 1- باب مباشرة الحائض حديث رقم (3/ 294) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (1/ 90) ، 6- كتاب مباشرة الحائض، 6- باب مباشرة الحائض حديث رقم (302) ، ومسلم في الصحيح (1/ 242) ، 3- كتاب الحيض، 1- باب مباشرة الحائض حديث رقم (1/ 293) .

ص: 142

فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين:

أحدهما: بلوغ النكاح.

والثاني: إيناس الرشد.

ورجع الحنفية ما ذهبوا إليه بأنّ استعمال المشدّد بمعنى المخفّف لا يحتاج إلى إضمار شيء. أما مذهب المالكية فيحتاج إلى إضمار (بالماء) .

وقالوا على الثاني: إنّ ما ذهبتم إليه يخل بحكم الغاية، أمّا ما ذهبنا إليه فيحفظ حكم الغاية، ويقرها على أصلها، ويوافق ما يفهمه العرب من مثله، فإذا قلت: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأعطه درهما. كان المفهوم منه أن ما ذكر في الشرط هو المذكور في الغاية، وليس ذلك تجديد شرط زائد.

فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بالنكاح لا بالسفاح، وقيل: من حيث أحلّ لكم الإتيان لا صائمات ولا محرمات ولا معتكفات. وقيل: من حيث أمركم الله باعتزالهن، وهذا الأمر للإباحة. لا للوجوب، لأنّه بعد الحظر، وقد اختلف فيه، والحق أنه لا يقتضي الوجوب، وذهب ابن حزم إلى أنه يجب غشيانهن بعد الطهر.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

محبة الله: هي إرادته ثواب العبد.

والتوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية عن إتيان النساء في غير موضع الحرث، وقيل: هم الذين لا ينقضون التوبة، طهّروا أنفسهم بعدم الرّجوع إلى المعصية، والأول هو المنعطف على سابق الآية. المنتظم معها.

قال الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) حَرْثٌ: الحرث في اللغة الزرع. وهو على حذف مضاف، أي موضع حرثكم، أو الحرث بمعنى المحترث والمزدرع وإنما كانت النساء محترثا ومزدرعا، لأنّهنّ مكان نبات الولد.

المعنى: نساؤكم مزدرع لكم، تثمر لكم الأولاد، فأتوا هذا المزدرع، أَنَّى شِئْتُمْ على أي وجه شئتم مقبلة، أو مدبرة مضطجعة أو قائمة أو منحرفة، بعد أن يكون المأتى في موضع الحرث.

وقد روى مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أو قفه عند كل آية، وأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فقال ابن عباس: إنّ هذا الحيّ من قريش كانوا

ص: 143

يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهنّ مقبلات ومدبرات. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا يفعلون بهنّ كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك، وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه: فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل في ذلك نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ

إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث حيث شئت «1» .

و (أنّى) في كلام العرب للسؤال عن الوجوه والمذاهب، يقال: أنّى لك هذا المال، أي من أيّ الوجوه والمذاهب؟ فيقال: من وجه كذا وكذا، قال الله تعالى:

أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: 37] .

وقال الشاعر:

أنّى ومن أين نابك الطّرب

من حيث لا صبوة ولا ريب

وقد تجرّد عن معنى الاستفهام ككيف، ويبقى لها معنى الوجوه والمذاهب، ولا يصحّ أن يفهم غير هذا، وقد وردت أحاديث تؤيّد هذا الفهم، وتبطل ما عداه، فقد ورد عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وقال: كنت آتي امرأتي في دبرها، وسمعت قول الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فظننت أنّ ذلك لي حلال؟

فقال: يا لكع وإنما قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة، في أقبالهن. لا تعدو ذلك إلى غيره «2» .

وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يأتي المرأة في دبرها هي اللوطية الصغرى» «3» .

وروى الإمام أحمد وأهل «السنن» أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمّد» «4» .

وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ الخير، والصالح من الأعمال، عدّة لكم يوم الحساب

(1) رواه أبو داود في السنن (2/ 219) ، كتاب النكاح، باب في جامع النكاح حديث رقم (2164) . [.....]

(2)

قال السيوطي: رواه عبد بن حميد، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (1/ 263) .

(3)

قال السيوطي: رواه أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (1/ 263) .

(4)

رواه أحمد في المسند (2/ 408) ، وأبو داود في السنن (3/ 398) ، كتاب الطب باب في الكاهن حديث رقم (3904) والترمذي في الجامع الصحيح (1/ 243) ، كتاب الطهارة باب كراهية إتيان الحائض حديث رقم (135) .

ص: 144

وَاتَّقُوا اللَّهَ في معاصيه أن تقربوها، وفي حدوده أن تضيّعوها، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجازي المحسن بإحسانه. والمسيء بإساءته وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالفوز والكرامة في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) عُرْضَةً- ع ر ض- يتصرّف على معان مرجعها إلى المنع، لأنّ كل شيء اعترض فقد منع. ويقال للحساب: عارض، لأنه منع من رؤية السماء والقمرين والكواكب.

وقد يقال: هذا عرضة لك، أي: عدّة، فتبتذله في كل ما يعنّ لك. قال الشاعر:

ولا تجعلوني عرضة للّوائم

وكان الرجل يحلف على أن لا يفعل بعض الخير: من صلة رحم، أو إصلاح بين الناس، أو إحسان، أو عبادة. ثم يقول: أخاف الله إن حنثت في يميني، فقيل:

وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي لا تجعلوا الله مجازا ومانعا لما حلفتم عليه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فيكون المراد بالأيمان المحلوف عليه، وسمّي يمينا لتلبّسه باليمين، ويكون أَنْ تَبَرُّوا بدلا من أيمانكم، ويكون حاصل المعنى:

ولا تجعلوا الله مانعا من البر والتقوى إذا حلفتم به. بل افعلوا البر والتقوى، وكفّروا عن أيمانكم ويكون هذا في معنى

قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك» «1» .

ومعنى الآية على المعنى الآخر (لعرضة) : ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به. ويكون أَنْ تَبَرُّوا علة للنهي، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأنّ الحلّاف مجترئ على الله، غير معظّم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم، وإصلاح ذات بينهم، ويكون ذلك نهيا عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)[القلم: 10] فذمّ كثرة الحلف.

قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)(اللغو) الساقط الذي لا يعتدّ به: كلاما كان أو غيره، أما وروده في الساقط من

(1) رواه البخاري في الصحيح (7/ 275) ، 83- كتاب الإيمان، 3- باب حديث رقم (6622) ، ومسلم في الصحيح (3/ 1273) ، 27- كتاب الأيمان، 3- باب ندب من حلف يمينا حديث رقم (19/ 1652) .

ص: 145

الكلام فكقوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: 55] وقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25)[الواقعة: 25] وقوله: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11)[الغاشية: 11] .

وأما وروده في الساقط من غير الكلام فكقول جرير:

يعدّ الناسبون بني تميم

بيوت المجد أربعة كبارا

ويخرج منهم المرئي لغوا

كما ألغيت في الدّية الحوارا

وكانوا يقولون لما لا يعتدّ به من أولاد الإبل: لغو.

وقد اختلف أهل التأويل في المراد من لغو اليمين الذي ذكر الله أنه لا يؤاخذنا به وما هي المؤاخذة، على أقوال:

1-

إن اللغو في اليمين: ما يجري به اللسان من غير قصد الحلف، كقول القائل:

لا والله، بلى والله، وإن عدم المؤاخذة به هو عدم إيجاب الكفارة به، وهو قول:

عائشة، والشعبي، وعكرمة، والشافعي، وأحمد.

2-

إن لغو اليمين هو أن يحلف على شيء أنه كان فيظهر أنه لم يكن، أو شيء يعتقد أنه لم يكن فيظهر أنه كان. ومعنى عدم المؤاخذة به أنه لا يجب تكفيره، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وأبي حنيفة، ومالك. وهؤلاء لا يوجبون الكفارة في اليمين التي يحلفها صاحبها على ظنّ فيتبين خلافه، ويوجبون الكفارة فيما يجري على اللسان من غير قصد، وأصحاب القول الأول بالعكس.

3-

أنه يمين الغضب.

4-

أنه اليمين على المعصية.

5-

أن دعاء الإنسان على نفسه كقوله: إن لم أفعل كذا فأصاب بكذا.

6-

أنه اليمين المكفرة.

7-

أنه يمين الناسي.

وهي كلها محتملة، ولعلّ أظهر الأقوال ما ذهب إليه الأولون، والحجة فيه: أن الله قسّم اليمين إلى قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسب القلب: هو ما قصد إليه. وحيث جعل اللغو مقابله. فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه وذلك هو ما قلناه من أنه هو ما يجري به اللسان من غير قصد إليه.

المعنى: لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تجري على ألسنتكم من غير قصد الحلف، ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه، وعقدتم القلب عليه من الأيمان وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ولذلك لم يؤاخذهم بلغو اليمين، ولو شاء لآخذهم بها.

ص: 146

قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) يُؤْلُونَ: يقسمون، والأليّة: الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء وأليّة، قال كثيّر:

قليل الألايا حافظ ليمينه

فإن سبقت منه الأليّة برّت

وإنّما عدّيت يؤلون بمن، وهي إنما تعدّى بعلى: إما لأنه ضمّن يؤلون معنى يعتزلون، وإمّا لأنّ في الكلام حذفا، وتقديره: للّذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر يعتزلون اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.

التربص: النظر، أو التوقف.

فاؤُ رجعوا، من الفيء بمعنى الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى:

حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: 9] وقول الشاعر:

ففاءت ولم تقض الّذي أقبلت له

ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

ويقال للظّل بعد الزّوال: فيء، لأنّه رجع بعد أن تقلّص، وهاتان الآيتان في حكم الإيلاء، وهو أن يقسم الرجل على أن يعتزل امرأته، وذلك إضرار بالمرأة، لأنه يتركها معلقة، فلا هي مطلقة يجوز لها أن تجد زوجا، ولا هي ذات بعل تجد منه ما تجد النساء من بعولتهن.

وقد اختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون المرء بها موليا، فقال بعضهم: لا يكون موليا إلا إذا حلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار فلا يكون موليا، ونسب هذا إلى علي رضي الله عنه، وابن عباس، وابن شهاب.

أخرج ابن جرير «1» عن أبي عطية أنه توفي أخوه، وترك ابنا له صغيرا، فقال أبو عطية لامرأته: أرضعيه، فقالت: إني أخشى أن تغيلهما. فحلف ألا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما، فخرج ابن أخي أبي عطية إلى المجلس، فقالوا:

لحسن ما غذّي أبو عطية ابن أخيه، قال: كلا، زعمت أم عطية أني أغيلهما، فحلفت ألا أقربها حتى تفطمهما، فقالوا له: قد حرّمت عليك امرأتك، فذكرت ذلك لعلي رضي الله عنه فقال علي: إنما أردت الخير، وإنما الإيلاء في الغضب.

وقال آخرون: إنه يكون موليا سواء أحلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أم لمصلحة.

قال الشعبي: كلّ يمين منعت جماعا حتى تمضي أربعة أشهر، فهي إيلاء.

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 250) .

ص: 147

أخرج ابن جرير «1» عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيا، فحلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها، قال: ما أرى هذا بغضب، إنما الإيلاء في الغضب. قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا الذي يحدّثون، إنما قال الله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ

إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذا مضت أربعة أشهر فليخطبها إن رغب فيها، فحجتهم أن الله قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ.. ولم يخصّص.

وحجة الأولين أنّ الله جعل مدّة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يكن الامتناع عن مضارة، بل عن قصد الصلاح والخير، لم يكن بذلك موليا، فلا يكون هناك معنى لضرب الأجل، فتخرج من مساءته، إذ لا مساءة، وذهب قوم إلى أن يمين الإيلاء ليست مقصورة على الحلف بترك الوطء، بل تكون بالحلف على غيره أيضا، كأن يحلف ليغضبنّها، أو ليسوءنّها، أو ليحرمنّها أو ليخاصمنّها: كل ذلك إيلاء.

أخرج ابن جرير «2» عن أبي ذئب العامري أن رجلا من أهله قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق، واستفتى القاسم وسالما فقالا: إن كلمتها قبل سنة فهي طالق، وإن لم تكلمّها فهي طالق إذا مضت أربعة أشهر، ونقل ذلك عن الشعبي أيضا.

وحجة هؤلاء أن الله جعل مدة الإيلاء مخرجا للمرأة من سوء عشرة الرجل، وليست اليمين على ترك الوطء بأولى أن تكون من معاني سوء العشرة من اليمين على أن يضربها، أو لا يكلمها، لأنّ كل ذلك ضرر عليها وسوء عشرة.

وظاهر هذه الأقوال كلها أن الإيلاء لا بدّ فيه من اليمين، وقالت المالكية: إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان حكمه حكم المولي، لأنّ الإيلاء لم يرد لعينه، وإنما أريد لمعنى سوء العشرة والضرر، وهذا حاصل إذا ضارّها دون يمين.

وقد اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله بقوله: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال بعضهم: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه، لا فيئة له إلا ذلك، وإذا عرض عذر من مرض أو سفر، فلم يغش لذلك، ومضت مدة الإيلاء، بانت منه..

وقال آخرون: هو المراجعة باللسان، أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الغشيان.

وقال آخرون: هو المراجعة باللسان مقام الغشيان في حالة العذر، لأنّه لا يصير مضارا بترك الشيء إلا إذا كان قادرا على الإتيان به وتركه طواعية.

(1) المرجع نفسه (2/ 251) .

(2)

في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 251) .

ص: 148

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) اختلف الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون في الطلاق الذي يكون عن ترك الفيء في الإيلاء، فقال بعضهم، وهو مذهب أبي حنيفة: إذا مضت الأربعة أشهر دون فيئة وقع الطلاق.

وقال آخرون وهو مذهب مالك: إن مضى الأجل لا يقع به طلاق، وإنما تقفه بعد أمام الحاكم: فإما فاء وإما طلق.

ومنشأ هذا الخلاف اختلافهم في تأويل الآية، فتأويلها عند الأولين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بترك الفيئة

فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

وتأويلها عند الآخرين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ.. بعد انقضائها.. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) .

وقد شبّه الأولون مدة الإيلاء بالعدة الرجعية، وشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي، وقد نقلوا أن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية، فأقره الشرع طلاقا، وزاد فيه الأجل.

وشبه الآخرون أجل الإيلاء بالأجل الذي يضرب في العنة، لأن اليمين على ترك الوطء ضرر حادث بالزوجة، فضرب للزوج مدة في رفعه، فإن رفعه وإلا رفعه الشرع عنها بالطلاق، كما يكون ذلك في كل ضرر يتعلّق بالوطء، كالعنة.

قال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) ذكر الله تعالى أحكام عدة الطلاق:

أولها: وجوب العدة، وإنما وجبت العدة ليستدلّ بها على براءة الرحم من الولد، فيؤمن اختلاط الأنساب، والعدة للمطلقة ثلاثة قروء.

وقد أخرج من حكم الآية المطلقات اللائي طلّقن قبل الدخول، فلم يجعل عليهنّ عدّة، قال الله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: 49] والحوامل، فجعلت عدتهنّ وضع حملهن، قال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] .

وكذلك أخرج اللاتي يئسن من المحيض لصغر أو كبر، فجعلت عدتهن ثلاثة أشهر، قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: 4] فصارت العدة المذكورة في الآية التي هنا للنساء غير الحوامل المدخول بهن الممكنات المحيض.

ص: 149

والقروء: جمع قرء، ويطلق في كلام العرب على الطهر وعلى الحيض حقيقة، فهو من الأضداد.

وأصل القرء الاجتماع، وسمّي الحيض قرءا لاجتماع الدم في الرحم، وسمّي الطهر قرءا لاجتماع الدم في البدن.

وقد يطلق القرء أيضا على الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئة لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. يقال: أقرأت حاجة فلان عندي، أي: جاء وقت قضائها، وأقرأ النجم، إذا جاء وقت أفوله، وأقرأت الريح: إذا هبت لوقتها، قال الهذلي «1» :

إذا هبّت لقارئها الرّياح أي هبت لوقتها، ولمّا كان الحيض معتادا مجيئه في وقت معلوم، سمّت العرب وقت مجيئة قرءا، ومن مجيء القرء بمعنى الحيض

قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصّلاة أيام أقرائك» «2»

. ومن مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى:

وفي كلّ عام أنت جاشم عزوة

تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا

مورّثة مجدا وفي الذّكر رفعة

لما ضاع فيها من قروء نسائكا

وقد اختلف في المراد من القروء في الآية، فذهب مالك والشافعي وابن عمر وزيد وعائشة والفقهاء السبعة «3» ، وربيعة وأحمد إلى أنها الأطهار.

وذهب علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: وابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى أنّها الحيض.

وفائدة الخلاف أنه إذا طلّقها في طهر خرجت عن عدتها عند الأولين بمجيء الحيضة الثالثة، لأنّها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثانية عند الآخرين،

وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي أنهما قالا: لا تحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.

وقد احتجوا لترجيح المذهب الأول بأمور منها: أنه أثبت التاء في العدد (ثلاثة) فدل ذلك على أن المعدود مذكّر، وهو لا يكون مذكّرا إلا إذا كان المراد الطهر، وإذا كان المراد الحيضة كان مؤنثا. ومنها قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1] ومعناه: في وقت عدتهن، ولكنّ الطلاق في زمان الحيض منهيّ عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض.

(1) مالك بن الحارث الهذلي، انظر زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/ 217) .

(2)

رواه النسائي في السنن (1- 2/ 131) ، كتاب الطهارة حديث رقم (211) .

(3)

وهم: سعيد، سليمان، أبو بكر، عبيد الله، عروة، القاسم، وخارجة.

ص: 150

وأجيب بأن معنى الآية: مستقبلات لعدتهن.

وقد احتجوا لترجيح المذهب الثاني بأمور: منها: أننا أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن الغرض منها واحد. ومنها أن العدة شرعت لبراءة الرحم، والذي يدل على براءة الرحم إنّما هو الحيض لا الطهر.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» «1»

ومن المعلوم أنّ عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا اعتبرت عدّة الأمة بالحيض، كانت عدة الحرة كذلك.

والمسألة كما ترى محتملة، ولكنّ مذهب الفريق الثاني أرجح من جهة المعنى.

وقد زعم بعضهم أنّ قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ خبر في معنى الأمر، لئلا يلزم الكذب في خبره تعالى إذا لم تتربص بعض المطلقات.

وهذا غير لازم، لأنّ الله أخبر عن حكم الشرع، فإن وجدت امرأة لا تتربّص لم يكن ذلك حكما شرعيا.

وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

قيل: المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض، وقيل: الحمل. وقيل: هما معا. وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها، يقبل قولها فيه، لأنّه لا يعلم إلا من قبلها، وإنّما حرّم الله أن يكتمن ما في أرحامهنّ، لأنّه يتعلق بذلك حق الرجعة للرّجل، وعدم اختلاط الأنساب، وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك، فربما حرمت الرجل من حقّه في الرجعة، وربما ادّعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرّحم بالحمل من المطلّق، ثم تزوجت، فأدّى ذلك إلى اختلاط الأنساب.

ولعل قائلا يقول: إنّ ظاهر الآية أنّ الله شرط عدم حلّ الكتمان بكونهنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر، فإذا لم يكنّ كذلك، فهل يجوز لهنّ أن يكتمن؟

فنقول: إنّ هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم، على معنى: إن كنت مؤمنا فإيماك يمنعك من الظلم. وكذلك هنا: إن الإيمان بالله واليوم الآخر ينبغي أن يمنع كتمانهنّ ما في أرحامهنّ، وهذا وعيد شديد.

والآية تدل على أن من ائتمن على شيء فلا يحلّ له أن يخون فيه، وهذا مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.

(1) رواه أبو داود في الجامع الصحيح (2/ 230) ، كتاب الطلاق، باب في سنة الطلاق حديث رقم (2189) ، والترمذي في الجامع الصحيح (1/ 488) ، كتاب الطلاق، باب ما جاء أن طلاق الأمة حديث رقم (1182) ، وابن ماجه في السنن (1/ 672) ، كتاب الطلاق باب في طلاق الأمة حديث رقم (2080) .

ص: 151

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً.

هذا هو الحكم الثاني من أحكام الطلاق، وهو ارتجاع الرجل المرأة ما دامت في عدتها.

وبعولة: جمع (بعل) وهو الزوج، ويطلق على المرأة: بعلة، وهما: بعلان، وهو في الأصل بمعنى السيد المالك، يقال: من بعل هذه الناقة؟ أي من ربّها؟

المعنى: وأزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة التربص إن أرادوا إصلاحا، لا مضارّة المرأة، وظاهر الآية أن الله يشترط في الرجعة إرادة الإصلاح، فإذا أراد المضارّة فليس له حقّ الرجعة، والأمر كذلك، ولكن لما كانت هذه الإرادة لا اطلاع لنا عليها عاملناه بظاهر أمره، وجعل الله ثلاث التطليقات علما عليها، ولو تحققنا من ذلك لطلقنا عليه.

وفيما بينه وبين نفسه لا يجوز له أن يراجع إن قصد الضرر لا الإصلاح.

وحق الرجعة مقصور على المطلقة طلاقا رجعيا.

واختلف العلماء فيها في مدة التربّص: أحكمها حكم الزوجة، أم ليست كذلك؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنها حكمها حكم الزوجة، وذهب مالك إلى أنها ليست كالزوجة، وابتني على هذا الخلاف أنّ أبا حنيفة يجيز مباشرتها مدّة التربص، ومالك يمنعه قبل الرجعة.

ويظهر أن منشأ الخلاف اختلاف الفهم في هذه الآية، فقد سمّاه الله بعولة، وهذا يقتضي أنهن زوجات، وقال: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وهذا يقتضي أنهن لسن بزوجات، إذ الردّ إنما يكون لشيء قد انفصم، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الرجعية زوجة، وفائدة الطلاق نقص العدد، وأولوا قوله: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فقالوا: إنّهن كن سائرات في طريق لو وصلن إلى نهايته لخرجن عن الزوجية، فالارتجاع ردّ لهنّ عن التمادي في ذلك الطريق.

والمالكية أوّلوا قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ فقالوا: سماهم بعولة باعتبار ما كان ومعنى أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ردهن إلى الزوجية.

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.

هذه كلمة وجيزة بيّنت نظر الشارع إلى عقد الزواج، فليس الزواج في الشريعة الإسلامية عقد استرقاق وتمليك، إنما هو عقد يوجب على الزوج حقوقا للمرأة. كما يوجب على المرأة حقوقا للزوج، فما من حقّ للزوج على المرأة إلا وفي نظيره حق لها عليه، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ والمعروف ضد المنكر. ثم قال: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والدرجة المنزلة، وأصلها من درجت الشيء أي طويته، والدرجة قارعة الطريق، لأنّها تطوي منزلا بعد منزل، والدرجة المنزلة من منازل الطريق، ومنه

ص: 152

الدرجة التي يرتقى فيها، وهذه الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء هي ما أشار إليها بقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: 34] .

ونحن نعلم أن كثيرا من الزنادقة الذين يريدون أن يفتنوا النساء عن دينهن، يأتون إليهن من جهة أن الإسلام غمط حقوقهنّ، وجعلهنّ إماء عند الرجال، ولو تأمّل نساء الإسلام في هذه الآية لرأين هذه المنزلة التي رفعهنّ الله إليها، ولم ترفعهن إليها الحضارات القديمة، ولا الحضارات الحديثة، ولعلمن أنّ هؤلاء مخادعون، يبغّضونهنّ في شريعة كانت شفيقة بالمرأة، بارّة بها، أعتقتها من رق العبودية، وفكّت عنها الأغلال والقيود التي كانت ترسف فيها في القديم، وأنّ شريعة هذا نظرها إلى المرأة لجديرة بأن تحترم وتقدّس من النساء جميعا، وإنما ذكر الله هنا أنّ لهن مثل الذي عليهنّ بالمعروف، وللرّجال عليهن درجة، ليبيّن أنه شرط في الرّجعة إرادة الإصلاح، لأنّ للمرأة حقوقا مثل ما عليها، وجعل للرّجل حقّ الرجعة لأنه يزيد عليها درجة.

ثم قال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فلا يغالبه من فرّط في حقوق الزواج، وهو حكيم فيما شرع، يعلم المصلحة، ويضع الأشياء في مواضعها.

قال الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)

أخرج ابن جرير الطبري «1» ، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل يطلّق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتّها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني، قالت له: كيف؟ قال:

أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك.

قال: فنقلت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الله تعالى ذكره: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ الآية

. فعلى هذا تكون الآية نزلت لبيان عدد الطلاق الذي للرجل فيه الرجعة، والعدد الذي إذا انتهى إليه فلا رجعة له عليها، وقد كان أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزول هذه الآية لا حدّ للطلاق عندهم، وكان ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بالمرأة، فتترك لا هي بذات زوج، ولا هي خليّة تحلّ للأزواج.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية لتعريف الناس سنّة طلاقهم، وكيف يطلّقون.

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 276) .

ص: 153

أخرج ابن جرير «1» عن عبد الله في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قال: يطلقها بعد ما تطهر، من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلقها، وإلا تركها حتى تتمّ ثلاث حيض، وتبين منه به.

وعلى هذا يكون قد بيّن الله سنّة الطلاق في هذه الآية، وبين أنّ من سنته تفريق الطلاق ومنع الاجتماع، ولأنّه قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ وهذا يقتضي أن يكون طلقتين مفرّقتين، لأنّها إن كانتا مجتمعتين، لم يكن مرتين. ويدل عليه أن الشارع قد طلب أن يسبّح المرء ويحمد ويكبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ولا ينفعه إلا أن يفعل ذلك ثلاثا وثلاثين مرّة، ولا يكفيه أن يقول: سبحان الله ويتبعها بلفظ ثلاثا وثلاثين، وأنه إذا فعل ذلك يكون مسبحا مرة واحدة لا ثلاثا وثلاثين.

وقد ثبت أن الآية دلت على طلب التفريق في إيقاع الطلاق، فإذا خالف المطلّق وجمع الثلاث في لفظ واحد، فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إنه لا يقع إلّا واحدة، قال الفخر الرازي: وهو الأقيس، لأن النهي يدلّ على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهذا غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع.

وقالت الأئمة الأربعة وغيرهم: تقع الثلاثة إما مع الحرمة، وإما مع الكراهة، على حسب اختلافهم في ذلك.

وقد استدلّ الأولون من السنة بما رواه أحمد ومسلم «2» من حديث طاوس عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، قالوا: وإمضاء الثلاث إبطال للرخصة الشرعية والرفق المشار إليه بقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [الطلاق: 1] .

وللأئمة أحاديث أخرى ذكرت في كتب السنة، واستقصاء الخلاف والأدلة في هذه المسألة يطلب من «نيل الأوطار» «3» «وإعلام الموقعين» «4» لابن القيم.

ومنشأ الخلاف في الطلاق- ما ذكرناه وما لم نذكره- الاختلاف في أسباب النزول وفي الآية هل هي متعلقة بما قبلها، أم مستقلة عنها؟ ونحن نجمل ذلك

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 277) .

(2)

رواه أحمد في المسند (1/ 314) ومسلم في الصحيح كتاب الطلاق حديث رقم (1472) . [.....]

(3)

نيل الأوطار للإمام ابن القيم الجوزية (6/ 193- 198) .

(4)

إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية (3/ 41) .

ص: 154

فنقول: إن الله قد عرّف الطلاق بأل، فذهب بعضهم إلى أن التعريف للعهد، أي الطلاق المشروع مرتان، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع، وهذا مروي عن الرافضة والحجاج بن أرطاة «1» ، وعلى هذا تكون الآية مستقلة عما قبلها.

وقال بعضهم: معناه أنّ الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان، فتكون الآية مرتبطة بما قبلها، فالله لما ذكر أنّ بعولتهنّ أحقّ بردهنّ أراد أن يبيّن الطلاق الذي فيه الرجعة، وقال بعضهم: معناه الطلاق المسنون مرتان، وهذا مذهب مالك، وقال بعضهم: معناه الطلاق الجائز مرتان، وهذا مذهب أبي حنيفة.

والقول الأول يناسبه في سبب النزول ما روي عن عروة، وبقية الأقوال يناسبها في سبب النزول ما روي عن عبد الله.

ونحن نرى أن الطلاق هدم للأسرة، وتمزيق للمنزل، وضرره يتعدى إلى الأولاد. فإنّ الأولاد في حضن أمهاتهم يكونون موضعا للرعاية وحسن التربية.

بخلاف ما إذا كانوا في حضن أجنبية عنهم، والشريعة تنظر إليه هذا النظر. ويدل على هذا

قوله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» «2»

والشريعة أجازته مع هذا الضرر لدفع ضرر أشد، وتحصيل مصلحة أكثر. وهي التفريق بين متباغضين ليس من المصلحة الجمع بينهما، وقد أراد الشارع ألا يفرّق بالطّلاق بين متحابين من الخير أن يجتمعا، وألا يفرق به إلا بين متباغضين من الخير أن يفترقا، فجعل الطلاق المشروع مرتين متفرقتين في طهرين كما دلت على ذلك السنة، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق، وأمضى الطلاق، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الروية وهذه الأناة إلا متفرّقان طبعا، من الخير ألا يجتمعا.

وإذا كانت حكمة الطلاق ما ذكرناه سقط قول الناقمين على الشريعة من أنها لم تحترم عقد الزوجية، وتعطه ما يجب له من الحيطة والرعاية.

وليس عندنا من المراجع ما نعلم منه حقيقة مذهب الحجاج والرافضة. ونتبين أنهم يرون الذي سار في الطلاق على هذا السنن وطلق اثنتين، ثم لم يطلق الثالثة، وعاشر بإحسان قد بقيت له واحدة فقط، فإذا أراد أن يطلق لم تكن له إلا واحدة أم هم يرون أنّه قد هدم الطلاق، وإذا أراد أن يطلّق كان له الثلاث من جديد، وأنّ هذا شرع الطلاق، فلا يطلق إلا بهذه الصفة.

فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.

الإمساك خلاف الإطلاق، والتسريح الإرسال، وسرّح الماشية تسريحا إذا

(1) ابن ثور النخعي قاضي البصرة توفي (147 هـ) في خراسان، انظر الأعلام للزركلي (2/ 168) .

(2)

رواه أبو داود في السنن (2/ 226) ، كتاب الطلاق باب كراهية الطلاق حديث رقم (2178) .

ص: 155

أرسلها إمساك بمعروف، إن وجد نفسه لا تطيق فراقها، أو رأى المصلحة في بقائها زوجة، وإما تسريح بإحسان إن أعطته تجربة هذه المرأة أنه لم يتعلّق بها قلبه، ورأى الفراق خيرا له، وتلك هي حكمة الرجعة، وجعل الطلاق مرتين، فإنّ الأشياء تعرف بأضدادها، ولا يجد المرء لذة النعمة حتى يذوق طعم النّقمة، وما دام مع صاحبه لا يدري أتشقّ عليه الفرقة أم لا؟ فجعل الطلاق مرتين، وجعل له حق الرجعة، ليعلم أتشقّ عليه فرقتها أم لا؟ ولو جعل الطلاق مرّة واحدة لا رجعة فيها لوقع الناس في بلاء عظيم.

ومعنى الإمساك بمعروف أن يراجعها قصد المعاشرة الحسنة، لا قصد المضارّة، والتسريح بإحسان ألا يذكر عيوبها، وأن يحسن فراقها.

وقد اختلف في المراد بالتسريح، فقيل: هو أن يتركها دون مراجعة حتى تنقضي عدتها. وقيل: هو أن يطلّقها الثالثة.

وقد رجّح الأول بأنّ حمل الآية عليه يجعلها مستوفية للأقسام، لأنّ المطلّق اثنتين:

إما أن يراجع، وهو الإمساك بمعروف، وإما أن يطلق الثالثة وهو قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ..: وإما أن يسكت فلا يطلّق الثالثة. ولا يراجع، وهو التسريح بإحسان.

ورجّح الثاني بما

روي أنه لما نزل قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قيل له صلى الله عليه وسلم فأين الثالثة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هو قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ

: ويكون قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ إن طلقها الطلقة الثالثة المذكورة في قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.

قال الله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

طلب الله عند تسريح المرأة أن يكون بإحسان، ونهى أن يأخذوا شيئا مما آتوهن من المهر أو غيره، ثم بيّن أنه لا يحل الأخذ إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله، فإذا حصل الخوف جاز للمرأة أن تفتدي، وجاز للرجل أن يأخذ، وطلاق المرأة على هذا الوجه هو المعروف عند العلماء بالخلع.

ذكر ابن جرير «1» أن ابن عباس قال: إنّ أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي، أنّها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله! لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا. إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدّهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها.

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 280) .

ص: 156

قال زوجها: يا رسول الله! إني أعطيتها أفضل مالي حديقة، فلترد عليّ حديقتي.

قال صلى الله عليه وسلم: «ما تقولين؟» قالت: نعم، وإن شاء زدته. قال: ففرّق بينهما

. وقيل:

إن هذه الآية نزلت في شأنهما. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا إذا كان النشوز من قبلها.

وذهب آخرون إلى أن الذي يبيح أخذ الفداء أن يكون خوف ألا يقيما حدود الله منهما جميعا، لكراهة كلّ منهما صحبة الآخر، والظاهر أنّ نشوزها كاف في جواز أخذ الفداء.

فإن قيل: إنّ الله علّق ذلك على خوف ألا يقيما حدود الله. قيل: إنها إذا نشزت خيف أن يعاملها الرجل بقسوة، فلا يقيم هو أيضا حدود الله.

وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الخلع جائز، سواء كان في حالة الخوف أم في غير حالة الخوف، وظاهر الآية يعضّد مذهب غير الجمهور.

وحجة الجمهور قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: 4] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصّل لنفسها طلاقا، فلأن يجوز ذلك لتملك أمر نفسها أولى.

وللأولين أن يقولوا: إن هذه الآية محمولة على البذل في حال العشرة، وأما البذل للطلاق فقد منعته الآية التي نحن بصددها إلا بشرط.

والآية تدلّ على أن الخلع إنما هو فيما أعطى، لا في أزيد منه، لأنّ الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال النساء. ثم قال: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي مما آتيتموهنّ، وهو مذهب الشعبي، والزهري، والحسن البصري.

وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز الخلع بأزيد مما أعطاها، لأنّه عقد معاوضة يوجب ألا يتقيّد بمقدار معين.

ولكن يعارض هذا أنه استباحها بما أعطاها من مهر، فلو أخذ منها أزيد لكان إجحافا بها.

وقد ذهب جماعة إلى أن الخلع فسخ لاطلاق، لأنّ الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم ذكر الخلع، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ فلو كان طلاقا لكان ذلك يدلّ على أن للرجل أربع تطليقات.

ونحن نرى أنه لا حجة في هذا، لأنّ الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم بيّن أنه لا يجوز أخذ مال على الطلاق إلا في الحال التي ذكرنا، وسواء كان ذلك عند الطلقة الأولى أم الثانية أم الثالثة؟

ص: 157

ثم بيّن الطلقة الثالثة بقوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الآية، وقد استدلوا أيضا بما روى أبو داود «1» في «سننه» عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، ولو كان طلاقا لكانت عدتها كما قال الله:

وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ.

وذهب الجمهور إلى أنّ الخلع طلاق، وحجتهم أن الخلع: إما فسخ، أو طلاق، وقد أبطلوا كونه فسخا، بأنّه لو كان فسخا لما جاز بأكثر من المهر، كالإقالة في البيع، مع أنه يجوز بالأكثر، وإذا بطل كونه فسخا، تعيّن كونه طلاقا، وقد علمت ما فيه.

واستدلوا أيضا بما

ورد عن ابن عباس في امرأة ثابت بن قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «اقبل الحديقة، وطلّقها طلقة واحدة» أخرجه بهذا اللفظ البخاري، وأبو داود والنسائي «2» .

يَخافا الخوف: الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن أن يراد منه هنا- الظنّ، لأنّ الخوف حالة نفسية، وسبب حصولها ظنّ أن سيحصل مكروه، فيطلق المسبب على السبب. قال الشاعر:

إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة

تروّي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني

أخاف إذا ما متّ ألا أذوقها

قال الرازي «3» : فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا..

فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وإن قلت: للأئمة والحكام، فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئا؟

قلنا: الأمران جائزان، فيجوز أن يكون أول الآية خطابا للأزواج، وآخرها خطابا للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في «القرآن» ويجوز أن يكون الخطاب كلّه للأئمة والحكام، لأنّهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنّهم هم الآخذون والمؤتون.

قال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) .

يعلمون الحقائق. ويعلمون المصالح المترتبة على العمل بها.

(1) سنن أبي داود (2/ 245) ، كتاب الطلاق باب في الخلع حديث رقم (2229) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 491) ، كتاب الطلاق باب في الخلع حديث رقم (1185) .

(2)

رواه النسائي في السنن (5- 6/ 481) ، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع حديث رقم (3463) .

(3)

في تفسيره مفاتيح الغيب والمسمى أيضا التفسير الكبير (6/ 99) .

ص: 158

وقد اختلف في ذلك النكاح الذي اشترط لحل المطلقة ثلاثا، فذهب سعيد بن المسيب إلى أنه العقد، فتحل المطلقة ثلاثا للأوّل بمجرد العقد على الثاني.

وذهب سائر العلماء إلى أن المراد به الوطء، واحتجوا بأن النكاح قد ورد في القرآن بالمعنيين، واحتمل أن يكون المراد هنا العقد أو الوطء، فجاءت السنة، وبينت أن المراد به الوطء وذلك ما

رواه ابن جرير «1» عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثّوب. فقال:«لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» «2»

وقال بعضهم: إن الآية نفسها فيها دلالة على أن المراد به الوطء، وبيانه أنّ أبا الفتح عثمان بن جني قال: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا:

نكح فلان فلانة. أرادوا أنّه عقد عليها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته، أرادوا به المجامعة. وهنا قد قال الله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فالمراد منه المجامعة.

وقد اختلف النّاس في نكاح المحلّل، وهو الذي يتزوّج المبتوتة بقصد أن يحلها للزوج الأول، فذهب مالك، وأحمد، والثوري، وأهل الظاهر، وغيرهم: إلى أنّ ذلك النكاح باطل، لا تحلّ به للأوّل ولا للثاني، ولا تحلّ حتى ينكحها الثاني نكاح رغبة يقصد به ما يقصد من كل نكاح من الدوام والبقاء، ودليلهم ما

روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟» .

قالوا: بلى يا رسول الله قال: «هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلّل له» «3» .

قال الترمذي «4» : والعمل على ذلك عند أهل العلم، منهم: عمر، وابنه، وعثمان رضي الله عنهم، وهو قول الفقهاء من التابعين.

وروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلّل، فقال:«لا: إلا نكاح رغبة، لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عز وجل ثم تذوق العسيلة» .

وروى ابن المنذر وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه: لا أوتى بمحلّل ولا

(1) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن، المشهور بتفسير الطبري (2/ 291) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (6/ 222) ، 68- كتاب الطلاق، 35- باب إذا طلقها ثلاثا حديث رقم (5317) ومسلم في الصحيح (2/ 1055) ، 16- كتاب النكاح، 17- باب لا تحل المطلقة حديث رقم (111/ 1433) .

(3)

رواه ابن ماجه في السنن (1/ 623) ، كتاب النكاح، باب المحلل حديث رقم (1936) .

(4)

الجامع الصحيح كتاب النكاح باب ما جاء في المحلل حديث رقم (1120) .

ص: 159

بمحلّل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك قال: كلاهما زان، وسئل ابن عباس عمّن طلّق امرأته ثلاثا ثم ندم، فقال: هو رجل عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، فقيل له: فكيف ترى في رجل يحلّها له؟ فقال: من يخادع الله يخدعه.

هذا وفي التحليل مفاسد كثيرة عقد ابن القيم في «إعلام الموقعين» «1» فصولا في بيانها.

وقد طعن قوم في الشريعة الإسلامية لأنّها أجازته، وقد علمت ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وعلمت رأي الصحابة والتابعين فيه. فالصواب ألا ينسب إليها حلّه.

قال الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) الأجل يطلق على المدة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل. والمراد هنا: آخر عدتهن، ومعنى بلغن أجلهنّ- هنا- شارفن منتهاها، لأنّه يتجوّز في البلوغ. فيقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، وإنما حملناه على المجاز، لأن الله قال: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وهي إذا انقضت عدتها فلا سبيل له عليها.

فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: إما أن يراجعها من غير طلب ضرر بالمراجعة، وإما أن يتركها حتّى تنقضي عدتها من غير إضرار بها وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا لتظلموهنّ.

عن السدي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها، ثم طلقها، ففعل بها ذلك حتى مضت لها تسعة أشهر: مضارّة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ «2» أي إمساك المرأة ضرارا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ إذ عرضها لعذاب الله.

وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها، وإن لم تفعلوا فقد اتخذتموها هزوا، ويقال لمن لم يجد في الأمر: إنما أنت هازل.

وقال الحسن: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلّق الرجل أو يعتق فيقال:

ما صنعت؟ فيقول: إنما كنت لا عبا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلّق لاعبا أو أعتق

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن القيم الجوزية (3/ 185)(208)(209) .

(2)

رواه ابن جرير وابن المنذر، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (1/ 285) . [.....]

ص: 160

لاعبا فقد جاز عليه» «1» قال الحسن: وفيه نزلت وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.

وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لم يقول أحدكم لامرأته: قد طلّقتك، قد راجعتك، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلّقوا المرأة قبل عدّتها» .

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ.

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وسائر نعمه، واذكروا ما أنزل عليكم من الْكِتابِ القرآن يَعِظُكُمْ ووَ الْحِكْمَةِ السنن التي علمكموها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَعِظُكُمْ بِهِ أي بما أنزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ أي خافوه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم ما علمتم من تعدّي حدوده، وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم.

قال الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) فَلا تَعْضُلُوهُنَّ العضل: الحبس والتضييق، ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج، ومنه قول عمر: وقد أعضل في أهل العراق، لا يرضون عن وال ولا يرضى عنهم وال، يعني بذلك، حملوني على أمر ضيّق شديد. قال أوس «2» :

وليس أخوك الدائم العهد بالّذي

يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا

ولكنّه النّائي إذا كنت آمنا

وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا

وبلوغ الأجل هنا على الحقيقة، قال الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين.

وهذه الآية نهت أولياء المرأة على أن يعضلوها. أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب به.

نزلت في معقل بن يسار. روى ابن جرير «3» عن الحسن، عن معقل بن يسار أن أخته طلّقها زوجها، ثم أراد أن يراجعها، فمنعها معقل، فأنزل الله تعالى ذكره: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ.

وفي هذه الآية دلالة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي، لأنه لو كان

(1) قال السيوطي: رواه الطبراني، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (1/ 286) .

(2)

أوس بن حجر بن مالك التميمي أبو شريح شاعر تميم في الجاهلية، انظر الأعلام للزركلي (2/ 31) .

(3)

رواه البخاري في الصحيح (6/ 162)، 37- باب من قال: لا نكاح إلا بولي حديث رقم (5130) وفي تفسير ابن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن (2/ 297) .

ص: 161

للمرأة أن تتزوج دون رضى وليها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء.

كان مقتضى الظاهر أن يقال: (ذلكم يوعظ به) ، لأنه يخاطب الجماعة، وإنما قال: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ لكثرة جري ذلك على ألسن العرب في منطقها وكلامها، حتى صارت الكاف بمنزلة حرف من حروف الكلمة. أي ما ذكرته من نهي الأولياء عن عضل النساء عظة مني لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ من أدناس الآثام. وقيل: أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ: أفضل وأطيب، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما في ذلك من الزكاة والطّهر وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

قال الله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) لما ذكر الله الطلاق، وبيّن أن به الفراق، ولما كانت المطلّقات قد يكون لهن أولاد رضّع، وربما ضاعوا بين كراهة الأزواج وعنت المطلقات، احتاط الله للأولاد فأوصى بهم الوالدات، فجعلهنّ يرضعنهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وجعل على الآباء كسوة الوالدات ونفقتهنّ مدّة الرضاع بالمعروف لا يكلف الآباء إلا وسعهم، ونهى أن تضارّ الوالدة الوالد بسبب ولدها، وهو أن تعنته به، وتطلب منه ما ليس من النفقة والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبيّ: اطلب له ظئرا «1» ، وما إلى ذلك.

ونهى أيضا أن يضارّ الوالد الوالدة بسبب ولده، وذلك أن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، وأن يأخذه منها، وهي تريد إرضاعه، وأن يكرهها على الإرضاع.

واحتاط، فجعل أقرباء الصبي يقومون مقام الوالد عند فقد الوالد في العناية بشأن الصبي.

ثم بيّن أنّ الوالدين إن أرادا فطام الصبي قبل العامين عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، بعد أن يكون ذلك نظرا لمصلحة الصبي. ثم أجاز أن يسترضعوا أولادهم المرضعات، ولما كانت حالة الفراق مع وجود الأولاد الرضّع حالة يكثر فيها النزاع والشقاق، أمر بتقوى الله، وأعلمهم أنّ الله بصير بما يعملون، فيجازيهم عليهم.

وهذا كله نظر من الله للصبيّ، لأنه عاجز عن تحصيل النفع لنفسه، ودفع الضرر عنها. وهذا من تمام لطف الله ورحمته، وقد اخترنا أن تكون الوالدات مرادا بهن

(1) العاطفة على غير ولدها أو المرضعة غير ولدها، انظر لسان العرب لابن منظور (4/ 514) .

ص: 162

المطلقات، لأن الله قال: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بالزوجية لا بالرضاع، وأيضا فهذه الآية ذكرت عقب آيات الطلاق، فهي من تتمتها.

وذكر بعضهم أن المراد بالوالدات كل والدة مطلّقة أو زوجة، وقد تعلّق بعموم اللفظ، وذهب الواحديّ إلى أن المراد بهنّ الزوجات، لأنّه جعل لهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ، ولو كنّ مطلقات لكان لهن أجرة.

واختلف العلماء في قوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أذلك حقّ لها أم حقّ عليها؟

والآية محتملة.

وذهب مالك إلى أنه حقّ عليها إذا كانت زوجة أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة، فلم يجعلوه حقا عليها، فكأنهنّ فهموا من الوالدات كلّ والدة زوجة أو غيرها، وجعلوه حقا عليها، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعرف.

وذهب كثير إلى أن ذلك مندوب، إلا عند الضرورة، إلا أن يقبل غيرها، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [الطلاق: 6] وإنما ندب ذلك، لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر.

والحول: من حال الشيء يحول: إذا انقلب، فالحول من الوقت الأول إلى الثاني، وإنّما قال الله: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لئلا يتوهّم أنّه أراد حولا وبعض الثاني، فقد يقولون يومين، وهم يريدون ذلك توسّعا والمقصود من تحديد مدّة الرضاع بحولين كاملين ليس وجوب ذلك، لأنه قال: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإنّما المقصود بيان المدة التي يرجعان إليها عند الاختلاف.

وقد أخذ الشافعيّ وأحمد من ذلك أن مدّة الرضاع التي يحرّم الرضاع فيها هي حولان. فالرضاع ما لم يقع فيهما لا يحرّم.

وذهب أبو حنيفة «1» إلى أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وقال زفر: ثلاث سنين، وذهب المالكية إلى أن ذلك كله تحكّم، وأن الصحيح أن ما قرب من زمن الفطام عرفا لحق به، وما بعد عنه خرج عنه، من غير تقدير. فلم يعتبروا هم ولا الحنفية أنّ الآية جاءت لتحديد مدة الرضاع المحرّم.

وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي على قدر حال الأب من السّعة والضيق،

(1) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (1- 2/ 243) .

ص: 163

كما قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7] وأخذ من ذلك وجوب نفقة الولد على الوالد، لأنّ الله أوجب نفقة المطلّقة على الوالد في زمن الرضاع لأجل الولد، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه، والوالد أقرب الناس إليه.

لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يحتمل أن يكون كلا الفعلين مبنيا للفاعل، ومبنيا للمفعول، والمعنى قريب بعضه من بعض وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ المراد بالوارث وارث الأب، وعليه مثل ذلك من رزقهن وكسوتهن وترك الضرار، وفي ذلك دليل على أنّ أقارب الصبي تجب عليهم نفقته عند عدم الوالد، وهو أصل في وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مذهب أبي حنيفة.

أما مالك والشافعيّ، فيريان أنّ نفقة الولد على أبيه، فإن مات، ففي مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الأم، وليسا يوجبان نفقة إلا على الوالدين، والآية ترد عليهما. إلا أن يحمل وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على ترك الإضرار فقط، أو يريدان من الوارث الولد نفسه، وقد ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما.

الفصل: الفطام، وسمي بذلك لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات.

التّشاور: استجماع الرأي، وقد أجاز الله أن يفطم الصبيّ قبل الحولين إن اتفقا على ذلك، وشاورا أهل المعرفة فيه، ولم يكن في ذلك ضرر بالصبي وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.

استرضع: قال الزمخشري: فعل، من أرضع. يقال أرضعت المرأة الصبيّ واسترضعتها الصبيّ. فتعديه إلى مفعولين كما تقول: أنجح الحاجة. واستنجحه الحاجة.

والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، حذف أحد المفعولين، للاستغناء عنه:

كما نقول: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول. وقد أجاز الله أن يسترضع الآباء المراضع أولادهم.

وهذا عند أبي حنيفة لخوف الضيعة على الولد عند الأم، والتقصير أو الإضرار بالوالد في اشتغال الأم عن حقه بولدها، أو الإضرار بالولد في الغيل ونحوه. فإن اختلفوا- نظر للصبيّ: فإن أوجب أن يسترضع له استرضع.

وقوله: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي ما أردتم إيتاءه، وليس هذا شرطا لجواز الاسترضاع، وإنما هو ندب إلى الأولى، لتكون المرضع طيبة النفس راضية، فيعود ذلك على الصبي بالنفع. وبقوله: بِالْمَعْرُوفِ متعلق بسلمتم: أمروا بأن يكونوا عند

ص: 164

تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، حتى يؤمن تفريطهنّ.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)

ذكر وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وترك الخبر عنهم إلى الخبر عن أزواجهم، فقال:

يَتَرَبَّصْنَ وقد اختلف في توجيه ذلك، فذهب ابن جرير «1» إلى أن ذلك جائز، لأنه لم يقصد الخبر عنهم، وإنما يقصد الخبر عن الواجب على المعتدّات، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم إلى أزواجهن كقول الشاعر:

لعلّي إن مالت بي الرّيح ميلة

على ابن أبي زيّان أن يتندّما

فقال: لعلي، ثم صرف الخبر عن نفسه إلى ابن أبي زيان فقال: أن يتندما.

وقال الزمخشري: إنه حذف المضاف، والأصل: وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن، أو أراد يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن منوان بدرهم. أي منه، وقال:

وَعَشْراً والمراد: الأيام، ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة، قال الزمخشري: ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. تقول: صمت عشرا. ولو ذكرت خرجت من كلامهم: ومن البين فيه قوله تعالى: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه: 103] ثم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طه: 104] بيّن الله هنا عدّة المتوفى عنها زوجها، وهي تربّص أربعة أشهر وعشر، إلا أن تكون حاملا، فعدتها وضع حملها، كما قال تعالى:

وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] فآية الحمل مخصّصة لهذه الآية.

وقد اختلف العلماء في الذي يتربّص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح، والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي كن يسكنّه مع أزواجهن.

أخرج ابن جرير «2» عن أم سلمة أنّ امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل، فقال:«لقد كانت إحداكنّ تكون في الجاهلية في شرّ أحلاسها فتمكث في بيتها حولا إذا توفّي عنها زوجها، فيمرّ عليها الكلب فترميه بالبعرة، أفلا أربعة أشهر وعشرا» .

وروي عن حفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدّث عن النبي قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاث إلا على زوج، فإنّها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرا» «3» .

(1) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 316) .

(2)

في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (2/ 317) .

(3)

رواه مسلم في الصحيح كتاب الطلاق حديث رقم (1490) .

ص: 165

قال يحيى: والإحداد عندنا ألا تتطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل ولا تتزيّن.

وأخرج ابن جرير «1» عن الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت، قتل زوجي وأنا في داره، فاستأذنت رسول الله في النّقلة فأذن لي، ثم ناداني بعد أن توليت، فرجعت إليه فقال:«يا فريعة حتّى يبلغ الكتاب أجله» .

فحجتهم أن الله ذكر التربص، والرسول بيّن ما يتربّص عنه.

وقال آخرون: إنما عدّة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما

روي عن أسماء بنت عميس قالت: لمّا أصيب جعفر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسلّبي ثلاثا. ثم اصنعي ما شئت» «2»

وليس في هذا الحديث حجة لهم، إذ يحتمل أن يكون أمرها بالتسلّب ثلاثا، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدّة لبسها، مما لم يكن زينة ولا تطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب.

والحكمة في هذه العدة استبراء الرّحم من ماء الزوج المتوفّى، فمنع نكاح المعتدّة حتى تمضي مدة تتبيّن فيها: أحامل هي، فيلحق ولدها بالزّوج المتوفى؟ أو حائل، فإذا تزوّجت وولدت، ألحق الولد بالزّوج الثاني؟

ومنعت الطّيب والزينة لأنّها من دواعيه والذرائع إليه ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه، لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة، ومنع العقد عليها، والخطبة في العدة، لأنّ ذلك ذريعة، ورخّص في التعريض فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي: فإذا انقضت عدّتهنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من اختيار الأزواج، وتقدير الصداق، وقوله:

بِالْمَعْرُوفِ معناه على ما أذن الله لهنّ فيه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيعلم من يعضل النساء فيجازيه.

قال الله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

(1) في تفسيره جامع البيان (2/ 319) ، ورواه أبو داود في السنن (2/ 273) ، كتاب الطلاق باب المتوفى عنها حديث رقم (2300) ، والنسائي في السنن (5- 6/ 501) ، كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها حديث رقم (3528) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 508) ، كتاب الطلاق باب أين تعتد حديث رقم (1204) وابن ماجه في السنن (1/ 654) ، كتاب الطلاق حديث رقم (2031) .

(2)

رواه الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن (2/ 318) .

ص: 166

عَرَّضْتُمْ التعريض: هو القول المفهم للمقصود، وليس بنص فيه.

أَكْنَنْتُمْ سترتم.

سِرًّا السرّ: الوطء، قال الأعشى:

ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها

عليك حرام فانكحن أو تأبّدا

منع الله من خطبة المرأة صريحا في العدة، وأجاز التعريض بالخطبة لها أو لوليها في العدة، كأن يقول: إنك لجميلة، أو عسى أن ييسرّ الله لي امرأة صالحة، أو نحو ذلك، حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرّح بالخطبة.

أخرج ابن جرير «1» عن سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة أنا من علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق جدي عليّ، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر! أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمّ سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفّي عنها، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتى أثّر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة.

أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي سترتم، وأضمرتم في أنفسكم فلم تذكروه تصريحا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ فاذكروهن، ولكن لا تواعدوهنّ سرّا، اختار ابن جرير «2» أن السر هنا هو الزنى، فالمعنى لا توعدوهنّ فاحشة، وقيل: إنّ المراد به العقد، والسرّ في الأصل يطلق على الوطء، فأطلق على العقد الذي هو سببه.

إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً بالتعريض دون التصريح، أي: لا تواعدوهنّ إلا لتقولوا قولا معروفا، أي: لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض.

وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ نهى عن العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح، لأنه إذا نهى عن العزم على العقد، كان عن العقد أشدّ نهيا، وقيل:

معناه لا تقطعوا عقد عقدة النكاح، لأنّ العزم القطع حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ أي المكتوب والمفروض من العدّة.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ بالكفّ

(1) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (2/ 322) .

(2)

المرجع نفسه (2/ 325) .

ص: 167

عن ذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ فلا يعجّل العقوبة، فلا تغترّوا بإمهاله.

وإذا عقد عليها في العدة، وبنى بها، فسخ النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحلّ نكاحها أبدا عند مالك وأحمد والشافعي وبه قضى عمر، لأنه استحل ما لا يحلّ، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.

وقال غيرهم: يفسخ النكاح، فإذا خرجت من العدة كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبدّ التحريم، لأنّ الأصل أنها لا تحرم، إلا أن يقوم دليل على الحرمة من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابيّ ليس حجة، وهناك إنكار من عليّ على عمر في هذا القضاء، وروي أنّ عمر رجع عنه.

قال الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) المس هنا كناية عن الجماع أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً الفرض في اللغة التقدير، والمراد: أو تقدروا لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه.

وظاهر الآية يفيد أنّ رفع الجناح مشروط بعدم المسيس، وهو مشكل عند الفقهاء، لأنّه لا جناح عليه في الطلاق بعد المسيس أيضا، ولذلك أجابوا بجملة أجوبة ليس منها التزام هذا الحكم، وأقرب هذه الأجوية أن المراد: لا تبعة عليكم من إيجاب مهر إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ، ولا شك أنّ رفع المهر عنه مشروط بعدم المسيس، وعدم فرض مهر لها.

قالوا: والدليل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ فأوجب نصف المهر في مقابله، وقوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً بمعنى إلا أن تفرضوا، أو حتّى تفرضوا، وقال بعضهم:

إن (أو) بمعنى الواو، وبالجملة فإنّ الآية رفعت المهر عمّن طلّق قبل الدخول وقبل:

تسمية المهر، وطلبت المتعة لها.

وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم، ومنازلكم من الغنى والإقتار.

والموسع: الذي له سعة.

والمقتر: الضيق الحال.

وقدره: مقداره الذي يطيقه، وكان ابن عباس يقول: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.

وقد اختلف في هذه المتعة المطلوبة للمطلّقة قبل المسيس وقبل الفرض: أواجبة

ص: 168

هي أم غير واجبة؟ فذهب قوم منهم أبو حنيفة «1» إلى أنها واجبة، لظاهر قوله:

وَمَتِّعُوهُنَّ، وقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.

وذهب مالك إلى أنها مستحبة، لأنّ الله قال: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، ولو كانت واجبة لكانت حقا على الخلق أجمعين، والظاهر القول بالوجوب لظاهر الأمر، وكأنّ الله جعل لها المتعة في مقابل ما جعل للمسمّى لها من نصف الصّداق، وأما قوله:

حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فليبيّن أن مقتضى الإحسان يوجب ذلك.

مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ مصدر مؤكّد لمتعوهنّ، أي متعوهن تمتيعا بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ حقّ ذلك حقا على المحسنين.

قال الله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) هذا هو القسم الثاني، لأنّ المطلقة قبل المسيس: إما أن لا يكون قد فرض لها مهر، أو يكون قد فرض.

الأولى: لم يجعل الله لها شيئا من المهر، وجعل لها المتعة.

والثانية: جعل لها نصف الصّداق.

وقد بقيت المطلّقة بعد الدخول، وهذه فيها قسمان، لأنها: إما أن يكون قد سمّي لها مهر، أو لا يكون، وللأولى جميع المسمّى، وللثانية مهر مثلها.

وقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي المطلقات أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ أي الولي، وقيل: هو الزوج ويكون المعنى على المعنى الأول إلا أن تسقط المطلقات ما وجب لهن من نصف الصداق، إن كنّ مالكات لأنفسهن، أو يسقط الولي إن لم يكنّ كذلك: وذلك الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته، وعلى الثاني إلا أن تعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصّداق فيجعل المهر كله لها.

وإلى الأوّل ذهب ابن عباس والحسن وعكرمة وطاوس وعطاء وزيد بن أسلم وربيعة وهو مذهب مالك.

وإلى الثاني ذهب علي، وشريح «2» وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم ومجاهد والثوري. واختاره أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه.

(1) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (1- 2/ 222) .

(2)

شريح بن الحارث بن قيس الكندي، كان قاضيا في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، كان ثقة في الحديث، مات بالكوفة سنة (78 هـ) انظر الأعلام للزركلي (3/ 161) . [.....]

ص: 169

وحجة القائلين بأنه الزوج أنّ الله قال: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي.

وحجة من قال: إنه الولي، أنّ الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج لقال: أن يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. وثانيا: أن يَعْفُونَ بمعنى يسقطن، والثاني أن يَعْفُوَا الثانية بمعنى يسقط أيضا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، أما إذا كان هو الزوج فيكون بمعنى يعطي.

ومذهب أبي حنيفة، وأحمد أن المهر جميعه يتقرّر بالخلوة الصحيحة، ومشهور مذهب مالك أنه لا يتقرر المهر بالخلوة، إلا إذا اقترن بها مسيس، وظاهر القرآن يعضده.

ويؤخذ من تقسيم الله المطلقة إلى قسمين- مطلقة لم يفرض لها، ومطلقة فرض لها- أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصّداق، ولا خلاف فيه.

ويفرض بعد ذلك الصّداق، فإن فرض بعد العقد وقبل الطلاق فهل تكون من المسمّى لها فيكون لها نصف المسمّى. أو ممن لم يسمّ لها فلا يكون لها النصف؟ ذهب مالك ألى الأول. فألحق من سمّي لها بعد العقد بمن سمّي لها في العقد.

وذهب أبو حنيفة إلى الثاني نظرا إلى أنها لم يسمّ لها في العقد.

وإذا مات الزوج قبل أن يفرض لها: أفيكون حكمها حكم المطلقة، فلا صداق لها؟ أم لا يكون، فيكون لها الصداق؟ ذهب مالك إلى الأول، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى الثاني.

وحجة مالك أنّه فراق في نكاح قبل الفرض، فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق.

وحجة الشافعي وأبي حنيفة ما

رواه النسائي وأبو داود أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها بالمهر والميراث والعدة «1» .

وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قيل: المخاطبون بذلك الأزواج والزوجات جميعا، أي: وأن تعفوا- أيها الناس- بعضكم عما وجب له قبل حاجته من الصداق أقرب له إلى تقوى الله، وقيل: المخاطبون بذلك الأزواج خاصّة، فتكون الآية انتظمت عفو الزوجات، والولي، والزوج وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ولا تغفلوا أيها الناس التفضل بينكم فتتركوه وتستقصوا إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيعلم من عفا وعامل بالإحسان، ومن لم يفعل ذلك، ويحصيه. ويجازي عليه.

(1) رواه أبو داود في السنن (2/ 202) ، كتاب النكاح، باب فيمن تزوج حديث رقم (2114) ، والنسائي في السنن (5- 6/ 430) ، كتاب النكاح حديث رقم (3354) ، والترمذي في الجامع الصحيح (3/ 450) ، كتاب النكاح باب تزوج المرأة حديث رقم (1145) ، وابن ماجه في السنن (1/ 609) ، 450) ، كتاب النكاح باب تزوج المرأة حديث رقم (1145) ، وابن ماجه في السنن (1/ 609) ، كتاب النكاح باب الرجل يتزوج حديث رقم (1891) .

ص: 170

قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) حافِظُوا المحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة، ومعنى المحافظة على الصلوات المواظبة عليها، وعدم تضييعها. وَالصَّلاةِ الْوُسْطى الوسطى من الوسط، وهو العدل والخيار والفضل وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي خيارا وعدولا، فالصلاة الوسطى أي الفضلى، ويحتمل أنها وسط في العدد. لأنّها خمس صلوات، تكتنفها اثنتان من كل جهة، وقيل: إنها وسط من الوقت.

روى القاسم عن مالك أنّ الصبح هي الوسطى لأن الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك. وقد اختلف في الصلاة الوسطى: ما هي؟ على سبعة أقوال: فما من صلاة إلا قيل إنها الوسطى، فتلك خمسة. وقيل: إنها الجمعة، وقيل: إنها غير معروفة. وقد أبهمها الله ليحافظ على الصلوات كلّها طلبا للصلاة الوسطى، وهذا هو الظاهر. وكل دليل قام على تعيينها لا يخلو من ضعف «1» .

والصلاة الوسطى داخلة في الصلوات. وإنما خصّها بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها، كما قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) .

وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال ابن عباس: القنوت الطاعة، وقال ابن عمر: هو القيام، واستدل عليه

بقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول القنوت» «2»

قال مجاهد: إنّه السكوت.

وفي «الصحيح» «3» قال زيد بن أرقم: كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت. وقيل: هو الخشوع، والصحيح ما قاله مجاهد، بدليل ما رواه زيد، ويبعد جدا أن يراد به القيام هنا لأنه لا يصحّ (وقوموا لله قائمين) .

وإذا كان المراد بالقنوت السكوت هنا كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة، وقد ذكرت المالكية أنّ من تكلّم في الصلاة، إما أن يكون ساهيا أو عامدا، والعامد: إما أن يتكلّم لإصلاحها، أو عبثا، وقالوا: إنّ من تكلّم ساهيا لا تبطل صلاته، لأنّ السهو لا يدخل تحت التكليف، ومن تكلّم لإصلاحها لا تبطل صلاته خلافا للشافعية والحنابلة.

(1) لكن ورد في الصحيح كما رواه مسلم في صحيحه (1/ 437) ، 5- كتاب المساجد، 36- باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر حديث رقم (206/ 628) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (1/ 520) ، 6- كتاب صلاة المسافرين، 22- باب أفضل الصلاة حديث رقم (164/ 756) .

(3)

رواه البخاري في الصحيح (5/ 191) ، 65- كتاب تفسير القرآن، 43- باب قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ حديث رقم (4534) .

ص: 171

واستدل المالكية بقصة ذي اليدين «1» وهي

أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: «كل ذلك لم يكن» فقال: بل بعض ذلك قد كان- فقال النبي: «أصحيح ما يقول ذو اليدين» قالوا: نعم.

وأما إذا تكلم عابثا فتبطل صلاته.

قال الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) فَرِجالًا جمع راجل، وهو خلاف الراكب، كقائم وقيام، أو جمع رجل، يقال: رجل رجل، أي راجل.

المعنى: فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره فصلوا رجالا أو ركبانا فَإِذا أَمِنْتُمْ أي زال الخوف عنكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ من صلاة الآمن، أو فإذا أمنتم فاذكروا الله واعبدوه كما أحسن إليكم بما علّمكم من الشرائع ما لم تكونوا تعلمون.

وهذه الآية دلّت بظاهرها على جواز الصلاة حال القتال، راجلا أو راكبا ولا تبطل بالقتال، ويسقط استقبال القبلة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أن الصلاة تبطل بالقتال، وظاهر الآية حجة عليه. وقد أيد ما روي في «الصحيح» «2» عن ابن عمر حال الخوف «فإن كان خوف هو أشدّ من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) قرئ برفع الوصية ونصبها، فالرّفع على أنه مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره. كتب، و (متاعا) نصب بالوصية، و (غير إخراج) نعت متاعا.

أخرج ابن جرير «3» عن همّام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله:

(1) رواه البخاري في الصحيح (2/ 83) ، 22- كتاب السهو، 5- باب يكبر في سجدتي السهو حديث رقم (1229) ، ومسلم في الصحيح (1/ 403) ، 5- كتاب المساجد، 19- باب السهو حديث رقم (97/ 573) .

(2)

رواه البخاري في الصحيح (5/ 191) ، 65- كتاب التفسير، 44- باب فَإِنْ خِفْتُمْ حديث رقم (4535) .

(3)

في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (2/ 360) .

ص: 172

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فقال: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها، ما لم تخرج. ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة: الثمن إن كان له ولد، والربع إن لم يكن له ولد، وعدتها أربعة أشهر وعشرا، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول. وذهب بعضهم إلى أن هذه الآية ثابتة الحكم لم ينسخ منها شيء.

روى ابن جرير «1» عن مجاهد في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً قال: كانت هذه للمعتدة، تعتدّ عند أهل زوجها واجبا ذلك عليها، فأنزل الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ إلى قوله: مِنْ مَعْرُوفٍ قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت. وهو قول الله تعالى ذكره: غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ قال والعدة كما هي واجبة.

وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجب لها السكن في مال زوجها، وتعتد حيث شاءت.

وذهب مالك إلى أن السكنى مدة العدة واجبة لها، لما يثبته حديث الفريعة المتقدم.

فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ما يفعلنه بأنفسهن من التزيّن للخطّاب من معروف لا ينكره الشرع وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 240] .

وَاللَّهُ عَزِيزٌ في انتقامه ممّن خالف أمره ونهيه ال حَكِيمٌ في قضاياه التي شرعها لكم.

قال الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) ذهب سعيد بن جبير إلى أنّ هذه الآية أثبتت المتعة لكل مطلّقة، سواء أكانت مدخولا بها، أو لم تكن مدخولا بها؟ فيكون قد ذكر أولا المتعة، وأثبتها لمن طلّقت قبل المسيس، وعمّ هنا المتعة لكلّ مطلقة، وقال ابن زيد: لما نزل قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال رجل: فإن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)«2» .

فتكون هذه الآية فيمن طلّقت قبل المسيس، ولم تعط حكما زائدا. وقيل:

المراد بالمتعة متعة العدة.

(1) المرجع نفسه (2/ 63) .

(2)

رواه الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن (2/ 364) .

ص: 173

قال الله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) كما بينت لكم ما لكم على أزواجكم، وما لأزواجكم عليكم، كذلك أبيّن لكم سائر الأحكام، لتعقلوا حدودي وفرائضي، وتعلموا ما فيه الصلاح لكم من الأحكام.

إنّ بعض الأزواج يطلّقون نساءهم ظلما منهم، أو مللا وسآمة، ولا يبالون بما يصيب المرأة من ضرر بهذا الطلاق، فتذهب أزواجهنّ إلى المحاكم الشرعية بمصر، يطلبن تعويضا، فلا تحكم لهنّ به، فيلجأن إلى المحاكم الأهلية فتحكم لهنّ بالتعويض، فلو أخذ بمذهب سعيد بن جبير في إثبات المتعة لكلّ مطلقة، ويكون بقدر حال الزوج من عسر ويسر، لكان في ذلك تعويض للمرأة عمّا فاتها بالطلاق من جهة، وتقليل للطلاق من جهة أخرى. لأنّ الزوج قد يكفّ عن الطلاق إذا علم أنّ وراءه متعة يغرّمها للزوجة.

قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

لا يَقُومُونَ أكثر المفسرين على أن المراد: القيام يوم القيامة، وقال بعضهم:

المراد القيام من القبر، والظاهر شموله للأمرين.

يَتَخَبَّطُهُ التخبط الضرب على غير استواء، وتخبّطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون.

مِنَ الْمَسِّ المراد به الجنون، وأصل المس إلصاق اليد، ثم سمّي الجنون مسا، لأنّ الشيطان إذا مسه بيده اعتداء عليه أفقده أعظم قواه، وهو العقل.

يَمْحَقُ المحق نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلال.

الرِّبا في اللغة الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: أي يزيد، وفي الشريعة هو:

فضل مال دون عوض، في معاوضة مال بمال.

والربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل.

فربا النسيئة: هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية، لا يعرفون غيره، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدرا معينا، فإذا حلّ الأجل طولب المدين برأس المال كاملا، فإن تعذّر الأداء زادوا في الحق والأجل.

وربا الفضل أن يباع من الحنطة منّا بمنوين منها، أو درهما بدرهمين، أو دينارا بدينارين، أو رطلا من العسل برطلين.

ص: 174

وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يحرّم إلا القسم الأول، وكان يجوّز ربا الفضل، اعتمادا على ما

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الرّبا في النّسيئة» «1»

ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن

النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد»

وذكر الأصناف الستة كما رواه عبادة بن الصامت وغيره، رجع عن قوله. وأما

قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الربا في النسيئة»

فمحمول على اختلاف الجنس، فإنّ النسيئة حينئذ تحرم، ويباح التفاضل، كبيع الحنطة بالشعير: تحرم فيه النسيئة، ويباح التفاضل. ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين:

أما الأول: فقد ثبت تحريمه بالقرآن.

وأما الثاني: فقد ثبت تحريمه بالخبر الصحيح «2» : كما

روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد»

واشتهرت روايته هذه حتّى كانت مسلّمة عند الجميع.

ثم اختلف العلماء بعد ذلك، فقال نفاة القياس: إنّ الحرمة مقصورة على هذه الأشياء الستة.

وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: إنّ الحرمة غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها، وإنّ الحرمة ثبتت في هذه الستة لعلّة، فتتعدى الحرمة إلى كل ما توجد فيه العلّة.

ثم اختلفوا في هذه العلة، فقال الحنفية «3» : إنّ العلة هي اتحاد هذه الأشياء الستة في الجنس والقدر، أي الكيل والوزن، فمتى اتّحد البدلان في الجنس والقدر، حرم الربا بقسميه، كبيع الحنطة بالحنطة، وإذا عدما معا حلّ التفاضل والنسيئة: كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل، وإذا عدم القدر، واتحد الجنس حلّ الفضل دون النسيئة:

كبيع عبد بعبدين، وإذا عدم الجنس واتحد القدر حلّ الفضل دون النسيئة أيضا: كبيع الحنطة بالشعير.

وقال المالكية: إنّ العلّة هي اتحاد الجنس مع الاقتيات، أو ما يصلح به الاقتيات.

(1) رواه مسلم في الصحيح (3/ 1218) ، 22- كتاب المساقاة، 18- باب بيع الطعام حديث رقم (102/ 1596) .

(2)

رواه مسلم في الصحيح (3/ 1210) ، 22- كتاب المساقاة، 15- باب العرف وبيع الذهب حديث رقم (80/ 1587) .

(3)

انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (3- 4/ 67) .

ص: 175